المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ٢٠ من ٢٢

305 أولاً: ذهاب الكبار بالموت أو بالملل أو بالمصانعة: والموت لا مرد له ولا حيلة فيه, وبموت الكبار يضيع الصغار ويذهب العلم, أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يح بق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسح ئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»صحي. البخاري (باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم) 1 /36. أما الملل فهو من كواذب الأخلاق, كما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه, على أن بعض كبار أدبائنا معذورون فيما دح فعوا إليه من الملل, لما يرونه من فساد لم ينشأوا عليه, ولما حاق بهم من أذى أضيروا منه. وأما المصانعة فهي داء خبيث, لا معذرة له ولا مسامحة فيه, وبالمصانعة هذه خاض بعض كبارنا فيما يهزل به مدعو الأدب والحداثة, وكأن هؤلاء الكبار خشوا على أنفسهم آفة النسيان, وأرادوا أن يكونوا ظاهرين في الأرض, وكأنهم يقولون: لأن نكون في جلبة الأضواء خير من أن نكون في صمت الظلام, وهم يعلمون في دخيلة أنفسهم أن هذه الأضواء خادعة, وأن مدها منقطع, لأن مولدها ضعيف, ولا ينقضي عجبي من بعض هؤلاء الكبار, وهم من تلاميذ طه حسين وأمين الخو, وأحمد أمين ومصطفى السقا وإبراهيم أنيس, وبقية هذا الجيل العظيم, ك يف يسكت ون على هذا العبث, بل كيف يتعاملون معه ويحضرونه ويقدمونه, بل ويدافعون عنه, وهم يعلمون باليقين الذي لا يدخله شك أنه لا طائل تحته ولا غناء فيه. ثانياً: قلة المحصول اللغوي عند الكتاب: والقلة تغري بالقلة, والفقر يقود إلى الفقر (وهذا كلام موزون وقع , اتفاقاً من غير قصد كما ترى), ولو تأملت ما يكتبه كثير من الأدباء الآن لوجدته يدور حول طائفة محدودة من أبنية الأسماء والأفعال والحروف, مع العجز عن تحريكها والتصرف فيها وفق قوانين العربية التي حدثتك عنها في المقال السابق, وإنما هي أبينة وأدوات تح رصُّ رصَّ اً, بلا دم ولا روح, وكأنها الدمى, وكأن ذلك الأديب يكتب بلغة أجنبية ليس له بها أنس, ولا يشدُّ ه إليها تاريخ وموروث. وليس يخفى أن قلة المحصول اللغوي والعجز عن التصرف في الكلام إنما يرجعان إلى قلة

عدد الصفحات ٣٠٥

306 القراءة وضعف الزاد, فالأديب لكي يكتب أدباً عالياً جميلاً لا بد أن يكون على صلة لا تنقطع بالقراءة, وأن يجعل من يومه نصيباً مفروضاً للمراجعة والاستزادة, فالإبداع -كما يقال في هذه الأيام - لا بدَّ له من مدد, والمدد ليس له إلا طريق واحد, هو القراءة الرشيدة المستمرة, ثم التأمل. وتقرأ في كتب الرياجم والطبقات أن العالم الفلاني صنف ا لكتاب الفلاني بعد أن قرأ له كذا كتاباً, فالصالحي الشامي المتوفى سنة 942, يذكر أنه ألف كتابه «سبل الهدى والرشاد سيرة خير العباد»من أكثر من ثلاثمائة كتاب, وروى عن إمام الحرمين الجويني المتوفى سنة 478, أنه قال«ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من ك م القاضي أبي بكر وحده اثني عشر ألف ورقة»طبقات الشافعية الكبرى لابن السك5 /185, وأبو بكر في هذا النص هو محمد بن الطيب الباقلاني, من كبار المتكلمين الأشاعرة, وصاحب «إعجاز القرآن»فهذا أثر القاضي أبي بكر وحده في محفو إمام الحرمين, فكيف يكون أثر العلماء الآخرين؟ لكن الملاحظ والمشاهد الآن أن الأدباء يتكلمون أكثر مما يقرأون, وأن ما تقرأه من مصطلحات في القصة والرواية والشعر والنقد, إنما هي مسموعات, تريدد في الندوات, يتلقفها بعض من بعض, ولا خير في ذلك كله, فقد قال ابن قيم الجوزية: «من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه» ثالثاً: تسويغ العجز باصطناع نظريات تمهد له وتسانده: وفي ذلك الطريق جاءت مغالطات شتى, وجاء خداع كثير, فقيل مثلاً: إن العناية بتحسين العبارة أصباغ وزخارف, وأنها تكون على حساب المعاني والأفكار, وأن التفكير والموضوعية يأبيان الزخارف والأصباغ, وأن غايتهما الحقائق ليس غير, وقد تبع ذلك التفرقة بين الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي, تفرقة تفضي في نهاية الأمر إلى التهوين من الأسلوب الأدبي, ووصف من يحسن البيان بأن كلامه «كلام إنشاء»وقولهم في سياق المدح: إن فلاناً يكتب كما يتكلم وقيل أيضاً: لا ينبغي التعامل بالكلام المأثور, حتى لا يجد القارئ نفسه يتعامل في المنزل والشارع بلغة, وفي الكتاب بلغة الشعر الجاهلي, وأننا يجب أن نصطنع لغة تقرّ ب الفجوة بين الشارع والكتاب, وهذا كلام غير صحي. - فضلاً عما فيه من لعب وخداع - لأن

