289 فأخذ أدناهم رجلاً, فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك, أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم, قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا, - قال: ولو قال «نعم»لخصمه-, قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظ؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم, فقال: ثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وت عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ( 31[ })أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا, قال: لو علموا لوعظت بكم) تفسير الطبري: 8 /254 , 255. قال شيخنا أبو فهر محمودمد شاكر: «وقوله«لوعظتح بكم»أي: لأنزلتح بكم من العقوبة ما يكون عظة لغيركم من الناس, و ذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر, وتشددوا ولم ييسروا, وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام, وما أمرهم الله به, وذلك من الف الكبيرة, ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه, وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه, وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام. إنما قلت هذا وشرحته مخافة أن يحتج به محتج من ذوي السلطان والجبروت, في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها, كما هو أمر الطغاة والجبا برة من الحاكمين في زماننا هذا» ولهذه الغايات كلها أحمرنا بريتيل القرآن, في قوله عز وجل مخاطباً وآمراً نبيه صلى الله عليه وسلم - والأمر لأمته معه - {4[ })4]«أي لا تعجل بقراءة القرآن, بل اقرأه في مهل وبيان, مع تدبر المعاني. والريتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام, ومنه ثغر رت ل ورتَ ل, بكسر التاء وفتحها: أي حسن التنضيد» تفسير القرط19 /37 وححكي عن أبي بكر بن ظاهر قال: «تدبر في لطائف خطابه, وطالب نفسك بالقيام بأحكامه, وقلبك بفهم معانيه, وس رك بالإقبال عليه» وروي أن علقمة بن قيس قرأ على عبد الله بن مسعود, فكأنه عجل, فقال ابن مسعود:
عدد الصفحات ٢٨٩290 «فداك أبي وأمي, رتّل فإنه زين للقرآن»المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز لأبي شامة المقدسي ص 198. لكن قوماً من أهل الصدق والإخلاص- في زماننا ومن قبل زماننا - حسنت نياتهم, وسلمت صدورهم, يرغبون في إحراز الأجر ومضاعفة الثواب, يشتدون في هذا الشهر المبارك, ويبالغون في ختم القرآن أكثر من مرة, ويتباهون في ذلك, فيقول أحدهم: ختمته عشرين مرة, ويقول آخر: بل ختمته ثلاثين, ثم يزيد بعضهم وينقص بعضهم, وما يدرون أنهم بذلك يبتعدون عن السنة المأثو رة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن صحابته الأكرمين. فقد روى البخاري ومسلم, عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, قال , رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أحخبرَ أنك تصوم الدهر, وتقرأ القرآن كل ليلة؟ » قلت: بلى يا نبي الله, ولم أرد بذلك إلا اير, قال: «فصم صوم داود- وكان أعبد الناس - [ ,»قال: قلت يا نبي الله, إ أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل عشرين »قال: قلت: يا نبي الله, إني أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل عشر »قال: قلت: يا نالله, إني أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل سبع, لا تزد على ذلك »قال: فشدّدتح , «فشحدّ دَ علي» وقال«إنك لا تدري, لعلك يطول بك عمر»قال فصرت إلى الذي قال , الن صلى الله عليه وسلم, فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. جامع الأصول في أحاديث الرسول, لمجد الدين بن الأثير 2 /471 ,472, و جمع للحديث طرقاً أخرى. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إمن أن أقرأ القرآن كله »وروي عنه أيضاً أنه قال«لأن أقرأ القرآن في ثلاث أحب إ, من أن أقرأه في ليلة كما يح قرأ هذرمةً »والهذرمة: السرعة في الكلام والمشي, وقال: هذرم في كلام هذرمة: أي خلط, ويقال للتخليط: الهذرمة. وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أن رجلاً قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة, فقال عبد الله بن مسعود: أهذّ اً كهذّ الش عر؟ إن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز
عدد الصفحات ٢٩٠291 تراقيهم, ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع»أراد: أتهذ القرآن هذّ اً فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر؟ والهذّ : سرعة القطع. والمفصل من سور القرآن: من سورة الحجرات إلى سورة الناس, وقيل غير ذلك, وسمي مفصلاً لكثرة الفصول بين سوره, أ و لقلة المنسوخ فيه, بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي 4 /194. وسحئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران, ورجل قرأ البقرة, قيامهما واحد, وركوهما واحد, وسجودهما واحد, وجلوسهما واحد, أيهم أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة, ثم قرأ: {تقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزي106[ })106 ,] وانظر بيان ذلك كله في: المرشد ا لوجيز ص 197, والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص 71. وإذا كان كثير من الناس يشتدون ويجتهدون في ختم القرآن في رمضان أكثر من مرة, فإن كثيراً منهم أيضاً كان على السنة, وعلى المنهج الراشد المقتصد. فقد رح وي أن أبا رجاء العطاردي - وكان إماماً كبيراً من المخضرمين - كان يختم بأصحابه في قيام رمضان القرآن كل عشرة أيام. حليلة الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني 2 /306, وصفة الصفوة لابن الجوزي 3 /221. وقال القرطبي في كتاب التذكار أفضل الأذكار ص 67 :«وذهب كثير من العلماء إ منع الزيادة على سبع, أخذاً بظاهر المنع في قوله: «فاقرأه في سبع ولا تزد- يعني في حديث عبد الله بن عمرو السابق - واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يرو عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة, ولا في أقل من السبع , وهو أعلم بالمصالح والأجر, وفضل الله يؤتيه من يشاء, فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير». وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة, ويقرؤه في رمضان في ثلاث, وكذلك كان تميم والأعمش يختمان في كل سبع, وكان أح بي يختمه في كل ثمان, وكان الأسود يختمه في ست, وكان علقمة يختمه في خمس, جمال القراء وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي 1 /107. وقد عقد أبو عمر الداني باباً في (كم يحستحب ختم القرآن وما روي عن الصحابة والتابعين
عدد الصفحات ٢٩١292 في ذلك), في كتابه البيان في عد آي القرآن صفحة 321. بل إن بعض الصحابة والتابعين كان يقف في قراءته عند سورة بعينها, يظل يرددها, أو آية بخصوصها, فلا يزال يكررها, طلباً للتدبر, وخشوعاً لجلال المعنى, وكان إمامهم في ذلك وقدوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة من الليا, يقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصب., بها يقوم, وبها يركع, وبها يسجد فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118)[ }118] الداري أنه أتى المقام- في الكعبة الشريفة - ذات ليلة, فقام يصلي, فافتت. السو رة التي تذكر فيها الجاثية, لما أتى على هذه الآية كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ما يحكمون (21[ })21 ,] لم يزل يرددها حتى أصب., وعن ابن مسعود أنه لم يزل يردد (114[ })حتى أصب.. وعن عامر بن عبد القيس أنه قرأ من سورة المؤمن - غافر - فلما انتهى إلى قوله تعا [18] أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهي تصلي وأنها افتتحتْ سورة الطور فلما انتهت إلى قوله تعا27[ } ) في حاجة, ثم رجعت وهي تكررها, وهي قائمة في صلاتها. وعن سعيد بن جبير أنه ردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرةن فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ( 281[ }) استفت. بعد العشاء الآخرة بسورة1}) منادي السحر. المرشد الوجيز ص195 - 197. فمدار الأمر في تلاوة القرآن على التدبر واستحضار المعا , وتأمل الإشارات وتبين الدلالات, فمن أنس في نفسه قدرة وجلادة, مع تحقيق هذه الغايات وتعهد الواجبات الأخرى من الفرائض والنوافل, ومن سعى في أمور المعاش وإعمار الحياة, فليقرأ ما شاء الله له أن يقرأ, على ألا يزيد على السنة المأثورة.
