321 سبقتهما جهود كثيرة في التأليف المعجمي, وهذه التآليف خضعت لمناهج مختلفة في المادة والريتيب, وكلها قائمة على اليسر والسهولة, مثل الصحاح ومختاره, وأساس البلاغة للزمخشري, والمصباح المنير للفيومي. ثالثًا: هناك طائفة من المعاجم اللغوية قائمة على فكرة الأبنية, فالمنهجية تحكمها, والغاية فيها واضحة, مثل إصلاح المنطق لابن السكيت (244 هـ) وديوان الأدب لأبي إبراهيم الفارابي (350 هـ) وهو غير الفارابي الفيلسوف, ومثل كتب الأفعال لابن القوطية 367 هـ), وللسرقسطي (بعد 400 هـ) وابن القطاع 515 هـ) إ جانب معاجم الأضداد والمشريك اللفظي, ومعاجم المعاني, والأجناس اللغوية, وأعلاها المخص لابن سيده (458 هـ), ثم معاجم الموضوعات الخاصة, مثل معاجم غريب القرآن وغريب الحديث, وما كحتب في خلق الإنسان والبهائم والحشرات والإبل والخيل والنبات, والمطر والل , وما كح تب في نوادر الأبنية. رابعاً: مما ينبغي أن يح ضم إلى المعجم اللغوي تلك المؤلفات التي عح نيت بشرح ألفا ومصطلحات العلوم, وهذه المؤلفات تقسم إلى قسمين: (أ) مؤلفات عامة, تُمع المصطلحات المستخدمة في كافة العلوم الإسلامية - بما فيها علوم اللغة العربية - أو في أكثر هذه العلوم دون تمييز. (ب) مؤلفات خاصة, يح فرَ د كل منها لمصطلحات علم واحد, أو مجموعة قليلة من علوم متقاربة. ومن أشهر مؤلفات القسم الأول: مفاتي. العلوم للخوارزمي (387 هـ), والتعريفات للسيد الشريف الجرجاني ( 816 هـ). والكليات لأبي البقاء الكفوي (1094 هـ- وهذا الكتاب من أعظم الكتب وأنفعها, وإني أنص. به كل طالب علم - وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي, أتم تأليفه سنة ( 1158 هـ). وأبجد العلوم لصديق القنوجي (1307 هـ أما مؤلفات القسم الثاني فشيء كثير, لا يتسع له هذا المقام, انظره في مقدمة الدكتور حسن محمود الشافعي لكتاب: المب ين في شرح ألفا الحكماء والمتكلمين, لسيف الدين الآمدي ( 631 هـ), ثم انظر كتابي: الموجز في مراجع الرياجم والبلدان
عدد الصفحات ٣٢١322 والمصنفات وتعريفات العلوم فهذا هو بناء المعجم العربي, بناء ضخم متماسك, واض. المعالم, قريب المورد, ميسور الاجتناء, ما لم تطبق عليه نظام المعجم الأوروبي, وتنتظر منه أن يعطيك ما يعطيكه ذلك المعجم. وبعد: فإن من الخير والعدل أن نتوقف عن الطعن في معاجمنا اللغوية, ونمسك عن سوء الريتيب وتشويش المادة, نتجاوز هذا كله, ثم ننظر في أمر هذه المعاجم: نستدرك فائتها, ونكمل نقصها, ونبرز فوائدها, ونيسر سبيلها, وفي ذلك الطريق, أطرح هذه المقريحات: أولاً: جمع اللغة التي جاءت في كتب العربية الأخرى غير المعاجم, وذلك ما تراه في أشعار العرب التي شرحها أئمة الأدب واللغة, من أمثال الأصمعي وتلميذه أبي نصر الباهلي, وأبي عمرو الشيباني, وأبي العباس الأحول, و ابن السكيت وثعلب والسكري, وقد قدم هؤلاء مادة لغوية غزيرة من خلال شروحهم لما جمعوه من شعر, هذا إلى اهتمام علماء كل فن وعلم باللغة, يقدمونها بين يدي علومهم, كالذي تراه مثلاً في شرح أبي علي الفارسي لمفردات اللغة في كتابه: الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب, وكذلك ما صنعه ابن الشجري في كتابه: الأما, النحوية. وبعض هذه الشروح اللغوية لم يرد في المعاجم اللغوية المتداولة, وقد تنبه إلى ذلك ونبه عليه مشايخنا فيما نشروه من كتب الأوائل, ومن ذلك ما ذكره شيخنا أبو فهر بآخر طبقات فحول الشعراء باسم «ألفا من اللغة