المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ٤ من ٢٢

49 وكان رحمه الله إذا تكلم في فرع من فروع الرياث ا عتقدت أنه لا يحسن غيره: وكان من العلوم بحيث يقضى ... له من كل علم بالجميع ثم كان آية في إدراك العلائق بين الكتب والمؤلفين: تأثراً أو نقداً أو شرحاً أو اختصاراً أو تذييلاً, وأعجوبة في معرفة أسماء المؤلفين بكناهم وألقابهم, والتمييز بين من اشريكوا منهم في شهرة أو كنية, كالسخاوي القارئ والسخاوي المؤرخ. وهذا فن غاب رجاله, فما أكثر ما نرى في هذه الأيام خلطاً بين أبي حيان التوحيدي الأديب, وأبي حيان الأندلسي النحوي. والأمثلة في هذا المجال كثيرة والإمساك بنا أولى. وقد تعدى تأثير رشاد عبد المطلب توجيه الدارسين وإفادة العلماء - إلى الطابعين وناشري الكتب, فكان على صلة دائمة بهم, يشير عليهم بطبع أصول الكتب, ويغريهم بالتأنق في إخراجها. ولقد كان عمل رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات علامة بارزة في تاريخ نشر الرياث في عصرنا الحديث. ومعهد المخطوطات أنشئ بجامعة الدول العر بية سنة 1946م, وهذا المعهد يقوم بعمل جليل, يستهدف استنقاذ تراثنا الإسلامي من عوادي الزمن وغوائل الناس والأيام, وذلك بتصويره من أماكن وجوده في شتى مكتبات العالم, ثم فهرسته وتصنيفه وتقديمه للدارسين. وقد التحق به رحمه الله سنة 1947م, فشارك في إرساء قواعده, وواكب نشاطه وتطوره, وخرج في بعثاته ينتقي ويختار, وتضم مكتبة المعهد الآن مجموعة نادرة من نفائس المخطوطات في مختلف العلوم والفنون, كان لرشاد عبد المطلب فضل اختيارها والتعريف بها, مع الرواد الأوائل: يوسف العش, ومحمد بن تاويت الطنجي, وصلاح الدين المنجد.

عدد الصفحات ٤٩

50 وحين وضعت أصول نشر الرياث في العصر الحديث - وفي مقدمتها جمع نسخ الكتاب - واندفع العلماء ينشرون ما لم ينشر, ويعيدون نشر ما طبع غير محقق, كان لهذه المجموعة التي يقتنيها معهد المخطوطات فضل كبير على العلم والعلماء, وأخص بالذكر مخطوطات تركيا والهند. والمشتغلون بالري اث يعلمون أن المخطوطات تتفاضل فيما بينها قيمة ونفاسة, وكان رحمه الله ذا حس دقيق وبصر نافذ حين يتعامل مع المخطوطات, وقد رافقته في رحلتين من رحلات معهد المخطوطات: الأولى إلى تركيا سنة 1970م, والثانية إلى المغرب سنة 1972م, ولقد رأيت منه في الرحلتين عجباً, وأفدت منه علماً كثيراً. كان رحمه الله أعجوبة في معرفة قصة المخطوطات: المفقود منها والناقص والنادر, وذلك أن الكتاب المخطوط إما أن يكون مفقوداً, بمعنى أنه يريدد ذكره في المراجع, لكنه لا تعرف له نسخة في مكتبات العالم, وإما أن يكون ناقصاً, بمعنى أنه يوجد منه قطعة أو جزء لا غير, وثالث أحواله أن يكون نادراً, لا توجد منه إلا نسخة واحدة. عرف ذلك كله وأحصاه عدداً. ثم كان أثابه الله آية في تحديد الزمن الذي كتب فيه المخطوط, فقد نظر كثيراً في المخطوطات, وألف أقلام القرون المتقدمة والمتأخرة, ثم عرف قواعد المشارقة والمغار بة في الكتابة, وبهذا الإلف وتلك المعرفة كان يستطيع أن يحدد على وجه التقريب تاريخ كتابة هذه المخطوطات الخالية من تاريخ النسخ, ثم كان قادراً على أن يكشف زيف هذه التواريخ المكذوبة التي تح كتب في آخر المخطوط لريويجه أو التكسب به. وفيما عدا هاتين الرحلتين اللتين رافقته فيهما, سافر رحمه الله في بعثات المعهد إلى المملكة العربية السعودية والقدس وسوريا ولبنان والهند وإيران وإسبانيا والبرتغال. وفي داخل جمهورية مصر العربية جمع مخطوطات نادرة من مكتبات الإسكندرية وطنطا ودمياط

