273 تركيا .. والمخطوطات العربية (1) زرت تركيا مرتين: الأولى في شتاء عام 1971م, والثانية في صيف هذا العام, ويا بـحعْ د ما بين اليومين في حياة الكاتب, وفي عالم المخطوطات: ففي المرة الأولى كنتح عضواً صغيراً في بعثة معهد المخطوطات التابع للمن ظمة العربية للريبية والثقافة والعلوم غداة إنشائها, وكان هذا المعهد من قَ بلح تابعاً للأمانة العامة لجامعة الدول العربية منذ قيامها سنة 1945م وفي هذه المرة الثانية كنت مدعواً من ق بل مؤسسة الفرقان للرياث الإسلامي, التي يرعاها ويدعمها معا, الشيخ أحمد زكي يم اني, وزير البريول والثروة المعدنية السابق بالمملكة العربية السعودية, وذلك لإلقاء محاضرات عملية في الدورة التدريبية الثانية على تصنيف وفهرسة المخطوطات الإسلامية. وقد دح عي إلى حضور هذه الدورة نفر من الشباب المشتغلين بالمكتبات والاستشراق, من تركيا وألبانيا وب لغاريا وزغرب والبوسنة والهرسك, وكاشغر (الصين الشعبية), وبعض جمهوريات آسيا الوسطى: أذربيجان وأوزبكستان, وقازقستان وطاجكستان, وشارك في إلقاء المحاضرات طائفة من العلماء المشتغلين بعلم المخطوطات, كان منهم من مصر: الدكتور عبد الستار الحلوجي, والأستاذ نصر الله م بشر الطرازي. وكذلك اختلف حال المخطوطات اليوم عن حالها بالأمس اختلافاً كبيراً, وبخاصة في ديارنا المصرية, ففي ذلك الزمان كانت المخطوطات في مصر مصونة متاحة, وكان القائمون عليها والمتصرفون فيها أولى علم وبصر, يعرفون أسماء المخطوطات في كل علم وفن, كما يعرف الناس آباءهم, وكانت لديهم القدرة على قراءة العس ر المعمَّ ى من المخطوطات, وتمييز الصحي. من الزائف, والعتيق من المحح دَ ث, إلى معارف أخرى تتصل بهذا العلم, كالمخطوط النادر, ومقاييس هذه الندرة: من خطوط المؤلفين أنفسهم, وحظو الكتب من كثرة مخطوطاتها أو قلتها, ومعرفة مظان المخطوطات وأماكن وجودها. وقد ذهب هذا (1) مجلة«ال»ديسم1994م
عدد الصفحات ٢٧٣274 كله, إلا بقية خافتة الصوت ضعيفة الأثر ويشتد بي العجب - وقد قضيتح مع هذا العلم خمسة وثلاثين عاماً: ناسخاً ومفهرساً ومحققاً ودارساً - حين أقرأ لبعض الناس الآن كلاماً أخَّ اذاً برَّ اقاً عا, النبرة عن المخطوطات وسرقتها والغيرة عليها, مع يقيني الذي لا يداخله الشك أنهم لم يعانوا هذا العلم ولم يعرفوا شيئاً عن أسراره وخباياه, فضلاً عن أنهم لم يجالسوا شيوخه وأعلامه, وأساس العلم التلقّ ي والمشافهة, فهي حماسة كاذبة, وولاء مدخول: وكل يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذا كا وهذا الحديث مما يطول جداً فلنريكه إلى حين, ولنعد إلى تركيا هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي, حديث المخطوطات فيها, وهو حديث غريب عجيب. وقبل أن نتكلم على فضل الأتراك العثمانيين على هذا الرياث الإسلامي, بجمعه وحفظه وصيانته, لا بد من التذكير بفضلهم في ن شر الإسلام بأوروبا, لأن هذا من ذاك, ومعلوم أن كلمة «تركي »كانت في وقت من الأوقات مرادفة لكلمة«مسلم»في أذهان الأوروبي الغربيين, وكان زحف الأتراك العثمانيين على بلاد البلقان وتوغُّ لهم فيها, ثم اتُاههم إلى قلب أوروبا, ودخول محمد الفات. القسطنينية وفتحها سنة 757 هـ1453 م, كان ذلك كله بمثابة الضربة الثانية للمسلمين في أوروبا, وكانت الأولى يوم أن عبر المسلمون بقيادة طارق بن زياد جبل طارق سنة 92 هـ- 710 م يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه القيم «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفريى عليها»ص43 :«وقد نظرت أوروبا إلى الفتوح العثمانية على أنها فتوح إسلامية, وكان الأتراك العثمانيون - في تقدير أوروبا - هم الرمز الحي المجسّ د للإسلام, واختلط الأمر على الأوروبيين في ذلك الوقت, فكانوا يطلقون على المسلم لفظ تركي »وانظر بقية كلامه, فإنه عال نفيس, ثم انظر الدو ي الهائل الذي أحدثه فت. السلطان محمد الفات. للقسطنطينية في كتاب شيخنا أبي فهر محمود محمد شاكر «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» واقرأ أيضاً ما كتبه المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في كتابه «تاريخ الأدب الجغرا العربي»ص451, عن أثر فت. السلطان سليم العثماني لمصر سنة 923 هـ, وأن استانبول أخذت منذ ذلك الحين تُتذب إليها بشكل مطَّ رد أنظار العرب الذين أخذت
