المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ١٦ من ٢٢

241 فهي لا تُح عَ ل. وهكذا يربط الشيخ بين الإعراب والمعنى في هذه الآية الكريمة, وفي غيرها من الآيات. ومن وراء اللغة وقضاياها يتقدم الشيخ إلى الناس بثقافة العالم الأزهري المتمكن من علوم العربية كلها , لأن العربية عند أهل العلم كتاب واحد, فيحل مُّ الشيخ كثيرًا بقضايا البلاغة من معان وبيان وبديع, فحين فسَّ ر قوله تعا54] أن هذا من باب المشاكلة. واستشهد بقوله عز وجل يئة سيئة مثلها [40]قول أبي الرقعمق: قالوا اقريح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا , جبة وقميصاً ومن جرأة الشيخ, بل قل: إنه من وفائه لعلومنا وتاريخنا, وأيضاً من بره بالعامة والارتقاء بأذواقهم وتوسيع مداركهم: ذكره لبعض مصطلحات العلوم الدقيقة, كأصول الدين أو علم الكلام, كالفرق بين صفات ا لذات وصفات الأفعال, وصفات الربوبية وصفات الألوهية, وكأصول الفقه, من مثل قولهم: لم. الأصل - لا يعتد بالعارض - دلالة الاقتضاء واللزوم ... وهكذا كان حال علمائنا وواعظينا في كل الأزمان, كانوا يرون أن للعامة حقاً ونصيباً مفروضاً في هذه المعارف, إن لم يكن من طريق العلم والإحاطة, فمن باب الأنس بها والارتياح إليها. وتذكر كتب الرياجم والرجال أن حلقات الدرس والإملاء كانت تُمع أشتاتاً من الناس, من العلماء وممن دونهم, بل إن الآباء كانوا يحح ضرون أطفالهم مجالس الإملاء ويثبتون أسماءهم في طبقات السماع, بل كانت حلقات الدرس بالجامع الأزهر إلى عهد ليس ببعيد تُمع عوام الناس يجلسون إلى كبار العلماء, كتفاً إلى كتف مع طلبة العلم من أهل الاختصاص. الشيخ وعلوم القرآن: علوم القرآن: مصطل. يراد به الأبحاث المتعلقة بالكتاب العزيز, من حيث معرفة أسباب النزول, وعلم القراءات والرسم, والمكي والمدني, والناسخ والمنسوخ, والمحكم والمتشابه, والغريب والإعراب إلى غير ذلك. وهذه القضايا مبثوثة في كتب التفسير, على منازلها ومناسبتها في سور القرآن الكريم, لكن العلماء أفردوها بتآليف خاصة, من أشهرها البرهان

عدد الصفحات ٢٤١

242 في علوم القرآن اللزركشي, والإتقان في علوم القرآن للسيوطي. ويطوف الشيخ كثيرًا بهذه العلوم. أما أبرز علم من علوم القرآن يقف عنده الشيخ ويطيل الوقوف, ولا يزال يعتاده يوماً بعد يوم فهو «علم الأشباه والنظائر »أو«علم الوجوه والنظائر », وهو علم يتناول دوران الكلمة أو الريكيب في القرآن على أوجه مختلفة, من حيث اخ تلاف المعنى الدلا, للكلمة, أو اختلاف الريكيب بالتقديم والتأخير. وقد أفرد هذا العلم بالتأليف كثير من العلماء, منهم مقاتل بن سليمان, والدامغاني, وابن الجوزي, ومن أمثلته ما يذكره الشيخ حول قوله تعا 151] تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم 31] به لغ173]3.] ومن القضايا القرآنية التي يحتشد لها الشيخ احتشاداً: قضية دفع التعارض والتناقض ب آي الذكر الحكيم, كقوله تعا 164] {25 ,] وكقوله تعا [79]{78.] أما أسرار النظم القرآني, وإيثار أسلوب على أسلوب, فهو مما يفيض فيه الشيخ كثيراً وهو يرجع فيه إلى محصول وافر ومحفو واسع من ثقافته الأزهرية الغنية, لا إلى ما يقوله بعض مستمعي الشيخ ومريديه من أنه يـح لْ هَ م به إلهاماً, ويحح دَّ ث به تحديثاً, وكأنه غير مسبوق أو مشارك, ونحن لا ننكر أن الله يفت. على بعض عباده فتحاً, فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, لكننا نقرر أن كثيراً مما يذكره الشيخ معروف ومذكور ومسطور في الكتب, وفضل الشيخ أنه يذكره إذ نسيه الناس, ويرعاه إذ أهمله الناس, فهو يحيي ما در س, وينفخ فيما خمد. ولعل القارئ الكريم يسم. , بالتذكير بصورة مما سبق به علماؤنا مما يذكره الشيخ, وذلك ما ذكره الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي

عدد الصفحات ٢٤٢

243 المتوفى سنة660 هـ- وهو صاحب مختار الصحاح - قال في كتابه أنموذج جليل في بيان أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل, في تو جيه الآية 32 من سورة الإسراء«فإن قيل كيف قال تعا32] ولا تزنوا, كما نهياً عن الزنا لا عن مقدماته, كاللمس والمعانقة والقبلة ونحو ذلك, ولما قال {وعن مقدماته؛ لأن فعل المقدمات قربان للز» الشيخ وإنشاد الشعر الشيخ الشعراوي شاعر طويل النفس, شجي النغم, وإن كان هو لا يذكر هذا, لكن زملاءه وعارفيه يذكرونه, ويروون أنه أنشد قصيدة طويلة أمام الدكتور طه حسين رحمه الله يوم أن قدم إلى جدة في الخمسينات الميلا دية في اجتماع الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية, ويذكرون أن الدكتور طه حسين طرب كثيراً لهذه القصيدة. والشيخ - كما هو معروف - متخرج في كلية اللغة العربية من كليات الأزهر الشريف, وكانت مناهج الدراسة فيها في ذلك الزمان مما يغذي الملكات وينمي المواهب, مع تلك الصفوة من العلماء المدرسين المشايخ إبراهيم حمروش ومحمد علي النجار ومحمد الطنطاوي ومن إليهم. والشعر يخف على لسان الشاعر اللغوي فيحفظه ويرويه. ومحفو الشيخ من الشعر عال وغزير جداً, ويأتي في مقدمة محفوظة: ذلك الشعر المعروف بشعر الشواهد, كشواهد اللغة والنحو والبلاغة والعروض, وشعر الشواهد هذا ينثال على لسان الشيخ انثيالاً, فما ذكر معنى لغوياً, أو توجيهاً نحوياً, أو تفسيراً بلاغياً إلا واستشهد له بالبيت والبيتين. وإلى جانب شعر الشواهد هذه يتدفق الشيخ بعيون الشعر العربي من كل العصور, من الجاهلي إلى أحمد شوقي و محمد إقبال, وله بشعر شوقي عناية خاصة, وكأنه يستظهره استظهاراً, ولا يقف إنشاد الشيخ عند الشعراء المكثرين المشاهير فقط, بل يشمل أيضاً الشعراء المقلين المغمورين, وقد سبق استشهاده بشعر عروة بن أذينة. أما ذلك الشعر الذي يعرف بشعر المذاكرة والمجالسة, وهو ما يتمثل به في المواقف وأحوال الناس وتقلبات الزمان, فعند الشيخ منه الكثير من مختلف العصور, وأذكر أن الشيخ في بعض دروسه ولقاءاته وقف عند ما يلقاه الناس من العداوات وبغي بعضهم على بعض,

عدد الصفحات ٢٤٣

244 وعلى عادة الشيخ في استخراج الحسن من السيئ, واستنباط الخير من الشر, قال: إن عداوة الناس قد تأتي بالخير ... واندفع في كلام طويل, وهنا قفز إلى ذهني بيتان في صميم ذلك الكلام لأبي حيان النحوي, وإذا بالشيخ ينشدهما, وذلك قول أبي حيان: ع داتي لهم فضل علي ومنَّ ة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا فقلت: سبحان الله ! أي قراءة قرأ هذا الشيخ؟ وحفظ الشعر واستدعاؤه ضروري في تفسير كلام الله عز وجل. يقول الإمام مجد الدين ابن أبي الفرج الروذراوري المتوفى سنة 667 هـ«ومن ظن أن القرآن يحفهم كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب وتتبع أشعارهم وتدبر ها كما يجب فهو مخطئ. كان ابن عباس - رضي الله عنه - حبر هذه الأمة ومفتيها ومفسر القرآن, وقد قال تلميذه عكرمة: إنه كان إذا سح ئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه بيت من شعر العرب, ثم يقول: «الشعر ديوان العرب»وانظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده لابن رشيق 1 /30. وبعد: فهذا شيخ جليل جاء على حين فرية من العلماء الحفا الضابطين, وهو يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسَّ س على علوم العربية وقوانينها, من حفظ المتون, وإتقان التعريفات, والصبر على المطولات, والنظر في الحواشي والتعليقات والتقريرات, فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فلم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه محلْهَ م لا غير, وإن ما يقوله إنما هو من باب العلم اللدني, فهذه (دروشة) في تقييم الرجال والحكم عليهم, وإنما الصواب أن يقال: إنه رجل مثقَّ ف مؤسَّ س, واسع الاطلاع, غزير الرواية, سريع اللم., ذكي اللسان. وكذلك لم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه وح ه ب حسن العرض, والقدرة على توصيل المعلومات, مع خفة ظل واضحة. فهذا من الدس الخفي, فإذا كانت البضاعة مزجاة فماذا يجدي حسن عرضها؟ كما قيل في أمثالنا العامية: «إيش تعمل الماشطة في الوش العكر؟» وللناس في اصنطاع وسائل الذ م والتنقص دبيب وخداع, وهو ما قاله سادتنا البلاغيون: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