أخلت بها المعاجم أو قصرت في بيانها»وما ذكره أستاذنا عبد السلام هارون رحمه الله, من إحصاء لهذه الألفا والكلمات التي لم ترد في المعاجم بآخر: البيان والتبيين, ومقاييس اللغة, والأصمعيات والمفضليات ومجالس ثعلب. ومن تُاربي الشخصية في التماس الشروح اللغوية من دواوين الشعراء: أني كنت أبح ث يوماً عن توثيق كلام في اللغة لأبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب ( 291 هـ), فنظرت المطبوع من كتبه اللغوية, المجالس, والفصي., فلم أجد فيها كلامه الذي نقله عنه الأئمة, ثم نظرت في شرحه على ديوان زهير بن أبي سلمى, فوجدت بغيتي فيه, وما دلني على ذلك إلا فهرس اللغة الذي صنفه محققو الديوان من مشيخة دار الكتب المصرية. ثانياً: استخراج المواد اللغوية المذكورة في المعاجم في غير أبوابها, كأن تُد مثلاً كلاماً على
عدد الصفحات ٣٢٢323 مادة(قلب) في أثناء مادة (بدأ) ومثل هذ كثير, فإننا نجد ألفاظاً وتراكيب قد ذكرت في غير موادها؛ لدواعي الاستطراد والمناسبة, ولا سيما في لسان العرب وتاج العروس, لاتساع مادتهما وكثرة نقولهما, كما عرفتَ من قبل. ومن أنفع ما قرأت من ذلك ما صنعه الدكتور محمد حسن جبل, في كتابه الذي سماه: «الاستدراك على المعجم العربية في ضوء مئتين من المستدركات الجديدة على لسان الع رب وتاج العروس»وقد نشره منذ تسع سنوات, ولعله يمضي في هذا الطريق إلى نهايته, هو ومن يختار من تلاميذه, ثم رأيت في نشرة دار العلم للملايين ببيروت لكتاب «الجمهرة» لابن دريد321 هـ) رأيت في هذه النشرة فهرساً نافعاً جداً في هذا المقريح, سموه: فهرس الجذور غير الواردة في أبوبها. ومثل هذين المستدركين على المعاجم العربية - جمع اللغة التي جاءت في غير المعاجم, واستخراج المواد والجذور المذكورة في غير أبوابها من المعاجم - يمكن أن يقوم بها معيدو أقسام اللغة العربية بالكليات الجامعية, مع شيء من التحليل والدراسة, ويحصلوا بها على الماجستير والدكتوراه, بدلاً من تلك الموضوعات المكرورة المتشابهة التي يدخل فيها اللاحق على السابق. ثالثًا: إعادة نشر معاجمنا العربية التي طح بعت منذ زمن بعيد, بالاستفادة من التقدم الطباعي الحديث, باستخدام الألوان, والتوسع في علامات الريقيم وأوائل السطور والفقرات, وإبراز أوائل المواد وآخرها. ومن أعظم التجارب وأنفعها التي ينبغي الاستفادة منها في هذا السبيل: ما قام به الناشر السوري النابة «رياض دعبول »صاحب مؤسسة الرسالة تلك الطبعة العظيمة من «القاموس المحيط»للفيروزآبادي817 هـ), وقد جاءت هذه الطبعة العالية في مجلد واحد (1750) صفحة, فاختصر المجلدات الأربع التي كان يطبع عليها القاموس قديماً, وقد اتبعت مؤسسة الرسالة هذه الخطوات - في إخراج تلك الطبعة الرائعة من القاموس, التي ظهرت الطبعة الثانية منها سنة 1407 هـ1987 م–: 1- تحلية النص وتنسيقه بإدخال عمات الريقيم. 2- وضع كل مادة جديدة من أول السطر, وتمييز ألفا المادة بالحرف الأحمر 3- إثبات الحواشي أسفل الصفحة مع أرقام في الم تشير إليها وتدل عليها