عدد الصفحات ٢٧٤275 أوطانهم تدور في فلك الدولة العثمانية بطريق مباشر أو غير مباشر, وفي ذلك الوقت بالتحديد بحث البابا ليون العاشر الإيطا, مع فرنسوا الأول ملك فرنسا, في عام 1515م, مشروع حملة صليبية ضد الريك العثمانيين لوقف زحفهم وتوغلهم. ثم اقرأ أيضاً ما قاله المؤرخ ابن العماد الحنبلي, في كتابه شذرات الذهب 8 /143 في , ترجمة السلطان سليم العثماني هذا, يقول«هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية, ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية, رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره, وتواصوا باتباع السنة المطهرة, وعرفوا للشرع مقداره»- ويلاحظ أن ابن العماد قائل هذا الكلام توفي سنة1089 هـ, فهو قريب العهد بأحداث زمان دخول السلطان سليم مصر, وأنه ولد بدمشق وأقام بالقاهرة مدة طويلة, ومات بمكة, فلم يكن عثمانياً يميل بهواه إلى أبناء جلدته, ولم يدخل بلاد الروم - استانبول وما حولها - حتى يكون له فيها حظ من جاه, أو نصيب من نفع, يحملانه على الثناء والمدح - فاقرأ هذا كله وتدبره, ودع عنك ما يقال عن الغزو العثماني لمصر أ و الاحتلال العثماني لمصر, فهذا كله من حديث السياسة, وللسياسة دروب ومضايق, يضيع فيها الحق, ويضل معها الحكيم, وهذه كلها من آفات المتابعة وعدم التحري, على ما قال الجاحظ: «وإنما يؤتى الناس من ترك التثبُّ ت وقلة المحاسبة» ولقد قال الناس وأكثروا عن أخذ السلطان س ليم للصناع والمهرة من مصر, وسلب المخطوطات, ولقد - والله - رأيت هذه المخطوطات بعيني بالمكتبة السليمية الوطنية في «أدرنة»بشمال تركيا, حيث مات ودفن السلطان سليم, فرأيتها محفوظة مصونة, لم تمحسَّ بسوء. نشاط علمي وثقافي: ومهما يكن من أمر فقد واكب نشاطَ سلاطين آل عثمان في الجهاد والفتوح, نشاط آخر في العلم والكتب, وآية ذلك أن كل سلطان أو صدر أعظم كان يحرص على أن يبني بجوار المسجد مدرسة ومكتبة تابعتين له وملحقتين به, ولما كان الناس على دين ملوكهم, فقد اقتدى بالسلاطين في ذلك الوزراء ومشايخ الإسلام, وعلى ذلك, فمجموع ات
عدد الصفحات ٢٧٥276 المخطوطات في تركيا تنسب إلى ثلاث طوائف: السلاطين, مثل مكتبة السلطان سليم الأول - وهي المكتبة السليمية بأدرنه التي حدثتك عنها - ومكتبات السلطان محمد الفات. والسلطان بايزيد, والسلطان أحمد الثالث, والمكتبة السليمانية نسبة إلى السلطان سليمان القانوني - أو المشرّ ع - وكلها باستانبول. والطائفة الثانية: الوزراء, مثل راغب باشا, وشهيد علي باشا, وكوبريلي باشا. والمكتبات الثلاث باستانبول, وكوبريلي باشا هذا, هو الوزير الفاضل أحمد بن محمد, وهو من كبار الرجال في الدولة العثمانية, يقول عنه المحبيّ في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر 1 /353 :«ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله, صعباً شديداً في أمور الشرع, سهلاً في أمور الدنيا, وكان حاذقاً مدبّ راً للمح لك, قائماً بضبطه, ومَ لَ كَ من نفائس الكتب وعجائب الذخائر ما لا يدخل تحت الحصر, ولا يح ضبط بالإحصاء» قلت: وممن اتصل به من العلماء: العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي, صاحب«خزانة الأدب»فأكرمه وحظي عنده بمكانة رفيعة, وقد أهدى له البغدادي مؤلفَ ه «حاشية على شرح بانت سعاد » والطائفة الثالثة: مشايخ الإسلام, مثل: أسعد أفنديوعاشر أفندي, وو, الدين أفندي, وعاطف أفندي, وفيض الله أفندي, وعلي أميري أفندي, ووهبي أفندي, وشيخ مراد أفندي - ومكتبته غير مكتبة مراد ملا - وكل هذه المكتبات باستانبول. وإسماعيل صائب أفندي ومكتبته بأنقرة. ومع هذه الطوائف الثلاث ظهرت طائفة النساء اللائي عنين بجمع المخطوطات, فأنشأنَ لها مكتبات نح سبت إليهن, مثل مكتبة طرخان, وصالحة خاتون, وأسما خان, وجلنوش, وبرتونيال, وكثير من المكتبات التي تسمى «والدة باشا»ثم تضاف إلى ابنها السلطان حفظ العلم: ولعل هذا التنافس في جمع المخطوطات وإنشاء المكتبات بهذا الحشد الكبير في استانبول كان مبعثه رغبة سلاطين آل عثمان والوزراء ومشايخ الإسلام والوجهاء, أن يكون لاستانبول تلك المكانة التي كانت لدمشق عاصمة الأمويين, وبغداد عاصمة العباسيين,
