33 ونعود إلى الخط الوظيفي للفقيد, فنراه يظل يعمل في قسم الفهارس العربية إلى أن من سنة 1951 لقب أمين المخطوطات بصفة شرفية, وكان حينئذ يقوم بفهرسة المخطوطات وتصنيفها. ولما قامت دار الكتب بفصل المخطوطات عن المطبوعات في جناح خاص بها أصدر مدير الدار (وكان في ذلك الوقت الأستاذ السيَّد فرج وكيل وزارة الثقافة الآن) قراراً بتسليمه عهدة مكتبة المخطوطات والقيام بشؤونها, وصار أول أمين للمخطوطات بالدار. وقد قام في عمله الجديد بالأعمال الآتية: 1- الخدمة المكتبية وإرشاد الباحث 2- اختيار جميع المخطوطات والوثائق التي تحتاج للتجليد والريميم ووضع المواصفات الفنية اللازمة لذلك حفاظاً عليها وصوناً لها, لما لهذه المخطوطات من معالم تاريخية وفنية. 3- اختيار المخطوطات القيمة والنادرة لتصويرهابالميكروفيلم أو التكبير. 4- تزويد المكتبة بصورة من بطاقات جميع المخطوطات المحفوظة بالدار لتيسير وسائل البحث والمراجعة لجمهورها من المستعيرين. 5- إعداد دفري خاص للكتب المعارة داخل هذه المكتبة أو عند موظفي الدار أو الخارج, وإصدار إحصائيات شهرية سنوية بحالة الإعارة فيها. 6- المشاركة في إعداد سجلات خاصة للمخطوطات تكون صورة مطابقة لما في مخازن المخطوطات من الكتب, لتصير أساساً لجرد هذه المكتبة وحصر محتوياتها. وقد كان من أثر هذه التنظيمات التي تمت لأول مرة في تاريخ دار الكتب أن حققت هذه المكتبة رسالتها العلمية على خير ما يجب من النفع للمريددين عليها من الباحثين والعلماء العرب والمستشرقين. ولما كان رحمه الله سكرتيراً للجنة شراء المخطوطات ولجنة حماية
عدد الصفحات ٣٣34 المخطوطات وصيانتها, فقد يسر له إشرافه على هذه المكتبة إنجاز أعمال هاتين اللجنت بصورة مباشرة كان لها أثر كبير في النتائج الإيجابية التي حققتها هاتان اللجنتان. ومع ذلك فإن عمله في أمانة المخطوطات وسكرتارية هذه اللجان وإعداد جداول أعمالها وتنفيذ قراراتها لم يحل دون مساهمة فعالة مع قسم حماية الرياث في فهرسة المخطوطات وتصنيفها. وقد قام فعلاً في هذا الصدد بالأعمال الآتي ة: 1- إخراج فهرست مخطوطات مصطل. الحديث, على منهج علمي مفصل للمرة الأو في تاريخ دار الكتب. صدر سنة 1956م 2- فهرسةجميع ما يرد للدار تباعاً من المخطوطات والمصوَّرات. 3- إعداد فهرست لجميع ما أضيف لمخازن الدار من الكتب الخطية من سنة1936م إلى سنة 1955م ويحوي ما يقرب من ثمانية آلاف ك تاب ورسالة. وقد ظهر في ثلاثة أقسام: القسم الأول (أ - س) وصدر سنة 1961م. القسم الثاني (ش- ل) وصدر سنة 1962م. القسم الثالث (م- ي) وصدر سنة 1963م 4- نشرة عن مؤلفات ابن سينا وشروحها الموجودة بالدار. صدرت سنة1950 بمناسبة العبد الألفي لابن سينا. ولم يقف نشاط الفقيد محصوراً داخل دار الكتب المصرية, بل تعداه إلى كل الهيئات المعنية بالرياث العربي, فحين أنشئ معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية ظل رحمه الله على صلة به ومشاركة في أعماله, حتى انتدب ابتداء من سنة 1953م ليكون خبيراً بالمعهد. وقد أنجز لهذا المعهد عدة فهارس, صور أولها عام 1954م وهو فهرس عام لمقتنيات المعهد. والفهرس الثاني خاص بعلم التاريخ, وجاء في مجلدين, ظهر الأول سنة 1957م, والثاني سنة1959م. ثم عمل فهرساً ثالثاً للمعارفالعامة نجز سنة 1966م ولم يكن إخراجه للفهارس جافاً واقفاً عند حدود المادة المكتبية, بل كنت