عدد الصفحات ٢٤٤

245 وإن تعجب فعجب أن بعض مثقفيناوأدبائنا يح عر ض عن الاستماع إلى الشيخ, لاجتماع العامة عليه, وانبهارهم به, وهذا خح لف من الرأي وفساد في الحكم, فما ينبغي أن يكون إقبال العامة على الشي خ وإعجابهم به صارفاً للخاصة عن الأخذ عنه والإفادة منه, والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها, وقد كانت العامة تصرخ ويغشى عليها في مجلس وعظ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ ولم يصرف هذا الخاصة عن الإفادة منه والأخذ عنه, بل إن كتبه وتصانيفه تعد من الأصول في الفكر العربي الإسلامي, مثل زاد المسير, وتلقي. فهوم أهل الأثر, وتلبيس إبليس, والمنتظم وغيرها. يقول الرحالة ابن جبير, واصفاً مجلساً من مجالس ابن الجوزي, وقد حضره: «ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ, وآيات بينات من الذكر, طارت لها القلوب اشتياقاً, وذابت بها الأنفس احريافاً, إلى أن علا الضجيج, وتردد بشهقاته النشيج, وأعلن التائبون بالصياح, وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح, كل يلقى ناصيته بيده فيجزها, ويمس. على رأسه داعياً له, ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه, فشاهدنا هولاً يملاً النفوس إنابة وندامة, وي ذكّ رها هول يوم القيامة ... »رحلة ابن جبير ص 197 , 198. أرأيت أيها القارئ الكريم؟ هذا شبيه ونظير للشيخ الشعراوي منذ ما يزيد على ثمانمائة عام فلا تعج إذا رأيت مستمعي الشيخ على شاشة التلفزيون, وهم بين فاغر فمه دهشة, وبين ماد بصره ع جباً, مخلوطاً ذلك كله بصيحات التكبير والتهليل, وما أكثر الأشباه والنظائر! ولم يبق إلا أن أدعو للشيخ بطول العمر وتمام السلامة والعافية, ثم أهمس في أذنه - ولم يقدر , أن أراه أو أجالسه - ببعض الملاحظات: أولاً: أرجو من الشيخ الجليل أن يريفق في رد آراء العلماء السابقين حين يرى رأياً يخالف رأيهم, ومن ذلك إنكاره عليهم أن في القرآن حروفاً زائدة, مثل «ما»في قوله تباركت أسماؤه159] نحوية, والحرف الزائد عند النحاة هو الذي يكون دخوله وخروجه سواء, أو هو الذي لا يخل حذفه بالمعنى, وقد جاء منه أمثلة من القرآن العزيز, منها قوله تعا

عدد الصفحات ٢٤٥

246 ميثاقهم155] جرم, فتسمية ذلك زيادة لا غبار عليه, بل إن إمام المفسرين أبا جعفر الطبري يسمي ذلك أحياناً «لغواً»فهل يعتقد مؤمن أن في القرآن لغواً, ولكنها الصناعة النحوية, فيجب أن ينص الشيخ على أن هذا من اجتهاداته الخاصة, حتى لا يتجرأ الناس على أهل العلم. ثانياً: نعريف أن للشيخ معرفة جيدة بالسيرة النبوية وأحوال الرجال وتراجمهم وضبط أسمائهم وكناهم وألقابه م, ولكنه يند عنه أحياناً أشياء لعدم المراجعة, ومن ذلك أنه نطق مرة اسم «حبان بن العرقة»أحد المشركين الذين قاتلوا المسلمين في غزواتهم, نطقه «العرفة» بفت. الراء بعدها فاء, والصواب«العرقة»بفت. العين وكسر الراء بعدها قاف وكذلك ذكر وصية بعضهم لابنه حين أراد الزواج: «لا تتخذها حنانة ولا أنانة ولا منانة و عشبة الدار ولا كية القفا »نطقها الشيخ «كبة»بضم الكاف بعدها باء موحدة والصواب: «كية»بفت. الكاف بعدها ياء منقوطة باثنتين من تحتها. قال ابن سيدة«وأما كية القفا: فهي التي يأتي زوجها أو ابنها القوم, فإذا ما انصرف من عندهم قال رجل من خبثاء القوم لأصحابه: قد والله كان بيني وبين زوجة هذا المو,ّ أو أمه أمر. فتلك كية القفا, من أجل أنه يقال في ظهر زوجها أو ابنها القبي., حين يو,ّ »المخصص4 /23 , 24. ثالثاً: الشيخ حفظه الله مسموع متبوع, فنرجوه أن يتحرى صفات الحر وف ومخارجها وبخاصة الحروف الثلاثة: الثاء والذال والظاء في القرآن الكريم. وهذه الملاحظة وغيرها مما لا يكاد يسلم منها بشر, إنما هي في حق الشيخ الجليل: تعويذة من عين الكمال, فإن الكمال لله وحده والمعصوم من عصمه الله. * * *