عدد الصفحات ٢٩٢293 وللحافظالذهبي هنا كلام جيد , ينبغي ذكره وتأمله, قال رضي الله عنه, تعقيباً على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: «وص. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال, ونهاه أن يقرأ في أقل من ثلاث, وهذا كان في الذي نزل من القرآن, ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مر اتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث. فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك, ولو تلا ورتل في أسبوع, ولازم ذلك لكان عملاً فاضلاً, فالدين يسر, فوالله إن ترتيل سح بع القرآن في تهجد قيام الليل, مع المحافظة على النوافل الراتبة, والضحى, وتحية المسجد , مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة, ودبر المكتوبة والسحر, مع النظر في العلم النافع, والاشتغال به مخلصاً لله, مع الأمر بالمعروف, وإرشاد الجاهل وتفهيمه, وزجر الفاسق, ونحو ذلك, مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان, مع أدا ء الواجب, واجتناب الكبائر, وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم, والتواضع, واجتناب الكبائر, وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم, والتواضع, والإخلاص في جميع ذلك: لشغل عظيم جسيم, ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين, فإن سائر ذلك مطلوب, فمتى تشاغل العابد بختمه في كل يوم, فقد خالف الحنيفية السمحة, ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه, ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص - كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك قال له عليه السلام في الص وم, وما زال يناقصه حتى قال له: «صم يوماً وأفطر يوماً, صم صوم أخي داود عليه السلام» وثبت أنه قال«أفضل الصيام داود»ونهى عليه السلام عن صيام الدهر, وأمر عليه السلام بنوم قسط من الليل, وقال: «الكني أقوم وأنام, وأصوموأفطر, وأتزوج النساء وآكل اللحم, فمن رغب عن سنتي فليس مني» وكل من يزم نفسه - أي يمنع ويكب. - في تعبده وأوراده بالسنة النبوية يندم ويريهب ويسوء مزاجه, ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين, الحريص على نفعهم, وما زال صلى الله عليه وسلم معلماً للأمة أفضل الأعمال, وآمراً بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها, فنهى عن سرد الصوم أي تواليه وتتابعه - ونهى عن الوصال -
عدد الصفحات ٢٩٣294 في الصوم- وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير - يعني من رمضان - ونهى عن العزبة - عدم الزواج - للمستطيع ونهى عن ترك اللحم, إلى غير ذلك من الأمور والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور, والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها, مفضول مغرور, وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة, وجنبنا الهوى والمخالفة»سير أعلام النبلاء3 /84 - 86. وذكر الذهبي أيضاً في ترجمة«أبي بكر شعبة بن عياش, أنه مكث نحواً من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة, وعلق على ذلك فقال: «وهذه عبادة يخحضع لها, ولكن متابعة السنة أولى, فقد ص. أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث, وقال عليه السلام: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»س أعلام النبلاء 8 /442. وكذلك ذكر في ترجمة «وكيع بن الجراح »أنه كان يصوم الدهر, ويختم القرآن كل ليلة وعقّ ب على ذلك فقال: «هذه عبادة يخحضع لها, ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة, فقد ص. نهيه عليه السلام عن صوم الدهر, وص. أنه نهى أن يح قرأ القرآن في أقل من ثلاث, والدين يسر, ومتابعة السنة أولى»سير أعلام النبلاء9 /143. ومن قبل الذهبي, ذكر خطيبأهل السح نة الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة, في كتابه تأويل مشكل القرآن ص 233, قال «ولم يفرض الله ع لى عباده أن