عدد الصفحات ٣٤35 تحسفيه بدقة العالم وتصرف المتثبت المحقق. استمع إليه في مقدمة الفهرس العام لمعهد المخطوطات: «وقد عنيت عناية شديدة بذكر اسم المؤلف كاملاً مصحوباً بكنيته ولقبه ونسبه, مع التحري الدقيق لتاريخ وفاته, أو تعيين القر ن الذي عاش فيه معتمداً في ذلك على كتب الرياجم والطبقات. وكنت حريصاً على التعريف بالكتاب ومحتوياته وتبويبه وذكر ما يشمله من موضوعات, ما وافتني بذلك المصادر والأصل. وعنيت أيضاً بعمل إحالات متعددة للكتب التي لها أسماء مختلفة, أو اشتهرت بعناوين معينة, أو كانت اختصاراً أو شرحاً لكتب أخرى, كما أن الكتب التي تبحث في أكثر في موضوع كررت ذكرها ذكرها في فنونها المتعددة, كل ذلك تيسيراً للباحث وعوناً له على الوصول إلى طلبته من أية مظنة» وكان رحمه الله على صلة ومشار كة في أعمال معاهد الاستشراق بمصر وعلى وجه الخصوص المعهد الفرنسي. ولما أنشأ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالجمهورية العربية المتحدة فرعاً لنشر الرياث الإسلامي عام 1960م كان رحمه الله عضواً فيه من أول جلسة وفي العام الفائت أنشأت وزارة الثقافة معهداً ملحقاً بدار الكتب المصرية لتحقيق النصوص ونشرها يلتحق به خريجو الجامعات. وقد اختير رحمه الله ليحاضر في هذا المعهد. رحلاته العلمية: حجَّ رحمة الله عليه مرَّتين, زار خلالهما مكتبات مكة والمدينة, واطلَّع على نفائس المخطوطات هناك, وتوثَّقت صلاته بعلمائهما. وفي سنة 1957م, انتدب ضمن بعثة لزيارة مكتبة دير سانت كاترين بش به جزيرة سيناء, لدراسة ما تحويه من مخطوطات أثرية وتقديم تقرير بما يجب اتباعه لحفظ هذه المخطوطات وحمايتها. ثم كانت رحلتاه إلى اليمن, الأولى سنة 1952م, والثانية 1964م, في بعثة برياسة الدكتور خليل نامي أستاذ فقه اللغة بآداب القاهرة. وفي هاتين الرحلتين
عدد الصفحات ٣٥36 اكتحشف لأول مرة تراث طيب لفكر المعتزلة, تطاول عليه العمر, مختبئاً في سراديب الظلام. وقد نشر من هذا الرياث المكتشف ثلاثة نصوص للقاضي عبد الجبار: المغني, والمجموع المحيط بالتكليف, ثم شرح الأصول الخمسة. ولا يزال هناك الكثير من تراث المعتزلة مما صور من اليمن ينتظر الدراسة والنشر. وكان الموجود من هذا الرياث بين يدي الناس لا يزيد على الكتب الثلاثة. وترجع أهمية هذا الرياث - كما كان يحدثني الأستاذ رحمه الله - إلى أنه يعرض لفكر المعتزلة بأقلام أئمة الاعتزال أنفسهم, وكان كل ما يكتب قبلاً عنهم إنما يأتي من قبل خصومهم, وفي هذا ما فيه. وفي شهر مايو من العام الماضي كانت آخر رحلاته رحمه الله, حيث دعاه المعهد الجامعي الشرقي بنابحلي للقيام بدراسات علمية في الرياث الإسلامي والمخطوطات العربية. وقد لقي هناك ترحيباً كريماً من