225 وما يستقيم أن تبني المدرسة والجامعة, وتهدم المقاهي والأتيليهات والمجلات, على ما قال الأول: فكيف بناء خلفه ألفح هادم ... وألف وألف ثم ألف وأعظمح وأنتم يا أساتذنا الفضلاء - وأنتم من بقية حملة الحجة - ويا زملاءنا من أساتذة الجامعة الأعزاء - وأنتم من بقية جيل الحفظة - لا تتعاملوا مع هذا الذي يح نشر ويذاع باسم الشعر, فإنه غريب المنبت محر المذاق, وليس بأرض قومكم فالفظوه وعافوه, ثم قفوا للأدعياء وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد حفاظاً على تا ريخكم واحرياماً للغتكم, وقياماً بحق هذه الأجيال عليكم, أن ير دوا الماء الذي وردتم, ويَ طْ عموا الطعام الذي طعمتم. ثالثاً: إن هذه الأمة العربية محفوظة, ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة, ولا زال فينا أهل علم وأهل صدق, ولكنهم قلوا عدداً فأفس حوا لهم الطريق, ولا يصدنكم عنهم جهالة أمرهم, فإن النفيس غر يب حيثما كان -كما قال أبو الطيب - ومكّ نوا لهم أن يظهروا بعلمهم, ولا تضيقوا عليهم فتصيبوهم بالإحباط, والإحباط قديم, قال أبو بكر ابن العربي المتوفى سنة (543 هـ«ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني, منتظمة المباني, علم عظيم, لم يتعرض له إلا عالم واحد, عمل فيه سورة البقرة, ثم فت. الله عز وجل لنا فيه, فلما لم نجد له حملة, ورأينا الخلق بأوصاف البطلة, ختمنا عليه, وجعلناه بيننا وبين الله, ورددناه إليه »البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/36. ووقع مثل هذا لجلال الدين السيوطي (911 هـ) قال«ولما شرعتفي إملاء الحديث سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة, وجددته بعد انقطاعه عشرين سنة, من سنة مات الحافظ أبو الفضل ابن حجر, أردتح أن أجدّ د إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره, فأمليت مجلساً واحداً, فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فريكته »المزهر في علوم اللغة2 /314.
عدد الصفحات ٢٢٥226 وتبقى كلمة: لقد قلت إن هذه الأمة العربية محفوظة. واللهم نعم, فإن من آيات ذلك أ أصادف من طلبتي بين الحين والحين نماذج جيدة, تحب العربية وتحرص عليها وتتزود منها, بل إن منهم من يفت. علي أبواباً من الفهم حين يجاذبني الكلام, وأنا أقول لطلبتي دائماً: إنني جئت أتعلم العلم معكم مرة أخرى, فالعلم رحم بين أهله, والشيخ يستفيد من تلميذه, كما يستفيد التلميذ من شيخه, وكذلك أجد من زملائي المعيدين والمدرسين المساعدين مصابي. علم تتلألأ وتتوهج وسط هذا الظلام الموحش, لكن هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى معلم وموقّ ف, لأن الأصل في علومنا الرواية والمشافهة والتوقيف, ونحن في زمن انقطعت دونه الرواية, وانصرف فيه الأشياخ, وتحرك طالب العلم وحده يضرب في أرض يهماء, لا ماء فيها, ولا علم بها. وأنا أقول لهؤلاء المعيدين دائماً: إنكم في جيلكم أحسن منا في جيلنا؛ لأننا أدركنا الزمن الرخي, وأنتم جئتم في الزمان النكد, فنحن وأنتم كما قال أبو الطيب: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم وربك يفعل ما يشاء. * * *