يحفظوا القرآن كله, ولا أن يختموه في التعلم, وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه, ويأتمرون بأمره, وينتهوا بزجره, ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة, ويقرءوا فيها الميسور. قال الحسن - البصري - نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملاً. وكان أ صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - وهم مصابي. الأرض وقادة الأنام ومنتهى العلم - إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع, والبعض والشطر من القرآن, إلا نفراً منهم وفقهم الله لجمعه, وسهل عليهم حفظه, قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة و آل عمران جدَّ فينا, أي جلَّ في عيوننا, وعظح م في صدورنا» وفي تفسير القرط1 /40, عن ابن عمر قال«كان الفاضل من أصحاب رسول
عدد الصفحات ٢٩٤295 صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها, ورحزقوا العمل بالقرآن, وإن آخر هذه الأمة يقرأون القر آن, منهم الصبي والأعمى, ولا يح رزقون العمل به» اللهم حبب إلينا القرآن, وأذ قنا حلاوته, وارز قنا تلاوته وفقهه والعمل به آناء الليل وأطراف النهار, واجعله أنيساً لنا في هذا الزمان الذي ذهب فيه من يؤنس به ويسرياح إليه, واجعله اللهم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء - بكسر الجيم - حزننا, وذهاب همنا, واجعلنا ممن يرعاه حق رعايته, ويقوم بقصده, ويوفي بشرطه, ولا يلتمس الهدي في غيره, ويرحم الله عبداً قال آمينا. * * *
عدد الصفحات ٢٩٥296 البيان .. والطريق المهجور (1) [1] من أجلّ ن عم الله على عباده: نعمة البيان, وقد ام الله على عباده بهذه النعمة, فذكرها في أشرف سياق, فقال تقدست أسماؤه1) علم القرآن2) خلق الإنسان3 ) علمه البيان4.}) ولا ينبغي أن يكون المراد بالبيان هنا مجرد الكشف عما في النفس لقضاء الحاجات واتصال مصالح العباد, لأن الكشف عما في النفس يؤديه الكلام وهيئة الحال والإشارة والعلامة, وليس المراد أيضاً بالبيان مطلق الكلام, لأن هذا مما يستوي فيه الناس جميعاً, ولا يفضل بعضهم بعضاً فيه إلا بما يكون من سلامة مخارج الحروف, واستواء النطق, والبراءة من أسباب العي والحصر والحح بسة. لكن المراد بالبيان: الإحسان في تأدية المعاني, يقول أبو الحسن الرماني: «وليس يحسن أن يطلق اسم بيان على ما قب. من الكلام, لأن الله قد مدح البيان واعتد به في أياديه الجسام, قال{ :1) علم القرآن2) خلق الإنسان3) علمه البيان4}) إذا قـحيّ د بما يدل على أنه يعني به إفهام المراد جاز»النكت في إعجاز القرآن ص 98. وقد مدحوا البيان وعظموا شأنه, فقالوا: البيان بصر والعيّ عمى, كما أن العلم بصر والجهل عمى, والبيان من نتاج العلم, والعيّ من نتاج الجهل وقال يونس بن حبيب: «ليس لعيي مروءة, ولا لمنقوص البيان بهاء, ولو حك بيافوخه أعنان السماء»راجع البيان والتبيين للجاحظ 1 /77, ثم انظر مقالة الشيخ عبد القاهر الجرجاني في فضل البيان, في دلائل الإعجاز ص 5. ووجوه الإحسان في تأدية المعاني كثيرة, ومناه جها واسعة, ولا يكاد يظفر بها إلا من وح ه ب لطافة الحس وخفة الروح ورحابة النفس, والارتياح والطرب لمظاهر إبداع الله عز وجل في هذا الكون, وما بثه في ملكوت السموات والأرض, وما أجراه على ألسنة خلقه, أما «أهل (1) مجلة«الهلال»مارس1995م
عدد الصفحات ٢٩٦297 الكثافة»وهم الذين امتحنهم الله بثقل الظل وركود الهواء, فما أبعدهم عن البيان والإحسان: وهح لْ كح الفتى ألا يَ راح إلى الندى ... وألا يرى شيئاً عجيباً فيعجبا ثم إن هذه المواهب التي يم الله بها على من يشاء من عباده, لا بد لها لكي تؤتي ثمارها عند الأدباء وأرباب البيان, من طول دربة ومعالجة يأتيان بكثرة النظر في الأسالب العالية الشريفة, من بديع الشعر وكريم النثر, ثم معاشرة الأصفياء أصحاب الفطر السوية والطبائع النقية والفر ار من مخالطة «أهل الكثافة»فإن مجالسة الثقلاء حمى الروح كما قال بختيشوع بن جبريل للخليفة المأمون, لطائف