المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ١٧ من ٢٢

257 ثالثاً: إن من يعيد كتابة تاريخ من تواريخ السابقين, أو يحاول اختصار كتاب في علم من العلوم, أو تهذيبه, لابد أن يكون في علم صاحب الكتاب الأصلي, أو على درجة مقاربة له؛ لأن المعيد أو المختصر أو المهذب حينئذ يكون سميعاً بصيراً, يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع, ولذلك قَب ل أهل العلم «مختصر صحي. مسلم»للحافظ المنذري, و«مختصر تفس الطبري»لأبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي, وتهذيب أنساب السمعاني؛ المسمَّى «اللباب»لعز الدين بن الأثير, و«مختصر الأغاني»للأصفهاني, و«مختصر تاريخ دمشق» لابن عساكر, وكلا المختصرين لابن منظور صاحب «لسان العرب» وفي عصرنا الحديث قَبلنا «تهذيب الأغا»للشيخ محمد الخضري, و«عمدة التفاس» لمحدث العصر الشيخ أحمد محمد شاكر, الذي اختصر فيه بعض أجزاء من«تفسير ابن كثير» و«تهذيب سيرة ابن هشام»و«تهذيب الحيوان»للجاحظ, كلاهما لأستاذنا عبد السلام محمد هارون. رابعاً: إن الخدمة الحقيقية لتاريخنا إنما تكون بجمع مخطوطاته التي لم تح نشر, ثم تحقيقها وتحقيق ما نح شر من قبلح غير محقق, وفْ ق الأصول العلمية الصحيحة, ثم فهرسته الفهرسة العلمية الفنية, التي تضم النظير إلى النظير, وتقرن الشبيه إلى الشبيه, وستكون هذه الفهارس الفنية الكاشفة عدة وعوناً للدراسات والبحوث التي لا تقوم إلا على النص الموثق المحرر. أما ما يقال عن غربلة التاريخ الإسلامي وتصفيته من الأخطاء والأوهام, وتخليصه من محاباة الحكام والملوك, وتنقيته من مظاهر الإسراف والمبالغات, ثم ما يقال لك من أن ماضينا غارق في الظلمات, وأن تاريخ الدول يكتب في غير أوانه, كتاريخ الدولة الأموية الذي كح تب في أيام الدولة العباسية: فكل أولئك من الكلام الذي يح رسل إرسالاً؛ لتح ملأ به مجالس السمر, ويح تخذ سبيلاً لادعاء العلم. الهجوم على التاريخ والمؤرخين: لقد تعرض التاريخ الإسلامي والمؤرخون المسلمون لكثير من الحيف والعدوان, وكان أعجب ما قيل: «إن التاريخ صحنع للحكام والملوك, ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها» وبمثل هذه الألفا البراقة الخادعة يستميلون الشباب ويوقعونهم في قرار مظلم من الافتنان الكاذب والشك الموبق.

عدد الصفحات ٢٥٧

258 إن هذه القضية ينبغي أن تناقَش على وجهها الصحي., ويبدو أن كثيراً من كح تّ ابنا المعارضين قد خلطوا بين كتب التاريخ العام - أحداثاً وتراجم - وبين كتب المناقب. فكتب التاريخ العام إنما ترصد الحوادث والأحدا ث بصورة عامة وشاملة, ويدخل في نسيجها أخبار الخلفاء والملوك لا محالة, ويظهر لك هذا المنهج بوضوح في كتب التاريخ المرتبة على السنين «الحوليات»وكذلك في كتب الرياجم العامة, وتأمل مثلاً كتاب «سير أعلام النبلاء»للذهبي, و «الوافي بالوفيات »للصفدي, و «وفيات الأع يان»لابن خلكان وسريى أن تراجم الخلفاء والوزراء إنما تأتي في ترتيبها الألف بائي ليس غير, بل إن بعض تراجم هؤلاء الخلفاء والوزراء تأتي أحياناً خافتة وموجزة إذا قيست بريجمة عالم معاصر لهم, كالإمام أحمد بن حنبل مثلاً, الذي تملأ ترجمته صفحات كثيرة, فضلاً عما ي تعرض له بعض هؤلاء الخلفاء أو الوزراء من نقد شديد, وإحصاء دقيق لأخطائهم وزلاتهم, ولست هنا بسبيل التمثيل لهذا أو ذاك. أما كتب المناقب فهي كتب خاصة تدور حول شخصية واحدة, خليفة أو وزيراً, ولا بأس في ذلك ولا نكران؛ فإن من حق أي كاتب أن ينحاز إلى شخصية حاكمة ومؤ ثرة, ويفرد لها كتاباً يأتي على تاريخها وأعمالها, وهذا ما نشاهده إلى يوم الناس, نحن نقبله ولا نرفضه, ثم إن ما كتب في تراجم الأفراد خاصة ومناقبهم لم ينفرد به الحكام والخلفاء فقط, فقد ذكرت لك من قبل: مناقب أبي حنيفة, ومناقب الشافعي, ومناقب أحمد, وسيرة عمر بن عمر العزيز. ويبدو أيضاً أن بعض من خاضوا في قضية «صنع التاريخ للحكام والملوك»قد خحدعوا بتلك العنوانات التي تحمل أسماء الملوك والوزراء, مثلك كتاب الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس, نسبة إلى الصاحب ابن عباد, الوزير الشهير, والإيضاح العضدي في النحو, لأبي علي الفارسي, نسبة إلى عضد الدولة بن بويه حاكم فارس والموصل وبلاد الجزيرة, واللامع العزيزي - وهو شرح ديوان المتنبي - لأبي العلاء المعري, نسبة لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله الرومي, الذي كان من رجال الحاكم بأمر الله الفاطمي, والمستظهري - وهو فضائ. الباطنية - لأبي حامد الغزا,, نسبة إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله, أحمد بن عبد الله. فليس للصاحب بن عباد, ولا لعضد الدولة, ولا لعزيز الدولة, ولا للمستظهر بالله, ذكر