عدد الصفحات ٢٤٦

247 الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (1) [1] مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة, ثم أمره ربه بالهجرة إلى المدينة. وروى الشيخان في صحيحيهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها مل, فذهب وَ هَ لي إلى أنها اليمامة أو هجر, فإذا هي المدينة يثرب»- وَهَلي, بفت. الواو والهاء: أي وهمي واعتقادي –. وروى الشيخان أيضاً, ومالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحم رتح بقرية تأكل القرى, يقولون: يثرب, وهي المدينة, تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»وقوله«أحم رتح بقرية»أي أمر ربي بالهجرة إليها. وقوله «تأكل القرى»أي تغلبها, وكنى بالأكل عن الغلبة, و «تنفي الناس»أي الخبيث الرديء منهم وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة مستقراً ومقاماً, وبدأ عهد جديد في الدعوة, سمح ي العهد المدني, أكمل الله فيه للمسلمين دينهم, وأتم عليهم نعمته, ورضي لهم الإسلام ديناً. وقد بدأ تاريخ الإسلام والمسلمين يح عد ويحح سب بالسنة الأولى من الهجرة. ويقال إن أول من كتب التاريخ من الهجرة, عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة. وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري عام لَ عمر على البصرة كتب إليه: إنه يأتينا من ق بل أمير المؤمنين كتب, لا ندري على أيها نعمل, قد قرأنا صكَّ اً منه محله شعبان, فما ندري أي الشعبانين: الماضي أم الآتي؟ فعمم عمر رضي الله عنه على كَتْ ب التاريخ - أي كتابته - وأراد أن يجعله أول شهر رمضان, فرأى أن الأشهر الحح رم تقع حينئذ في سنتين, فجعله في المحرم, وهو آخر الأشهر الحح رم, فصيرَّ ه أولاً لتجتمع الأشهر الحرم في سنة واحدة. ذكر ذلك أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل 1 /227. وروى الطبري في تاره 2 /388 - طبعة دار المعارف- أن عمر حين جاءه كتاب أبي موسى الأشعري جمع الناس للمشورة, فقال بعضهم: أرّ خ لمبعث رسول الله صلى الله عليه (1) مجلة«ال»يونيو1994م

عدد الصفحات ٢٤٧

248 وسلم, وقالبعضهم: أرّ خ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل. وهكذا كانت بداية حضارتنا وثقافتنا فوق هذ ه الأرض, على الوجه الذي تح بين عنه آثارنا المكتوبة التي لا يدخل عليها الشك من أي باب تدخل منه الشكوك, لا على وجوه الاجتهاد والتخمين والحدس والاستنتاج التي تقوم أحياناً على استنطاق نقوش ورموز على جدران معابد وهياكل, قد تتأثر بعوامل التعرية وتقلبات الحرارة وا لرطوبة, فتصدق مرة وتكذب أخرى, مع تقدير كل الجهود العظيمة التي قام بها علماء الآثار واللغة في هذا الباب. وحين أخذ العلماء المسلمون في تدوين العلوم وتسجيل المعارف, كان علم التاريخ من أول ما كتبوا وصنفوا, وكانت الريادة في ذلك لعَ بيد بن شَ ريَّ ة الجعفي, ذلك المعمر الذي أدرك الإسلام فأسلم, وقدم على معاوية وألف له تأليفاً حول أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها وقد طح بع باسم «كتاب الملوك وأخبار الماض»بحيدر آباد بالهند سنة1347هـ, مع كتاب «التيجان في ملوك حم ْ يرَ »لوهب بن منبه المتوفى نحو سنة114 هـ, ويحعد كتابه هذا أ يضاً من أوائل ما صح نف في علم التاريخ عند المسلمين. وقد توفي عَ بيد بن شَ ريَّ ة نحو سنة 67 هـ, ويعد أيضاً أول من كتب في الأمثال العربية. ويزعم المستشرق الألماني كرنكو أن «عبيد بن شرية شخصية وهمية اخريعها ابن الند وكتب بذلك إلى خير الدين الزركلي, وقد نفت نب يهة عبود الشكوك التي ثارت حول أخباره - انظر تحقيق ذلك في: الأعلام للزركلي 4 /341, وتاريخالرياث العربي لمحمد فؤاد سز كين: المجلد الأول. الجزء الثاني. التدوين التاريخي ص 32, ومصادر الشعر الجاهلي لناصر الدين الأسد ص 240, والأمثال العربية القديمة للمستشرق ااني زلهايم ص 51. ولا يزاحم التاريخ في أولية التصنيف في علومنا إلا ما ذحكر به من ذلك التأليف النحوي الذي قام به أبو الأسود الدؤ, بتكليف من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, حين فشا اللحن بين الناس وخيف على القرآن الكريم, وذلك في الخبر الذي ذكره الوزير القفطي المتوفى سنة 624 هـ, قال«ورأيت بمصر في زمن الطلببأيدي الوراقين - أي باعة الكتب أو النح سَّ اخ - جزءاً فيه أبواب من النحو, يجح معون على أنها مقدمة علي بن أبي