عدد الصفحات ٥٠

51 وسوهاج. وهو في كل هذه الرحلات كان يلبي حاجة العلماء والدارسين لمعرفته بالكتب التي يحعنون بها. وقد حرصت هيئات الاستشراق على الإفادة من علمه وخبرته, ففي عام 1964م دحعي لإلقاء محاضرات في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية, حيث قضى هناك ستة أشهر. وفي عام 1972م سافر إلى لندن بدعوة من المجلس الثقا البريطاني للاستعانة بخبرته في شؤون المخطوطات والمكتبات, وقد أمضى هناك ستة أسابيع زار خلالها جامعات لندن وكمبردج وأكسفورد ولانكسري. وفي كل اللجان التي شحكَّلت في مصر لقضايا الرياث كان رحمه الله عضواً فيها, فشارك في لجنة إحياء الرياث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية, والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. إنتاجه العلمي: حقيق بمن طوَّف كل هذا التطواف بالمكتبة العربية, مخطوطها ومطبوعها, أن يكتب شيئاً يحمل اسمه, وقد عرف تاريخ التأليف العربي كثيراً من الورَّاقين الذين وظفوا خبرتهم في الجمع والتأليف, مثل ياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء ومعجم البلدان, وابن شاكر الكتبي صاحب فوات الوفيات وعيون التواريخ, ولكن الرجل أعظم الله أجره شح غل بالناس, يجمع لهم أصول علمهم, ويهيئ لهم مادة دراستهم, وكم كنت أغريه بأن يعيد نشر فهرست ابن النديم, وفهرست اب ن خير الإشبيلي, ومفتاح السعادة, وكشف الظنون, ونحو ذلك من هذه الكتب التي عنيت برصد النتاج العربي في شتى الموضوعات, وهو الميدان الذي لا يزاحمه فيه مزاحم. ومع كل ذلك فقد أصدر عام 1953م- بالاشرياك مع المغفور له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - فهرساً جامعاً لكتاب «العقد الفريد»لابن عبد ربه. وقد تضمن هذا الفهرس اثني عشر نوعاً من الفهارس الفنية, كشفت عن كنوز هذا السفر العظيم من تراثنا الأدبي, وقد أفرد لهذا الفهرس الجزء السابع من الطبعة التي أخرجتها لجنة التأليف والريجمة والنشر بالقاهرة.

عدد الصفحات ٥١

52 وفي عام1970م حقق كتاب «ذيولالعبر في خبر من عبر»للذه والحسيني, وهو في تراجم رجال القرن الثامن الهجري. وقد نشرته وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت. وفي سنة 1973م صنع فهرساً لمؤلفات العرب المخطوطة والمطبوعة, في الطب والصيدلة وقدمه إلى مؤتمر الطب والصيدلة عند العرب, الذي عقدته المنظمة العربية للريبية والثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية. وقد أثنى أعضاء المؤتمر على هذا الفهرس وأوصوا بطبعه. وفي عام 1974م نظمت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالاشرياك مع المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ندوة عن «الجبرتي المؤرخ »وقدم رحمه الله في هذه الندوة بحثاً عن «آثار ا المخطوطة والمطبوعة» وحين استوت لرشاد عبد المطلبهذه المعرفة الجامعة المحيطة خلال حياته المصابرة المثابرة, حسده الحاسدون بغياً وعدواً, وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصله غيره, وفقه ما لم يفقهه سواه من هؤلاء الذين ينتسبون إلى الرياث وجاهة أو منصبًا, وحين كلَّت خطاهم وقعدت بهم هممهم عن اللحاق به سلقوه بألسنة حداد: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم وقد صبر على ما كحذّ ب وأوذي حتى أتاه أمر الله. والآن وقد ذهب الرجل إلى رحاب ربه - تاركًا في القلوب حسرة لا تنقضي, وفي فن معرفة المخطوطات فراغاً يبعد أن يحشغل - نسأل الله العليّ القدير أن يغفر له ويرحمه, وأن يجعل

عدد الصفحات ٥٢

53 كل ما قدمه لرياث هذه الأمة, في موازينه يوم تُد كل نفس ما عملت من خير مححضراً * * *