عدد الصفحات ٢٥٨

259 في تلك الكتب إلا ما يكون من إشارة في المقدمات, فيها إشادة بهؤلاء الكبار أصحاب السلطة؛ لأن لهم عوناً ظاهراً للمؤلف ومساندة, كما نقول الآن: إن الكتاب الفلاني طبع بدعم من جامعة كذا, أو هيئة كذا, وتأمل الكتب التي تصدر تحت عنوان «سلسلة جب التذكارية »ونحوها, لأن هذه الجامعات والهيئات مؤَّلت الكتاب وأنفقت على طبعه, و هات , الآن أميراً أو تاجراً ثرياً يعينني على طبع كتاب من كتبي, وأنا زعيم, أن أسمي كتابي باسمه الشريف, بل أجعل اسمه يتقدم اسمي, ثم أكيل له المدي. والثناء منظوماً ومنثوراً. على أن هؤلاء الملوك والوزراء الذين جاءت أسماؤهم عنوانات للكتب كانت لهم مشاركة واهتمام باللغة والأدب وفروع العلم عموماً, ويكفي أن تعلم أن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي حين ترجم لعضد الدولة البويهي وصفه بالنحوي. ولعل من أشد العنوانات خداعاً: ذلك الكتاب الذي ألفه ابن الجوزي وسماه: «المصباح المضيء في خلافة المستضيء»فهذا الكتاب وإن كان في ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسي المستضيء, فإنه ليس خالصاً له, وإنما استطرد ابن الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين, مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير, يقدمها ابن الجوزي للسلطان أو للحاكم, لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية, كما ذكرت محققة الكتاب وناشرته العراقية الدكتورة نا جية عبد الله إبراهيم. وكذلك كتاب: «الدر الفاخر فيل سيرة الملك ناصر»لابن أبيك الدواداري من مؤرخي المماليك في القرن الثامن الهجري, فهذا ابن أيبك وإن كان منحازاً للسلطان محمد الناصر بن قلاوون؛ لأنه كان يعمل في بلاطه, فإن كتابه هذا يـح عَ د وثيقة مهمة في تاريخ م صر والشام في ذلك الوقت, وهو بمثابة يوميات لهذين الق طرين الكبيرين وجهادهما مع فلول الفرنجة من التتار. فليس صحيحاً إذن ما سمعتح ه - في برنامج تلفزيوني - من الدكتورة الأدبية الفصيحة نغمات أحد فؤاد من قولها: «إن التاريخ يخطئ حين يقول: هرم خوفووخوفو لم ي هر مه, وإنما بناه المهندس المصري» إن التاريخ لم يخطئ يا سيدتي الدكتورة, ولكن هذا هو المعروف والمألوف في نسبة الأعمال الكبيرة, تنسب إلى عصورها, وإلى رموز هذه العصور, وهم الملوك والحكام, إن علماء