الظرفاء لأبي منصور الثعالبي ص 70. ونحن أمة العرب أمة بيان وفصاحة, ولغتنا معينة على ذلك بما أح ودع فيها من خصائص شعرية في الحروف والأبنية والرياكيب, ثم هذه الثروة الهائلة من الأسماء والأفعال, والمريادف والمشريك والأضداد, ولغتنا معينة أيضاً على البيان والفصاحة بهذه القوانين الرحبة الواسعة من الحقيقة والمجاز, والسماحة في تبادل وظائف الأبنية, كالذي يقال من مجيء فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول وبمعنى مفعل, وتبادل وظائف الإفراد والتثنية والجمع ووقوع بعضها موقع بعض, والتساهل في التعبير عن الأزمنة, كالتعبير عن الماضي بالمستقبل, وبالمستقبل عن الماضي, إذا اقرين بالفعل ما يدل على زمانه, ووقوع بعض حروف الجر مكان بعض, وتذكير ما حقه التأنيث وتأنيث ما حقه التذكير, والحم ل على المعنى, والحمل على اللفظ, وحرية التعامل مع الضمائر, غيبة وحضوراً فيما يعرف بالالتفات, والتعويل على القرائن والسياق في تخليص الكلام من كثير من الفضول والزوائد, وهو باب الحذف الذي يجعله ابن جني من باب «شجاعة العربية»وهو تعبير عجيب, انظره في كتابه الفذ: ا صائص 2 /360, إلى سائر قوانين اللغة وأعرافها, حتى علم النحو الذي يح ظن به العسر والتشدد, ولو تأملته حق التأمل لوجدت فيه كثيراً من الرخص والإباحة, على ما قاله الأصمعي: «من عرف كلام العرب لم يكد يـحلَ حّ ن أحداً » ولقد تضوأت هذه اللغة العربية الشريفة على ألسنةالشعراء والخطباء, شعراً شجي النغم, ونثراً حلو الوقع, فيما بقي لنا من أدب الجاهلية. ثم كان مجلى هذه اللغة العزيزة كلام ربنا عز وجل, بما نزل به جبريل الأمين على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه
عدد الصفحات ٢٩٧298 وسلم, في هذا البيان الذي لا يطاوله بيانألقى ربنا تباركت أسماؤه على لسان نبيه المصطفى بياناً عالياً آخر, هو ما نطق به صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم: فصاحة صافية المورد, وبلاغة عذبة المشرع, ومنطقاً صائب الحجة. وقد جرت لغتنا العربية بما حملته من أدب الجاهلية, وبيان الكتاب العزيز, والحديث الشريف, على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين وقصائد الشعراء: بياناً يأخذ منه الناس بما قح دّ ر لهم من رزق الله المقسم على خلقه, فتفاوتت حظوظهم في ذلك, فمنهم من أحسن, ومنهم من قارب, لكن البيان ظل هدفاً يسعى إليه, وغاية يشتد الناس في طلبها, ومعياراً يلجأ إليه النقاد في الحكم على الكلام وإعطاء الأدباء حقهم من التقديم والتأخير, ولعل أول من أصَّ ل هذا الفن هو أديب العربية الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ, حين صنع كتابه الذي جعل عنوانه دالاً بصري. اللفظ على الغاية التي تغيَّ اها منه, وكان كتاب الجاحظ هذا مع كتاب معاصره والراوي ع نه أبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة «عيون الأخبار »هما الأساس الأول في إرساء قواعد هذا الفن «البيان»بذكر الأدوات الموصلة إليه والمعينة عليه, من ذكر كلام العرب وخح طبها وشعرها ومحاوراتها وأجوبتها المسكتة, وتوالت الكتب في هذا الطريق, ك كتب الأما, والمجالس والمختارات والحماسات, مع عناية ظاهرة باللغة والغريب, تمثلت في أما, أبي علي القا, ومجالس أبي العباس ثعلب. ولم تكن كتب هذا اللون من التأليف قاصرة على الأدباء واللغويين فقط, بل دخل فيها الحفا والفقهاء أيضاً, كالذي رأيناه من كتاب «بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذهن والهاجس»لفقيه الأندلس الحافظ المحدث أبي عمر بن عبد البر القرطبي, صاحب كتاب «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد »وصاحب«الاستيعاب في طبقات الأصحاب» وكتابه هذا «بهجة المجالس »من المجاميع الأدبية العظيمة, ويقول فيه ابن سعيد, بعدما ذكر مصنفاته في الفقه والحديث والرياجم: «مع أنه في الأدب فارس, وكفاك دليلاً على ذلك كتاب بهجة المجالس »المعرب في حلى المغرب2 /408, وهذاالفقيه المحدث ابن عبد البر هو الذي جمع ديوان أبي العتاهية, وعن نسخته كانت نشرة الدكتور شكري فيصل رحمه الله.