جمعيات الاستشراق ولبث شهرين يعاون طلبة الدراسات العليا على فهرسة محتويات المعهد من المخطوطات العربية, ويرشد ويوجه أصحاب الدراسات والبحوث إلى المراجع العلمية التي تخدم بحوثهم. آثاره العلمية: من الناس من يشغل بغيره عن نفسه, وتستعلن آثاره أو تتوارى في جهود سواه, وهو في كل ذلك سعيد بما يبذل من وقته وفكره, وسواء أذا ع الناس فضله أم جحدوا فهو حيث هو, لا يتحول ولا يريم, لأنه يرضي سخاء نفسه الراغبة في البذل والعطاء. وقد كان الأستاذ - آجره الله - من هذا الصنف من الناس, فقد فرضت عليه ظروفه الوظيفية في الإرشاد والتوجيه, ثم قبل كل ذلك قلبه المحب للناس الراغب فيهم المستزيد من صداقتهم, فرض عليه كل ذلك أن يعيش لغيره وأن يقف وقته لتلبية الرغبات وقضاء الحاجات. وقد كنت أرى الرسائل أكواماً تلاحقه في مكتبه وفي بيته من الدارسين والمحققين, وقد تأخذ الرغبات بتلابيبه فيبدو منه بعض الضجر, ولكنه
عدد الصفحات ٣٦37 سرعانما يثوب إلى نفسه السخية المعطاء فيلبي ويجيب. وافت. أي كتاب شئت من نصوص الرياث المنشور لريى آثار علمه وفضله, يذكرها الناشرون تكريماً للرجل وتزكية لعملهم. لكن الله بارك له في وقته وسحنيَّ له أن يخحرج بعض النصوص حاملة اسمه, وقد أبان فيها عن علم كثير. ففضلاً عن الفهارس العلمية التي صنعها لدار ا لكتب المصرية ومعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية, حقق رحمه الله هذه النصوص, وهي بحسب ترتيبها الزمني: 1- طبقات الأطباء والحكماء, لأبي سليمان بن حسان الأندلسي المعروف بابن جحلجحل (بجيمين مضمومتين) من علماء القرن الرابع الهجري. وقد كان الفقيد رحمه الله يعتز كثيراً بهذا الكتاب وبعمله فيه. وقد قام له بمقدمة علمية قيمة, قال فيها: «هذا كتاب يعت وثيقة هامة في تاريخ العلوم وتطور حركة التأليف والريجمة في القرن الرابع الهجري الذي يعد بحق العصر الذي ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ونمت وبلغت غايتها من الإنتاج الواسع في شتى ميادين العلوم والآداب. ولعل ميزة هذا الكتاب الأولى التي جعلت له قيمة علمية خاصة ونصاً قديماً له خطره في تاريخ العلم أن مؤلفه يعتمد فيما رجع إليه من مصادر على تراجم عربية لأصول لاتينية تاريخية. فقد عهدنا دائماً أن أكثر الكتب التي نقلها العرب أو غيرهم من المريجمين كانت عن أصول يونانية, والقليل منها عن اللغات الفارسية والسريانية والهندية, وأنهم أكثروا من النقل والريجمة عن هذا الطريق, ولكنا لم نظفر - إلا قيلاً جداً - بنصوص عربية ترجمت عن اللغات اللاتينية. وربما كان كتابنا هذا أول كتاب استفاد من هذه الريجم ات التي نرج. أنها تمَّت في عصره أو قبله بقليل» ثم يمضي الأستاذ في مقدمته متحدثاً عن مصادر الكتاب, وعن هذا اللون من التصنيف متتبعاً المسار الزمني له. وقد وقف رحمه الله عند بعض النصوص التي أوردها ابن جحلجحل,
عدد الصفحات ٣٧38 والتي تذكر صراحة قدم حركة النقل والريجمة في صدر الدولة الأموية. وكان الشائع أنها تمت في العصر العباسي وفي عصر المأمون بالذات.