عدد الصفحات ٣٢٣324 4- إثبات إشارة خط هكذا- (باللون الأحمر) للدلالة على أن الكلمة كررت في ذاك الموضع لإيراد معنى آخر لها, فهذا الخط هو بديل عن إعادة كتابة الكلمة. 5- تخريج الآيات القرآنية وقراءاتها, وتبيين الشاذ من القراءات 6- جحعلت الآيات القرآنية بين قوسين مزركشين, والأحاديث الشريفة والأمثال بين قوسين صغيرين. 7- أحثبت في أعلى كل صفحة أول وآخر مادة فيها, تسهيلاً للعثور على المادة. وعلى نحو من هذا الإخراج الميسر طح بع من «تاج العروس»ثمانية وعشرون جزءاً, وبقي منه اثنا عشر جزءاً, والمأمول من وزارة الإعلام بالكويت التعجيل بإخراج هذه الأجزاء الباقية من الكتاب الذي ظهر الجزء الأول منه عام 1965م رابعاً: إعادة نشر «لسان العرب »أشهر المعجمات العربية وقد طح بع أول مرة بمطبعة بولاق سنة 1300 هـ, فقد مضى على طبعه115) سنة, وقد آن الأوان لكي نظهره في طبعة تليق به, وتيسّ ر سبيل الانتفاع به, باستخدام التطور الطباعي الحديث كما ذكرتح , ثم تخليصه من شوائب التصحيف والتحريف التي مح ني بها, وذلك بجمع كل ما كتبه أهل العلم في ذلك, ومنهم العلامة المغفور له أحمد تيمور باشا, وقد نشر جزءين صغيرين في تصحي. اللسان, أحدهما في مطبعة الجمالية سنة 1334 هـ, والآخر في المطبعة السلفية سنة 1343 هـ, وكذلك صنع أستاذنا عبد السلام هارون, برد الله مضجعه, في كتابه الذي سماه: «تحقيقات وتنب يهات في معجم لسان العرب»وطبعه سنة 1399 هـ 1979 م, وقد استدرك غيرهما شيئاً من ذلك على اللسان, فيحجمع ذلك كله, ويح نزل على منازله من المواد اللغوية, مع مراجعة الكتاب على مراجعة الخمسة التي ذكرتهح ا من قبل, وقد طح بعت كلها. فهذه المقري حات وغيرها مما يخدم لغتنا, وييسّ ر سبيل الانتفاع بمعاجمها, أما ما يقال في تغيير ترتيب المعاجم العربية, وإعمال يد الإصلاح فيها, بالحذف والتقديم والتأخير, فكلام لا يصدر إلا عمن لا يحريم لغته, ولا يعرف تاريخه, وربنا المستعان.
عدد الصفحات ٣٢٤325 * * *
عدد الصفحات ٣٢٥326 الكتاب .. والتواصل العلمي (1) تلقيت في بريديموعة مختارة من مطبوعات المنظمة الإسلامية للريبية والعلوم والثقافة (إيسيسكو), وقد زان هذه المجموعة رسالة رقيقة من المدير العام للمنظمة الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري, ولم أشرف بمعرفة هذا الرجل من قبل, وما دلَّه عليَّ إلا تلك المقالات التي أنشرها بالهلا ل, كما ذكر في رسالته الطيبة الزكية, التي فاضت بالثناء المستطاب علي والرضا الكامل عما أكتب, وهذه نعمة أحمد الله عليها, وأشكر من أسداها, ثم أنشده قول أبي ميلة السعدي: شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي ونوهتَ من ذكري وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وكان الأولى بي الإمساك عن ذكر هذا البيت الثاني, لولا حلاوة هذا الشعر, وقوة الآصرة بين البيتين, وإن أردت الكلمة كلها فاطلبها في أما, أبي علي القا, 1/30, وانظر ما استخرجه منها الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز 484 ,ثم اقرأ أخبار أ ميلة في الأغاني 20 /390 (تنبيه: العرب تطلق الكلمة على القصيدة, وهو شائع مستفيض في كتبهم ). ثم أما بعد: فلنقف قليلاً عند هذه الرسالة التي شرفني بها المدير العام للمنظمة الإسلامية, وهي رسالة غريبة في زماننا هذا ذي التعاجيب, فهذا مدير مؤسسة علمية مقرها الرباط عاصمة المغرب الأقصى, يتابع ما يكتبه كاتب في مجلة الهلال بالقاهرة, ويرى في هذا الذي يكتب ما يوجب تحية كاتبه وإهداءه شيئاً من مطبوعات المنظمة, وما أظن هذا المدير القارئ المتابع قد آثرني وحدي من بين الكاتبين بهذا الفضل, فلا شك أنه يقرأ , و لغيري في الهلال, وفي سائر المجلات الثقافية, ليكون في ذلك عون له على أداء رسالته وإنجاح عمل المنظمة التي يتولى إدارتها, ولولا ما جاء في رسالته من ثناء بالغ على كتاباتي, لوضعت رسالته كلها هنا؛ ليرى القارئ الكريم كيف يكون مدير المؤسسة الثقافية, على ما قال أبو (1) مجلة«ال»يوليه 1995 م