عدد الصفحات ٢٩٨299 وهكذا كان الأدب مَ شْ رعاً ير ده الناس جميعاً, وغبرت أجيال ونشأت أجيال, حتى جاء ابن خلدون في القرن التاسع ليخبرنا أن كتب الأدب هي: أدب الكاتب لابن قتيبة, والكامل للمبرد, والبيان والتبيين للجاحظ, والأما, - أو النوادر - لأبي علي القا,, ويريد ابن خلدون أن يقول: إن هذه الأصول هي مكونات الأديب. البارودي والمرصفي: وطويت أيام ونح شرت أيام, حتى كان العصر الحديث, وجاء رجال البعث والإحياء, هؤلاء الذين ردوا الناس إلى أصولهم الأدبية, وكشفوا عن تلك المناجم الغنية الضاربة في التاريخ بعروقها, فكان الشاعر محمود سامي البارودي و «مختاراته»والشيخ حسين المرصفي و «الوسيلة الأدبية »والشيخ سيد بن علي المرصفي و «رغبة الآمل من شرح كتاب الكامل»وما قرأه على تلاميذه من«شرح حماسة أبي تمام »وبعدهما كان الشيخ حمزة فت. الله وكتابه الجيد «المواهب الفتحية »فكانت هذه الآثار كلها زاداً ومدداً للجيل التا,. ولقد كان من حسن حظنا نحن أبناء هذا الجيل أننا فتحنا عيوننا وعقولنا في أوائل الخمسينات, ورأينا القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها المحن والنوائب, وكان من صنع الله لنا أننا نعمنا بثمرات دار الكتب المصرية: قراءة في قاعة المطالعة الشهيرة بها, واستعارة باشرياك زهيد متاح لطلبة العلم. وأخذنا نتضلع بالقراءة لتلاميذ مدرسة البعث والإحياء المذكورة, وفيما يتصل بالبيان كان هناك اسمان كبيران: مصطفى صادق الرافعي, ومصطفى لطفي المنفلوطي, وقد شق علينا الرافعي في أول الأمر. ووجدنا في المنفلوطي واحة خصبة عامرة بالندى والأزاهير, فأي جنة فتحها لنا هذا المنفلوطي في ذلك الزمان؟ وكم دموع أراقها, وكم قلوب خفقت على بيانه الحلو الآسر الذي انساب في «العبرات»و«الشاعر أوسيرانو دي برجراك » و "الفضيلة" و "ماجدولين" ولئن كنا قد فرغنا من المنفلوطي بعد حين, فإن أثره الضخم الذي لا يح نسى أنه حبب إلينا القراءة جملةً , فإن هذه الليا, التي قضيناها مع بيانه المح عج ب لم تضع سدى, لأنها وثقت ص لاتنا بالأدب عامة وبالبيان خاصة. ومن عجب أن المنفلوطي هو الذي ردَّ نا إلى الرافعي, وعند هذا الرافعي وجدنا دنيا أخرى
عدد الصفحات ٢٩٩300 حافلة بالغرائب والعجائب, لكن صورة الرافعي لم تأخذ حجمها الحقيقي عندي إلا بعد أن اتصلتح برياث الآباء والأجداد فيما قرأتح وفيما نسختح وفيما حققتح , وأيضاً حين توثقت علاقتي بصاحبه ووارث أدبه وعلمه أبي فهر محمود محمد شاكر, فعرفتح أن هذا من ذاك, وأنها ذرية بعضها من بعض, وإن كنت أرى أن بيان أبي فهر لا يشبهه بيان, وأن علمه لا يح قرَ ن به علم, على ما فصّ لتح في كلمتي عن كتابه الماتع «المتن»في الجزء الأول من «موسوعة عصر التنوير»التي أصدرها الهلال, ولو كتب أبو فهر الآن - وهو في هذه السن العالية - لزلزل الدنيا, ولرأيت ثم نعيماً وعلماً كبيراً, فهل تستجيب يا أبا فهر؟ وهل أنت مخرج ما عندك من «حديث الأحرف السبعة»و«مداخل إعجاز القرآن»و«كتاب الشعر»شرح الله لك صدرك, وأمتع أهل الأدب ببقائك ولئن كانت مدرسة البيان قد عح ر فت يومئذ في كتابات الرافعي والمنفلوطي والزيات ومحمد صادق عنبر, فإن سائر الأدباء والكحتّ اب لم يكونوا بعيدين عنها, لأن حسن البيان وتُويد العبارة كانا لازمين لكل كاتب يريد لكتابته أن تح قرأ, ولكل مفكر يريد لأفكاره أن تذيع, فلقد كان الأدب ولا يزال خير سبيل لإيصال المعرفة, وسر عة انصبابها إلى السمع وتولجّها في القلب واستيلائها على النفس, والبليغ يضع لسانه حيث أراد, وإنك لتجد كثيراً من الدراسات قد جمعت فأوعت لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعسرها, و «حسن البيان يري الظلماء كالنور »على ما قال الشاعر ولقد كنا في زمان الصبا نظن أن أسلوب «العقاد»معقد, حتى كبرنا واستطعنا أن نميز الخبيث من الطيب, فوقعنا عند «العقاد»على مناطق من البيان وحلاوة الأداء هي الغاية والمنتهى. وكذلك سائر الكتاب والأعلام ممن لا يصنفون مع الأدباء كانوا أصحاب فصاحة وبيان, فمكرم عبيد السياسي الشهير والمحامي الجهير كان أديباً وصاحب بيان, ثم كان كثير الاستشهاد بالقرآن الكريم, وفتحي رضوان المحامي الضليع وأحد أقطاب الحزب الوطني كان كاتباً صاحب بيان, والدكتور أحمد عمار طبيب النساء الشهير كان لغوياً صاحب بيان, والدكتور محمد كامل حسين طبيب العظام الشهير كان أديباً صاحب بيان, وهو صاحب القصة الشهيرة في الخمسينات «قرية ظا لمة»والدكتور محمد الصياد الجغرا