عدد الصفحات ٣٠٦

307 هذه الفجوة لا بد أن تكون قائمة وثابتة, ففي كل لغات الدنيا فرق بين لغة العامة ولغة الخاصة (وانظر مقالتي عن الشيخ الشعراوي واللغة - ص 280, وتقديمي لكتاب الأستاذ محمود رؤوف أبو سعده: من إعجاز القرآن - ص 270.) وقيل أيضاً: إن أحسن الأساليب هو ما لا يحتاج معه القارئ إلى مراجعه معجم, وهذا مما يفت به الشباب المبتدئون, والكلام مقلوب, والقضية معكوسة, فإننا إذا لم نراجع لبعض ما نكتب شيئاً من المعاجم فإننا نكون قد وقعنا في حمأة العامية والكلام السوقي, واستوى في ذلك عالمنا وجاهلنا. ولماذا كانت المعاجم, ولأي غاية وضعت؟ حسن البيان: ولقد كان من أشنع الخطأ هنا وأغلظه : الخلط بين المحسّ نات اللفظية وتحسين العبارة, وبينهما فرق لا يخفى, فالمحسّ نات اللفظية هي أنماط تعبيرية محصورة في قواعد محددة بشواهد معينة, أما تحسين العبارة الذي هو البيان, فمجاله واسع رحب, وهو قائم على أسباب كثيرة, من الغنى اللغوي, واختيار الأبنية الشاع رة المتجانسة, من الأسماء والأفعال والأدوات, وإحكام بناء الجح مل وحسن تنسيقها, وإشاعة الألفة بينها, وقدرة الكاتب في ذلك كله على أن ينشئ علاقةَ أنس بين قارئه وبين ما يكتب. إن الكاتب المبين يجعلنا نحب بعض الكلمات ونعشقها, ترى هذا في أسلوب الجاحظ وأبي حيان الت وحيدي (إذا نسي مشاكله النفسية) ومصطفى صادق الرافعي, ومحمود محمد شاكر. وحسن البيان لا يمنع من الإلمام بهذه المحسنات اللفظية إذا جرت على قلم الكاتب في حاق موضعها غير متكلَّ فة ولا مستكرَ هَ ة. على أن هذه المحسنات اللفظية ليست سيئة السمعة, على نحو ما يلقيه بعض أ ساتذة البلاغة على طلبتهم, وأنها قائمة على التكلف والتزييف, إن المحسّ نات اللفظية باب ضخم من أبواب الجمال في البيان العربي, وما يجيء منها متكلفاً يعاب ويذم, كما يعاب التكلف في كل شيء ويذم, وكيف تعاب المحسنات اللفظية جملة, وقد جاء منها في كلام ربنا عز وجل وك لام نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام العرب وأشعارها, قدر صالح, ألم تقرأ قوله تعاوينأون عنه26]

عدد الصفحات ٣٠٧

308 سبإ بنبإ يق22[ })22]«المجازات النبوية»للشريف الرضي, وشعر أبي تمام على وجه الخصوص. إن كثيراً من شواهد التورية والجناس تحح د ث إمتاعاً للنفس لا مزيد عليه, فضلاً عما يستخرجه بعضها من أسباب الضحك والبهجة, وكثير من نكاتنا المصرية تُري على هذا الباب, ولولا الجد الذي نحن فيه لأمتعتك بشيء منها. وكأن هذه السمعة السيئة للمحسّ نات اللفظية قد استقرت عند بعض الناس - وهذا هو البلاء العظيم - فقد سمعت أحد الأساتذة في محاضرة له, وقد جاء على لسانه شيء من هذه المحسنات فغمغم بعض الجالسين, فقطع المحاضر كلامه كالملسوع وقال: «لا والله, دي جت كده, غصب عني! »وكأنه يبرأ من عيب يخشى أن يلحق به عاره وأقرأ لبعض ال نقاد, وأسمع لبعضهم فيما يذاع من نداوتهم تنفيراً شديداً من هذا اللون الأدبي, وتحذيراً للشباب منه, فلا أملك إلا أن أتلو قول الله تعا لذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل[ }37]24.] رابعاً: اقرين بتسويغ العجز عن جمال البيان: السخرية منه والإزراء بقائله: على ما قال تعاإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11[ })11] أبو علي الفارسي «من عرف ألف, ومن جهل استوحش »الأشباه والنظائر النحوية للسيوطي 3 /464. ومن أعجب العجب أن أكثر من يسخرون من البيان الآن هم بعض أساتذةالعربية الذين يدرسونها في الجامعات (نحواً وأدباً وبلاغة), وأرجو من قارئي العزيز أن يأذن , مرة واحدة - إن شاء الله - بذكر بعض التجارب الخاصة, واستعمال ضمير المتكلم. بين الدعاية والسخرية: , صديقان أحدهما طبيب والآخر صيد,, يحبان الأدب حباً جماً, ويحرصان على قراءة ما أكتب, ويطربان جداً لما أجتهد فيه من ضروب البيان وتحسين العبارة, وعلى الجانب الآخر يقرأ بعض زملائي من أساتذة العربية هذا الذي أكتب, فيداعبونني بمثل قولهم: إيه الكلام ده؟ إيه الأساليب دي؟ ألفاظك كلها كلاكيع! وأعلم يقيناً أنه لولا المحبة لاستحالت هذه الدعابة سخرية لاذعة وإزراء شديداً.

عدد الصفحات ٣٠٨

309 ودحعيت منذ خمس سنوات إلى ندوة عن «مستقبل ا لتعليم في مصر »أقامها مشكوراً مأجوراً نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة أسيوط, وقدَّ متح بحثاً عنوانه: «استثمار الرياث في تدريس النحو العربي»قدمتح له بمقدمة أدرتها على شيء من البيان فت. الله به علي فتحاً, وقد طرب له كثير من الحاضرين, وكان أكثرهم من الشباب المعيدين والمدرسين المساعدين بكليات الطب والهندسة والعلوم والتجارة, وأخذ هؤلاء الشباب يلاحقونني فيما بين الجلسات, يطلبون المشورة والدلالة على كتب العربية التي يقرأون فيها مثل هذا الكلام الذي جرى على لساني. أما أساتذة العربية الذين حضروا الندوة - ومنهم كبار في السن والدرجة - فقد سخروا مني سخرية شديدة, أعلنوها ولم يكتموها, وكان بعضهم يناديني هكذا: تعال يا بتاع الرياث, قول يا بتاع الرياث, ازيك يا بتاع الرياث! (لكني أشهد في تلك الأ يام أن الأستاذ الدكتور حامد عمار - وكنت قد اختلفت معه في هذه الندوة - قال , ونحن في القطار من أسيوط إلى القاهرة بالحرف الواحد: يا أستاذ اثبح تْ على ما أنت عليه, فإني سعيد أن أرى إنساناً يتحدث عن لغته وتراثه بهذه الحماسة), وهذا إنصاف من الرجل, وهو شأن الكبار, أما الصغار فما أجرأهم على لغتهم وعلى تاريخهم, ومهما يكن من أمر فإنه من العار أن يذم الناس مذهبهم, ويهجنوا طريقهم, هل تعرف طبيباً يذم مهنة الطب؟ وهل تُد مهندساً يحتقر حرقة الهندسة؟ قد يشكوان إرهاقاً أو أعباءً, أما أن يكون ذم ومعابة فلا. وقد انتقلت سخرية الأساتذة إلى تلاميذهم من معلمي العربية في مدارسنا الآن: سأل مدرس اللغة العربية التلاميذ في الثانوية العامة عن مرادف لعبارة «رغد العيش»فأجاب ابني «بلهنية»فضحك المدرس ضحكة عالية وسخر منه قائلاً«إيه يا خويه؟»وحمدت الله أن وقف المدرس العابث بالسخرية عند هذا الحد, فإن لهذا الريكيب الذي نطق به ذلك المدرس تكملة سوقية يعرفها أهل السخرية, ولعله قالها وكتمها ابني عنيّ ! أرأيت أيها القارئ العزيز؟ إنه أمر محير فعلاً, وهو يحتاج إلى محلل نفسي لا إلى كاتب مثلي. خامساً: الكسل والإخلاد إلى الراحة: أعرف نفراً من زملائي الجامعيين, أعرف نشأتهم العربية الأصيلة, وأقرأ لبعضهم شعراً عذب النغم, فصي. الأداء, آسر النغمة, وأحاورهم

عدد الصفحات ٣٠٩

310 فأقع منهم على كل لطيفة ودقيقة من الفطنة والقول الحسن ولكنهم إذا كتبوا قرأت كلاماً خفيفاً يخدعك عن حقيقة أمرهم وما عندهم من العلم والأدب, ولا تفسير لذلك عندي إلا الكسل وطلب الخفة, و «طلب الخفة »مطلب نحوي, ولكنه لا يحمد في الأدب والبيان. ويبقى أن أقول: إن إهمال البيان والتأنق في الكلام وتحسين العبارة قد أدى إلى هجر كثير من أبواب النحو, وقلة استعمال بعضها في كتابات الكاتبين الآ ن مثل البدل, وبخاصة بدل البعض وبدل الاشتمال, و «كان»التامة في مثل قوله تعا إلى ميسرة280 ,]و«كان»الزائدة في نحو: ما كان أغناك عن هذا , وقول قتيلة بنت النضر بن الحارث, تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنقح واسم الفاعل واسم المفعول العاملان في الريكيب, والمصدر الميمي والمصدر المؤول, وبعض جموع الت كسير الفصيحة, وزيادة الباء في خبر «ليس»وفي خ«ما»مع كثرة ذلك القرآن وكلام الفصحاء, ولا يزال ذلك يجري على ألسنة الناس في الخطاب اليومي في السعودية والكويت, يقولون: ما أنا بمبطئ عليك, وما أنا بناسي كلامك. ومما أح همل أيضاً المفعول المطلق المؤكد للفعل, فأنت لا تكاد تقرأ لكاتب يقول: كلمته كلاماً, من غير أن يضيف إليه وصفاً, فيقول كلاماً شديداً ونحوه, مع مجيء ذلك بكثرة في الفصي., ومنه قوله تعانافقين يصدون عنك صدودا (61[ })61 ,] ومن الغريب أن هذا المفعول المطلق مستعمل بكثرة في عاميتها المصرية, تقول: أكلت أكل - شربت شرب - نمت نوم - الأهلي لعب لعب. ومن ذلك باب تعدي الأفعال بنفسها أو بحرف الجر, مثل شكرته وشكرت له, ونصحته ونصحت له, فلا يكاد الكتاب يستعملون إلا الأول ... إلى أبواب نحوية أخرى كثيرة أح هملت وعح طلت. على أن من أبواب النحو التي كادت تختفي الآن تماماً, باب التوكيد اللفظي, وهو إعادة الكلمة بلفظها - والاستغناء عنه بالتوكيد المعنوي, وهو التوكيد بالنفس أو بالعين أو بكل وجميع, مع أن التوك يد اللفظي أوسع مجالاً من التوكيد المعنوي, كما قال علم الدين اللورقي