عدد الصفحات ٥٣

54 التراث العربي في المغرب .. (1) وقضية التواصل بين المشرق والمغرب(2) -1- مــن مكــرور القــول ومحعــاد الكــلام أن الأمــة العربيــة قــد احتشــدت لتســجيل تراثهــا وجمعــه جهـاد دائـب لم تشـهده أمـة مـن الأمـم, ولم تعرفــه ثقافـة مـن الثقافـات, ولم يقـف هـذا الجهــاد عنــد مصــر مــن الأمصـــار, أو يكتــف بقطــر مـــن الأقطــار, بــل امتــد إلى كـــل بلــد طالتــه يـــد الإ سلام. وقد اقتضت طبائع الزمان والمكان أن تشهد بلاد المشرق الخطوات الأولى لذلك التسجيل والجمع, ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري. ولم يكـد المغاربــة والأندلسـيون يتســامعون بأنبـاء هــذا النشــاط الـذي كانــت تغلـي بــه حلقــات الدرس ومجالس العلمـاء في البصـرة والكوفـة, وصـرير أقـلام النسـاخ في مكـة والمدينـة ومصـر والشام حتى ولوا وجوههم شطر المشرق العربي بنفس مشوقة وقلب لهيف. والمتتبـــع لحركـــة التـــأليف العـــربي في خطواتـــه الأولى يروعـــه هـــذا الحشـــد الهائـــل مـــن العلمـــاء وطلاب المعرفة. فأي بركـان هـذا الـذي فجَّـره كتـاب الله المنـزل علـي النـبيّ الأمـيّ, ففـت. بـه آذاناً صحمّاً وقلوباً غلفاً؟ وأي ضياء وهّ اج ذلك الذي جاء به الدين الجديد, فـأزاح ظلمـات القرون والأحقاب؟ انسالت أفواج المغاربة على المشرق, يشافهون العلماء ويروون العلم ويستنسخون الكتب, (1) زار كاتب المقال المغرب مرَّتين عضواًفي بعثة معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, وقد نشر مقاله هذا في حلقتين بمجلة «الثقافة»القاهرية, العددان 27 ,28, ديسم- يناير 1975م (2) مجلة«دعوة الحق»العدد9, السنة17, نوفم1976م, المغرب

عدد الصفحات ٥٤

55 وقد استفاضت كتب الرياجم والرجال بأخبار هذه الرحلات, وقد بدأت رحلات المغاربة والأندلسيين إلى المشرق منذ أواخر القرن الثاني الهجري, مواكبة لحركة الجمع والتدوين, مصاحبة لنشأتها. ذكــر أبــو بكــر الزبيــدي الأندلســي, في ترجمــة الغــازي بــن قــيس, المتــوفىَّ ســنة 199 هـــ قال: «كان ملتزمًا للتأديب بقرطبة أيام دخول الإمام عبد الرحمن بـن معاويـة رضـي الله عنـه الأندلس, وأدرك نافع بن أبي نعيم - أحد القراء السبعة - وقرأ عليه, وهو أول من أدخـل قراءته» (1). وفي ترجمــة جــودي النحــوي المتــوفى ســنة198 هـــ, قــال«هــو جــودي بــن عثمــان, مــن أهل مورور - قر يباً من قرطبة - ورحل إلى المشـرق, فلقـي الكسـائي والفـراء وغيرهمـا, وهـو أول من أدخل كتاب الكسائي, وله تأليف في النحو » (2). وهــذا قاســم بــن أصــبغ محــدث الأنــدلس الكبــير, يرحــل إلى المشــرق مــع محمــد بــن عبــد الملـك بـن أيمـن, ومحمــد بـن زكـريا بــن أبي عبـد الأعلـى, فيسـمع بمكــة ومصـر مـن علمائهمــا, ويدخل العراق فيسمع من المبرد وثعلب, ويروي عن ابن قتيبة كثيراً من كتبه» (3). وقد رأيت بخزانة القرويين بفاس نسخة عتيقة جداً من كتاب ابن قتيبة المسمَّى «تأويل مشكل القرآن»برواية قاسم بن أصبغ هذا, عن ابن قتيبة, بمنزله ببغداد, في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائتين. وتصـــور لنـــا كتـــب الـــرياجم إقبـــال أهـــل المغـــرب علـــى علمـــائهم العائـــدين مـــن المشـــرق, (1) طبقات النحويين واللغويين, صفحة 254, بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم (2) المرجع السابق, صفحة 256. (3) تاريخ علماء الأندلس, لابن الفرضي, صفحة 365, طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة

عدد الصفحات ٥٥

56 لسماع ما تلقوه عن علماء مكة والعراق ومصـر والشـام (1). ولقـد بلـغ مـن حرصـهم وشـدة تتبعهم أنهم كانوا يسـألون كـل قـادم مـن المشـرق, ولـو كـان مـن التجـار. روى الزبيـدي عمـن أخبره عن عبد الوهاب بن عباس بن ناص., قال: «كان أبي لا يقـدم مـن المشـرق قـادم إ كشفه عمن نجم في الشعر بعد ابن هرمة, حتى أتاه رجل من التجار, فأعلمـه بظهـور حسـن بن هانئ»(2), يعني أبا نواس وقد كان لاستيلاء بني أمية على بلاد المغرب بعد ذهاب دولـتهم في المشـرق, أثـر كبـير في إذكاء روح العربية بتلك البلاد, ويؤثر عن عبد الرحمن بن معاوية المعـروف بالـداخل أول خلفـاء بـني أميـة بالأنـدلس, الكثـير مـن الــبر بالعلمـاء والإجـلال لهـم, وكـذلك سـار بنـوه مــن بعده, دعماً لقواعد الملك, واستكمالاً لمظاهر الخلافة. و قد تناهت أنباء هذا البر وذلك الإجلال إلى المشرق, فسعى أدباؤه إلى هنـاك, حيـث عطــايا الخلفــاء موصــولة بهبــات الــوزراء. ذكــر ياقــوت في ترجمــة أبي الفــرج علــي بــن الحســين الأصـــبهاني صـــاحب كتـــاب «الأغـــا»قـــال«ولـــه بعـــدح تصـــانيف جيـــاد فيمـــا بلغـــني كـــان يصــنّ فها ويرســلها إلى المســتولين علــى بــلاد المغــرب مــن بــني أميــة, وكــانوا يحســنون جائزتــه, لم يعحــد منهــا إلى الشــرق إلا القليــل. والله أعلــم»(3). وقــد سمــى هــذه التصــانيف الــوزير جمــال الدين القفطي (4). وهــذا أحــد أعــلام الأدب العــربي في المشــرق: أبــو علــي إسماعيــل بــن القاســم البغــدادي القــا,, صــاحب كتــاب «الأمــا»يفــد علــى القــيروان ســنة239 هـــ, وقــد جلــب في قافلتــه أحمالاً كثيرة من نفائس المؤلفـات المشـرقية, مـا بـين لغويـة وأدبيـة وتاريخيـة, ودواويـن الشـعراء الجـــاهليين والمخضـــرمين والمولَّـــدين, فبـــاع منهـــا في مـــدة عـــام كامـــل مـــا شـــاء أن يبيـــع لأهـــل إفريقية, ثم تحول بعـد ذلـك في سـنة 330 هــ إلى الأنـدلس بمـا بقـي لـه منهـا. وقـد حفـظ لنـا (1) طبقات النحويين واللغويين, صفحة275 (ترجمة عفير بن مسعود ). (2) المرجع السابق, صفح ة 262, وأيضاً: تاريخ علماء الأندلس, صفحة296. (3) معجم الأدباء130 /100, طبعة دار المأمون (4) إنباه الرواة على أنباه النحاة2 /252, بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم

عدد الصفحات ٥٦

57 أبو بكر بن خير الإ شبيلي قائمة بأسماء هذه الدواوين في فهرست ما رواه عن شيوخه(1). تواصل أدباء المشرق والمغرب, وإن ظلت رحلات المغاربة إلى المشرق أكثـر وأدوم لأسـباب كثيرة, من أبرزها أن المشـرق كـان ولا يـزال طريـق المغاربـة للحـج, الـركن الخـامس مـن أركـان الدين الحنيف. وحين انتـدب المغاربـة للتصـنيف والكتابـة ظهـر في إنتـاجهم مشـابه مـن منـاهج المشـارقة وطـــرائقهم في الكتابـــة, ممـــا حـــدا بـــبعض النقـــاد والمـــؤرخين أن يربطـــوا بـــين الإنتـــاج المشـــرقي والمغربي, على نحو يريـد أن يثبـت دائمـاً أن المغاربـة قـد تأثـروا بالمشـارقة في كـل مـا يعـالجون, فهــم يقولــون: إنَّ ابــن زيــدون بحــريي المغــرب (2), وإنَّ أبا بكــر الزبيــدي الإشــبيلي, صــاحب كتاب «مختصر الع»في المغرب بمنزلة ابـن دريـد في المشـرق(3), وإنَّ أبا الحسـن بـن بسـام الشــنرييني صــاحب كتــاب «الــذخيرة في محاســن أهــل الجزيــرة»قــد تأثــر بأبي منصــور الثعــال ونســج علــى منوالــه في كتابــه: «يتيمــة الــدهر في محاســن أهــل العصــر»(4). إلى غــير ذلــك مــن الأمثلة. (1) فهرست ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي, صفحة 395 - 397, نشر اكتب التجاري - بيروت, وانظر ما كتبه العلاَّمة حسن حسني عبد الوهاب, عن العناية بالكتاب وجمعها في إفريقيا التونسية, من القرن الثالث إلى الخامس للهجرة - مجلة المخطوطات العربية بمصر, المجلد الأول, صفحة 72. (2) ابن زيدون: عصره وحياته وأدبة, للأستاذ علي عبد العظي م, صفحة 508, وانظر أيضاً: الذخيرة لابن بسام- الجزء الأول من القسم الأول, صفحة 326. (3) مقدمة تحقيق كتاب مختصر العين, صفحة (هـ) للأستاذين علال الفاسي ومحمد بن تاويت الطنجي, طبعة الرباط (4) مقدمة تحقيق اليتيمة, صفحة13, للأستاذ الشيخ محمد محيي الدَّين عبدالحميد, ومقدمة تحقيق الذخيرة, صفحة (أ, ب), للأستاذ الدكتور طه حسين.