عدد الصفحات ٢٥٩

260 البلاغة يمثلون لمجاز الحذف بقولهم«بنى الأمير القصر»ثم يقولون: وإنما بناه عماله. ألم نقل «مصحف الملك فؤاد»لهذه الطبعة المحررة العالية من القرآن الكريم, وهي أص. طبعة للكتاب العزيز بشهادة مشايخ الإقراء بمصر و غير مصر, من حيث الالتزام بالرسم العثماني, والضبط, وعلامات الوقف. وقد كتبه بخطه الشيخ محمد علي خلف الحسيني, ثم شاركه شرف ضبطه وتصحيحه: حفني ناصف ونصر العاد, ومصطفى عناني وأحمد الإسكندري. وطح بع هذا المصحف الكريم بالمطبعة الأميرية عام 1337 هـ في عهد الملك فؤاد, فنح سب إليه. وتبقى قضية «تخليص التاريخ الإسلامي من الأخطاء والمبالغات»وهي أيضاً من القضا التي يعالجها الناس بكثير من الخفة والسهولة والمتابعة. ومما لا شك فيه أن لبعض مؤرخينا الأولين أوهاماً وأخطاء, في رصد الأحداث وتسجيلها وتحليلها, وهذه الأوهام والأخطاء مما ينبغي التنبه لها والتنبيه عليها. على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن علومنا كلها ومعارفنا كلها منقودة م ن داخلها, ومدلول على الخطأ والوهم فيها منذ اللحظة الأولى لتدوين العلوم والمعارف, فالنقد عندنا سار مع التأليف خطوة خطوة, وهذا المنهج المعروف عند علماء الحديث, من القبول والرد, والتعديل والتجري., قد امتد أثره إلى سائر العلوم الأخرى, وإن باب النقد في تراثنا و علومنا باب واسع جداً, وضخم جداً, وينبغي أن يكون واضحاً أيضاً أن هذه الأمة لم تغفل عن تراثها هذه الآماد الطوال حتى يجيء فلاسفة هذا الزمان لينقدوا ويجرّ حوا ويخطّ ئوا, ونعم, ليس لأحد - بعد الأنبياء - عصمة, فانقد ما تشاء, وحلّ ل ما تشاء, واستنتج ما تشاء, ولكن بعد أن تُمع للأمر عدته, وتأخذ له أخذه, من القراءة المستوعبة المتأنية, والنظر الصحي., وترك المتابعة إلا بعد ثبوت الدليل, على ما قالت العرب في كلامها الحكيم: «ثبت نسباً واطلب ميراثاً»وعلى ما قال أبو الفت. ابن ج«فكل من فحرق له عن علة صحيحة وطريق نه جة كان خليل نفسه وأبا عمرو ف كر ه ... إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسم. له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قال طال بحثها وتقدم نظرها ... إلا بعد أن يناهضه إتقاناً, ويثابته عرفاناً, و لا يخلد إلى سان. خاطره, ولا إلى نزوة من نزوات تفكره»الخصائص1 /190.

عدد الصفحات ٢٦٠

261 ويريد ابن جني أن يقول: إن من اهتدى إلى وجه من النقد صحي., أشبه الخليل بن أحمد وأبا عمرو بن العلاء, ولا ينبغي لأحد أن يخالف السابقين في آرائهم لشهوة الخلاف فقط, وأنه ليس من حقه أن يخالفهم إلا إذا وصل إلى مرتبتهم أو فاقها: علماً وبحثاً ونظراً, على ألا يسرع إلى الرأي بمجرد الخاطرة السانحة, والنزوة الفكرية الطارئة. فهذا هو كلام أهل العلم, أما التخييل بالمنهج والتفكير العملي, للهجوم على تخطئة الأقدمين بالحق وبالباطل, فليس من العلم في شيء, ولا من العقل في شيء, وليس من الأدب أيضاً مع تاريخ الأمة أن يقول كاتب كبير معاصر, عن الإمام المفسر المحدث المؤرخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: «المؤرخ الأبله » ولو سألت هذا الكاتب الكبير عن ترجمة الطبري: حياة وعلماً وتصنيفاً, ووفاة, لمن ظفرت بشيء, بل لو سألته عن عدد طبعات كتابه «تاريخ الأمم والملوك »والفرق بين هذه الطبعات لما أجابك بشيء. ويقرأ الناس هذا ويسكتون؛ لهوان الماضي عليهم, وخفة الموروث في موازينهم, وقل: سبحان ربي! لو تعرض أحد لبعض كتابنا ومفكرينا المعاصرين, لاهتزت الأرض بمن عليها, ولسمعت دوياً هائلاً وجلبة صاخبة حول رموزنا العظيمة التي لا ينبغي أن تح نال, وأعلام التنوير التي لا يص. أن تح طال, أما الهجوم على الأوائل, والسخرية منهم, والتطاول عليهم, فلا نكرة فيه ولا غضب منه؛ لأن «حمزة لا بواكي له» أتغضب إن أذنا قتيبة حح زَّ تا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازم والموعد لله. * * *

عدد الصفحات ٢٦١

262 الجامعة المصرية إلى أين؟ الكتاب الجامعي والطريق الصحيح (1) ذات يوم ضمنا مجلس علمي لقسم اللغة العربية بإحدى الكليات, وطرح رئيس المجلس قضية محالة على القسم من عميد الكلية, توصي بأخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته. ولم يكد رئيس القسم ينتهي من قراءة هذه التوصية حتى هبَّ ت ري. عاصفة كا دت تدمّ ر كل شيء, ومادت بنا الأرض, وعلا ضجيج, واختلطت أصوات, وجحظت عيون, وانطلقت ألسن تدفع الضيم وترد الحيف عن الأستاذ الجامعي, وتريد أن ترفعه إلى مكان عليّ لا يح نال ولا يح طال, وكأنه ذلك النبي المرسل المصطفى المختار من عباد الله, المؤيد بالوحي, الذي لا ين طق عن الهوى, المعصوم من الخطأ, المبرَّ أ من الهوى, أو كأنه تلك الصخرة التي شبَّ ه بها سفي. بنح رياح الفرزدقَ , في قوله: إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا (وانتصاب الأوعال بطالت: أي طالت هذه الصخرة المشبه بها الفرزدق الأوعال. وإنما قال هذا ؛ لأن مأوى الوعل أعا, الجبال. والوعل: هو التيس الجبلي), وسمعنا في هذه الجلسة كلاماً ضخماً فخماً عن كرامة العلم وهيبة الجامعة. أما ذلك الطالب المسكين فقد جاءه الذم من كل مكان, ونال حظه موفوراً من التنقُّ ص والمعابة, وسوء الرأي وضعف التدبير. وتركت القوم حتى سكنت فورتهم, وهدأت ثائرتهم, ثم قلت لهم: على رسلكم يا قوم اربعوا على أنفسكم, ولا تغضبوا و لا تفزعوا, وتعالوا إلى كلمة سواء : أليس الطالب هو أساس العمل الجامعي كله؟ أليس هو قطب الرحى وعمود الصورة؟ فلماذا نحقّ ر شأنه وإنما نحن أساتذة به؟ ونحن حين نعلّ مه ومرّ جه إنما نتعلم العلم معه مرة أخرى, ولولاه لصدئت عقولنا وتقصَّ فت أقلامنا, والطالب النابه - ولا زال موجوداً بجامعتنا ومعاهدنا والحمد لله - يستخرج من أستا ذه علماً خبيئاً حين يدارسه ويفاتشه, وقد يفت. عليه أبواباً من النظر (1) مجلة«ال»أكتوبر1994م