عدد الصفحات ٣٢٦327 زياد الأعرا ولم يك أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعاً فقد أتى على مؤسساتنا الثقافية حين من الدهر كانت مناصبها العليا توزع على أساس من التوازنات السياسية, وإرضاء جميع الأطراف, ولا ينبئك مثل خبير, فقد عملت بالمنظمة العربية للريبية والثقافة والعلوم خمس عشرة سنة, ورأيت أنماطاً غريبة من أصحاب هذه المناصب العليا, وبعضهم لا صلة له بالثقافة, لا من قريب ولا من بعيد, حتى إنه كتب ذات يوم: «لقد حضرت فوجت الباب مغلق»هكذا كتب «وجت»وهو يريد«وجدت» وكأنه يكتبها كتابة صوتية, يكتب كما ينطق, وما رأيت هذا المد ير إلا وأنشدت قول البحريي: الآن أيقنت أن الرزق أقسام ... لما تقلد أمر البرد حجام «البرد: جمع البريد, والحجام: هو الذي يتولى الحجامة, وهي المعالجة بفصد الدم, أو امتصاصه بالمحجمة, وكان معروفاً ومستعملاً إلى عهد قريب »وهذا كما ترى أحد مصائبنا الكبرى: أن يوسد الأمر إلى غير أهله, ولو تتبعت مراكزنا العلمية ومنظماتنا الثقافية لوجدت فيها من هذه النماذج الكثير, على ما قالت العرب في أمثالها: «وفي كل واد بنو سعد» ومهما يكن من أمر, فهذه المنظمة الإسلامية للريبية والعلوم والثقافة التي يديرها ذلك المدير المثقف المتابع, أح نشئت في 3 مايو1982 م, واتخذت الرباط عاصمة المملكة المغربية مقراً لها, والمغرب الأقصى, حرسه الله, ثغر من ثغور العربية والإسلام, وما زالت طائفة من أهله قائمة على حراسة موروثها من علوم الإسلام: حفاظاً على مخطوطاتها, وتحقيقاً لنفائسها, هذا إلى فضلهم القديم في شرح آثار المشارقة والعناية بها, فاتخاذ الرباط مقراً لهذه المنظمة الإسلامية, عمل صالح, إن شاء الله, على ما قال الزاهد الكبير يوسف بن أسباط رضي الله عنه: «وإنما يطيب الموضع بأهله» كما كان من العمل الصالح أيضاً اتخاذ منظمة المؤتمر الإسلامي مدينة استانبول مقراً لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية. ولاستانبول في تاريخ الإسلام أيام بيض وصفحات مضيئة, ذكرتح شيئاً منها في الهلال (ديسمبر 1994) في كلمة عنوانها «تركيا
عدد الصفحات ٣٢٧328 والمخطوطات العربية»(راجع ص312 من هذا الكتاب التعريف بالرياث الإسلامي: وتعلن هذه المنظمة الإسلامية للريبية والعلوم والثقافية عن غاياتها وأهدافها التي تحرص على صيانة الرياث الإسلامي ورعايته والتعريف به, كما تعمل على دعم الثقافة الإسلامية الأصيلة وحماية استقلال الفكر الإسلامي من عوامل الغزو الثقافي والمسخ والتشويه, ولتحقيق هذه الغايات تق وم المنظمة بعقد الندوات التي تتناول موضوعات بعينها, أو شخصيات بخصوصها, ثم تقوم بطبع حصيلة هذه الندوات في كتب يقرؤها الناس على مكث, وبجانب هذه المطبوعات الخاصة تقوم المنظمة بتحقيق ونشر ما تراه صالحاً ومفيداً من عيون المخطوطات العربية. ومن هذا وذاك وصل إ,ّ من مطبوعات المنظمة: 1- الإمام الطبري في ذكرى مرور أحد عشر قرناً على وفاته (فقيهاً ومؤرخاً ومفسراً) جزءان. 