عدد الصفحات ٣٠٠301 الكبير كان شاعراً صاحب بيان, وسيد إبراهيم الخطاط العظيم كان شاعراً صاحب بيان وهو أحد مؤسسي جماعة أبولو, والدكتور حسن حبشي عالم التاريخ شاعر وصاحب بيان, والدكتور محمد يوسف حسن الجيولوجي الكبير, وعميد كلية العلوم بجامع الأ زهر سابقاً وعضو مجمع اللغة العربية الآن, أديب يحفظ شعر أبي العلاء حفظاً عالياً, وله في اللغة نظرات جياد نسعد بها في لجنة المعجم الكبير بالمجمع. ومن وراء هؤلاء طوائف لا تحصى من الأدباء المجيدين الأغفال أصحاب البيان, كنتَ تقرأ لهم في الصحيفة اليومية والمجلة الأسبوعية, ثم كنتَ تراهم في فصول المدارس الابتدائية والثانوية, يروضون صغار التلاميذ على البيان, ويجمعون لهم «عناصر موضوع الإنشاء » الذي صار الآن«التعب»ولا تعبير هناك ولا عبارة, ثم كانوا يخوضون بهم لجج بحار الشعر والنثر فيما كان يح عرف بالمحفوظات والمطالعة. حسن البيان: وقد ذهبت تلك الأيام بحلاوتها ونضارتها وصرنا إلى هذا الزمان الذي زهد الناس فيه في حسن البيان, وهجروا طريقه هجراً يوشك أن يكون تاماً, وأصبحت أساليب كثير من الكح تاب, ومن ينتسبون إلى الأدب الآن تدور في فلك ألفا مستهلكة تشبه العملة المعدنية الممسوحة, أو العملة الورقية التي تهرَّ أت أطرافها من كثرة ما تداولتها الأيدي, أو كالعملة الزائفة التي ليس لها رصيد في مصرف النفس, وإنما هي ألفا وتراكيب تسوَّ د بها الصحف, تروح وتُيء, تتجاوزها عينك على عجل, لا تقف عندها, لأنك لا تُد فيها إمتاعاً, ولا تحس معها أنساً, فضلاً عما تُده في بعضها من ثقل وغثاثة, تكاد تطبق على القلب وتسد مجرى النفس - وما أمر «الزخم »منك ببعيد- إلى هذه البلية المستحدثة, وهي بلية الغموض الذي يندفع فيه كثير من الأدباء الآن, وليس هو الغموض الذي يحرك النفس لتستخ رج بحسن التأمل خبيء الكلام وم طوي المشاعر, ولكنه الغموض ا لمظلم الذي يكد العقل, ويكون مجلبة للغم والكآبة, غموض العجز والحيرة. وهذه الألفا والرياكيب التي يستعملها بعض أدباء هذا الزمان, أشبه بتقاليع (الموضة) تظهر ثم تختفي, لا تعرف ثباتاً ولا استقراراً, فقد كان نسمع في الستينات - كما ذكرت في مقال سابق بالهلال - الواحدة الموضوعية, والمعاناة, وعمق التجربة والخلق وتراسل
عدد الصفحات ٣٠١302 الحواس, والمونولوج الداخلي, والدفقة الشعورية, والتعبير بالصورة, والألفا الموحية والشعر المهموس. والآن نسمع: الإبداع وتكثيف التجربة, والزخم (والعياذ بالله) والطرح, والمنظومة والإشكالية والتناص والتماهي والتفجير والتفكيك .. وهذا وأشباهه إنما هو كما قال ابن قتيبة منذ (1240) سنة في مقدمة أدب الكاتب«ترجمة تروق بلا معنى, واسم يهول بلا جسم, فإذا سمع الغمر - أي الجاهل - والحدث الغر قوله: الكون والفساد وسمع الكيان .. راعه ما سمع, فظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة, فإذا طالعها لم يحل منها بطائل»أو كما قال أبو السعادات ابن الشجري «تهاويل فارغة من حقيقة»الأما1 /56, ولا يغرنك أيها القارئ المبتدئ اجتماع الكح تَّ اب على هذه الألفا , وكثرة استعمالهم لها, فإن الاستعمال ليس بدليل على الحسن, كما يقول ضياء الدين ابن الأثير في المثل السائر 1 /221. إن كثيراً مما يحكتب الآن لا صلة له بالعربية إلا صورة الحروف والأبنية من الأسماء والأفعال, أما روح العربية وآمادها الرحبة الواسعة فلا تُدها في أسلوب مما تقرأ, ولا