عدد الصفحات ٢٤٨

249 طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤ»إنباه الرواة على أنباه النحاة1/40. نصف الكتب العربية ومهما يكن من أمر فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضخمة, ويوشك هذا العلم أن يكون نصف المكتبة العربية. وانظر تصد يق ذلك في: علم قوائد الكتب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم, ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده, وكشف الظنون للحاج خليفة, وذيله الم سمى: إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي, ثم انظر من المصنفات الحديثة في هذا العالم - علم قوائم الكتب –: «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع »لإدوارد فنديك, و«معجم المطبوعات العربية والمعربة»ليوسف إليان سركيس, و «تاريخ الأدب العربي »للمستشرق الألماني كارل برو كلمان, و «تاريخ الرياث العر » للدكتور محمد فؤاد س زكين, ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزعة على الفنون, بل ادخل مكتبة من المكتبات الخاصة التي يح عنى أصحابها بجمع الكتب, وسريى في ذلك كله غلبة ظاهرة لعلم التاريخ . وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكتب الحولية, مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير, أو كتب الأحداث العامة, مثل مروج الذهب, والتنبيه والإشراف للمسعودي, وإنما يدخل فيه, بل يمثل الجانب الأكبر منه «فن الرياجم والطبقات»وهو بحر خضم وينبغي أن يكون واضحاً أن «فن الرياجم»عند المؤرخين المسلمين لا يح عنى فقط بذكر أحوال المريجَ م من حيث مولده ووفاته, وشيوخه وتلاميذه, وعلمه ويليفه, بل إنه غالباً - وبخاصة في الموسوعات – يمتد ليشمل الحوادث والأحداث العامة التي يكون العَلَم المريجَم قد شارك فيها أو عاصرها, أو كان منها, أو كانت منه بسبب, بل إن بعض مصنّ في كتب الرياجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطراد ليس غير, والاستطراد سمة من سمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرخينا. وعلى سبيل المثال فإن كتاباً موسوعياً مثل «طبقات الشافعية الكبرى »لتاج الدين السبكي, يضعه مصنفو العلوم في فن الرياجم والطبقات, إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث, إلى

عدد الصفحات ٢٤٩

250 منتصف القرن الثامن, ولكن النظر الصحي. يضعه في المكتبة العربية كلها, إذ كان مؤلفه قد أداره على علوم كثيرة, فهو لا يكاد ينتهي من ت رجمة الرجل على رسمها المعروف حتى يخلص إلى مسائل من علم الرجل وفقهه, تفضي به إلى استطرادات ومداخلات كثيرة تكاد تأتي على جمهور علوم العربية, ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيب الأوفى, فأنت تُد عنده أحاديث ضافية عن حادثة الصليبيين, وكائنة التتار, وقصة جنكيزخان وحفيده هولاكو, (انظر مثلاً الطبقات: 1 /328 - 343 ,7 /344 - 369 ,8 /268 - 277.) وقل مثل هذا في كثير من موسوعات كتب الرياجم, مثل وفيات الأعيان لابن خلكان وسير أعلام النبلاء للذهبي, ونف. الطيب للمقري. مناهج كتب الرياجم: ولقد تفنن المؤرخون المسلمون في كتب الرياجم تفنناً عجيباً, وأخذت تصانيفهم في هذا الفن طرائق شتى: فبعد كتاباتهم الأولى في السيرة النبوية والشمائل والمغازي, جاءت تصانيفهم موزعة مفرقة على تراجم الصحابة والتابعين, والقراء والمفسرين, والمحدثين والرواة, وفقهاء المذاهب الأربعة, والأصوليين, والشيعة والمعتزلة, والزهاد والصوفية, والوعا والقصاص والمذكرين, والأدباء والشعراء, واللغويين والنحاة, والأطباء و الحكماء والفلاسفة, والقضاة, والخلفاء والوزراء, والمؤرخين والنسابين, ثم تراجم النساء, ولكل طائفة من هذه الطوائف كتب تراجم خاصة بهم. ثم يأتيك هذا الفن أيضاً في الرياجم على البلدان, مثل أخبار مكة والمدينة والقدس ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام, وجرجان وأصبهان, وإربل وواسط, والمغرب والأندلس, والكتب في هذين القطرين فيض زاخر. وكذلك في الرياجم على القرون: كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة, لابن حجر العسقلاني, والضوء اللامع لأهل القرن التاسع, لشمس الدين السخاوي, وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (انظر هذه السلسلة من الرياجم على القرون في كتابي: «الموجز في مراجع الرياجم والبلدان»ص74, وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة «الوافي بالوفيات»للصفدي1 /47.)