عدد الصفحات ٢٦٢

263 والعلم كانت موصدة دونه لولا مذاكر ة ذلك الطالب ومدارسته. وفي موروثنا الثقافي كان التلميذ النابه يسمى صاحباً لشيخه: فأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة, والربيع بن سليمان صاحب الشافعي, وهو ناسخ كتابه العظيم «الرسالة»وكان الشافعي يقول له «أنت راوية كت »وابن جني صاحب أبي علي الفارسي, بل قد تتوثق العلاقة وتشتد الآصرة فيصير التلميذ غلاماً لشيخه, كما ترى في أبي عمر الزاهد غلام ثعلب, فالتلاميذ أصحاب لشيوخهم, وتأمل عبارة الشافعي في الليث بن سعد رضي الله عنهما: «الليث أقفه من مالك إلا أنأصحابه لم يقوموا به» فينبغي أن ينظر إلى الطالبعلى أنه صاحب ومشارك؛ لأن العالم لا يكون عالماً إلا بمتعلم, وينبغي أيضاً أن نحتشد لهذا الطالب احتشاداً, وأن نحبرّ له الكلام تحبيراً؛ تأليفاً ومحاضرات, وقد أدركنا جيلاً من الأساتذة والأشياخ - في مراحل تعليمنا كلها - كانوا يلقَ وننا بكثير من الجد والإسماح, ومنهم من كان يدور بعينيه علينا واحداً واحداً, في أثناء المحاضرة, يعطي كلا منَّ ا حظَّ ه من العناية والنظر, وكأنه يلتمس أمارات الرضا عما يقول, ومواقع القبول لما يح لقي, بل إن منهم من كان يصرّ ح فيقول: إيه رأيكم يا ولاد؟ كلام حلو؟ عليه نور؟ وكان أستاذنا عباس حسن رحمه الله إذا خاطب أحدنا في المحاضرة قال: «يا حضرة الأستاذ» مع أنه كان صاحب كبر وبأو , مع كثير من زملائه, كما كنا نرى. ولا تحتجَّ نَّ علينا بقلة عدد الطلبة آنذاك, وكثرتهم الآن, فلو ظفر طلاب الصفوف الأولى في المدرجات الآن بهذه العناية لكفى. الرأي الجمعي: على أن قضية أخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها هذا السهل الساذج, فنحن لا نتوجه إلى الطلبة واحداً واحداً, نسألهم رأيهم في أستاذهم, على طريقة قوائم الاستبيان المعروفة, فذلك أمر مرفوض ومطَّ رح, ولكن المسألة أبعد من هذا, ولعل أقرب صورة لتحقيق هذه الغاية هي الرأي الجمعي للطلاب, فحين نرى إجماعاً أو شبه إجماع من الطلبة على حضور محاضرات ذلك الأستاذ فهذه شهادة له, وحين نلمس حرص الطالب على كتاب أستاذه وحفاوته به واحريامه له, فذلك إقرار بعلم