عدد الصفحات ٢٧٦277 ومصر عاصمة الفاطميين والأيوبيين والمماليك هكذا يقول بعض الدارسين والمحللين, أما أنا فإني أرى أن هذا كله من تسخير الله بعض عباده لحفظ العلم وبقاء الكتب, ولعل كثيراً من الذين جمعوا المخطوطات وأنشأوا لها الخزائن والمكتبات لم يخطر ببالهم عاصمة كذا وعاصمة كذا, وهل نظن أن امرأة تركية من الفضليات اللائي جمعن المخطوطات وأنشأن المكتبات كانت تفكر في مثل هذا الذي يذكره المحللون؟ إنه ا عناية الله وتسخير الله, وكل ميسر لما خح لق له, ألستَ ترى بعض الكحتَّ اب الآن يكتبون في موضوعات غاية في الخصوصية, ويعكفون على تحقيقات وبحوث, لا تحقق شهرة, ولا تُلب مالاً, ولكنه التسخير الإلهي, ولله في خلقه شؤون. على أن اللافت للنظر حقاً أن المخطوطات العربية ليست توجد في استانبول وحدها - العاصمة القديمة لريكيا - كما هو الشأن في المخطوطات التي تقتنيها الدول, أن تكون في عواصمها فقط, فإنك واجد مخطوطات كثيرة في غير استانبول, من أنحاء تركيا كلها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً, وقد أورد الأستاذ أحمد آتش في مقالة له بمجلة معهد المخطوطات العربية (المجلد الرابع - الجزء الأول) بعنوان: «المخطوطات العربية في مكتبات الأناضول» أورد إحصائية عن المكتبات الكائنة خارج استانبول, قال بعد أن أشار إلى المؤسسات العلمية في أنحاء تركيا: «ولما اضطحرت الدولة العثمانية بعد القرن السابع عشر الميلادي إلى مدافعة قسم كبير من العالم الإسلامي ضد عدوان أوروبا, طرأ على هذه المؤسسات العلمية نوع من الإهمال, ومع ذلك فإنه قد بح ذل بعد منتصف القرن الماضي على عهد السلطان عبد الحميد (1876 - 1909) مجهود عظيم لإحياء هذه المؤسسات العلمية, وحسب إحصاء سنة (1311 - 1312) المطبوع في استانبول من قبل وزارة المعارف, في سنة 1318, فقد ثبت أنه كان موجوداً في المملكة العثمانية ما عدا استانبول272 مكتبة تحتوي على 773 ,76 نسخة مخطوطة»ثم ذكر أسماء هذه المكتبات ومكانها من بلدان تركيا, وعدد المخطوطات بها. ثم ذكر أنه يوجد الآن في الأناضول وضواحيها 59 مكتبة أوردها بأسمائها وبلدانها وعدد المخطوطات بها. وقد زرت أنا من هذه المدن ورأيت مخطوطاتها: أدرنه - بورسة - إسكي شهر - كوتاهية - أماسية - قيسارية - سمسون - قونية, وهي بلد الصوفي الكبير جلال الدين الرومي,
عدد الصفحات ٢٧٧278 صاحب«المثنوي»وبها قبره, وبها أيضاً قبر صدر الدين القونوي الفقيه الشافعي الصوفي. وعلى ذلك فقلَّ أن تُد مدينة من بلاد تركيا المرياحبة الواسعة ليس بها مكتبة مخطوطات, و هذا فرق ما بين تركيا وبين سائر الدول التي تضم مخطوطات في عواصمها فقط, أو مدنها الشهيرة, كما ذكرتح من قبل. وتستطيع أن تقول باطمئنان: إن تركيا تعد أول دولة, من حيث تُميع المخطوطات وعددها, ولئن كان كثير من المشتغلين بعلم المخطوطات يقدّ رون عدد المخطوطات في مكتبات العالم بنحو ثلاثة ملايين مخطوط, فإني أرجّ . أن ما تضمه تركيا يبلغ نحو ثلث هذا العدد. ومن بين مدن تركيا عل ى امتدادها واتساعها تنفرد مدينة استانبول بثلثي الرياث المخطوط في تركيا, فهي بحق مدينة المآذن والمخطوطات, وقد حدثتك من قبل عن مكتباتها المنسوبة إلى السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام, وهناك مكتبات أخرى غير هذه المكتبات المنسوبة, مثل طوبقبوسراي, ونور عثمانية, ومراد ملا, والبلدية, وجامعة استانبول وملت كتبخانه, وسليم أغا بأسكودار, في البر الآسيوي من استانبول, ويح وصل إليها بالباخرة من أمينون في قلب استانبول, أمام مسجديني جامع, إلى مكتبات أخرى ضح مت إلى المكتبة السليمانية, وتح عد هذه المكتبة أضخم مكتبات استانبول, وقد أمر بإنشائها السلطان سليمان القانوني - أو المشرّ ع - ابن السلطان سليم الأول فات. مصر, وقد قام بتصميمها وبنائها «معمار سنان»وهو ذلك المعماري الشهير الذي بنى عشرات المساجد والتكا والحمامات, وقد انتهى من بناء المكتبة سنة 964 هـ- 1557 م, وتقع هذه المكتبة العريقة بالقرب من مسجد السليمانية, وتتوسط المكتبة حديقة صغيرة مزدانة بالورد والزنابق, وتظللها شجرة صنوبر ضخمة تغطي الحديقة كلها بأغصانها المتناسقة. وفي جانب من المكتبة - وفي القسم الثاني منها - كتبت لوحة تقول: «أنشأ هذه المكتبة المعمار سنان بين 1549 - 1557 ميلادي, بأمر السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم الأول. يوجد اليوم في مكتبتنا 101 خزانة كتب. أما المخطوطات الموجودة في مكتبتنا فهي 63947 مجلداً, والمطبوع38500 مجلداً فقط, منها المخطوطات الريكية 11451 مجلداً- المخطوطات العربية 48854 مجلداً- المخطوطات الفارسية 3641 مجلداً. وبلغ مجموع عدد المخطوطات الموجودة في المكتبة أكثر من 100.000 كتاب