عدد الصفحات ٢٥٠

251 ثم تأتي الرياجم العامة- وهي كتب التاريخ عند بعض النا س ممن يظنون أنها كتب التاريخ فقط, ولا كتب للتاريخ غيرها - وهذه الرياجم العامة على قسمين: (أ) الرياجم المرتبة على السنين, وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحوليات, كتاريخ الأمم والملوك للطبري, والكامل لع ز الدين بن الأثير, والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الملك المؤيد صاحب حماة, والعبر في خبر من عبر (بالعين المهملة وليس بالغين المعجمة) للذهبي, والسلوك للمقريزي, والنجوم الزاهر ة لابن تغري بردي, وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي. (ب) الرياجم المرتبة على الأ سماء, ومن أبرزها وأشهرها: وفيات الأعيان لابن خلكان, وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي, والوافي بالوفيات للصفدي, وسير أعلام النبلاء للذهبي. ثم تأتيك الرياجم أيضاً في كتب أنساب العرب, مثل جمهرة النسب لابن الكلبي, ومختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب, والاشتقاق لابن دريد, وجمهرة أنساب العرب لابن حزم, والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي, وعجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب لأبي بكر الخازمي. وفي كتب الأنساب بوجه عام: إلى قبيلة, أو بلد, أو صناعة, أو مذهب, أو شيخ. ومن هذه الكتب: الأنساب, لأبي سعد السمعاني - والرياجم في هذا الكتاب غنية جداً –, واللباب في تهذيب الأنساب, لعز الدين بن الأثير, ولب اللباب في تحرير الأنساب, للسيوطي. وفي كتب ضبط الأعلام والكنى والألقاب والأنساب, مثل: المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة, لابن جني, والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب, للأمير ابن ماكولا, وتكملة الإكمال, لابن نقطة البغدادي الحنبلي, والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب, للذهبي, وتوضي. المشتبه, للحافظ ابن ناصر الدين, وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه, لان حجر العسقلاني. وفي كتب البلدان (الجغر افيا العربية) مثل: «معجم ما استعجم »للبكري, و «معجم البلدان»لياقوت الحموي, و«الروض المعطار في خالأقطار»للحميري

عدد الصفحات ٢٥١

252 وتأتيك الرياجم أيضاً في علم قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) التي حدثتحكَ عنها قريباً. ومن هذا الفن فرع مهم جداً, وهو ما يح عرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج: وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب, فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجماً أو فهرساً أو مشيخة أو ثبتاً أو برنامجاً, يذكر فيه شيوخه الذين أخذ عنهم العلم, والكتب التي سمعها منهم, مسندةً إلى مؤلفيها. ومن فوائد هذا اللون من التأليف أنك ترى من حياة الشيوخ في تلك الكتب وخاصة أمرهم, ودقائق سلوكياتهم ما لا تراه في كتب الرياجم العامة والخاصة, وما ظنك بتلميذ يكتب عن شيخه؟ والكتب في هذا اللون كثيرة, ومن أشهرها كتاب «فهرسة ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي»وأحب أن أسجل هنا أن عناية العلماء المغاربة بهذا الفن أظهر وأبين من عناية العلماء المشارقة. وقد كتب في ذلك كلاماً جيداً الدكتور عبد العزيز الأهواني يرحمه الله, في العدد الثاني من مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة. ثم تأتي الرياجم أيضاً في ذلك اللون من التأليف الذي يديره المصنفون حول علم واحد أو اثنين أو ثلاثة, ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتبعية أو المناسبة, كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني, للذهبي, ومناقب الشافعي, للبيهقي, ومناقب الإمام أحمد, لابن الجوزي, والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة, لان عبد البر, وتبيين كذب المفريي فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري, لابن عساكر, وسيرة عمر بن عبد العزيز, لابن عبد الحكم, وسيرة عمر أيضاً, لابن الجوزي, والمصباح المضيء في خلافه المستضيء لابن الجوزي - وسأعيد حديثاً عنه مرة أخرى - ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي, لأحد رجال القرن التاسع, كما ذكر محققه وناشره الأمير شكيب أرسلان. وتأتيك الرياجم أيضاً فيما يسمى بكتب الحضارة الإسلامية, مثل المعارف لابن قتيبة, والمحبر والمنمق, كلاهما لابن حبيب, ومروج الذهب والتنبيه والإشراف, كلاهما للمسعودي, والأوائل, لأبي هلال العسكري, ولطائف المعارف, لأبي منصور الثعالبي. وتأتي الرياجم أيضاً في تلك الكتب التي يح ظن أنها من كتب المسامرات والمفاكهات والطرائف, مثل: أخبار الأذكياء, وعقلاء المجانين, وأخبار الحمقى والمغفلين, وأخبار