عدد الصفحات ٢٢٦227 من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن (1) من علوم القرآن التي اعتنى بها الأئمة وأفردوها بالتصنيف علم «إعجاز القرآن»وقد بدأ الكلام في هذا العلم: شذرات ونـح تَ فاً في كتب التفسير, كشفاً لمواطن الكمال والجلال في كلام ربنا عزَّ وجلّ. وقد دخل المفسرون إلى الإعجاز من طريق تلك الآيات التي أمر بها المولى تباركت أسماؤه رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم أن يطلب من مشركي قريش الإتيان بمثل ما أحنزل عليه, تدرُّ جاً وتنزُّ لاً , وذلك قوله تعافرياه قل فأتوا بعشر سور مثله مفرييات [13] [23]عليهملعجز وأيأسهم أن يأتوا بشيء من ذلك, فقال عز من قائل كان بعضهم لبعض ظهيرا (88{ })88.] ومعلوم أن مشركي قريش الذين سمعوا كلام الله يتلى على لسان رسوله الأمين كانوا أرباب فصاحة وبيان, وكانوا يعرفون مواقع الكلام وحلاوة البيان, ولذلك أدهشم القرآن حين سمعوه, ودَ لَّ ه عقولهم بعظمة بيانه وروعة معانيه, ودقة نظمه واتساقه, وحين لم يجدوا في الطعن إليه سبيلاً لم يسعهم إلا أن يقولوا: إنه شعر, وإنه سحر, وإنه أساطير الأولين اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً. وهذا كله إقرار بعظمة ما سمعوا, وإذعان لأنه كلام مباين لكلام البشر, لكن ما انغمسوا فيه من العناد والمكابرة صدهم عن الاعرياف بأنه وحي يوحى, نزل به الروح الأمين على قلب المصطفى المختار ليخرج الناس به من ظلمات الوث نية والشرك إلى نور الإيمان وصفاء التوحيد. ثم كان أن هدى الله بهذا القرآن العظيم أقواماً, فأقبلوا على تلاوته, وتدبر أغراضه ومراميه, وتمثلوا أوامره, وانتهوا عن نواهيه. وكان هو كتابهم الذي يعتصمون به ويلجأون إليه فيما (1) مجلة«الهلال»يناير1994م
عدد الصفحات ٢٢٧228 دق وجل من أمورهم وبقيت طائفة - ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة - لم تهتد ولم تذعن, وظل عداؤها للقرآن قائماً, فأخذت تنقّ ر وتنقّ ب, التماساً للمعابة في هذا الكتاب المحكم, باتّ باع متشابه, وتحريف كلم عن مواضعه, وتخيل فساد نظم أو لحن أسلوب, أو تناقض معنى, وقد أخذت هذه الطائفة تدب دبيباً في القرنين الأولين, تستخفي بآرائها مرة, وتح صح ر بها أخرى. لكنها في كلتا حالتيها لم تريك أثراً يح ذكر, إذ لم تكن لها شوكة, وكانت العقيدة على صفائها, لم تكدّ رها مقولات المتكلمين, ولا خلافات المتأولين, ثم كان اللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل, ولم يتطرق إليه الزلل. لكن الصغير يكبر ويشب, والزرع الضعيف يستحصد ويقوى, وتأتي أيام كالحات, تنجم فيها الف بدواع كثيرة: منها اختلاط اللسان العربي بغيره من الألسنة, وانتشار الكتب المريجمة بغثها وسمينها, وتغلغل أهل المذاهب والنحل الأخرى في صلب العقيدة الإسلامية, وإغرائها بالجدل وعلم الكلام, وأصحر أهل العداء القديم بآرائهم, وإذا الذي كان بالأمس همساً ونجوى يصب. اليوم وله دوي وصليل, فأخذت المجالس وحلقات الدرس تموج بتلك الآراء وتضطرب, وإذا بالذي كان مشافهة ومسامرة يسطر ويكتب وتتعاوره الأيدي. ولم يكد المسلمون يدخلون في النصف الثاني من القرن الثالث حتى انكشف كل خبيء وظهر كل مكنون, واستعلن العداء للقرآن وللعربية ملفقاً في ثياب الخلاف الفلسفي والكلامي, ثم ما جر إليه كل ذلك