عدد الصفحات ٣١٠

311 الأندلسي المتوفى سنة 611, قال «لأنه يدخل في المفردات الثلاث - يعني الاسم والفعل والحرف - وفي الجمل, ولا يتقيد بمظهر أو مضمر, معرفة أو نكرة, بل يجوز مطلقاً »الأشباه والنظائر النحوية2 /229. ولعل الذي زه د الناس في أيامنا في استعمال التوكيد اللفظي, هو ما تلقَّ وه في دراسة النحو, من مثل: جاء جاء محمد, أو جاء محمد محمد, وهذه أمثلة تعليمية, وفي مثل هذا يقول سيبويه كثيراً: «وهو تمثيل ولا يتكلم به»ويقول ابن ج«التمثيل للصناعة ليس ببناء معتم د»الخصائص3 /97, ولو التمس معلمو النحو أمثلة التوكيد اللفظي من الكلام الفصي. لوجدوا منه أمثلة ذوات عدد تغري باستعماله واعتياده, من نحو قوله تعا21) وجاء ربك والملك صفاً صفاً 22 }) [21 ,22]: لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتي أسعى له فيعنّ يني تطلُّ به ... ولو قعدتح أتاني لا يعنَّ يني وكل حظ امرئ دوني سيأخذه ... لا بد لا بد أن يحتازه دوني ولعدم إلف الناس الآن لهذا التوكيد اللفظي يظن بعض من يقع إليه شيء منه أنه من باب التكرار الخاطئ. كتبت مرة مقالاً بإحدى المجلات, وكنت قد كتبت فيه هذه العبارة: «والكلام هنا طويل طويل»وحين قرأته مطبوعاً وجدت «طويل»مرة واحدة, فأيقنت أن الأخ مصفف الحروف حذف الثانية لأنه ظنها تكراراً مني من باب السهو, وعذره في ذلك واض., لأنه لم يتعود مثل هذا التوكيد اللفظي فيما يح قدَّ م له من كتابات, وعلى ذلك فإنني أنص. من يستعمل التوكيد اللفظي أن يستعمل اللفظ ثلاث مرات لا مرتين, فإن ذلك أبعد من مظنة التكرار وأنفى للبس. وبعد: فإني أخشى أن تكون هذه الحقبة التي نعيشها هي أسوأ الحقب التي مرت بها العربية والبيان العربي. فإن اللغات تنتعش أو تذوي باحريام أهلها لها وممارستهم لها, وما أظن لغتنا العربية فيما يسمونه - خطأ وتسرعاً بعصور الانحطاط الأدبي - وهو العصر العثماني - لا أظنها في تلك الأيام إلا أحسن حالاً, وأجمل بياناً مما هي عليه الآن.

عدد الصفحات ٣١١

312 والرثاء كل الرثاء لشباب ه ذه الأيام الذين يخح دعون عن تاريخهم وعن لغتهم فيما يقرأون وفيما يسمعون. أما أنا وأنت ومن يجري معنا في حب العربية والبيان العربي, فليس لنا إلا الصبر نعتصم به ونفزع إليه, حتى يكشف الله الكربة, ويزيل الغمة, ويرد الغربة: ما في الصحاب أخو وجد نطارحهح ... حديث نجد ولا صب نجاريه * * *