عدد الصفحات ٢٥٢

253 الظراف والمتماجنين, وكل أولئك لأبي الفرج ابن الجوزي, ومحاضرات الأدباء, للراغب الأصبهاني, والمستطرف من كل فن مستظرف للإبشيهي, والفلاكة والمفلوكين للدلجي, والكشكول والمخلاة, كلاهما للعاملي. وهناك باب عظيم أيضاً من باب الرياجم: هو ما يعرف بالسؤالات, وذلك أن يسأل عالم عالماً عن جملة من الرجال, مثل سؤالات أبي عبيد الآجري: أبا داود السجستاني, وسؤالات عثمان بن سعيد الدارمي: يحيى بن معين, وسؤالات أبي عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية: الدارقطني, وسؤالات الحافظ الس لفي: خميساً الحوزي عن جماعة من أهل واسط. وواض. أن هذه «السؤالات»تدور حول علم الرجال - وهو علم الجرح والتعديل - لكنها مع ذلك اشتملت على تراجم لغير المحدثين, ثم تضمنت فوائد جليلة في التاريخ وغيره, كما ترى مثلاً في «سؤالات الحافظ السلفي»المذكورة (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق). كتاب واحد: ومن وراء ذلك كله: فإن الرياجم تأتيك في غير مظانها - وهو في تراثنا باب طويل جداً - حسبي أن أشير إلى شيء منه هنا, رغبة في إفادة طالب العلم المبتدئ الذي قد تقع هذه المقالة في يده, أما أهل العلم وخاصته فهم أقدر مني على ذلك وأبصر, ثم إني أريد أيضاً أن أؤكد على أن المكتبة العربية كتاب واحد, وأن العلوم يحتاج بعضها إلى بعض, وأنه لا يغني كتاب عن كتاب. معلوم أن تراجم الصحابة تحلتَ مَ س من مصادرها: الطبقات الكبرى, لابن سعد, والاستيعاب, لابن عبد البر, وأح سد الغابة, لعز الدين بن الأثير, والإصابة, لابن حجر. ولكنك إذا أردت ترجمة صحابي على نحو كامل مستوعب, فلا بد لك من النظر في كتب أخرى, منها دواوين السنة: صحاحها ومسانيدها, فقد أفرد أصحاب السنن في دواوينهم كتباً وأبواباً تسمى: المناقب أو الفضائل, ويسميها الحاكم النيسابوري في المستدرك: معرفة الصحابة. ولا غنى لك أيضاً عن النظر في كتاب «هدي الساري مقدمة فت. الباري»لابن حجر, فقد أفرد فيه ابن حجر مكاناً ضخماً لرياجم الصحابة والتابعين, لا تقل إنه سيح كرّ ر

عدد الصفحات ٢٥٣

254 في كتابه هذا ما ذكره في كتبه الأخرى مثل الإصابة أو تهذيب التهذيب, و لا تقل هذا, لأن في كل كتاب من الفوائد ما ليس في الآخر (وانظر على سبيل المثال ترجمة: عكرمة مولى ابن عباس في «تهذيب التهذيب»7 /263, و«هدي الساري»ص425, وتأمل الفرق بين مساق الريجمة في الكتابين). ومن باب التماس الرياجم من غير مظانها: ما تراه من تراجم اللغويين والنحاة الأوائل في مقدمة معجم «تهذيب اللغة»للأزهري, وفي كتاب «المزهر»في علوم اللغة للسيوطي ما نثره العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي في موسوعاته: خزانة الأدب, وشرح أبيات مغني اللبيب, وحاشيته على شرح قصيدة «بانت سعاد»لابن هشام, وشرحه على شواهد شرح التحفة الوردية. وباب الرياجم عند الب غدادي باب واسع جداً لأن مكتبته كانت ضخمة جداً. وقل مثل هذا في كتاب المرتضى الزبيدي الضخم «تاج العروس»شرح القاموس, ففي هذا الكتاب أنساب وتراجم كثيرة جداً, وبخاصة ما يتصل بالمتأخرين. وعلى ذكر اللغويين والنحاة, فإن أوسع ترجمة وأشملها لواضع النحو أبي الأسود الدؤ,, تراها في كتاب «الأغا»لأبي الفرج الأصبهاني, وما أبعد كتاب الأغاني عن طبقات اللغويين والنحاة! وقد جاءت ترجمة أبي الأسود في الأغاني طويلة جداً استغرقت 38 صفحة من القطع الكب- انظر: «الأغا»12 /297 - 334 (طبعة دار الكتب المصرية). والعلة في ذلك واضحة, وهي جامعة «التشيع»التي تُمع بين أبي الأسود وأبي الفرج. على أنه مما ينبغي التنبه له أن صلاح الدين الصفدي قد اعتبر «كتاب الأغا»من مصادر كتب التاريخ, ووضعه في قائمة «التواريخ الجامعة»كتاريخ الطبري وما إليه(انظر: الوافي بالوفيات 1 /50.) وكذلك تُد أجود ترجمة وأحسن كلام عن أبي سعيد السيرافي النحوي الكبير في «كتاب الإمتاع والمؤانسة »لأبي حيان التوحيدي, وكان هذا شديد الإعظام لأبي سعيد, والتوقير له (انظر: الإمتاع والمؤانسة 1 /108.) وتنتثرالرياجم أيضاً في معارف القوم وعلومهم: ففي موسوعات التفسير والحديث و الفقه