من القول بفتنة خلق القرآن وأشباه لها من الكوائن والطامات. لكن الله الذي تكفل بحفظ ك تابه وفَّ ق طائفة من عبادة ذادةً منافحين, قاموا لهذه المطاعن والشبهات, وألقوا بحججهم وبراهينهم فإذا هي تلقف ما يأفكون. ولعل أول حامل لهذا اللواء هو الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري, خطيب أهل السنة, المولود سنة 213, والمتوفى سنة276, فقد انتدب لهذه الشكوك والمطاعن ال تثار حول القرآن, فجمعها ثم سدد إليها سهامه وأعمل فيها معاوله, فاقتلعها من جذورها, وكان مجلى ذلك كتابه العظيم «تأويل مشكل القرآن »إلى ما نثره في كتبه الأخرى, مثل «تأويل مختلف الحديث»
عدد الصفحات ٢٢٨229 ثم ظهرت مسألة «إعجاز القرآن»مبحثاً قائماً بذاته, يح قصد إليه قصداً. وكانت تلك المسألة «من أبرز المسائل التي تعاورها العلماء بالبحث أثناء تفسيرهم للقرآن, وردهم على منكري النبوة, وخوضهم في علم الكلام, كعلي بن ربن كاتب المتوكل في كتاب «الدين والدولة»وكأبي جعفر الطبري في تفسيره «جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن» وكأبي الحسن الأشعري «مقالات الإسلامي»وأبي عثمان الجاحظ في كتابه «الحجة في تثبيت النبوة» وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن, فقد ذهب النظام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز, وإنما كان إعجازه بالصرفة, وقال: «إن الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة, بل هو كسائر الكتب المنزلة لب يان الأحكام من الحلال والحرام, والعرب إنما لم يعارضوه, لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك, وسلب علومهم به» وذهب هشام الفوطي, وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجح عل علماً للنبي, وهو عرض من الأعراض, الأعراض لا يدل شيء منها على الله ولا على نبوة النبي. وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهما منبعاً غزيراً للقول في إعجاز القرآن. وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة, كأبي الحسين الخياط وأبي علي الجبائي, اللذين نقضا على «ابن الراوندي»كتابه«الدامع»الذي طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني, وقال إن فيه سفهاً وكذباً. وكذلك رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم, بأن تأليف القرآن ونظمه معجز, وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم, كالجاحظ الذي رد على النظَّ ام رأيه في الصرفة في كتاب: «نظم القرآن» ثم أح فرد ع لْ م «إعجاز القرآن »بالتصنيف, ومن أشهر ما صحنف فيه مما هو مطبوع ومتداول. 1- النكت في إعجاز القرآن, لأبي الحسن علي بن عيسى الرّماني المتوفى سنة 386. 2- بيان إعجاز القرآن, لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة
عدد الصفحات ٢٢٩230 388. 3- إعجاز القرآن, لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة403. 4- الرسالة الشافية, للشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتو سنة 471, وهو صاحب«دلائل الإعجاز»و«أسرار البلاغة» ويـحعَ دُّ كتاب أبي بكر الباقلاني من أوعب ما أحلف في هذا العلم. قال ابن العربي: «و يصنَّ ف مثله» هذا الكتاب: ويأتي كتابنا هذه في «علم إعجاز القرآن »نمطاً وحده, فقد أداره مؤلفه - محمود رؤوف أبو سعدة - على وجه من إعجاز القرآن جديد, لم يسبقه إليه سابق, ولم يفطن إليه باحث, وكأن كعب بن زهير, رضي الله عنه, لم يكن مصيباً حين قال: ما أرانا نقول إلا معاراً ... أو معاداً من قولنا مكروراً إلا أن يكون أراد الشعر وحده ! فقد يفت. الله على الأواخر بما لم يفت. به على الأوائل, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, وهذا أيضاً وجه من وجوه إعجاز القرآن, وأنت ترى هذا من نفسك, فقد تتلوا الآية أو السورة في صلاتك, أو في مغداك ومراحك, وعند أخذ مضجعك, وتمر عليها مراً, ثم تتلوها نفسها في ساعة أخرى من ساعاتك, وفي حالة مباينة من حالاتك, أو تسمعها من قارئ غيرك, فإذا هي تهزك هزاً, وإذا هي تملأ كل ما حولك بهجة وضياء, ثم تفجر أمامك ينابيع من الحكمة والهدى لم يكن لك بهما عهد, وتعجب, كيف غيب عنك كل هذا الخير فيما سلف لك من أيام! وكل الكلام يمح ل إلا كلام ربنا عز وجل, وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه - وهو المنزل عليه: «ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه» وهذا الوجه من الإعجاز القرآني الذي قام له المؤلف ونهض به, وجه قاطع بات, لا تص. فيه لجاجة, ولا تسوغ معه مخالفة, لأنه قائم على قواعد اللغة, ومستند إلى أحكام التاريخ,
عدد الصفحات ٢٣٠231 وليس للهوى فيه حظ أو نصيب وعنوان الكتاب كما ترى (من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن) - العلم الأعجمي في القرآن م فسراً بالقرآن - وهو عنوان دال على موضوعه صراحة, متجه إليه مباشرة, ومنهج الوضوح دائر في هذا الكتاب كله, فالمؤلف يمضي إلى قضاياه ويعالجها دون ثرثرة أو تلكؤ أو فضول. يقرر المؤلف أن القرآن يفسّ ر في ثنايا الآيات المعنى الدقيق لكل اسم أعجمي علم ورد في القرآن, أياً كانت اللغة المشتق منها هذا الاسم الأعجمي العلم, وإن كانت لغة منقرضة يجهلها الخلق أجمعون عصر نزوله. وأسلوب القرآن في ذلك - كما يقول المؤلف - «المجانسة على الاسم العلم بما يفسر معناه أبين تفسير»ومثال ذلك ما ذكره في تفسير اسم«زكر »عليه السلام: يقول ربنا عز وجل2)[ }2] العبراني معناه حرفياً«ذاكر»ثم يدعوك المؤلف إلى أن تتأمل المجانسة بين قوله تعا {2})«ذاكر»كأنه عز وجل يقول- وهو أعلم بما ير يد - ذكر الله ذاكر الله, أو: ذكر الله فذكره الله, أو: ذكر الله فذكرته رحمة الله. وقد يأتي تفسير العلم العجمي في القرآن بذكر المرادف العربي لمعناه بغير العربي: ومن ذلك أن معنى «جبريل»في العبرية: الشديد القوي وجاء التعبير عنه في القرآن بذلك, قال تعامه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى6[ })5 ,6]رة بكسر الميم وتشديد الراء: بمعنى القوة أيضاً. وكذلك قوله تعالى عن جبريل عليه السلام لقول رسول كريم ( 19) ذي قوة عند ذي العرش مك20[ })19 ,20 .] ومثل ذلك ما انتهى إليه المؤلف في أ مر «نوح »عليه السلام, فقد رد ه بعض مفسري القرآن إلى «النواح»فقالوا: هو من ناح ينوح, وجاء المؤلف فطبق عليه منهجه فرده - اعتماداً على قواعد اللغة العبرية - إلى معنى التلبث والإقامة, ثم فسره بالسياق القرآني الكاشف, في قوله تعا فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً14] كان كبر عليكم مقامى وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت 71]