عدد الصفحات ٢٦٣

264 ذلك الأستاذ - ودعك من مسألة الاستلطاف أو الارتياح الشخصي بتأثير خفة ظل الأستاذ أو تودده إلى طلبته بحلو الكلام ومعسوله, أو سخاوته في درجات الامتحان, على قاعدة: «إنما يمدح السوق من رب»فهذه أمور إن دامت أسبوعاً فلن تدوم شهراً, وإن تُاوزت الشهر فلن تبلغ العام. ودعك أيضاً من الوشايات والإشاعات والسعايات لرفع خسيس أو وضع عال, فهذه كلها أمور مكشوفة مفضوحة, ولا يص. إلا الصحي.. وحين نرى إعراضاً من الطالب عن محاضرات أستاذ, واستخفافه بما يكتب, وزهده فيما يقول, فذلك إيذان بضعف ذلك الأستاذ. والعجيب أن ذلك كله - مدحاً وذمّاً, وإقبالاً وإعراضاً - لا يخفى على عمداء الكليات ورؤساء الأقسام بها, بل لا يخفى على الزملاء أنفسهم, ولكنها المداراة والمصانعة. وفي آخر الأمر فإن الطالب النابه هو شاهد الصدق على علم الأستاذ وإخلاصه؛ لأنه يح بدي رأيه في أستاذه وهو سليم الصدر, منزَّ ه عن الغرض, بريء من الشبهة, ولا يجد الهوى إلى نفسه سبيلاً, فينبغي أن يصار إلى رأي ذلك الطالب: شهادة تزكية إلى جانب تقرير اللجان العلمية التي يقول عنها بعض الناس ما يقولون, وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وهذا الذي قرأتَ ه أيها القارئ الكريم إنما هو مقدمة ومدخل لأمر جلل وشأن عظيم, وهو الكتاب الجامعي: منهجاً وإخراجاً. إن الكتاب الجامعي هو حامل العلم إلى الطالب, وهو الصورة الماثلة الثابتة للأستاذ أمام الطالب, فإما أن يحرص على هذه الصورة, يستصحبها معه ويتمثَّ لها في مستقبل أيامه, وإما أن يستهين بها, ويتخلص منها ساعة فراغه من حاجته إليها. إن الأصل في الكتاب الجامعي أنه يقدّ م علماً قائماً على منهج, وهذا المنهج وضَ عَ ه بعناية أساتذة كبار منذ اليوم الأول لقيام الجامعات والمعاهد العليا, وفي داخل هذا المنهج مفردات ومقررات تغطي على مدار سنوات الطلب أصول كل علم, وهذه المفردات والمقررات وضعها هؤلاء الكبار أيضاً. وقد طرأت على هذ المناهج بعض التغييرات والإضافات نتيجة لتقدم بعض فروع العلم, باستحداث مواد لم تكن موجودة, أو تطوير بعض ما هو قائم, لكن هذه التغييرات أو الإضافات لم تمس أصول ذلك المنهج القائم

عدد الصفحات ٢٦٤

265 على تزويد الطالب بأصول العلم وجوهر المعرفة, ويظل الأستاذ الجامعيمهما علا شأنه وارتفع قدره مشدوداً إلى هذا المنهج, ملتزماً بمفرداته ومقرراته, دائراً في مراجعه ومصادره, فإذا حاد عنه رح دَّ إليه رداً جميلاً أو غير جميل, من رئيس قسمه أو عميد كليته. هكذا كانت الأمور, وهكذا مضت, وفي ذلك الطريق تخرجت أجيال من الج امعيين مؤسسة على العلم الصحي.. ويداول الله الأيام بين الناس, فتحدث أمور تفضي إلى أمور, ويريخص الناس فيما لا يح ريخص فيه, وتقل المرجعية في العلم, ويتصرف بعض المعلمين من عند أنفسهم استبداداً واستقلالاً, فتضيع المعالم, ويختلط المرعي بالهمل, وتتداخل النوايا والمقاصد «وبعض السجايا ينتس إلى بعض »على ما قال ابن الرومي وكان ما كان مما لست أذكره, وإذا نحن بين يوم وليلة أمام بعض الكتب الجامعية لبعض الأساتذة الذين أباحوا لأنفسهم أن يبتعدوا قليلاً أو كثيراً عما كان مستقرًا وثابتاً في أصول المنهج ومفرداته التي درجت عليها الأجيال, بل إن بعض مفردات هذه المناهج قد اختفت فعلاً لتحل محلها بحوث الأساتذة التي حصلوا بها على شهاداتهم العليا (الماجستير والدكتوراه), ثم ما قدموه من بحوث للريقيات العلمية, وبعض ذلك يح قدَّ م بعنوناته الأصلية, وبعضه يغيرَّ ويوضع تحت مسميات جديدة, ويح قدَّ م كل ذلك لل طالب ويح طلب منه تحصيله وفهمه وأداء الامتحان فيه. لقد أصب. محتوى المقرر الدراسي خاضعاً لمشيئة المدرّ س ومزاجه, وفضلاً عن وعورة هذا المسك وجهد المشقة فيه, فإن الطالب لن يعود منه بشيء ذي بال, في هذه المرحلة من العمر, ولن يفيده في معرفة أصول العلم وقواعده, وخذ مثلاً على النحو, وهو علم الرياكيب الذي لا غنى عنه لطالب العربية في أي فرع من فروعها, هذا العلم يقوم على التعريفات والقواعد والشواهد - وقد قيل بحق: النحو شاهد ومثل - فكل جهد يبذل فيه في السنوات الجامعية الأربع ينبغي أن يدور حول هذه الأركان الثلاثة, لا يتجا وزها ولا يتعداها إلى غيرها من النظر في أصول النحو, من قياس وسماع وعلة, بل يؤجل ذلك كله إلى ما بعد المرحلة الجامعية الأولى لمن أراد أن يتم الطريق, ولكن الأمر قد جرى على غير هذا - وبخاصة في العقدين الأخيرين - وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد, فإن بعض