عدد الصفحات ٣١٢

313 المعاجم اللغوية .. والهجوم الذي لا ينتهي(1) كتـــب أســـتاذنا الكبـــير الـــدكتور شـــكري محمـــد عيـــاد, في عـــدد «المصـــور»17 مـــن مـــارس الماضي كلمـة جعـل عنوانهـا «عاشـق العربيـة»حيَّـا فيهـا شـيخنا أبا فهـر محمـود محمـد شـاكر, وإذا اجتمع للكلمة شرف الكاتب و شرف المكتوب إليه كانت ذخيرة تحح فَ ظ وتصان, وأيضاً فإن الكاتب الجاد يفت. أمام قارئه أبـواباً مـن النظـر, ويسـتخرج منـه ألـواناً مـن الفكـر كانـت دفينة لولا إثارة هذا الكاتب الجاد. وهكذا عوَّ دنا ذلك الأستاذ الجليـل: يمتعنـا بمـا يكتـب, ثم يمـد لنـا مـن حبـال الفكـر والبيـان, ويصلنا بأسبابه, فنمضي معه موافقين أو مخالفين, والكاتب العظيم لا يحفل كثـيراً بموافقـة أو مخالفة, فحسبه أنه يحرك الساكن, ويجري الراكد, ويهز المألوف, بـل إن المخالفـة قـد تعجبـه أحياناً, لأنها تردُّ ه إلى الرأي الأول, فيستدرك فائته ويكمـل نقصـه, فيـزداد جـلاء ووضـوحاً, و قــد يقتنــع بالــرأي المخــالف إذا عــرف صــدقه, ولمعــت أمامــه أنــواره, وثبتــت لديــه صــحته, فيرجـــع عمـــا قـــال راضـــياً ســـعيداً, علـــى مـــا قـــال عمـــر بـــن الخطـــاب في كتابـــه إلى أبي موســـى الأشــعري في القضــاء: «لا يمنعنَّــ ك قضــاء قضــيته اليــوم, فراجعــت فيــه عقلــك, وهــديت فيــه لرشدك, أن ترجع إلى الحق, فإن الحق قديم, ومراجعـة الحـق خـير مـن التمـادي في الباطـل» الكامل للمبرد1 /20. وكان مما قاله الأستاذ الكبير في كلمته عن أبي فهر وإعجابه بجهوده وجهاده في قراءة الشعر الجاهلي وفهمه والإبانة عنه: «وليس بوسع أحد أن ينكر المصاعب التي تكتنف قراءة الشعر الجاهلي, وأولها - لا شك - صعوبة اللغة, فلا بد لنا أن نستصحب الشروح التي قام بها اللغويون القدماء, وربما غصنا في المعاجم القديمة - وهي على ما نعرف من سوء الريتيب - إن أعوزتنا الشروح » هكذا قال أستاذنا, وكنت أحب للعبارة أن تكون «عسر الريتيب»وليس«سوء الريتيب» وليسفى فرق ما بين الكلمتين, على أن «عسر المعاجم»هذا لم يعرف إلا في زماننا (1) مجلة«ال»مايو1995م

عدد الصفحات ٣١٣

314 هذا, لأسباب كثيرة يأتيك حديث عن بعضها إن شاء ومهما يكن من أمر, فإن هذا العبارة من أستاذنا الفاضل تحح مَ ل على أحسن محاملها, على ما قال عمر بن الخطاب أيضاً: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه» طوق الحمامة ص264. نحن لم نعرف من أستاذنا إلا حبه للعربية وإجلاله لموروثها, ورأيه هذا في المعاجم العربية لا يطعن فيها جملة, ولا ينقصها قدرها بمرة, وإنما هو رأي من الرأي, يعرضه صاحبه فيناقش فيه فيقبل منه أو يرد عليه, وليس هو أول من نقد المعاجم العربية, ولن يكون آخره, فما برح أهل العلم منذ مطالع العصر الحديث ينقدون تلك المعاجم, ويكشفون عن جهات النقص فيها, وما يظهر من الاضطراب في ترتيب موادها, مع اختلاف مناهج ذلك النقد وغاياته. يقول الدكتور عدنان الخطيب: «وإذا كان الكلام على عيوب المعجما ت العربية يكاد يكون معاداً أو مكروراً, وإذا كان المهتمون بالمعجم العربي اليوم على شبه اتفاق حول كثير من تلك العيوب, إلا أن العلماء الذين تصدوا لنقد المعاجم القديمة, اختلفوا في أسلوب الكشف عن عيوبها, فكان لكل منهم أسلوبه ونهجه, لهذا كانت عيوب المعاجم عند اللغويين غيرها عند النحاة أو علماء الصرف أو الاشتقاق, وكذلك العيوب التي يراها علماء اللغات غير العيوب التي يراها علماء آخرون يهتمون بنواح تاريخية أو جغرافية أو طبية أو نباتية, أو غير ذلك من النواحي التي اشتملت عليها معاجمنا القديمة, ومن هنا نجد أن نقد الشدياق غير نقد الأب الكرملي, ونقد أحمد أمين غير نقد الأمير الشهابي ...» المعجم العربي بين الماضي والحاضر ص63, وينظر أيضاً المعجم العر- نشأته وتطوره - للدكتور حسين نصار 2 /747, والمعجم العر- بحوث في المادة والمنهج والتطبيق - للدكتور رياض زكي قاسم ص 259. نقد المعاجم العربية ولعل أول من نقب هذا النقب, وفت. ذلك الباب في نقد المعجم العربي, في عصرنا الحديث: هو: «أحمد فارس الشدياق »صاحب مطبعة الجوائب الشهيرة باستانبول كتابه المعروف «الجاسوس على القاموس»وقد وضعه لاستدراك ما فات الفيروزآبادي من