عدد الصفحات ٣٨39 وهذا النص هو ما جاء في صفحة61 من الكتاب أثناء ترجمة ماسرجويه الطبيب البصري الذي عاش في الدولة الأموية, وتولىَّ أيام ححكْم مروان بن الحكم ( 64 - 65 هـ) ترجمة كتاب «أهرن بن أع القس»إلى العربية. وكان أهرن من الأطباء الذين عاشوا الإسكندرية في عصر هرقل (610 - 641م) في صدر الإسلام, ووضع«كناشة»باللغة اليونانية ثم نقله إلى السريانية, إلى أن قام بريجمته إلى العربية ماسرجويه المذكور. وقد ذكر ابن جحلجحل في هذه الريجمة أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ وجده في خزائن الكتب (الأموية) وأنه استخار الله في إخراجه إلى المسلمين. وكثيراً ما كان الأستاذ رحمه الله يدلني على قيمة هذا النص, ويكثر من الحديث حوله. وقد طبع هذا الكتاب أول مرة بمطبعة الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 1955م أعادت مكتبة المثنى ببغداد طبعه بالأوفست منذ ثلاث سنوات, بعد أن عزّت نسخه, فقدمت بذلك خدمة جليلة للعلم والعلماء. 2- طبقات فقهاء اليمن, لابن سمرة الجعدي, عمر بن علي المتوفى بعد سنة586 هـ وهو أول كتاب يظهر خاصاً بعلماء اليمن. وترى في آخره فهر ساً لبلاد اليمن, صنعه الفقيد, آية في التثبُّت والتحرَّي والاستقصاء. وقد طبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة 1957م, وجعله الأستاذ الحلقة الأولى في سلسلة «المكتبة اليمنية »التي كان يريد أن يمضي في نشرها. 3- شروط المؤرخ في كتابة التاريخ (مجموعة فتاوى لبعض العلماء في ما يشريط في المؤرخ لكتابة التاريخ من الجرح والتعديل), نشرت بمجلة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية سنة 1957. 4- إعارة الكتب عند الأقدمين (نصان قديمان لليزيدي والسيوطي), نشرت بمجلة معهد المخطوطات سنة 1958م
عدد الصفحات ٣٩40 5- الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (موريتانياللشنقيطي أحمد بن الأمين. أشرف الفقيد على طبعه وقدم له. طبع بالقاهرة سنة 1959م
عدد الصفحات ٤٠41 6- العــبر في خــبر مــن عــ(1), للحــافظ الــذهبي المتــوفى ســنة748 هـــ, وهــو مختصــر لكتابه الكبير «تاريخ الإسلام»حقق الأستاذ منه الجـزئين الثـاني والثالـث. وطبعـا بالكويـت سنة 1961م 7- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (مكة) لتقي الـدين الفاسـي المتـوفى سـنة 832 هـــ وهــو أكــبر موســوعة في تاريــخ مكــة ومــن عــاش فيهــا أو دخلهــا أو ســكنها مــن العلمــاء والفقهــاء والشـــعراء والأدباء وغــيرهم. حـــذا فيـــه مؤلفــه حـــذو الخطيــب البغـــدادي في تاريـــخ بغداد, والحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور, وابن عساكر في تاريخ دمشق, والسمعاني في تاريخ مرو. والكتاب في ثمانية أجزاء حقق الفقيد العزيز منه الأجـزاء مـن الثـاني إلى السـابع, وأعجلته المنية عن إتمام الثامن. وقد كان في نيته رحمه الله أن ينشر «ذيل العقد»لابن فهـد المكي تلميذ الفاسي. وقد رأيت بعيني مدى ما كابده الأستاذ مـن جهـد في تحقيـق الكتـاب. ومكـة البلــد الأمــين مهــوى الأفئــدة ومطمــ. الأنفــس, ارتبطــت أرضــها الحــرام بأداء ركــن مــن أركان الإسلام, فلن تحد عالمـاً مـن علمـاء الإسـلام إلا وردهـا حاجّـاً مجـاوراً. ومـن هنـا كثـرت تراجم هذا الكتاب, وانفس. مجال القول أمام الفاسي, فأكثر من النقول والنصوص, ونقـل أسمــاء المريجمــين ووفيــاتهم مــن أحجــار القبــور (وتلــك منزلــة عليــا في درجــات التــأريخ). فكــان لزامــاً علــى مــن يتصــدى لتحقيــق مثــل هــذا العمــل أن يشــارف ذلــك المســتوى في التحقيــق والتوثيق. وقد فعل الرجل, ورجع إلى مصادر الفاسـي, مطبوعهـا ومخطوطهـا - ومـا أكثـر - وصح. كثيراً من الأسماء والبلدان. وقد كان رحمه الله حجة في ضبط الأعلام والأنساب. وعلى هذا الذكر أقول إن الأستاذ كان كثير الرجوع في ضبط الأعلام إلى «تاج العروس »للمرتضى الزبيدي, وكان دائم الإشادة بالتاج فيما يتصل بذكر الأعلام والأنساب والألقاب والب لدان. وكان يقول , كثيراً: إن هذه فضيلة للتاج عري عنها «لسان العرب»لابن منظور. وقد ابتدأ طبع العقد (1) انظر في ضبط اسم الكتاب ص297, في مقالة الطناحي حول الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي
عدد الصفحات ٤١42 الثمين بالقاهرة سنة1959م, وحقَّق الفقيد الجزء الثاني عام1962م
عدد الصفحات ٤٢43 وحين توفي رحمه الله كان في برنامجه تحقيق جملة صالحة من الكتب أذكر منها 1- نزهة المش تاق في اخرياق الآفاق, للإدريسي. وكان يقوم على طبع هذه الموسوعة الجغرافية إحدى جمعيات الاستشراق بإيطاليا, عهدت إلى القيد تحقيق القسم الخاص باليمن, ووزعت بقية الأجزاء على خمسة عشر عالماً ومستشرقاً, وكان رحمه الله على نية العمل في هذا الكتاب خلال شهر رمضان الذي لقي ربه فيه. 2- طبقات المفسرين, للداودي تلميذ السيوطي 3- فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار, وهو من الرياث الذي اجتلبه من رحلتي اليمن. 4- جزء من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور, الذي يخرجه معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. ثقافته: لم ينل فقيدنا من إجازات التعليم سوى الشهادة الابتدائية, حصل عليها سنة 1943م بعد أن سلخ من عمره 27 عاماً, وقد اضطر إلى الحصول على هذه الإجازة الصغيرة لينتقل من طبقة العمال والسعادة إلى طبقة الكتبة والموظفين