2- الإمام الشافعي, الاحتفاء بمرور اثني عشر قرناً على وفاته 3- أحمد بابا التمبكتي, بمناسبة مرور أربعة قرون ونصف على ولادته 4- الأحكام الصغرى, لأبي بكر ابن العر المتوفى سنة 543 هـ, وهو مختصر كتابه أحكام القرآن الذي نشر بمطبعة عيسى البابي الحلبيب بالقاهرة سنة 1376 هـ 1957 م بتحقيق الأستاذ علي محمد البجاوي, رحمه 5- التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرق- من الظلمة والغاصبين - لأبي زكريا الشبلي, من علماء الق رن الثامن الهجري. وهذا الكتاب خاص بوجوه الأموال الحرام, وطرق الكسب غير المشروع - كما يقال في أيامنا - من التعدي على الأموال, والغصب والإكراه, والربا والرشوة, والشركات الفاسدة, وكذلك ظلم أصحاب الوظائف العامة وغيرهم من أصحاب القوة والنفوذ والسلطان, مما يدخل في أحكام القانون المدني الإسلامي, أو أحكام القانون الدو, الإسلامي. 6- المهذب في الكحل المجرب, لعلي ابن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النفيس المتوفى سنة 687 هـ (والقرشي هنا تضبط وتقرأ بفت. القاف وسكون الراء
عدد الصفحات ٣٢٨329 نسبة إ «قرش»اسم بلد فيما وراء النهر - نهر جيحون, المسمى نهر أموداريا, بوسط آسيا), وبعض الناس ينطقه «القرشي»بضم القاف وفت الراء, بظنه نسبة إلى «قريش»وهو ما أسميه أخطاء الإلف والعادة 7- الكافي في الكحل, لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي, من علماء القرن السابع الهجري, وقد ذكر محققا الكتاب أن من أهم ما يميز هذا الكتاب: (أ) أنه أول كتاب يضم رسماً توضيحياً لتشري. الدماغ, وعلاقة العينين به, والطريق الذي يسلكه البصر بين العينين والدماغ. (ب) أنه أول كتاب يضع رسوماً للأدوات الجراحية المستعملة في جداول أنيقة. (ج) أنه أول كتاب يضع جداول منظمة أنيقة لأمراض الأجفان والعينين وآلية الإبصار. (د) أنه أول كتاب يفرد فصلاً خاصاً عن المكاييل والأوزان والمقاييس المستعملة في الطب آنذاك, وتعتبر هذه المقادير التي ذكرها أوفى من تلك المقادير التي ذكرها ابن سينا في آخر كتابه «القانون» (هـ) أنه أول كتاب يفرد فصلاً خاصاً عن الفصد, ويعتبر ما ذكره المؤلف عن الفصد, أوفى مما كتبه عنه ابن سينا في الجزء الأول من كتابه «القانون» وهذا الكتاب والذي سبقه, من تراث العرب العلمي, وهو من الفنون التي لا يحقب ل عليها الناشرون كثيراً؛ لأن جمهورها قليل, فلا تحقق لهم عائداً مادياً مجزياً أو غير مجز , فلم يبق إلا هذه المنظمات الكبرى, والهيئات العلمية التي قامت في السنوات الأخيرة في أكثر دول الخليج, تابعة للجامعات هناك, أو مستقلة عنها, وقد أحسنت هذه المنظمات والهيئات في نشر طائفة كبرى من عيون الرياث العربي, في مختلف العلوم والفنون, وبعض هذا الرياث المنشور ذو أجزاء كب يرة, مما لا يقبل عليه الناشرون أيضاً. وقد ضمت مكتبتي معظم هذه المطبوعات؛ لعلاقات خاصة بيني وبين القائمين على تلك المنظمات والهيئات, أو لأخذ رأيي أحياناً فيما يح نشر. وأذكر من هذه الهيئات: مركز البحث العلمي وإحياء الرياث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة , وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض, والمجلس العلمي - إحياء الرياث الإسلامي بالمدينة