عدد الصفحات ٢٦٥

266 زملائنا يفت. على الطلبة أبواباً من النظر في فلسفة النحو تضرهم ولا تنفعهم؛ لأنها تورثهم الشك والحيرة. جاءني يوماً أحد الطلبة يسألني: يا دكتور, ما الفرق بين الموقع الإعرابي والحالة الإعرابية؟ فقلت له: من أنبأك هذا؟ قال: الدكتور الفلاني في الكتاب الفلاني, فقلت له: يا بني, هذا الدكتور رجل من أهل العلم, وكلامه هذا للكبار من أهل العلم, أما أنت فلا زلت في أول الطريق, وقد جئت إلى هذه الكلية تدرس فيما تدرس علم النحو, لكي تقرأ قراءة صحيحة وتكتب كتابة صحيحة, فاشتغل بذلك ودع ما سواه. ومن أخطر الأمور أيضاً ما يقوم به بعض زملائنا من نقد للفكر اللغوي والنحوي أمام هؤلاء الشباب, ويحدّ ثنا بعض الطلبة أن أستاذاً يخصّ ص نصف المحاضرة لعرض القاعدة النحوية, ثم يصرف النصف الآخر لنقدها ونقضها, وبعضهم يبدأ حديثه عن المعاجم العربية بذكر عيوب المعجم العربي, من تكرار المادة وتشويشها وتضارب النقو ل فيها, ثم يأتي حديثه عن مناهج هذه المعاجم ومدارسها وطريقة التعامل معها, خافتاً ضعيفاً في آخر الكلام. الحاجة الملحة للمعلم: لقد تحول كثير من الأساتذة الآن إلى منظّ رين وفلاسفة, وبعضهم يستخدم مص طلحات وتراكيب لامعة براقة, تأسر الطالب أسراً, وتُعله دائم التطلع إليها والتشبُّ ث بها, يريد أن يحاكيها, وقد يصده ذلك عن التماس العلم الحقيقي. إن الطالب في حاجة إلى مربّ ومعلم, لا إلى منظّ ر وفيلسوف, فكل ما يح لقى على الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأولى, وكل ما يح كتب لهم ينبغي أن يقوم على أساس ثابت من أصول العلم وحقائقه, وما فوق ذلك من نقد وتحليل وتتبُّ ع ينبغي أن يؤجَّ ل إلى مرحلة الدراسات العليا, كما قلتح , فمناهج تدريس النحو والصرف واللغة والبلاغة والأدب يجب أن تدور في فلك القاعدة والشاهد, ولا بأس من الإلمام بشيء من النقد التحليل, يح شْ ر ف ولا يتوغل, ويحوم ولا يواقع؛ لأنه لا يص. بحال أن نكشف لصغار الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأو لى, عن أبواب النقد هذه, وأن ندلهَّ م عليها, فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة, فضلاً عما يحدثه ذلك في نفوسهم من زلزلة وبلبلة قد تزهّ دهم في

عدد الصفحات ٢٦٦

267 العلم كله وقد نبَّ ه أهل العلم إلى ذلك من قديم, فقد ذكر أبو داو د في رسالته إلى أهل مكة «أنه ضرر على العامة أن يح كشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا»قال الحافظ ابن رجب الحنبلي : «وهذا كما قال أبو داود؛ فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك, وربما ساء ظنهم بالحديث جملةً إذا سمعوا ذلك»شرح علل الريمذي ص 543, وروى أبو سعد السمعاني بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: «إن الرجل ليحدّ ث بالحديث فيسمعه من لا يبلغ عقلح ه فهمَ ذلك الحديث فيكون عليهم فتنة»أدب الإملاء والاستملاء ص 59 ,60. وروى ابن عبد البر عن هشام عن عروة بن الزبير بن العوام, قال: «قال , أبي: ما حدثتَ أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه علمه إلا كان ضلالاً عليه»جامع بيان العلم وفضله1 / 134. وقال بدر الدين بن جماعة, فيما يجب على المعلم نحو طلبته«وكذلك لا يحلقي إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يـح بَ دّ د ذهنه ويـح فَ رّ ق فهمه, فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه, ويعرّ فه أن ذلك يضره ولا ينفعه, وأن منعه إياه منه لشفقة عليه وعطف به, لا بخلاً عليه, ثم يرغّ به عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل, ليتأهَّ ل لذلك وغيره, وقد روي في تفسير الرباّني أنه «الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كبار ه». وقال أيضاً«ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه, ولا بكتاب يقصحر ذهنه عن فهمه»تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص 51 - 52 و55 , وذكر جلال الدين السيوطي من أدب الرواية والتعليم, قال«ومن آداما الإخلاص, وأن يقصد بذلك نشر العلم وإحياءه, والصدق في الرواية, والتحري والنص. في التعليم, والاقتصار على القدر الذي تحمله طاقة المتعلم»المزهر2 /330. على أن بعض الأساتذة قد هحدي إلى صراط مستقيم, فوضع بين يدي طلبته ذلك الكتاب الجامعي القائم على الكشف عن أصول العلم, وعرض القاعدة مؤيدة بالنصوص والشواهد؛ دون إغراق في النقد والتحليل, لكنه كان من المؤسف والمحزن حقاً أن ينظر إلى مثل ذلك العمل على أنه كتاب مدرسي, وصار هذا الوصف «الكتاب المدرسي»علامة