عدد الصفحات ٣١٤

315 «قاموسه ا يط»وردَّ ما وهم فيه من الألفا إلى أصولها, وقد طح بع باستانبول سنة 1299 هـ, وتوفي الشدياق سنة 1304 هـ1887م, ثم تتابعت النقود في ذلك الطريق, وإن اختلفت فيما بينها شرعة ومنهاجاً, على ما تراه مفصلاً في المراجع الثلاثة المذكورة. ولا ينبغي أن ننسى جهود العل ماء القدامى في نقد المعاجم العربية, مثل نقد ابن بري المتوفى (582) لصحاح الجوهري, واسم كتابه «التنبيه والإيضاحعما وقع في الصحاح» ويعرف أيضاً بحواشي ابن بري على الصحاح, وكذلك نقد صلاح الدين الصفدي المتو (764) للصحاح أيضاً, الذي سماه«نفوذ السهم فيما وقع فيه الجوهري من الوهم» ثم ما نثره الفيروزآبادي المتو817) من نقد للصحاح, من خلال«القاموس المحيط»لكن نقود هؤلاء اللغويين القدامى لم تمس أصول المعجم العربي وقواعده الأساسية, كما نرى في نقود المحدثين, وإنما هو نقد يدور حول التصحيف والتحريف ونسبة الشواهد, وذكر بعض الأبنية في غير أصولها, وإهمال بعض الأصول اللغوية. وليس من غرضي هنا أن أناقش كل ما وحجّ ه للمعجم العربي من نقد, فليس هذا في وسعي ولا في طاقتي, وليس هذا مكانه, وإنما أحب أن أقف عند وجه واحد من وجوه ذلك النقد. وهو ما يقال عن «سوء ترتيب المعجم العربي»أو«تشويش مادته», وهو كلام يريدد بين الكبار والمبتدئين, ولا يكاد يخلو منه نقد من نقود المعجم العربي. وفي رأيي أن الحامل على هذا الوجه من النقد أمران: الأول: المقارنة أو الموازنة الدائمة بين معاجمنا العربية وبين المعاجم الأوروبية, مثل «معجم أكسفورد»و«معجم لاروس»والأمر الثاني: النظر في المعاجم الكبرى فقط, مثل «لسان العرب»لابن منظور المتو711 ,) و«تاج العروس من جواهر القاموس»للمرتضي الزبيدي المتو1205), وهذا في رأيي هو أصل القضية وجوهرها, فالذين يصفون المعجم العربي بسوء الريتيب وتشويش المادة لا يفتأون يقارنون بين سهولة المعجم الأوروبي والوصول إلى المعاني فيه بيسر, وبين صعوبة المعجم العربي والتخبط في أبنيته وتراكيبه, وهي مقارنة ظالمة, بل هي غير صحيحة, للفرق الضخم بين العربية وبين غيرها من اللغات, فلغتنا لغة اشتقاقية, ومفرداتها بالغة الكثرة, وما زلنا نجد صدق كلمة الإمام الشافعي عن هذه اللغة في قوله: «ولسان العرب أوسع الألسنة

عدد الصفحات ٣١٥

316 مذهباً, وأكثرها ألفاظاً, ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير ن»الرسالة ص42. وما أظن الناظرفي معجم أووربي لمعرفة معنى كلمة أو تركيب يحتاج إلى العدة والأدوات التي يحتاج إليها الناظر في معجم عربي, فهناك مراحل معينة لا بد أن يمر بها الباحث في المعجم العربي ليجد بغيته في ذلك المعجم, وهي تقوم على معرفة الأصل الاشتقاقي للكلمة المراد البحث عن معناها. ومعرفة الأصل الاشتقاقي هذا ترتكز على أسس أربعة: (أ) حذف الزائد. (ب) رد المحذوف. (ج) تصحي. المعتل. (د) فك المدغم. وتحت كل فقرة من ذلك كلام كثير, هو علم الأبنية المعروف بعلم الصرف, وبخاصة أبواب المجرد والمزيد, والإعلال والإبدال, وقد يعرف المرء هذه الأبواب الصرفية, ثم يصعب عليه التهدي إلى موضع الكلمة من المعجم, لعدم المراس والدربة, كما يجد بعضهم صعوبة في موضع «تريى»و«ترقوة»من المعجم, وكذلك موضع ميناء, بل إن بعض الكلمات تأتي في موضعين من المعجم, كما ترى في «البازي»الصقر, يأتي في (بوز) و (بزي), وكذلك كلمة «الصدد»التي تأتي في قولك«بصدد كذا »أو«في ذلك الصدد» تأتي في مادة (صدد), ومادة (صدى), وقالوا في قوله تعا6) } [6]«تتصدد»فلما كثرت الدالات قلبت إحداهن ياء, كما قيل إن قوله تعا10[ })10]«دسسها»بثلاث سينات, فقلبت إحداهن ياء, تنطق ألفاً, ولذلك يأتي شرح هذه الكلمة في موضعين من المعجم, الأول (دسس), والثاني (دسى), ولهذا نظائر أخرى في الأبنية, ومنها: قصيت أظفاري, والأصل: قصصت. أغزر المعاجم اللغوية: فهذا ما كان من الأمر الأول, أمر المقارنة بين المعجم العربي والمعجم الأوروبي. أما الأمر الثاني, وهو النظر في المعاجم ال كبرى فقط, دون المعاجم الأوساط والصغار: فما أظن الذين حكموا على المعجم العربي بسوء الريتيب وتشويش المادة, قد انتهوا إلى هذا الحكم