عدد الصفحات ٣٢٩330 النبوية وبدولة الكويت: وزارة الإعلام, ووزارة الأوقاف, وقسم الرياث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي. ومركز جمعة الماجد للثقافة والرياث بدبي, وهو مركز نشط جداً, والقائمون عليه يعملون وفق خطة محكمة, ومنهج رشيد, وحماسة بالغة. وإذا كانت هذه المطبوعات العظيمة لتلك المؤسسات والهيئات تتاح , ولغيري - وهم قلة - ممن لهم صلات مشاركة وتوجيه أو صداقة مع هذه المؤسسات, فما هو حظ القارئ العربي وغير العربي من هذه المطبوعات؟ إن الكتاب المطبوع هو أساس التواصل العلمي, والأصل فيه أن يكون متاحاً لكل قارئ, إما بالشراء وإما بالإهداء وإما بالإيداع في دور الكتب العامة. أما الشراء فليس متاحاً لكل الناس؛ لأمرين: الأمر الأول أن بعض هذه الهيئات لا تطرح مطبوعاتها للبيع, والأمر الثاني أن بعض هذه المطبوعات ذات أجزاء كبيرة, قد يصل بعضها إلى عشرة أجزاء, فلو عح رض للبيع لشق ثمنه على كثير من أهل العلم. وأما الإهداء فدائرته محدودة جداً, على أن في هذا الإهداء بعض الآفات, وهو أنه يوجه أحياناً لمن لا يعرف قدره, أو لا يدرك وجه النفع منه, وأعرف بعض من يهدى إليهم كانوا يريكونه في الفندق؛ استثقالاً لحمله, أو فراراً من مؤونة الوزن الزائد وتكاليفه في شركات الطيران. أهمية إيداع المطبوعات: فلم يبق إلا الوجه الثالث, وهو إيداع المطبوعات في المكتبات العامة, وهذه المكتبات العامة ينبغي أن يح نظَ ر إليها على أنها: إما أن تكون مكتبات الدولة القومية, مثل دار الكتب المصرية, والخزانة العامة بالرباط, وإما أن تكون مكتبات الجامعات (مكتبة الجامعة نفسها, ومكتبات كلياتها ومعاهدها العليا). فواجب على المنظَّ مات والهيئات العلمية التي تح عنى بطبع الكتاب العربي, أن تتيحه لهذه المكتبات العامة, واجباً حتمياً ونصيباً مفروضاً , لا مسامحة فيه, ولا معذرة عنه. وكنتح زمان عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للريبية والثقافة والعلوم أرى
عدد الصفحات ٣٣٠331 قوائم ثابتة بالمعهد للجامعات والمراكز العلمية, نهدي إلى هذه وت لك جميع مطبوعات المعهد, دون انتظار لطلب أو استهداء. وعلى الجانب الآخر ينبغي أن يكون بمكتبات الجامعات والكليات متابعة دائمة يق ظة لجهات النشر والطبع شرقاً وغرباً, مما يح عرَ ف في علم الكتاب بقسم التزويد, وهذا في رأيي جانب أساسي من عمل مدير المكتبة الجامعية أو أمينها: أن يتابع ما يح نشَ ر, ويستهدي جهات النشر, فليس عمله فقط هو استقبال الكتب وتصنيفها وتوزيعها على الأرفف, وفق نظام «ديوي»أو تنظيم القراءة أو الإعارة بالمكتبة ومما يح قريح هنا أن تقوم بكل كلية لجنة دائمة, يختارها عميد الكلية بريشي. من رؤساء الأقسام, وت كون مهمة هذه اللجنة معاونة مدير مكتبة الكلية في متابعة ما يح نشر, واستهداء المراكز والهيئات العلمية, وأقريح أيضاً أن يكون جمهور هذه اللجنة من المعيدين والمدرسين المساعدين؛ لأن هؤلاء وهؤلاء أقرب إلى الكتاب, وأكثر حاجة له. ومن وراء الإهداء والاستهداء تبقى قضي ة بالغة الأهمية, وهي غياب مطبوعات هذه المنظمات والهيئات العلمية عن وسائل الإعلام ففي كل صحيفة ومجلة من صحفنا ومجلاتنا صفحات للأدب والثقافة, ترى فيها أبواباً ثابتة عن «الإصدارات الجديدة »لكنك تطالع من هذه الإصدارات إلا المجموعة القصصية لفلان, والديوان الشعري لفلان, وكأن دنيا العلم والمعرفة قد خلت إلا من هذه القصص وتلك الأشعار, على ما في بعض هذه وتلك من بَ رد وغثاثة. ويبدو أن هذه الإصدارات إنما يسعى بها أصحابها إلى صفحات الجرائد والمجلات, لتصنع لهم شهرة لا تقدم في طريق العلم أو الفن شيئاً. ولو كانت الأمور تُري على وجهها الصحي. لكان المشرفون على هذه الصفحات الأدبية هم الذين يسعون بأنفسهم إلى جهات النشر, ويتابعون نشاط المطابع في كل مكان وفي كل علم. وأذكّ ر هنا بما كان يصنعه الشاعر المحقق حسن كامل الصيرفي رحمه الله, في مجلة الكتاب العربي, التي كانت تصدرها الدا ر المصرية للتأليف والريجمة في منتصف الستينات, فقد كان - وهو مدير تحرير هذه المجلة - يحرر باباً عنوانه: (أخبار الكتاب العربي في العالم), وكان