عدد الصفحات ٢٦٧

268 على الخفة والسهولة, وصار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة, بلبلغت الجرأة مداها أن يصف بعضهم ما كتبه أحد أعلامنا الكبار - متعه الله بالصحة والعافية - في تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة, بأنه عمل مدرسي, غايته الجمع والتبويب, وأنه خال من التحليل والموازنة والنقد. ومعنى هذا أنه إذا جاءك أحدهم بعمل قائم على الثرثرة بتلك المصطلحات الخادعة: التحليل - الموازنة - النقد, ثم قمَّ ش علماً من هنا وسلخ علماً من هناك, واختار عنواناً أخَّ اذاً براقاً. أقول: معنى هذا أن ذلك العمل يفوق أعمال هذا الأستاذ الكبير, الذي قدَّ م أعمالاً ضخمة في تاريخ الأدب العربي وعصوره, أفنى فيها عمره, و أطاب بها ذكره. إن مصطل. «التحليل»وما أثير حوله من صخب وطنطنة قد عطل علماً كثيراً, ودفع إلى كثير من التهويل والتضخيم, وغمط فضلاً كثيراً, ولقد ذكَّ رني هذا الحديث بكتابين عظيمين, التقيت بهما في أوائل الستينات, إذ كنت طالباً بكلية دار العلوم, أولهما كتاب «أسس النقد الأدبي عند العرب»للدكتور أحمد أحمد بدوي رحمه الله, وثانيهما: كتاب «البيان العر»للدكتور بدوي أحمد طبانة, أطال الله في عمره وهذان الكتابان مشحونان بالتعريفات والنصوص, لأعلام النقد والبلاغة كالجاحظ, وابن قتيبة, وأبي هلال العسكري, والآمدي, والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني, والشيخ عبد القاهر الجرجاني, وابن سنان الخفاجي, وابن طباطبا العلوي, وضياء الدين بن الأثير, وأذكر أننا كنا شديدي الضيق بهذين الكتابين, وكنا نشكو منهما كل الشكوى, ولعل مما أغرانا بالضيق والشكوى من هذا اللون من التأليف: ظهور جيل جديد من صغار النقاد, بدأوا يثرثرون من خلال المقاهي الأدبية التي كانت في تلك الأيام, مثل مقهى الإنديانا بميدان الدقي, و مقهى ريش بشارع طلعت حرب, وكنا صغاراً قليلي الخبرة, ولم يح ت. لنا أن نعيش أيام «رسالة الزيات »و«ثقافة أحمد أم »فكان يسهل خداعنا بمثل هات يك المصطلحات: الوحدة الموضوعية, والمعاناة والتجربة الشعورية, وتراسل الحواس, والمونولوج الداخلي, والدفقة الشعورية, والتعبير بالصورة, والألفا الموحية, الشعر المهموس, وكانت هذه الكلمات الضخمة تهزناُّ هزاً, فإذا رحنا نلتمسها في كلام الجاحظ وابن قتيبة والآمدي لم نجدها, فيتشد ضيقنا بكتابي الدكتورين الفاضلين, ونذم زماننا, ونلعن حظوظنا, ونود لو

عدد الصفحات ٢٦٨

269 ضحرب بيننا وبين أمثال هذه الكتب بسور ليس له باب.

عدد الصفحات ٢٦٩

270 ولقد بلغت السفاهة ببعضنا أن ذهب إلى ناقد ناشئ في تلك الأيام وحرضه على كتاب الدكتور أحمد بدوي, ثم استكتبه مقالة طائشة بج ريدة الجمهورية, تطاول فيه تطاولاً فارغاً على الكتاب, فكانت كما قالت العرب في أمثالها: «أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل»وهو مثل يح ضرب لمن يكن عنده إلا الكلام. والآن وبعد مضي هذا الزمان أستغفر الله مما كان مني من طيش وزلل في حق ذلك الكتاب, فقد كنت أيضاً من الساخرين العابثين, وإنما هي غفلة الصبا وغرارة الشباب, ولا أملك الآن إلا أن أنشد قول الشاعر: رب يوم بكيت منه مراراً ... ثم لما مضى بكيت عليه وقول الآخر: فليت أن زماناً مر دام لنا ... وليت أن زماناً دام لم يدم وقول الثالث: عتبتح على س لْ م فلما فقدتح هح ... وجرَّ بتح أقواماً بكيت على سَ لْ م رجعتح إليه بعد تُريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم وأعتقد أن كتاب الدكتور أحمد بدوي قد خرجت منه رسائل جامعية كثيرة, وكذلك كتاب الدكتور بدوي طبانة, فكانا أيضاً كما قالت العرب في أمثالها: «أكلاً وذماً» ومرة أخرى: لا بد من إعادة النظر في هذا المصطل. «الكتاب المدرسي»وإعادة التوقير له والهيبة. إن متون النحو الأولى مثل الموجز لابن السرَّ اج, والإيضاح لأبي علي الفارسي, واللح مع لابن ج نيّ , وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه, والفصول الخمسون لابن معطي, والآجرومية, وقطر الندى لابن هشام, كلها يليف صغيرة عح م لَ تْ للمبتدئين في دراسة النحو, فهي كتب مدرسية, ولكنها علامات بارزة في طريق العلم, ونازعة بالثقة في أصحابها واحريامهم وإنزالهم المنزلة العالية. ولم يقتعد ابن جني هذه الذروة الضخمة بكتابه الفذ «الخصائص» وحده, بل كان إلى جانبه كتب ه الصغار المدرسية, مثل «اللحمع»الذي ذكرته والكتاب «الملوكي في التصريف » ومن جناية هذا الوصف«الكتاب المدرسي»أن ذلك الكتاب القائم على أصول العلم وحدها دون إغراق في التحليل والتفلسف يح رفَ ض من أبحاث الريقيات ويح ستبعَ د من الجوائز