عدد الصفحات ٢٧٨279 ورسالة» وتضم المكتبة أقسام التصوير والف هرسة, وتعقيم المخطوطات وترميمها وتُليدها, ثم تسجيلها على الكمبيوتر. ويشيع في هذه المكتبة جو من السكينة والجلال لم أحسَّ هما في مكتبة من مكتبات المخطوطات شرقاً وغرباً. أما الخدمة المكتبية في هذه المكتبة فشيء معج ب حقاً, تطلب المخطوط فتأتيك به الموظفة تحمله بين يديها في حنو وحدب وإشفاق, وكأنه وليد طال انتظاره, على ما قال ساعدة بن جؤيَّ ة الهذ,: أتاها على هون وقد شاب رأسها ... وحين تصدى للهوان عشيرها ثم تظل عيناها معلقة بك وبه, فإذا رأت منك جفاء مع المخطوط, كاتكاء بيدك عليه, أو بلّ إصبعك لتقليب صفحة من صفحاته, أو اتخاذه سناداً لما تكتب ردتك عن ذلك رداً جميلاً, ولهذا ترى كثيراً من المخطوطات محتفظة بروائها وحمالها, وكأنها خرجت من يد النساخ للتو واللحظة. وتوشك هذه المكتبة السليمانية أن تكون المكتبة المركزية العامة للمخطوطات, فإن وزارة الثقافة الريكية تعمل على نقل المخطوطات إليها من الأقاليم البعيدة لتكون قريبة من الباحثين. وإذا كانت تركيا تملك أكبر قدر من المخطوطات في العالم, فإنها كذل ك تحتفظ بأكبر قدر من النفائس والنوادر, وللنفاسة والندرة في عالم المخطوطات معايير كثيرة, من أبرزها وأظهرها قدم المخطوط, ونجد في مخطوطات تركيا كتباً ذوات عدد يرجع تاريخ نسخها إلى القرون المتقدمة: كالثالث والرابع والخامس والسادس, فضلاً عن المخطوطات التي كح تبت بأقلام مؤلفيها أو تلاميذهم, والمخطوطات الفريدة التي لا تحعرف لها نسخ أخرى في مكتبات العالم, كل ذلك وأشباهه مما تغص به مكتبات تركيا, فمن نماذج الق دم والعتاقة هذه المخطوطات: المأثور عن أبي العميثل الأعرابي, في اللغة, المتوفى سنة240هـ, نح سخ سنة 280هـ, بخط نسخ مشكول بالحركات شكلاً جيداً, وهذا يفيد في معرفة تاريخ الشكل بالحركات, كيف كان في ذلك الزمان المتقدم. وال نسخة بمكتبة و, الدين باستانبول
عدد الصفحات ٢٧٩280 دستور ثابت بن قرة المتوفى سنة288 هـ- وهو كتاب في آلات الساعات - نح سخ سنة 370هـ مكتبة كوبريلي باستانبول رسالة مدح الكتب والحث على جمعها للجاحظ المتوفى سنة 255هـ بخط علي ابن البواب الخطاط الشهير, سنة 413هـمتحف الأوقاف باستانبول. تحديد نهايات الأماكن لتصحي. مسافات اساكن, للبيروني المتوفى سنة 440هـ نح سخ سنة 416هـ (أي في حياة المؤلف) مكتبة الفات. باستانبول. شرح كتاب أرس طوطاليس للفارابي المتوفى سنة 339هـنح سخ سنة 538هـمكتبة أحمد الثالث باستانبول. وليست النفائس والنوادر في مكتبات استانبول وحدها, بل هي في سائر المكتبات الريكية, ومما رأيته بعيني من تلك النفائس: نسخة من «جامع معمر بن راشد»المتوفى سنة153 , وكتابه هذا في ا ديث, وهو أقدم من «موطأ مالك»كما يقول ابن سمرة في طبقات فقهاء اليمن ص 66, والنسخة بخط مغربي على رق غزال سنة364, وقد رأيتها في مجموعة إسماعيل صائب أفندي بمكتبة كلية الآداب بجامعة أنقرة, ومجموعة إسماعيل صائب هذه تحتوي على كثير من النفائس, لأن جامعها هذا كان يعمل مديراً لمكتبة بايزيد باستانبول, وقد جمع هذه المكتبة لنفسه خاصة لتحمل اسمه, وقد ظلت هذه المجموعة حبيسة الصناديق نحو عشرين عاماً, ولهذا لم تتضمنها موسوعة «تاريخ الأدب العر»للمستشرق الألماني كارل بروكلمان, ومن نفائسها أيضاً كتاب «حلية الفقهاء»لابن فارس المتوفى سنة 395هـنح سخ سنة 589هـ وترجع نفاسة هذه النسخة - مع ق دم نَ سْ خها - إلى أنها النسخة الوحيدة في العالم إلى الآن. وعنها كانت نشرة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن الريكي وزير الدعوة والشؤون الإسلامي ة بالمملكة العربية السعودية. ومن النفائس التي رأيتها بمكتبة قونية: نسخة من «المقصور والممدود»لابن ولاد المتو سنة 332هـ ونسخة من «المذكر والمؤنث » بيلأحاتم السجستاني المتوفى سنة 255هـ وكلتا النسختين من خطوط القرن الرابع. ثم رأيت في قونية أيضاً نسخة من «غريب القرآن» لابن قتيبة المتوفى سنة276هـمن خطوط القرن السادس, ولم ير أستاذنا السيد