عدد الصفحات ٢٥٤

255 وأصوله وعلم الكلام, وكتب اللغة والأدب وشروح الشعر - بصورة خاصة - وسائر فروع العلم استطرادات مهمة في تراجم الرجال. وأريد أن أذكّ ر بما قلته في صدر هذه الكلمة, من أن علم التاريخ الإسلامي بمعنى الحوادث والأحداث قد اختلط بعلم الرياجم والطبقات, كما أن هذا العلم اختلط أيضاً بكتب التاريخ القائمة أساساً على الحوادث والأحداث؛ دخل كل منهما في نسيج الآخر والتحم به, بل إن علومنا كلها يجذب بعضها بعضاً, على نحو ما قال سفيان بن عيينة: «كلام العرب بعضه يأخذ برقاب بعض» إن علم التاريخ عند المسلمين ليس كعلم التاريخ عند الأمم الأخرى؛ أحداثاً وتقلبات أيام ودول فقط, إن كتب التاريخ عندنا هي مجلى حضارتنا وثقافتنا العربية والإسلامية كلها. إن علماء الحديث يخرّ جون الأحاديث من «تاريخ بغداد »للخطيب البغدادي, وأهل الأدب يجمعون أشعار الشعراء من «تاريخ دمشق»لابن عساكر, وكذلك يجمعو ن الشعر من كتب الجغرافيا العربية: معجم ما استعجم للبكري, ومعجم البلدان لياقوت الحموي, والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري, كما جمعوا منها الرياجم من قبل. بل إن اللغة والشعر يجح معان من كتب النبات وكتب الهيئة, كالذي تراه في كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري, وكتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي, والحديث في هذا ونحوه مما يطول جداً. * * *

عدد الصفحات ٢٥٥

256 الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (1) [2] ما ذكرتح ه في الجزء الأول من هذا المقال يدلك, على اتساع دائرة علم التاريخ عند المسلمين: أحداثاً وتراجم, ولعله يزهّ دك في تلك الدعوة التي تثار بين الحين والآخر: وهي دعوة «إعادة كتابة التاريخ الإسلامي »على ما يرى بعضهم من نبذ الكتاب القديم, بعد استخلاص مجمله, وتخليصه من الشوائب التي فيه, ثم تقديمه بلغة العصر, وذلك كله مركب صعب وطريق مخوف, وهو مما يخبط الناس فيه خبطاً شديداً, وليس هنا موضوع الرد على هذه القضية, لكن لا بأس من التذكير ببعض الأمور: أولاً: إذا ثبت عندك اتساع دائرة التاريخ الإسلامي, فإن من يحاول إعادة كتابة ذلك التاريخ لا بد أن يكون على معرفة بمراجع التاريخ الإسلامي بفرعيه: الأحداث والرياجم, ثم ما يتناثر منه في تضاعيف الفنون الأخر ى, كما حدثتك. ثانياً: اللغة هي الباب الأول في ثقافة أية أمة من الأمم, فواجب على من يتصدى لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن يكون متضلعاً - أو على الأقل عارفاً - من اللغة: مألوفها وغريبها, ونحوها وصرفها, ليس على سبيل الإتقان والإحاطة, فهذا غير وارد وغير ممكن, ولكن على سبيل المعرفة التي تعصم من الأخطاء الشنيعة البلقاء. يقول الحافظ أبو الحجاج المزي في مقدمة كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال »ص 156 :«وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفاً صالحاً من علم العربية نحوها ولغتها وتصريفها, ومن علم الأصول وا لفروع, ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس»فهذا شأن الناظر في الكتاب, فما بالك بمن يحاول إعادة كتابته أو اختصاره؟ وكذلك يجب التنبه للأعراف اللغوية لكل عصر من العصور, وتظهر المحنة في هذا الأمر واضحة جلية عند من يتصدون للتاريخ المملوكي, وهو زاخر بالأعراف اللغوية والمصطلحات غير المألوفة إلا لمن جمع مراجع ذلك العصر: لغة وأدباً وتاريخاً. (1) مجلة«ال»يوليه1994م

عدد الصفحات ٢٥٦