بدار الكتب المصرية. ثم التحق بمدرسة «برليتس»ليصيب طرفاً من اللغة الفرنسية. هذا هو كل تعليمه المدرسي, لكنه رحمه الله كان ذا نفس طلعة, حببت إليه المعرفة في كل فرعها فراح ينشدها من بطون الكتب وأفواه الرجال. وكان حصاد هذا كله سعة أفق ورحابة صدر ومضار عقل ونفاذ بصيرة. اتَّصل رحمه الله بالرياث الإسلامي صبيّاً بحكم عمله في دار الكتب المصرية, وتلمذ هناك لمشيخة جليلة - أسلفت الحديث عنها - شدته إلى التحصيل, فحفظ المعلقات السبع وعيون الشعر فاستقام لسانه. على أن هناك شخصية كريمة بهرت الفقيد العزيز فأقبل عليها وأفاد منها الخلق
عدد الصفحات ٤٣44 الرضي والعلم النافع, وما كان رحمه الله يذكر ه ذه الشخصية إلا وتطفر من عينيه الدمعة, تلك هي شخصية الشيخ محمد زاهد الكوثري علامة وقته ونادرة زمانه, ولد رحمه الله بشرقي الآستانة ونزل القاهرة فراراً من اضطهاد الكماليين, حيث توفي بها سنة 1371 هـ / 1952م, وقد أجاز الشيخ الكوثري فقيدنا في ليلة الجمعة 20 من ر مضان سنة 1371هـ في السنة التي توفي فيها, وكانت آخر إجازة يمنحها الشيخ لتلاميذه. ونص الإجازة: «وممن استجازني الأستاذ الفاضل البحاثة الواسع الاطلاع السيَّد فؤاد السيَّد عمارة, كان الله له حيثما يكون, ورعاه في كل حركة وسكون. وبعد أن اطلع على كثير من مؤلفاتي و سمع مني حديث الرحمة المسلسل بالأولية, أجزته أن يروي عني جميع ما تص. , وعني روايته من حديث وتفسير وفقه وأصول وتوحيد ومصطل. وتاريخ وحكمة وعربية» وفي آخر المطاف تركز علم الفقيد في نقطتين اثنتين لا يشركه فيهما سواه: فكر المعتزلة والإحاطة بجغرافية اليمن وعلمائها. هاتان النقطتان فرَّع لهما نفسه وصرف إليهما جهده, حتى ملك القول فيهما غير مدافع ولا مزاحم. وقد قدر , - وأنا آخذ عنه وأتلقى منه - أن أشهده وهو يخطط لتحقيق «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة»و«نزهة المشتاق اخرياق الآفاق»فرأيت عجباً, يرحمه أما الحديث عن ظرفه وخفة ظله فيرجع إلى أنه تعرف في شبابه على أعلام الظرف والفكاهة في ذلك العصر, من مدرسة الشاعر الزجال حسين شفيق المصري, وكان رحمه الله أمة في الرواية والحفظ - ومعارضاته للمعلقات السبع معروفة - وكانت لفقيدنا خصوصية بهذا الشاعر الكبير, أفاضت عليه الكثير من خفة الروح وعذوبة الحديث. ووعت حافظته كثيراً من شعر حسين شفيق, لم يدون. وقد حدثني رحمه الله عن جماعة من ظرفاء الأدباء كانت تلتقي بدار الكتب في ذلك الوقت في حلقة يسمونها «البعكوكة »على يسارك وأنت تدخل الدار الآن وحول هذه الحلقة رويت أشعار ورنت ضحكات. وقد لا يعلم الكثيرون أن للأستاذ فؤاد أزجالاً طيبة. ولولا اشتغاله بالرياث لكان له في عالم الزجل شأن كبير.