عدد الصفحات ٢٨٠281 أحمد صقر رحمه الله, هذه النسخة عند نشره للكتاب سنة 1778 هـ1958 ,وإنما كان تعوليه على نسخة وحيدة كانت صورتها في مكتبة المحدّ ث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر. ومما رأيتح من النفائس مجموعة شعرية كح تبت بخط نسخي جيد من خطوط القرن السابع تقديراً, تشتمل على أشعار بشر بن أبي خازم, وتميم بن أبي بن مقبل, والطرمَّ اح بن حكيم. وهذه المجموعة الشعرية محفوظة في مدينة صغيرة تسمى «جوروم»تقع في هضاب الأناضول في الوسط, إلى الشمال الشرقي من أنقرة العاصمة, وعن هذه المجموعة نشر الدكتور عزة حسن دواوين الشعراء الثلاثة بدمشق. أما نسخ المصاحف القرآنية, والمخطوطات الخزائنية - وهي التي جح وّ دت وزح يّ نت لخزائن السلاطين والملوك, والمخطوطات المزوقة, فشيء بالغ الكثرة. وهكذا امتلأت خزائن تركيا بالمخطوطات العربية التي تنافَ سَ في جمعها السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام, ووجهاء الناس حتى النساء, جمعوها من البلاد التي طالها حكمهم ثم حفظوها وصانوها, كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء, وهذا الحفظ وتلك الصيانة قامت بهما تركيا العثمانية (الخلافة) وتركيا العلمانية (الجمهورية) سواء بسواء. وليس فضل الأتراك العثمانيين على اللسان العربي, وعلى الفكر العربي محصوراً فقط في هذا القدر الكبير من المخطوطات العربية التي جمعوها وحفظوها, بل قد جاءنا منهم خير كثير: جاءنا منهم أعظم وأجمع ما كح تب في علم أحوال الكتب, أو قوائم الكتب (الببليوغرافيا العربية), وهو كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون, لمصطفى بن عبد الله, كاتب جلبي, المعروف بالحاج خليفة, أو: حاجي خليفة, المولود باستانبول سنة 1017 ه1609 م, والمتوفى بها سنة1067 هـ1657 م, وهذا الكتاب«من أوسع ما بأيدي الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة في استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام, وأنفعها في بيان أحوال الكتب, كما ي قول بلديه العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري, وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية, والمتوفى بمصر سنة 1371 هـ- في كتابه مقالات الكوثري ص 478.
عدد الصفحات ٢٨١282 ولهذا الكتاب- كشف الظنون - قيمة كبرى في رصد حركة التأليف العربي, وت تبُّ ع مساره منذ بداية التدوين حتى القرن الحادي عشر الهجري. ومادته العلمية غزيرة جداً, فقد ذكر نحو (200) علم وفن, ونحو15000) عنوان كتاب, ونحو 9500) مؤلف وجاءنا من تركيا العثمانية أيضاً «الخط العر»هذا الفن الجميل الذي يـحعَ د معلماً بارزاً من معالم الإبداع الفني عند المسلمين, وخاصية حضارية ينفردون بها عن سائر الشعوب. وإذا كان تاريخنا يذكر أسماء عظيمة كان لها أثر واض. في تزيين الخط العربي والإبداع فيه, مثل ابن مقلة الوزير الشاعر البغدادي (328 هـ), وابن البواب البغدادي423 هـ) وقد هذب طريقة ابن مقلة, وكس اها رونقاً وبهاء, ويقال: إنه كتب القرآن بيده 64 مرة, ومن حسن حظنا أن يبقى من خطه أثر, وهو «شعر سلامة بن جندل»في مخطوطة كتبها بقلمه الجميل سنة 408, وهي محفوظة بمكتبة بغداد كشك باستانبول. وكذلك بقي من خطه رسالة «مدح الكتب والحث على جمعها »للجاحظ, وقد ذكرتها من قبل. وياقوت المستعصمي الرومي ( 689 هـ) وآثار هذا الخطاط كثيرة, في تركيا وفي غيرها, وبخاصة المصاحف الشريفة. وفي مكتبة السليمانية وحدها نسختان من المصحف الشريف بخطه. أقول: إذا كان تاريخنا قد سجَّ ل هذه الأسماء التي أبدعت وجودت في الخط العربي, فإن الخطاطين الأتراك العثمانيين قد ارتقوا بهذا الفن إلى أعلى درجاته, وتألقت أقلامهم وأبدعت تشكيلات هي الغاية والمنتهى, وسيظل تاريخ الخط العربي يردد أسماء الخطاطين الأتراك العثمانيين, مثل الحافظ عثمان, وأسعد اليساري, وقاضي العسكر مصطفى عزت, والحاج حسن رضا, وحقي, وسامي, وخلوصي, وعثمان أوزجاي, ومحمد أوزجاي, وقنوي, وحمد الله المعروف بابن الشيخ, وأحمد كامل المعروف برئيس الخطاطين, ثم العلم الكبير: حامد الآمدي. وقل أن تُد واحداً من هؤلاء لم يكتب المصحف الشريف, فكان كلام ربنا عز وجل مجلى فن هؤلاء الخطاطين الذين أجادوا في كتابته غاية الإجادة, ما بين كتابته كاملاً, أو كتابة بعض آياته, حتى قيل بحق: «إن القرآن الكريم نزل بمكة, وقحرئ في مصر, وكح تب في استانبول» وهذا الإبداع في فن الخط العربي ليس في المسطور بين دفتي كتاب فقط, فأنت تراه أيضاً يزين جدران وقباب المساجد كلها صغارها وكباره ا, بأقلام الخط الستة المعروفة, وإن كان