في كلام مما تسمع, إني أحس أحياناً أن هؤلاء الذين يكتبون أدباً عربياً لم يمروا بالقرآن ولا بالبيان النبوي, ولا بكلام العرب, فإن ثروتهم اللفظية محدودة جداً, وتصرفهم في وجوه الكلام قصير الخطو, منقطع النفس, ولذلك تأتي معانيهم هزيلة خفيفة. لأن ضيق الألفا يؤدي إلى ضيق المعاني, كما يقول عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز. ومن الكلام الحكيم للجاحظ في هذه البابة قوله: «والأصل في ذلك أن الزنادقة أصحاب ألفا في كتبهم, وأصحاب تهويل, لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل, مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيراً »الحيوان3 /365. وهؤلاء الذين يزعمون أنهم ورثة طه حسين لم يسيروا في طريق بيانه, ولم يحاكوا حلاوة أدائه وكان له في ذلك مسرياد ومذهب, فانتماؤهم لطه حسين إذن انتماء كاذب وولاء منقوص. وأيضاً هؤلاء الذين يتحدثون عن التنوير ورموز التنوير, لم يمروا بأدب أعلام هذا التنوير, ولم يسلكوا طرائقهم في معرفة العربية ورعاية قوانينها في حسن الأداء وجمال العبارة. إن الذين يشكون الآن من «الأغاني الهابطة»لا ينبغي أن ينسوا أن هذه القضية مرتبطة بألوان الأدب الأخرى, وأن البيان كله من باب واحد, فيوم أن كان عندنا أدباء بيان كبار,
عدد الصفحات ٣٠٢303 كالمنفلوطي والزت, كان عندنا كح تاب أغان كبار, مثل أحمد رامي وبيرم التونسي وعبد الفتاح مصطفى وحسين السيد, لأن كلام الناس ينزع بعضه إلى بعض, ويأخذ بعضه برقاب بعض, وقد أنشدتك أيها القارئ الكريم من قبل قول ابن الرومي: «وبعض السجايا ينتس إلى بعض» ولن تُد مع كثرة الغبار إ قذى العيون. والآن إذا أردت أيها القارئ العزيز أن تعرف سر هذا الريدي في الكتابة, ومجافاة حسن البيان, والإعراض عن جمال العبارة, أعجزك أن تردَّ ه إلى سبب واحد أو سببين اثنين, وإنما هي أسباب كثيرة تداخلت وتشابكت, وسيأتيك حديثها - إن شاء الله - في المقال التا,. * * *
عدد الصفحات ٣٠٣304 البيان .. والطريق المهجور (1) [2] وقفتح في المقال السابق عند أسباب الريدي في الكتابة ومجافاة حسن البيان وجمال العبـارة, وقلت إن ذلك يرجع إلى أسباب كثيرة, أرجأت الحديث عنها إلى هذا المقال. وبدءة ذي بدء لا أحب لـك أيهـا القـارئ العزيـز أن تقـول كمـا يقولـ ون: إنهـا طبيعـة العصـر, وسرعة إيقاع الحيـاة, لا يـدعان للكاتـب فرصـة لأن يحح سـن ويـزيّ ن ويتـأنّ ق, كمـا أني لا أرضـى لـك أيهـا الشـاب المبتـدئ أن تصــدّ ق مـا يقولونـه مـن أن لغتنـا العربيــة هـي لغـة الخيـل والليــل والبيـــداء, وأن زمانهـــا قـــد راح وولى, وأن هـــذا عصـــر الكمبيـــوتر, فافســـحوا لـــه الطريـــق, لا أحب هذا لقارئي ولا أرضاه له. وذلـــك لأن حســـن البيـــان قيمـــة جماليـــة, والقـــيم الجماليـــة باقيـــة ثابتـــة, لا تتغـــير بتغـــير الأيام وتبــدل الأحــوال, والفطــر الســوية تطــرب للكلمــة الحلــوة, كمــا تطــرب لهــديل الحمــام وزقزقــة العصافير, وحفيف الشجر في ليلة طيبة الهواء, والعطر الفوا ح ينعشك سواء ركبت جملاً أو طــائرة, ولا زلنــا مــع تغــير الأصــوات وتحــولات الموســيقى نســتقبل رمضــان بأغنيــة أحمــد عبــد القــادر «وحــوي يا وحــوي»كمــا نســتقبل العيــد بشــدو أم كلثــوم «يا ليلــة العيــد أنســتينا»و «حبييسعد أوقاته»وإن كانت هذه قد قيلت في عيد جلوس «فاروق»ملك مصر ولا أظن أنه سيأتي يوم لا يطرب الناس فيه لصوت الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. إن الأنغام متوارثة في الأنفس, والجمال مصون في تلافيف القلوب, والطرب مركوز في الطباع, فلا يخدعنك عن الحق غلبة الباطل, ولا يزهدنك في الطيب كثرة الخبيث. ثم أعود بك أيها القارئ الكريم إلى أسباب محنتنا فيما نكتب وفيما نقول, وقد جمعت لك أسباباً شتى, ولعلك جامع إليها أسباباً أخرى بصائب نظرك, وحسن تأتّ يك, وتهدّ يك إلى ما لم أهتد إليه: (1) مجلة«ال»أبريل 1995م
عدد الصفحات ٣٠٤