عدد الصفحات ٢٧٠

271 الأدبية؛ لأنه كتاب مدرسي عح مل للطلبة ليس غير, وهذا خح لف من القول, وخطأ في الحكم. والكتاب المدرسي عمل من الأعمال العلمية: جيّ دح هح جيّ د , ورديئح هح رديء , فلا يص. أن يح ستبعَ د جيّ دح هح من أبحاث الريقيات, بل إني أتوق إلى اليوم الذي أرى فيه ترقية علمية يح قصد بها الطالب قصداً, فإن بعض أبحاث الريقيات تدور غالباً في فلك بعيد عن الطالب, بل إن منها لما يشَّ قق فيخرج منه كلام مفصَّ ل تفصيلاً على أعضاء لجان الريقيات, من حيث السير في طريقهم, والاستكثار من الرجوع إلى مؤلفاتهم بحق وبغير حق. إن هذه النظرة المستخ فَّ ة إلى الكتاب المدرسي قد دفعتْ كثيراً من الأساتذة المجيدين إلى شيء من الملل, فلم يعطوا الكتاب الجامعي حظَّ ه من الإجادة والإتقان, وكأن هذا الذي يـح قَ دَّ م للطالب حَ سوة الطائر أو قح بسة العجلان, لا تروي غليلاً ولا تضيء ظلاماً, ولا تح نض ج طعاماً, فجاء الكتاب الجامعي الآن - أو قل الكثير منه - في صورة مهلهلة: طباعة سيئة وورق رديء, فضلاً عن المادة العلمية الخفيفة, وتنظر إلى هذه الكتب الجامعية والمذاكرات على أبواب لجان الامتحانات وقد ألقاها الطلبة إلقاء على الأرض بعد أن نظروا فيها النظرة الأخيرة, فرياها وقد تحولت إلى شيء مكور مستدير كالذي يتقاذفه الأطفال بأرجلهم شبيهاً بالكرة التي يسمونها «الكرة الشراب»وابك ما شاء الله لك أن تبكي على هذا العلم الملقى على الأرض, على ما قال الشاعر: ويـح فَ تُّ المسك في الريح ... ب فيوطا ويداس إن أزمتنا الحقيقية أن الملل يسيطر على حياتنا الجامعية كلها, وإن أضعف جوانب الأستاذ الجامعي الآن هو ما يظهر للطالب في أثناء المحاضرة ومن خلال الكتاب الجامعي, أما الجوانب المضيئة لذلك الأستاذ فهي مدخرة ومصونة ليوم تشخص فيه الأبصار, وهو يوم المؤتمرات والندوات والحلقات. إن الجامعة ينبغي أن تتدخل - ممثلة في عمداء الكليات وروؤساء الأقسام, بالنظر في المادة التي يضمها الكتاب الجامعي, وفي الصورة التي يخرج بها ذلك الكتاب, وفي هذا الطريق ينبغي أن يكون لرؤساء الأقسام الهيمنة الكاملة على ما يـح قَ دَّ م للطلبة, وليس فقط النظر في تلك الأعمال الإدارية النمطية المعروفة, ولا يعتصمنَّ أحد بكرامة الأستاذ الجامعي, وهيبة الأستاذ الجامعي, فهذه الكرامة وتلك الهيبة تثبح تان للأستاذ ما لزم الجادة واستوى على

عدد الصفحات ٢٧١

272 الطريق, فإذا زاغ أو مال سقطت الكرامة وضاعت الهيبة, على ما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّ موه في النفوس لعح ظّ ما إن الهيبة التي تمنحها الجامعة للأستاذ ليست حقاً إلهياَ لا يح نازع صاحبه فيه ولا يح غلب عليه, إن الهيبة الجامعية تبقى ما بقيت دواعيها, فإذا سقطت الدواعي تبعتها الهيبة, على ما قال ابن زريق في عينيته الشهيرة: أح عطيت ملكاً فلم تحسن سياستهح ... وكل من لا يسوس الملك يخلعهح والسعيد من عصمه الله. وعوداً على بدء أقول: إن الطالب هو أساس العمل الجامعي كله, فهو قطب الرحى وعمود الصورة, فيجب أن نحتش د له؛ تأليفاً ومحاضرات, وأن يكون هو المقصد والغاية, ثم يكون حظ الأستاذ من التقدير والريقية والاحريام قائماً على ما يقدمه للطالب ورفعة شأنه. * * *

عدد الصفحات ٢٧٢