عدد الصفحات ٢٨٢283 أكثر ما رأيته في المساجد: الثلث والفارسي ومن المألوف في أكثر المساجد أن تُد مكتوباً: الله جل جلاله - محمد صلى الله عليه وسلم - الصحابة الأربعة الراشدين, ثم الحسن والحسين, وأحياناً الصحابة الستة الذين تتم بهم العشرة المبشرون بالجنة. ومن أنفس وأبدع المجموعات الخطية ما رأيته في مسجد السليمانية باستانبول, والمسجد الكبير بمدينة بورسة, وهو المسمى «أولو جامع»فالخطوط في هذين المسجدين من وراء الوصف, فهي من الأشياء التي تحيط بها المعرفة ولا تدركها الصفة. ولست أدري كيف كتب ذلك الخطاط الريكي العظيم تلك القافات الثلث في مدخل جامع بورسة, فقد كتب بها سورة العلق: «قافات كبيرة جداً على شكل دائرة ثم وصل بينها ببقية الآيات بالحرف الصغير, وكذلك صنع بالسينات التي تنتهي بها سورة الناس » لفظ الجلالة على أن أبدع وأجمل ما رأيته في كتابه لفظ الجلالة «الله »و«محمد»صلى الله عليه وسلم ما رأيه في صدر كنيسة آيا صوفيا التي حوَّ لها السلطان محمد الفات. إلى مسجد, وقد تحول هذا المسجد الآن إلى متحف, وقد راعني ما رأيت: قباب عالية تملؤها خطوط تخطف البصر بجمالها, وعلى جانبي الكنيسة آثار إسلامية, مستحدثة على هذا البناء الكنسي العتيق, وفي مكان الهيكل وبعيداً عنه -شيئاً ما- أح قيمَ المحراب, وعلى يمينه نهض منبر فخم, ومن وراء المحراب بقيت صورة السيدة مريم عليها السلام في صدر الهيكل. ومما يلفت النظر في هذه الكنيسة أن الآثار المسيحية لم تمح . فبقيت كما هي, ثم استح حدثت أبنية إسلامية كبعض الإيوانات ومصلى النساء. ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن عناية الأتراك بالخط العربي وتحسينه لا زالت باقية إلى الآن في تركيا (الجمهورية), ومن الخطاطين الأتراك المعاصرين: داود بكتاش, وإيدين أركون, وعثمان أونال, وأفضل الدين فيلج, وعلي طوى, وتحسين قورت, وآي تكين أرسلان, ثم يتقدم هؤلاء كبيرهم الأستاذ حسن جلبي خطاط الجمهورية. فما برح النهر يجري متدفقاً زخاراً. ورغم أن لمصر تاريخاً في فن الخط العربي, فإن أثر الخطاطين الأتراك كان واضحاً على هذا الفن في مصر, وحين أنشأ الملك فؤاد مدرسة تحسين الخطوط الملكية عام 1920م-
عدد الصفحات ٢٨٣284 ومقرها كان ولا يزال بمدرسة خليل آغا الثانوية بشارع الجيش - قام بالتدريس فيها الخطاطون المصريون المعروفون آنذاك: الشيخ علي بدوي, والشيخ محمود رضوان, ومحمد إبراهيم, ونجيب هواويني, وهو سوري عاش ومات في القاهرة, ثم استقدم الملك فؤاد خطاطاً تركياً كبيراً من استانبول هو «الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي»الذي يوقع أحياناً على خطوطه باسم «عزيز»وهو من تلاميذ الخطاط الحاج أحمد العارف الفلبوي والخطاط حسن حسني القرين آبادي, كما ذكر هو في بعض لوحاته. وقد أثر الشيخ عبد العزيز تأثيراً كبير اً في تلاميذه الذين درسوا على يديه وارتقى به فن الخط في مصر ارتقاءً عظيماً, وظهر أثره واضحاً في سيد إبراهيم, وبخاصة في خط الثلث, وفي محمد حسني, وبخاصة في الخط الفارسي. وقد جمح عت روائع الشيخ عبد العزيز الرفاعي في كتالوج فخم جداً, وفيه ترجمة لحياته وأسفاره, وطبع هذا الكتالوج في استانبول سنة 1988م, وفيه صورة رسالة بخط الشيخ عبد العزيز الرفاعي إلى شيخ الأزهر, وهي وثيقة مفيدة, في تاريخ نزوله بمصر ومحل إقامته. وهذه صورة الوثيقة: «حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر الشريف أعرض لفضيلتكم أني دح عيت من الآستانة العلية لكتابة المصحف الشريف لحضرة مولانا صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول, وقد كتبت نموذجاً لطلبة المدارس والأزهر, وها