عدد الصفحات ٣١٦

317 إلا بعد طول معاناة مع أكبر معجمين, وهما «لسان العرب »لابن منظور, و «تاج العروس»للمرتضى الزبيدي, وهذا الثاني هو أغزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولاً, فقد بلغت جذوره اللغوية ( 11978) جذراً, على حين بلغت جذور لسان العرب (9273) جذراً- انظر دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس, للدكتور عبد الصبور شاهين, والدكتور حلمي موسى, نقلاً عن حاشية كتاب الاستدراك على المعاجم العربية للدكتور مح مد حسن جبل ص 7. ومما لا شك فيه أن البحث في هذين المعجمين متعب, ولا سيما لمنيألف التعامل معهما وكثرة النظر فيهما, ولا تنتظر من طالب مبتدئ, أو من شخص محدود الثقافة, يريد معنى كلمة أو تركيب أن يرضى عن كتاب لغة موسوعي كهذين المعجمين, يمتد فيهما الكلام ويطول. إن الحكم الصحي. على هذين المعجمين ينبغي أن يتم في إطار معرفة حال ابن منظور والمرتضى الزبيدي, ثم معرفة حال معجميهما المذكورين, فالرجلان ليسا من واضعي اللغة ولا من رواتها, لتأخر زمانهما كما تعلم, ويليفهما الأخرى تدور حول شروح الكتب واختصاراتها. أما المع جمان اللذان صنفا هما: لسان العرب وتاج العروس فهما تُميع موسوعي ضخم للمعاجم السابقة عليهما بمناهجها المختلفة وتباينها: اتساعاً وضيقاً, وقلة وكثرة. ولقد صرح ابن منظور في مقدمة «اللسان»بأنه جمعه من أصول معجمية خمسة, هي بحسب ذكره لها: تهذيب اللغة للأزهري ( 370 هـ), والمحكم لابن سيده 458 هـ والصحاح للجوهري (حدود 400 هـ), والحواشي عليه لابن بري582 هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح. والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (606 هـ وتمثل هذه المعاجم الخمسة ثلاث مدارس في التأليف المع جمي: المدرسة الأولى مدرسة ترتيب المواد اللغوية وفق مخارج الحروف, وهي مدرسة الخليل بن أحمد, ويمثلها من هذه المعاجم: التهذيب للأزهري والمحكم لابن سيده, والمدرسة الثانية: التي ترتب المواد على الجذور اللغوية (أصل الاشتقاق) واعتبار الحرف الأخير منها باباً يحبنى عليه المعجم, والحرف

عدد الصفحات ٣١٧

318 الأول فصلاً, مع مراعاة الريتيب الألفبائي فيما بين حرفي الباب والفصل, وهذا النظام يحعرف أيضاً بنظام التقفية, فكأن المادة اللغوية المشروحة قافية شعرية يحنظر إلى حرفها الأخير قبل كل شيء, ويمثل هذه المدرسة الصحاح وحواشيه. والمدرسة الثالثة - وهي المدرسة المألوفة لنا - التي ترتب المواد وفق الأول والثاني والثالث - ويمثلها النهاية لابن الأثير. وقد ارتضى ابن منظور من مناهج هذه المدارس منهج المدرسة الثانية, مدرسة «الصحاح» ورتب كتابه «اللسان»على أساسها, وأخضع المدرستين الأخريين لها, ويصرح ابن منظ ور في مقدمته بأن عمله في معجمه لم يخرج عن حدود ما في مراجعه الخمسة, وإن كان قد استطرد إلى ذكر فوائد من قراءاته وسماعاته, ثم تعقب في أحيان قليلة بعض ما وجده في مراجعه الخمسة المذكورة, كما أشرتح إلى ذلك في مقالتي عن «لسان العرب»في الال (مارس 1992م. فقد ظهر إذن أن المادة المعجمية في «لسان العرب»مجموعة من مراجع خمسة, تخضع لمناهج ثلاثة مختلفة كل الاختلاف, وهذا هو سر ما يبدو من التشويش وعسر الريتيب عنده. فالتكرير وارد لا محالة في كتاب موسوعي صرح مؤلفه بأنه لم يخرج عن مراجعه الخمسة, فهو لم يب. لنفسه أن يغير ش يئاً من المادة التي أمامه, غاية ما في الأمر أنه أخضعها لمنهج واحد في الريتيب, وترك كل شيء في الكتب على حاله, إلا أن يتدخل في أحيان قليلة جداً بنقد أو ترجي., ولذلك قد تُد لديه شرحاً لشيء من غريب الحديث والأثر مختلفاً عن شرح آخر للحديث نفسه في المادة نفسها, لاختلاف مرجعه في ذلك, فقد ينقل في المرة الأولى عن «تهذيب اللغة »للأزهري, وفي الثانية عن «النهاية»لابن الأثير, بل قد تُد شاهداً شعرياً غير منسوب لقائل في موضع من المادة, وبعد قليل تُد الشاهد في نفسه منسوباً, وما ذلك إلا لاختلاف مرجعه في الحالين, وقل مثل هذ ا في اختلاف الشروح, والحظر اللغوي أحياناً والإباحة أحياناً أخ ر ى, ولذلك يوصي كبار المحققين في الإحالة على ما في اللسان أن تقول: «جاء في اللسان كذا وكذا »ولا تقول «قال صاحب اللسان, أو قال اللسان» فهذا هو«لسان العرب»كتاب موسوعي, جمع مادة لغوية ضخمة منسة كتب كبار