عدد الصفحات ٤٤45 من هذه الروافد الخصبة تكونت ثقافته ونمت معارفه, وبارك الله في أيامه فجعل أفئدة من الناس تهوي إليه تفيد وتستفيد, وكانت الرسائل ترد عليه من كل رج ا تصل إليه الكلمة العربية, وأصب. مكتبه وبيته مثابة لكل طالب علم. وكنت أرى الناس حوله من مختلف الأسنان وشتى المذاهب وكلهم دان منه, قريب إليه, فأتمثل: تمل الندامى ما عداني فإنني ... بكل الذي يهوى نديميَ مولع فقد كانت كلماته حبيبة إلى كل قلب, خفيفة على كل سمع, يمزج الفائدة العلمية بالنكتة العذبة, مع نقاء طبع وصفاء روح, فلم يكن رحمه الله يصبر على خصومة أو يطيل جفاء, فإذا بدرت منه البادرة فهو سريع الأوبة مزيل الجفوة. وظل رحمه الله يعيش أجمل وفاء للناس, حتى مات في لحظة وفاء, حين رأى أم ولده ورفيقة عمره تصاب بشلل مفاجئ, فاجتاحته المصيبة, ولم يعش بعدها سوى يوم واحد, ليريكنا في يوم حزين, وتطوى صفحة مضيئة من صفحات النبوغ والمعرفة لفتى نحيل دخل دار الكتب عام 1929 عاملاً يصفَّف الحروف في المطبعة, وقبل وفاته بأربعة أشهر ذهب يحاضر في معاهد إيطاليا عن المخطوطات العربية, وبين هذا وذاك جهد دائب وعلم نافع. اللَّهحمَّ إنا نسألك أن تتغمَّد ذنبه, وأن تمهد عذره, وأن تنير قبره, وأن تُعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيَّين والصدَّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقاً. * * *
عدد الصفحات ٤٥46 رشاد عبد المطلب .. والديار التي خلت (1) كان ملء السمع والبصر, وكانت حياته بهجة للقلب والعقل جميعاً, وحين نعاه الناعي كادت النفس أن تفيض عليه, وغشي القلب حزن أسود كئيب, من هول الرزء وفداحة المصاب, ولم يجد محبوه وعارفوا فضله إلا قول أبي الطيب المتنبي: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآما, إلى الكذب حتى إذا لم يدع , صدقه أملاً ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي ولد محمد رشاد عبد المطلب في حي الجمالية بالقاهرة يوم الأربعاء 20 من جمادى الأو سنة 1335 هـ- 14 من مارس سنة1917م, وتوفي بالقاهرة يوم الأحد29 من ذي الحجة سنة 1394 هـ- 12 من يناير سنة1975م وبين هذين التاريخين حياة غريبة موغلة في الغرابة, عجيبة مسرفة في العجب, وما ظنك بامرئ لم ينل من الشهادات - فاتحة الأبواب ومانحة المناصب - إلا الشهادة الابتدائية, ثم هو مع ذلك باسط سلطانه على كل من كتب شطراً في الرياث الإسلامي طيلة ثلاثين عاماً, غيبة أو حضوراً, يفزع إليه الدارسون, وترد عليه الفتاوى من كل مكان, ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ولأمر أراده الله كانت خطوات فقيدنا الأولى في حي الجمالية, حيث الأزهر الشريف مهوى الأفئدة ومطم. الأنفس, وحيث الو راقة والورَّاقون, والكتب الصفراء صانعة الرجال, وحيث القاهرة بكل عطائها السخي وعطرها الأخاذ. (1) مجلة«الثقافة»يوليو1975م