هو مرفق طيه للاطلاع عليه حتى إذا حاز القبول يكرم باعتماد تقريره بالأزهر, وإني مستعد لتقديم الكمية اللازمة, وفي الختام تفضلوا بقبول فائق الاحريام - في 23 أكتوبر سنة1923 الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي الخطاط المقيم بتكية المولوية بشارع السيوفية نمرة 31 قسم الخليفة» توفي الشيخ عبد العزيز ودفن في استانبول يوم 16 من أغسطس سنة 1934م وقبره قريب من مسجد الفات., وهو أكبر خطاط في هذا الجيل, وترى نماذج من خ طه في عنوانات بعض الكتب التي طبعتها دار الكتب المصرية: الأغاني للأصفهاني, وذيل الأما, والنوادر لأبي علي القا,, والجامع لأحكام القرآن للقرطبي, ونهاية الأرب للنويري. ورأيت في الستينات بعض لوحات بخطه في قاعة المعارضة بدار الكتب المصرية, لا أعرف مصيرها الآن.
عدد الصفحات ٢٨٤285 وإلى جانب هذا الكتالوج الخاص بالشيخ عبد العزيز الرفاعي, رأينا عملاً رائعاً آخر أصدره مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية, التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي, وهو كتاب «فن الخط»وهو ثمرة جهود طويلة قام بها فريق من الباحثين تحت إشراف الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي مدير عام المركز, ويضم الكتاب مقدمة تاريخية حول نشأة الكتابة العربية وأعلام الخطاطين القدامى, إلى أن يصل إلى الخطاطين العثمانيين, ويحتوي الكتاب على 192 لوحة وصورة بالألوان ويقوم هذا المركز بجهود عظيمة في مجال التاريخ والفنون الإسلامية, ومن صور نشاطه إقامة مسابقات دولية لفن الخط العربي توجه منها الدعوة لخطاطي العالم كله. ومن إصداراته الجيدة «فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي »في ثلاثة مجلدات ضخام- استانبول 1406 ه1986م, وفهرس مخطوطات الطب الإسلامي باللغات العربية والريكية والفارسية مكتبات ترك يا, 1404 هـ1984 م, ويدير هذا المركز ويوجه نشاطه شاب مثقف يتوقد ذكاء, ويتوهج حماسة, هو الأستاذ الدكتور «أكمل الدين إحسان أوغلي »وهو تركي, ولكنه مصري المولد والنشأة والتعليم, تخرج في كلية العلوم, وعين معيداً بجامعة الأزهر في أول سني التطوير, ثم أكمل تعليمه العا, في لندن, وعاد إلى موطنه تركيا. ووالده الشيخ «إحسان»من علماء الأتراك الذين نزلوا مصر, واتخذوها داراً ومقاماً, وكان رئيس قسم الفهارس الشرقية بدار الكتب المصرية إلى أوائل الستينات. رأيته شيخاً مهيب الطلعة, حسن السمت, صالح الوجه. ولا يبقى إلا أن نلتفت التفاتة جادة إلى تُربة الأتراك في حفظ المخطوطات وصيانتها, وأن ننقلها إلى ديارنا, فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها. كذلك ينبغي أن نستفيد من جهودهم في فن الخط العربي, جمعاً لروائعه ونشراً لها, وإني أدعو ورثة الخطاطين المصريين الكبار, من أمثال سيد إبرا هيم ومحمد حسني ومحمد إبراهيم ويوسف أحمد, والخطاطين الأحياء أمثال محمد عبد القادر وحسين أمين, ومن إليهما, أدعو هؤلاء جميعاً إلى جمع ما لديهم من خطوط, ونشرها بين دفتي كتاب يحفظها, أثراً يبقى ونموذجاً يحتذى, بل إننا لو جمعنا فقط عنوانات الكتب التي خطها سيد إبراهيم ومحمد حسني لأظهرنا كنزاً من الفن العا,, ولأحيينا تاريخاً عزيزاً كاد يضيع بتأثير الكمبيوتر وتشكيلاته المستحدثة التي لا تقوم
عدد الصفحات ٢٨٥286 على قواعد, ولا تستند إلى أصول, كما ذكر الأستاذ حامد العويضي في مقالته الجيدة «جماليات الخط العربي أمام مخاطر الكمبيوتر»- عددأكتوبر الماضي من الهلال. والحق أن هذا الذي نراه من الكمبيوتر الآن من تخليط واضطراب إنما سبقه ومهد له, وأغرى به ما قام به بعض الرسامين وخريجي الفنون الجميلة منذ زمن, من اللعب بقواعد الخط العربي وتُاوزها, في هذه الخطوط الصاعدة والهابطة, والمنتصبة والمضطجعة, وقد قالوا وقتها: إنه الخط الحر, على مثال الشعر الحر, وكلها ف ومصائب يأخذ بعضها برقاب بعض, ولا نتنبه لها في بدايتها ونريكها حتى تعظم ويتطاير شررها, على ما قال الحارث بن وعلة الذهلي: والقول تحقره وقد ينمي ... وبالله نستدفع البلايا * * *