عدد الصفحات ٥٧

58 ولئن قحبلـت هـذه المقالـة في القـرون الأولى للتصـنيف, فإنهـا بحاجـة إلى مراجعـة فيمـا تـلا ذلـك مـن قـرون. ولقـد كـان ظهـور القاضــي أبي الفضـل عيـاض بـن موسـى اليحصـبي الســبتي المولـود بمدينـة سـبتة - رد الله غربتهـا - سـنة 476 هــ, والمتـوفى بمدينـة مـراكش ســنة544 هـــ, إيــذاناً باســتقلال الشخصــية المغربيــة وامتلاكهــا لناصــية البيــان وإســهامها في جــلاء وجــه الثقافة الإسلامية, وعياض ركن من العلم باذخ, وله طرائق في العلـم مأنوسـة, كتـب الكثـير, وتمثــل يليفــه إضــافات هامــة في تاريــخ الفكــر الإســلامي, وقــد رزقــت مصــنفاته مــن الحظــوة وحســن القَبــول والتلقَّــي مــا لم يرزقــه مؤلــف مغــربي آخــر (1). وممــا يشــيع علــى ألســنة المغاربــة قولهم: «لولا عياض لما ذحكر المغرب»ويقول شاعرهم كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفاء إلا عياض والمعنى الثاني المراد من التوريـة في قولـه: «بالشـفاء»هـو كتـاب عيـاض الجليـل «الشـفا في التعريف بحقوق المصطفى»أشهر وأسير كتب الشمائل النبوية تتابعـــت جهـــود المغاربـــة في التصـــنيف عاليـــة شـــامخة وبـــدءاً مـــن القـــرن الســـادس لم يعـــد للمشــارفة فضــل ســبق علــيهم, بــل نــراهم قــد زاحمــوا المشــارقة علــى فنــين عظيمــين مــن فنــو ن الرياث: علم القراءات, وعلم النحو. أما علم القراءات فعنايتهم به قديمة, وتصانيفهم فيـه مبسـوطة, ويـرى الأسـتاذ الـدكتور عبد العزيز الأهواني أن هذا هو الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة (2) . وبحسـبنا أن نـذكر مــن فرسـان هــذا الميـدان: أبا عمــرو الـدا ومكــي بـن أبي طالــب وأبا العبــاس المهــدوي وإسماعيــل بــن خلــف, وغــيرهم كثــير تــراهم في فــن القــراءات مــن فهــارس (1) مقدمة تحقيق كتاب «التعريف بالقاضي عياض »للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة, ومقدمة تحقيق كتاب «ترتيب المدارك »للقاضي عياض, تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي, والكتابان من مطبوعات وزارة ا لأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط. (2) كتب برامج العلماء في الأندلس, مجلة معهد المخطوطات, المجلد الأول, صفحة 118.

عدد الصفحات ٥٨

59 المكتبات. وبحسبنا أيضاً أن نعرف أن أشهر نظم في هذا الفن, وهـو المسـمَّى: حـرز الأمـا ووجــه التهــاني, والمعــروف بالشــاطبية, صــاحبه مغــربي أندلســي, وهــو: القاســم ابــن ف ــيرُّ ه بــن خلــف الــرعيني الأندلســي الشــاطبي, وقــد صــار نظمــه هــذا العمــدة في ذلــك الفــن, وتعاقــب عليــه الشــراح مــن المشــرق والمغــرب, ولا يــزال يتصــدر بــرامج الدراســة في معهــد القــراءات بالأزهر الشريف. ولم تفــري عنايــة المغاربــة بعلــم القــراءات علــى امتــداد الأيام وتصــرف الأحــوال, وقــد تعرفــت أثناء رحلتي الأولى إلى المغرب, على شاب من ريف المغرب, في منزل الأستاذ العلامة محمد المنــوني بمدينــة الــرباط, وكــان هــذا الشــاب آيــة في معرفــة القــراءات العشــر بطرقهــا ورواياتهــا المختلفـة, يحفظهـا ويستشـهد لهــا مـن الكتـاب العزيـز في ســهولة ويسـر. وقـد أخـبرني الأســتاذ المنوني أن لهذا الشاب نظائر كثيرة في بلاد المغرب, وبخاصة في الريف. وأمــا علــم النحــو فللمغاربــة احتفــال بــه زائــد, وقــد ظهــر اهتمــامهم لــه مبكــراً. هــذا أبــو عبـدالله حمــدون بــن إسماعيــل, مــن قــدماء المغاربــة القــرويين, كــان يحفــظ كتــاب ســيبويه, و قــد تــوفي حمــدون هــذا بعــد المــائتين (1). وقــد وقــف المغاربــة علــى قــدم واحــدة مــع المشــارقة في العناية بكتاب سيبويه إمام النحاة: شرحاً أو تعليقاً أو اختصاراً (2). ذكر جلال الدين السيوطي في آخر كتابه «بغية الوعـاة في طبقـات اللغـويين والنحـاة» وهــو يســرد مــوارده في تأليــف الكتــاب, قــال«وأمــا المغــرب فأهلــه أصــحاب اعتنــاء شــديد بذلك, والنحاة به جم غفير»(3). ويورد جمال الدين القفطي كلاماً جيـداً يشـهد لـذلك, يقـول في ترجمـة أبي محمـد عبـد الله بـن علــي بــن إســحاق الصَّــيْمري النحــوي: «قــدم مصــروحح فــظ عنــه شــيء مــن اللغــة وغيرهــا, (1) طبقات النحويين واللغويين, صفحة235. (2) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون, للحاج خليفة, صفحة1427, طبعة استانبول (3) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة, الجزء الثاني, صفحة 428, تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم

عدد الصفحات ٥٩

60 وصنف كتاباً في النحو سمَّاه«التبصرة»وأحسن فيه التعليل علـى مـذهب البصـريين, ولأهـل المغرب باستعماله عناية تامة, ولا يوجد به نسخة إلا من جهتهم» (1). ويقوي كـلام القفطـي هـذا أني عرفـت ثـلاث نسـخ مخطوطـة مـن هـذا الكتـاب, كلهـا مكتوبـة بخــط أندلســي مغــربي عتيــق: النســخة الأولى محفوظــة بمكتبــة الإمــبروزيانا بميلانــو, كح تبــت ســنة 582 هــ, والثانيـةلخزانــة العامـة بالــرباط, نسـخت ســنة 597 هــ, والثالثــة بخزانـة القــروي بفاس, وهي من خطوط القرن السادس في أكبر الظن. وبقي من هذا الكتاب نسخة رابعة, ذكــر المستشــرق كــارل بروكلمــان أنهــا محفوظــة بالمكتبــة الأهليــة ببــاريس, ولا أعلــم مــن حالهــا شيئاً فأذكره. وقـــد ذهبـــت مؤلفـــات المغاربـــة النحويـــة بالـــذيوع والشـــهرة في معاهـــد الـــدرس والتعلـــيم مشــرقاً ومغــرباً, فهــذه ألفيـــة ابــن مالــك الجيــاني الأنـــدلس تحظــى بالشــهرة, ويتلقاهــا النـــاس بالقَبـــــول, ويرجعـــــون إليهـــــا في ضـــــبط قواعـــــد النحـــــو والصـــــرف, ويأخـــــذون بهـــــا ناشـــــئتهم وصبيانهم(2). وهذا مـ الآجروميـة, لم يطاولـه مـ آخـر: ضـبطاً لقواعـد النحـو وحصـراً لمسـائله ويسـراً في صياغته, ولا يزال موضع التلقَّي والقَبول إلى يوم النـاس هـذا. وصـاحب هـذا المـ هـو: أبـو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي, عرف بابن آجـروم, ومعنـاه بلغـة البربـر: الفقـير الصوفي. وهو من أهل فاس. وفيمــا عــدا هــذين الفنــين شــارك المغاربــة في ســائر فنــون الــرياث, درســاً وتصــنيفاً, ثم كــان لهــم فضل إظهار آثار المشارقة: شرحاً لها وكشـفاً لغوامضـها. فهـذا أبـو عبيـد البكـري الأندلسـي (1) إنباه الرواة, الجزء الثاني, صفحة 123, والص ِّيْمَري: بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الميم (2) على الرغم من غلبة ألفية ابن مالك على معاهد الدرس مشرقاً ومغرباً, فقد رأيت الصبيان في مسجد الجامع الكبير بمدينة صنعاء - أثناء رحلتي في العام الماضي إلى اليمن - يتدارسون «ملحة الإعراب »للحريري صاحب المقامات وهذه «الملحة»أشهر نظم نحوي قبل ألفيتي ابن معطي وابن مالك