عدد الصفحات ٣١٨

319 مختلفة المناهج, أخضعها لمنهج واحد, وهو جهد شاق يحسب في موازين الرجل, ولم يكن عدلاً أن ننتظر من مؤلفه أن يصطفي من هذه المعاجم الخمسة معجماً يصنعه على هوانا ووفق مشيئتنا, وعلى حسب مواصفات العصر الحديث - عصر الحاسبات الآلية والكمبيوتر - يجلس الواحد منا متكئاً على أريكته فيجد بغيته من أقرب طريق, ويعثر على ضالته بأقل جهد: الأفعال الثلاثية وحدها, وما زاد على الثلاثة وحده, والأفعال اللازمة وحدها والمتعدية بعدها, ولا بأس أن يميز بين المتعدي بنفسه, والمتعدي بالحرف, بل المتعدي لواحد ولاثنين وثلاثة, والجمو ع يأتي القياسي منها وحده, والسماعي وحده, وأبنية المصادر وحدها وأسماء المصادر وحدها, والمشتقات وحدها. وهذا كله منطق «اللقطة» تصيبها في عرض الطريق, أو«الغنيمة الباردة»تحوزهابغير حول منك ولا قوة. نحن والفهارس: لقد صنع ابن منظور معجمه «اللسان»في أوائل القرن الثامن, ونحن نحاكمه بمنطق القرن الخامس عشر, وقد صنعه لقوم يقرأون الكتب من أولها إلى آخرها, ونحن نلز مه أن يكون قد نظر إلى أبعد من عصره, بل نريده أن يكون قد نظر إلينا على وجه الخصوص, ونحن الآن لا نتعامل مع الكتب إلا عن طريق الفهارس, ولأخذ حاجتنا فقط, وقلَّ أن تُد منا من قرأ كتاباً كاملاً, للمعرفة وحدها, لا للمرجعية فحسب. وما قيل عن ابن منظور و «اللسان»يقال عن المرتضى الزبيدي و«التاج»فقد جمعه الزبيدي من مراجع كثيرة, منها اللسان, وجمهرة ابن دريد, ومقاييس اللغة لابن فارس, وأساس البلاغة للزمخشري, ثم كتب ا لصاغاني, وأخضعها جميعاً للمنهج الذي ارتضاه صاحب اللسان. على أن ابن منظور والمرتضى الزبيدي لو كانا قد أرادا ترتيب المادة اللغوية على ما يريدها الناس الآن, لما استقام الأمر لهما ولا لغيرهما, فهناك أبنية لا تأتي إلا مقرونة بغيرها, كأبنية المصادر التي تأتي عقب الأفعال, وكالجموع التي تأتي مقرينة بالمفرد, ثم هناك الأبنية المرتبطة بالنصوص, والتي لو عح زلت عن سياقها في شاهدها وسح لكت مع نظائرها لفقدت روح دلالتها, وعندي من هذا وذاك أمثلة كثيرة, لا يتسع المقام هنا لذكرها. وإن تفتيت المادة اللغوية على ما يريده الناس الآن يصادم روح اللغة ونظامها, ولذلك تعجبني كلمة الدكتور

عدد الصفحات ٣١٩

320 رياض زكي قاسم, في كتابه الذي ذكرته من قبل, قال حين تحدث عن عيوب المعجم العربي: «فهذه العيوب تنقسم إلى ثلاث مجموعات: منها ما يمكن تهذيبه, ومنها ما يمكن تطويره وتحديثه, ومنها عصي يرتبط بمسألة تدوين اللغة, وهو ما لا يمكن تهذيبه أو تحديثه»المعجم العربي ص260. فهذا الذي يرتبط بمسألة تدوين اللغة هو روح اللغة ونظامها الذي لا ينبغي أن يمحس بحال, ومن ثم لا ينبغي أن يوصَ ف بعسر ترتيب أو سوء ترتيب, وليس أمام الباحث الآن إلا مد حبال الصبر والاستمساك بعرى الأناة, والتدرج في مراقي الإلف والعادة, لتنفت. له مغاليق هذه المعجمات الكبار, وأعرف أناساً من أهل العلم ثم من شداته والمبتدئين فيه, يقرأون اللسان والتاج في يسر وسهولة, ويقعون على حاجتهم منه في غير مؤونة ولا كلفة. وليس يخفى الفرق بين شخصين, يطلب أحدهما معنى كلمة أو تر كيب, ويريد الثاني تحرير قضية لغوية, تتصل بالأبنية أو الدلالة, فالأول يكفيه معجم صغير, مثل مختار الصحاح أو المعجم الوجيز أو الوسيط اللذين أصدرهما مجمع اللغة العربية بالقاهرة, وفيهما جهد كبير, أما الثاني فلا بد له من أن يركب ال صعب, ويأخذ نفسه بالجلادة والصبر. إن معرفة اللغة والوقوف على شيء من أسرارها لا يكفي فيها اللسان أو التاج, بل لا بد فيها من الرجوع إلى ما لا يحصى من كتب اللغة الصغار والأوساط, وكتب الألفا , ومعاجم المعاني وشروح الشعر, وشروح غريب القرآن و غريب الحديث, وكتب الأما, والمجالس, بل كتب التاريخ و البلدان والمعارف العامة. ويبقى التنبيه على عدة أمور: أولاً: ثبت - إن شاء الله - أن لسان العرب وتاج العروس هما أوسع المعاجم اللغوية وأغزرها مادة, وأنهما قائمان على أساس التجميع من المعاجم السابقة ليس غير, فهما بهذا الوصف داخلان في حيز الموسوعات, والتعامل مع الموسوعات له أدوات, منها الصبر وبذل الجهد, والنفس الطويل, والخبرة السابقة بكتب العربية في فنونها المختلفة, فالعسر الذي يجده الباحث في هذين المعجمين الكبيرين لا ينبغي أن يعمم على سائر المعاجم العربية. ثانياً: ابن منظور من علماء القرن الثامن والزبيدي من علم اء القرن الثاني عشر, وقد

عدد الصفحات ٣٢٠