عدد الصفحات ٢٨٦287 في كم يتلى القرآن؟ (1) القرآن كلام الله, تنزيل من حكيم حميد, نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين, وقد أمر عليه السلام بتلاوته على أمته, وأح مرت أمته بتلاوته وتدبر آياته والعمل بها, وقد أثنى ربنا عز وجل على عباده التالين له, فقال تقدست أسماؤه سراً وعلانية يرجون تُارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30[ }) ويأتي رمضان كل عام مذكراً بهذا النور المبين, فقد نزل القرآن الكريم في ليلة مباركة منه. والمسلم وإن كان مأموراً بقراءة القرآن في كل وقت وحين, فإنه يجد لذة وأنساً حين يقرؤه في رمضان لا يجدهما في وقت آخر, ونعم إن القرآن يطيب به الفم ويزكو به العمل في كل آن, ولكن الله يجعل لبعض الأيام ولبعض المواضع خصوصية ليست لغيرهما, وقد روي عن محمد بن مسلمة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها»مجمع الزوائدللهيثمي 10 /231. ولقد حفظت القرآن صغيراً, واشتغلت بعلومه كبيراً, وقرأته على فحول شيوخه واستمعته من كبار مقرئيه, ولا زلت مغموراً بنوره وضيائه, فهو معي في مغداي ومراحي, وفي ح لّ ي وترحا,, والحمد لله, ولكن حلاوته تعظم في فمي, ونغمه يعذب في سمعي حين أقرؤه في رمضان, وفي الحرمين الشريفين, وكم كان قلبي يخشع وكياني يهتز, ودموعي تُري حين أقرأ - وأنا في الروضة الشريفة - تلك الآيات التي تخاطب الرسول صلى الله ع ليه وسلم وتناديه, فأقرأ وأتمثل وأستحضر وأنا بقرب النور وفي كرم الجوار, فأي جلال وأي جمال! وما دخلت المسجد النبوي مرة إلا وقرأت سورة النساء, لأستحضر تلك الصورة الغالية الخاشعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مسعود يقرأ عليه سورة النساء وذلك ما رواه البخاري عنه قال: قال , النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي القرآن»قلت: يا رسول (1) مجلة«ال»فبراير1995م
عدد الصفحات ٢٨٧288 الله, أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال «نعم»فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية41}) «حسبك الآن »فالتفت إليه ف إذا عيناه تذرفان. صحي. البخاري (باب قول المقرئ للقارئ حسبك من كتاب فضائل القرآن) 6 /241. وهكذا تكون معرفة التفسير وأسباب النزول معينة على فهم القرآن وتدبره, فإذا انضم إ ذلك معرفة غريبه ووجوه قراءاته ونحوه وإعرابه ومعانيه, كان ذلك أعون على معرفة أسراره والوقوف على دقائقه, ثم التلذذ بتلاوته, واستصغار لذائذ الدنيا كلها بجوار آية واحدة من آياته يتلوها المؤمن مستجمعاً لها فكره مخلياً لها قلبه, ولذلك يقول أحمد بن أبي الحوارى المتوفى سنة 230 :«إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية فيحار عقلي فيها, وأعجب من ححفَّ ا القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء, من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه, وتلذذوا به, واستحلوا المناجاة به, لذهب عنهم النوم, فرحاً بما رح زقوا ووقفوا». والقرآن مؤنس لتاليه, مزيل لوحشته, يقول الراغب الأصفهاني في مقدمة كتاب ه «حل متشابهات القرآن»«فاتفقتْ خلوة سطوتح على وحشتها بالقرآن ... وكانت هذه الخلوة خلوة عين لا خلوة قلب, واضطرار لا عن اختيار, بل لقهر وغلب»والظاهر أن المراد بهذه الخلوة السجن. مقدمة تحقيق كتاب المفردات في ألفا القرآن ص 29. والمسلم حين يتلو القرآن ليسلساناً يضطرب في جوبة الحنك فقط, ولكنه لسان يتلو, وقلب يخشع, ونفس تموج, وعزم ينهج, ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نفيس, في أن المسلم مطالب بأن يجمع القرآن ويحفظه ويحيط به ويجعله إمامه في جوارحه كلها, وفي عمله كله, وذلك ما أخرجه ابن جرير الطبري عن الحسن «أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر, فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله, أمر الله أن يح عمل بها, لا يح عمل بها, فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه, فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا, قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه, فقال: يا أمير المؤمنين, إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إناَّ نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى, أمر أن يح عمل بها لا يح عمل بها؛ فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم ,, قال: فجمعتهم له ...
عدد الصفحات ٢٨٨