عدد الصفحات ٦٠

61 يعمد إلى نصين جليلين من تأليف المشارقة, بالشرح والبيان: الأول كتاب «الأمثـال» بيلأ عبيد القاسم بن سلام البغدادي ويسمي البكري شرحه لهذا الكتاب: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال. وهذا الشرح قد «احتوى على أكمل تعليقـات وتفاسـير قديمـة ومهمـة علـى ذلك الكتاب, كما احتوى مادة رائعة لا توجد في غيره من كتب الأمثال الأخرى »(1). والثـــاني: كتـــاب «الأمـــا»لأبي علـــي القـــا, البغـــدادي ووســـم أبـــو عبيـــد شـــرحه لـــذلك الكتاب: اللآ, في شرح أما, القا,. ونشره العلامة عبد العزيز الميمني باسم: سمط اللآ,. ثم يتصــدى ابــن السَّــيد (بكســر الســين) البطليوســي, بالشــرح والبيــان لأحــد أصــول الأدب الأربعة, وهو كتاب ابن قتيبـة البغـدادي المسـمَّى: «أدب الكاتـب»أو«أدب الكتـاب» واسم هذا الشرح: الاقتضاب في شرح أدب الكتـاب. وهـو مـن أجـل شـروح الكتـاب, كمـا يقول صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. وحين فرغ أبو محمد الحريري البصري مـن إنشـاء «مقاماتـه»الأدبيـة المعروفـة, تعاقـب عليهـا الشــراح بالتفســير والبيــان, حــتى بلغــت شــروحها أكثــر مــن خمســة وثلاثــين شــرحاً, مــا بــين مشـــرقي ومغـــربي. ومـــن أعظـــم هـــذه الشـــروح وأجمعهـــا للغرائـــب والفرائـــد شـــرح أبي العبـــاس الشَّريشي الأندلسي. ولم يح عــرف للســيرة النبويــة الــتي صــنفها محمــد بــن إســحاق شــرح أوعــب وأكثــر جمعــاً للفوائــد والشــوارد, مـــن شـــرح أبي القاســـم الســـهيلي الأندلســـي المســـمَّ ى: الـــروض الأحنحـــف, والمشـــرع الرّوى في تفسير ما اشتمل على حديث السيرة واحتوى. والمشــتغلون بتــاريخ المــذاهب الفقهيــة الإســلامية يعرفــون أن أهــم شــروح مــذهب مالــك بــن (1) راجع كتاب الأمثال العربية القديمة, تأليف المستشرق الألماني رودلف زلهايم, ترجمة الأستاذ الدكتور رمضان عبد التواب, صفحتي 151 ,219, طبعة بيروت

عدد الصفحات ٦١

62 أنس رضي الله عنه, إنما جاءت من قبل العلماء المغاربة الذين أكثروا التصنيف فيه, مـا بـين مختصر ومبسوط. وذلك لغلبة مذهب مالك على أهل هذه الديار. ولن يتسع المقام لأكثر من هذه المثل, وهي كثيرة مفرطة في الكثـرة. وحسـبنا أن مـتم بـذكر أثر خطير من آثار الفكر الإسلامي, نشط له المغاربة, وتناولوه بالشرح والتعليق, على حين قصــر غــيرهم, اســتعظاماً لشــأنه, وتهيبــاً مــن مســالكه, ذلــك هــو كتــاب «البرهــان»في أصــول الفقه, لإمـام الحـرمين عبـد الملـك بـن عبـد الله بـن يوسـف الجـويني (بضـم الجـيم وفـت. الـواو: نسبة إلى جوين, بلدة من نواحي نيسابور) من أئمة علماء الشافعية في القرن الخامس. يقــول تاج الــدين الســبكي عــن هــذا «البرهــان»«اعلــم أن هــذا الكتــاب وضــعهالإمــام في أصــول الفقــه, علــى أســلوب غريــب, لم يقتــد فيــه بأحــد, وأنا أسميــه لغــز الأمــة لمــا فيــه مــن مصاعب الأمور, وأنه لا يخلي مسألة عن إشـكال, ولا يخـرج إلا عـن اختيـار يخريعـه لنفسـه, وتحقيقات يستبد بها. وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية, وأنا أعجـب لهـم, فلـيس مـنهم من انتدب لشر حه ولا للكلام عليه, إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السـمعاني في كتاب «القواطع»وردهـا علـى الإمـام, وإنمـا انتـدب لـه المالكيـة, فشـرحه الإمـام أبـو عبـد الله المازري شرحاً لم يتمه, وعمل عليه أيضاً مشكلات, ثم شرحه أيضاً أبـو الحسـن الأنبـاري من المالكية, ثم جاء شخص مغربي, يقال له: الشريف أبو يحيى, جمع بين الشرحين » ويقول السبكي في موضع آخر عن المازري«هذا الرجل كان من أذكـى المغاربـة قريحـة وأحدهم ذهناً, بحيـث اجـريأ علـى شـرح «البرهـان»لإمـام الحـرمين, وهـو لغـز الأمـة الـذي لا يحــوم نحــو حمــاه, ولا يدنــدن حــول مغــزاه, إلاَّ غــو اص علــى المعــاني, ثاقــب الــذهن, مــبرز في العلم»(1). (1) طبقات الشافعية الكبرى, تحقيق أخي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو, وكاتب هذا المقال, الجزء الخامس, صفحة 192, والسادس243 .