عدد الصفحات ٣٣١332 يبذل فيه جهداً طيباً في ملاحقة أخبار الكتاب شرقاً وغرباً
عدد الصفحات ٣٣٢333 ولو كانت الأمور تُري على وجهها الصحي. أيضاً لكان مندوبوالصحف في عواصم العالم هم الذين يزودون صحفهم بالنشاط الفكري والطباعي في البلدان التي يقيمون بها, فما ينبغي أن يكون عمل مندوب الجريدة في الخارج هو متابعة أخبار السياسة, ليس غير. وبذلك كله يكون الكتاب هو الرافد الصحي. للتواصل العلمي بين الأفراد والجماعات. ولم يبق إلا تقديم أصدق التحية إلى الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري, المدير العام - المثقف المتابع - للمنظمة الإسلامية للريبية والعلوم والثقافة, الذي فت. لنا هذه الأبواب من القول. * * *
عدد الصفحات ٣٣٣334 المتنبي .. وعلم المخطوطات (1) يبدو أن أبا الطيب سيظل الدنيا ويشغل الناس, فما يكاد الأدباء يفرغون من قضية من قضاياه حتى تظهر لهم قضية أخرى. وكان من سوالف الأقضية أني دح عيتح من ق بل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض حاضرة المملكة العربية السعودية, للقيام بعمل هو من أحب الأعمال إلى نفسي وأعلقها بقلبي , وهو النظر فيما جمعته عمادة شؤون المكتبات بالجامعة, من نوادر المخطوطات ونفائسها, واستصفاء طائفة من تلك النوادر والنفائس, وتقديمها لأهل العلم؛ شاهداً ودليلاً على أنه لا يزال في الزوايا خبايا. والندرة أو النفاسة في علم المخطوطات ترجع إلى عدة أمور, منها: (أ) أن يكون المخطوط بخط المؤلف, وهي الغاية التي ليس وراءها غاية. (ب) أن يكون المؤلف قد أملى المخطوط على أحد تلاميذه فكتبه, وأثبت هو عليه خطه بصحة القراءة عليه, أو سماعه, أو إجازته. (ت) أن يمتلك المخطوط أحد العلماء المشهورين, ويثبت عليه خطه بالقراءة أو التملك. (د) أن يكون المخطوط وحيداً لا توجد منه إلا هذه النسخة. (هـ) أن يكون المخطوط قديم النسخ. وهذا هو المعيار العام في تقديم المخطوط, وهو الق دَ م والقرب من المؤلف. على أن هناك أسباباً أخرى للندرة والنفاسة, ولا يمكن حصرها والإحاطة بها هنا, وإنما يظهر منها الشيء بعد الشيء, ومعرفة ذلك موكولة إلى ثقافة المفهر س, ومعرفته بتاريخ الكتب وحال المطبوع منها, وعن أي أصول خطية حح قّ ق الكتاب, ولا يتأتى هذا إلا بعد دح ربة وكثرة تفتيش, ومجالسة ومشافهة أهل العلم, وقد أدركتح طائفة منهم كانت أحوال المخطوط والمطبوع من تراثنا عندهم على طرف الثما م. (1) مجلة«العر»العدد440, يوليو1995م
عدد الصفحات ٣٣٤335 وقد يطبع الكتاب ويشيع, وتكثر إفادة الدارسين منه وإحالتهم عليه, ثم تظهر منه مخطوطة تشتمل على زيادات ليست في ذلك المطبوع منه, والأمثلة من ذلك كثيرة, أكتفي منها بمثال واحد: هو شرح ديوان المتنبي للواحدي, والواحدي هو: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد المتوفى بنيسابور سنة 468 هـ, وهو عالم بالتفسير والأدب, ومن أشهر تصانيفه أسباب نزول القرآن الكريم, وتفاسيره: البسيط والوسيط الوجيز. ويـح عَ دُّ شرحه لديوان المتنبي من أقدم شروحه وأحسنها, وقد تنبه له المستشرقون منذ زمن بعيد, فنشره المستشرق الألماني فريدرك ديريصي بمدينة برلين سنة 1276 هـ- 1860م أي منذ 135 عاماً, وما زالت هذه هي الطبعة الوحيدة التي بأيدي الناس مخطوطة