عدد الصفحات ٤٦47 ويختلف فقيدنا إلى حلقات الأزهر الشريف, وكانت في ذلك الوقت متاحة لكل راغب علم وطالب معرفة, ثم كانت تضيء بالكوكبة اللامعة من مشايخ هذا العصر, أمثال الشيخ الدلجموني, والشيخ السمالوطي, والشيخ محمد بخيت المطيعي, ومن إليهم. فإذا ما أصاب من هذه المائدة الحافلة ما شاء الله له, خرج إلى أسواق الكتب المنتشرة في جنبات هذا الرحاب الكريم, يجمع نوادر الكتب, ثم يعرج على مطابع الحي, أمثال مطبعة الحلبي, ومطبعة الخشاب, يتسقط أخبار الجديد من المطبوعات, وقد بلغ حرصه وتتبعه - كما أخبرني - أنه كان يمر على هذه المطابع كل أسبوع, ليأخذ ملزمة ملزمة من كل ما يطبع, وكأنه لا يصبر حتى يتم طبع الكتاب. فإذا كان الليل هرع إلى حلقات قراء القرآن الكريم, أمثال الشيخين علي محمود وأحمد ندا, وأضرابهما من هذا النفر الكريم, الذين جمعوا إلى حسن الصوت خشوع الأدا ء. فكان له من كل ذلك هذه الشخصية النادرة التي بهرت الناس وملأت حياتهم خيراً وبركة. على أن هناك عالمين جليلين, كان لهما أكبر الأثر في حياة رشاد عبد المطلب وتبصيره وتوجيهه إلى هذا الفن الذي أخلص له عمره, ووقف عليه جهده, لا يصرفه عنه صارف, ولا يزهده فيه مزهَّ د: أولهما: الشيخ محمد زاهد الكوثري, العالم الريكي الجليل, الفار بدينه وعلمه إلى القاهرة, والمتوفى بها سنة 1371 هـ- 1952م وثانيهما: الشيخ أحمد محمد شاكر, محدث العصر, وواضع أصول نشر الرياث بتحقيقه لكتاب «الرسالة»للإمام محمد بن إدريس الشافعي. وقد توهذا الشيخ العلامة بالقاهرة سنة 1377 هـ- 1958 م
عدد الصفحات ٤٧48 عرف رشاد عبد المطلب هذين العالمين وهو في طراوة الصبا وأوائل الشباب وقد رأيا فيه نبوغاً صالحاً, فقرَّباه منهما وأحلاَّه من نفسيهما محلاً كريماً. وفي مجلسهما عرف أصول الكتب, ووقف على طرائق المصنفين, وألمَّ بمصطلحات الفنون, ثم تلقى عنهما علماً كثيراً. والتلقي كان سمة عصور ازدهار العلم, فهو الطريق الصحي. لتحصيل المعرفة, وآفة العلم في زماننا أنك قلَّ أن تُد من تستفتيه أو تتلقى عنه, وليس أمامك إلاَّ أن تضرب في بحر لجي غير آمن من زيغ البصر وضلال التأويل. ولقد أحبَّ رشاد عبد المطلب الكتاب العربي حباً ملك عليه نفسه وحسه, ولم يصرف عنه بشيء من مطالب الصبا ونوازع الشباب. أحب الكتاب وحرص عليه كأنه ولده رآه على يأس, وعرفه كما يعرف الناس آباءهم. وقد دفعه هذا الحب وذلك الحرص إلى أن يتلمسه: مطبوعاً في مطبعة درست وذهب رسمها, أو منشوراً في مجلة نسي الناس اسمها, أو مخطوطاً في خزانة عامة أو خاصة خفي على الدارسين مكانها. وقد وهب الله له ذهناً صافياً, سريع اللم. قوي الإدراك, وذاكرة محيطة جامعة تعرف الشاردة والواردة. ولقد كان من صنع الله , وتوفيقه إياي أني عرفته منذ خمسة عشر عام اً, قضيت منهاً عشرة كوامل, لصيقاً به مجاوراً له, وقد رأيت منه العجب: يأتيه الدارس ويطرح أمامه موضوع دراسته, وما بين يديه من مصادر وموارد, ولم يكد يفرغ الدارس من كلامه حتى يندفع رحمه الله يهدر كالشلال, ذاكراً ما لا يحصى كثرة من المراجع مما لم يخطر للطالب على بال, فإذا رأى علامات الرضا وأمارات السرور على وجه صاحبه, قنع بذلك سعيداً جذلان, وإذا ما أسرف صاحبه في مدي. أو ثناء, قال له بصوت ودود ولهجة حانية: حسبك, فهذا شيء علقناه عن مشايخنا, ثم قال: وما أوتيته على علم عندي. ثم لم يزل بصاحبه يغريه بموضوعه, ويمده بالمراجع من مكتبته, ثم يقدمه إلى أستاذه المشرف عليه, ويعرفه بالصفوة من العلماء. وأشهد - ويعلم الله - أن كثيراً من الرسائل الجامعية صنعت في بيت رشاد عبد المطلب, ووضعت خطوطها الأولى على مكتبه, ولكن الناس يجحدون.
عدد الصفحات ٤٨