عدد الصفحات ٦٢

63 ويداول الله الأيام بين الناس, فتتهاوىعروش, وتسقط دول, وتتطاول أمـم تريـد أن تـنقض كيــداً ومكــراً, وتتعــرض الأمــة الإســلامية مشــرقاً ومغــرباً لخطــوب وفــ كقطــع الليــل المظلــم تسعى لتغتالها اغتيالاً. وفي غمــار تلــك الأحــداث الــتي صــكت المســامع وخلعــت القلــوب لم تــذهل هــذه الأمــة عــن تراثهــا الــذي شــرفت بــه, ولم تــرض أن تســلم حــتى يســلم معهــا, كــالأم تحضــن طفلهــا وســط الحريق المدمر, لا يهمها أن تنجو حتى تنجو به. ولقد كان من صنع الله ولطفه أن هذه الغزوة التريية الكاسحة على المشرق العـربي منتصـف القــرن الســابع, لم تمــد شــواظها إلى بــلاد المغــرب, فظلــت خزائنهــا عــامرة بالكتــب, ومجالســها مأنوسة بالعلم والعلماء. وتتمــادى الأيام ولا يفــري حمــاس المغاربــة لجمــع المخطوطــات وتعهــدها بالصــيانة والرعايــة, ثم تتطــور وظيفــة الــزوايا المغربيــة, مــن مكــان معــد للعبــادة وإيــواء الــواردين المحتــاجين, إلى دور تُمع العلماء والكتب, وتدعو إلى الجهاد ومقاومة الأجنبي. وفي القــرن الثــامن تكــاثرت الــزوايا وانتشــرت فيمــا بــين المغــرب ومصــر, إيناســاً وعــوناً لحجاج بيت الله الحرام ليـأووا إليهـا في مراحـل سـفرهم الطويـل, وقـد نمـت حـول هـذه الـزوايا مدارس استقر فيها طلبة العلم, الأمر الذي حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى خصوصاً جامع القرويين بفاس (1). ومــن أشــهر الــزوايا في المغــرب: الزاويــة الدلائيــة والناصــرية والحمزاويــة, وتضــم هــذه الزاويــة الأخيرة مجموعة من نوادر المخطوطات, كتب عنها وعرَّف بها الأستاذ العلامة محمد المنوني, (1) الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي, ل ستاذ محمد حجي, صفحة 25, طبعة الرباط

عدد الصفحات ٦٣

64 في العدد الثامن من مجلة تطوان. ومن أنفس مخطوطات هـذه الخزانـة الجـزء الرابـع مـن كتـاب «غريــب الحــديث»لابــن قتيبــة, بخــط أندلســي وقــع الفــراغ مــن نســخة ســنة 517 هـــ, وهــذا الكتاب نادر جداً في مكتبات العالم. وتنبيهات وتعاليق علـى كتـاب «الكامـل»للمـد, مـن تأليــف أبي عبيــد البكــري, والوقَّشــي, والبطليوســي, وهــذه التنبيهــات والتعــاليق لا توجــد في مكان آخر من مكتبات العالم, فيما انتهى إليه علمي. وفي العصـــر الحـــديث لم يســـتطع الاحـــتلال الفرنســـي أن يطمـــس الوجـــوه العربيـــة في المغـــرب فيردها على أدبارها بربرية أو أعجمية. فهذا مسجد القرويين يموج بالعلـم والمعرفـة, ويـنهض في المغـــرب بمـــا يـــنهض بـــه الأزهـــر في المشـــرق. وقـــد أدرك المغاربـــة المعاصـــرون جـــلال هـــذا الموروث الضخم الذي آلَ إليهم, فتلقوه بكلتا اليدين, وشدوا يد الضنانة عليه, ولقـد بلـغ من احتفالهم به وحرصهم عليـه أن أقـاموا حولـه الجـدر, وبنـو ا عليـه الحيطـان, حـذراً عليـه في بعض الأماكن التي خيف عليه فيها من بطش الباطشين واعتداء المعتدين. ويــبرز مــن بــين رجــالات هــذا العصــر عــالم فحــل, قــدم للــرياث العــربي يــداً باقيــة, حــين ســعى جاهــداً وعمــل مخلصــاً في جمعــه وحفظــه, ذلــك هــو محمــد عبــد الحــي بــن عبــد الكبــير الحســني الإدريسي الكتاني الفاسي, عح رف باسم: عبد الحي الكتاني. كـان هــذا الرجــل شــغوفاً بالكتــب مولعــاً بجمعهــا, مـع علــم غزيــر واطــلاع واســع, وقــد وقــف حياته على الكتب, ونذر نفسه للعلم, فطوف الكثير, ولقي العلماء, وكاتـب واسـتجاز مـن لم يلقهم. يقول رحمه الله عـن نفسـه, في مقدمـة كتابـه «فهـرس الفهـارس»«فرحلـت لأقاصـي البلـدان وشاســـع الأطـــراف والســـكان, مـــن حجـــاز ومصـــر وشـــام, وتـــونس والجزائـــر وبـــلاد المغـــرب الأقصى حواضره وبواديه, وكاتبت أهـل الجهـات البعيـدة كـالعراق والـيمن والهنـد واسـطنبول وصحراء إفريقية شنقيط (موريتانيا الآن) وغيرها, رغبـة في الاسـتكثار, فحصـل , مـن ذلـك

عدد الصفحات ٦٤