نفيسة: وقد رأيت من هذا الشرح مخطوطة نفيسة في أثناء عملي بعمادة شؤون المخط و طات بجامعة الإمام محمد بن سعود التي أشرت إليها. وهذه المخطوطة منسوخة سنة 680 هـط نسخي جيد مضبوط, وكح تبت أبيات المتنبي بخط الثلث الكبير. وفضلاً عن ق دم هذه المخطوطة وجودة خطها فقد اشتملت على خاتمة لم تأت في طبعة برلين المذكورة, وهذا نصها, يقول الواحدي: «هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه, وهو خمسة آلاف وأربعمائةوأربع وتسعو ن قافية. وكان الفراغ من هذا التفسير والشرح اليوم السادس عشر من شهر ربيع الآخر, سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وإنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه, اجتماع أهل العصر قاطبة على هذا الديوان, وشغفهم بحفظه وروايته, والوقوف على معانيه, وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب, جاهليها وإسلاميها, إلى هذا الشعر, واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضراتهم وخطبهم ومقاماتهم, وحتى كأن الأشعار كلها فقدت, وليس ذلك إلا لرياجع الهمم وخلو الزمان عن الأدب, وتقاصر الرغبات, وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيدة من رديئه, ومطبوعه من متكلّ فه. ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول, أو يفي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته, وإنما المفزع فيه إلى فسر جني, وهو في ذلك كقول من قال:
عدد الصفحات ٣٣٥336 أصبحت ترجو الغوث من قلبي ... والمستغاث إليه شغل وأنه اقتصر في كتبه على تفسير الألفا , واشتغل بإيراد الشواهد الكثيرة والنحو والغريب, حتى اشتمل كتابه على عح ظم نوادر أبي زيد, وجميع أبيات سيبويه وأكثر مسائله, وزهاء عشرين ألفاً من الأبيات العريبة, وحشاه بحكايات باردة, وأخبار من العرب غريبة نادرة, لا يحح تاج في فسر هذا الديوان إلى شيء منها. والله تعالى ذكره يتغمدنا وإياه بسعة رحمته, وجميل عفوه, إنه الغفور» فهذه الخاتمة التي انفردت بها تلك المخطوطة أفادتنا عدة فوائد (أ) تاريخ فراغ الواحدي من شرحه, وأن ذلك كان قبل وفاته بست سنوات, فيكون قد ألفه وهو في تمام نضجه العلمي. (ب) ذكره لدواعي تأليفه. (ج) ما يفهمه الناقد البصير من خبئ هذا الكلام, وكشفه عن رأي الواحدي في شعر المتنبي جملة, وكأنه يريد أن يقول: إن أبا الطيب لا يستحق كل هذه الضجة, وإنه لا ينبغي أن يحح جب بشعره شعر الأوائل. (د) نقده لشرح ابن جني لشعر المتنبي, وكأنه يريد أن يقول: إن إخضاع الشعر لقضايا النحو واللغة, على نحو ما يصنع ابن جني ومن على شاكلته, لا يكشف عن جوهر الشعر, ولا يستشرف آماده الرحبة الواسعة. وهذه الفائدة التي جاءت بها مخطوطة شرح ديوان المتنبي, وأخلت بها مطبوعته, تقودنا إلى أهمية البحث الدائم عن المخطوطات العربية, وعدم الإخلاد إلى الراحة, والتعويل على ما بين أيدينا من المطبوعات. حاجتنا إلى المخطوطات: ويأتي السؤال المهم: هل نحن في حاجة إلى مخطوطات جديدة, تكشف عن تراثنا وتُلوه بعد هذا القدر الهائل من المطبوعات, منذ ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي؟ وأقول: نعم, نحن في حاجة لا تنقطع إلى المخطوطات, وحاجتنا هذه لغايتين: الغاية الأولى: البحث عن تلك المخطوطات التي تريد د في كتب الرياجم والببليوغرافيا لعلمائنا, ويكثر النقل عنها والإحالة عليها في كتب اللاحقين, ولا نرى لها وجوداً في
عدد الصفحات ٣٣٦