عدد الصفحات ٢٣١232 تباركت أسماؤه 77[ })77.] وثالثة: يذك ر المؤلف أن «إسماعيل»ينطق في العبرية«يشمعيل»ومعناه: سمع الله, أو سميع الله, ثم التمس هذا المعنى في سياق القرآن الكريم, فوجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام لسميع الدعاء (39[ }) 39] إسماعيل عليهما السلام أنت السميع العليم (127[ })127.] وهكذا يمضي المؤلف بهذا المنهج في تفسير أسماء الأعلام الأعجمية وما يشبهها من أسماء الأجناس والمواضع, وقد أحصى في ذلك واحداً وستين علماً أعجمياً أو مختلفاً في عجمته في القرآن, فسرها من القرآن نفسه, تعالى محنْز لح ه. ثم ذكر أن القرآن لا يفعل هذا فقط, ولكنه يصح. أيضاً لعلماء العبرية وعلماء التوراة, وقت نزوله وإلى يوم الناس هذا, تفسيراتهم اللغوية لمعنى هذا العَلَ م العبراني أو ذاك, من مثل أسماء بني إسرائيل الواردة في القرآن وغيرها من أسماء المواقع, مثل «مدين»فيخطئ أصحاب اللغة ويصيب القرآن فهذا هو عمود صورة الكتاب, كما أقامه مؤلفه, وكما أراد له أن يكون, ولكنه من وراء ذلك ومن قدامه قد استطرد إلى قضايا كثيرة, عقيدية ولغوية وتاريخية. ومن أنفس ما في هذا الكتاب - وكله نفيس إن شاء الله - ما ذكره المؤلف حول تاريخ كتابة التوراة والإنجيل, وأن نص التوراة مستنسخ من الذاكرة بعد نحو ثمانية قرون من وفاة موسى عليه السلام, وكذلك الأناجيل الأربعة المتداولة لم يخطها عيسى عليه السلام بيده, ولم يملها على حوارييه, وبهذا تكون سلسلة السند في التوراة والإنجيل منقطعة, وليس كذلك القرآن. ومما يتصل بالتوراة: ما سجله المؤلف من قصورها وتقصيرها في ذكر الأنبياء الذين هم من قبل إبراهيم عليه السلام, فتكون بذلك «توراة بني إسرائيل»ليس غ وقد أفضى ذلك بالمؤلف إلى أن طعن كثيراً في «سفر التكوين»الذي بين أيدينا الآن وكذلك شنَّ ع على كاتب التوراة وكشف تدليسه وكذبه في أكثر من موضع, بل إنه نبَّ ه على تناقضه مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.
عدد الصفحات ٢٣٢233 أما بحنوَّ ة عيسى لآدم عليهما السلام, وعبوديته لله عز وجل فقد عالجها المؤلف في غير مكان من الكتاب. والكتاب في تسعة فصول, خصص المؤلف الفصول الثلاثة الأولى منها لما يمكن أن نسميه تسمية علماء القراءات: الأصول, والفصول الستة الباقية جعلها لما يسمى عندهم الفرش, وهو تنزيل الكلام على أسماء الأعلام: عَ لَ ما عَ لَ ماً, كما ينزَّ ل الكلام في اختلاف القراء على سور القرآن: سورة سورة. أما الأصول, فقد أدار المؤلف عليها كلاماً عالياً شريفاً, حول أصناف الملاحدة ومناقشتهم, ثم تكلم عن خصائص اللسان العربي وعبقرية العربية وقدمها, وأجه التقابل والتغاير بينها وبين العبرية, ليجيب بعد ذلك: لماذا كانت العربية هي أم الساميَّ ات جميعاً؟ وأشار إلى لغات العالم المعروفة وقت نزول القرآن, ثم أورد كلاماً عزيزاً عن القرآن, وأورد اجتهادات في لغة آدم عليه السلام, التي تكلم بها على الأرض مهبطه من الجنة. وتحدث عن استعارة معاني الأفعال, وحدود الأخذ والاستعارة من اللغات الأخرى. ولهذا المؤلف اجتهادات جيدة في الاشتقاق, وتأصيل عربية بعض ما يظنه الناس أعجمياً, مثل «جهنم»وتخطئة بعض اللغويين العرب في أصل«إبليس»واشتقاقه وهناك أمر لا يزال المؤلف يعتاده ويلم به كثيراً, وهو الرد على المستشرقين ومن إليهم من متحذلقة الأساتيذ في هذا القرن, الذين أدركتهم عجمة العلم واللسان ... أو كما قال. وقد رد على المستشرقين في طعنهم على القرآن, وأنه وحي من الله يوحى على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. ولعل أغنى بحث فيما وقع , من أصول هذا الكتاب: هو الكلام على اسم أبي إبراهيم عليه السلام, وهو «آزر»في القرآن, و«تارح »في التوراة, وقد تختلف مع المؤلف بعض ما انتهى إليه من الربط بين «آزر»و«تارح »ولكنك تكبر فيه صدق الجهد وقوة الحجة. وهكذا تتوالى القضايا في هذا الكتاب النفيس. على أني أحب أن أسجل ها هنا أن كلام هذا الكاتب - وأنا لا أعرفه - لا تستطيع أن تفرق فيه بين أصل وحاشية, بل إن كثيراً من حواشيه ينبغي أن تح نقَ ل إلى صلب الكتاب أو متنه, وتأمل مثلاً حاشيته في الفصل
عدد الصفحات ٢٣٣234 الأول عند حديثه عن صور المغايرة بين العربية والعبرية, في توجيهه لتسميته صلى الله عليه وسلم «محمداً»ومظهر الحمد فيه, وما تلا ذلك من حديثه عن «الموابية»والمقارنة أو الموازنة بين «ساذج»و«سادة»و«كيسر»المعرب إ «قيصر»والاسم الإسبا «رذريجو»المعرب إ«لذريق»وغير ذلك من العلم المنثور في حواشي الكتاب ومع غزارة هذه المعارف التي يقدمها لنا الكاتب, ونفاستها, فهو لا يحد لُّ بها على قارئه, ولا يسوقها في موكب تتقدمه الخيَّ الة, ويحف به راكبو الدراجات, وتكتنفه دقات الطبول, كما يفعل كثير من الكحتَّا ب الآن, وإنما يأتيك كلامه سهلاً رهواً, يتهادى في إهاب الكرامة والتواضع والإسماح, وعليه من العلم بهاؤه, ومن الجد أمار اته, بأسلوب عذب مصفى, أسلوب كاتب يحريم عقل قارئه, ويريد إمتاعه لا التعا, عليه. يقول في الفصل الثاني - الأعجمي المعنوي والأعجمي العلم - في مناقشة المفسرين الذين اعتمدوا في تفسير أسماء أنبياء بني إسرائيل على المعجم العربي وحده, يقول: «وأنا أيها القارئ العزيز - إن كنت لا تعرف عبرية التوراة أو يونانية الأناجيل –, بما في هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحياناً - لا أريد أن يفوتك شيء من حلاوة بحث أريد أن أحبرّ ه لك تحبيراً: أريد منك أن تشريط عليَّ توثيق ما أحدّ ثك به, فلا أكيل لك القول جزافاً آمناً ألا تكشف ز يفي, لأنك لا تعلم شيئاً من أمر تلك اللغات التي ذكرتح لك, ليس هذا من العلم في شيء, وإنما هو من التدليس» إن في هذا الكتاب علماً كثيراً, وإن فيه خيراً كثيراً, وإن عليه نوراً كثيراً, وما أظن ذلك كله قد كان إلا لأن مؤلف قد تغيا به غايات نبيلة: هي خدمة كتاب الله , بالكشف عن نواحي إعجاز جديدة فيه, والأمور بمقاصدها, يقول تاج الدين السبكي: «ولقد حصل أبو زرعة على أمر عظيم ببركة حفظه للحديث, وهكذا رأينا من لزم باباً من الخير فح ت. عليه غالباً منه» ويقول عبد اللطيف البغدادي«اعلم أن للدين عبقة وعَرفاً ينادي على صاحبه, ونوراً وضيئاً يشرف عليه ويدل عليه» ويقول أبو الحسن العامري«إن الدين كريم الصحبة, يحع ز من لجأ إليه, ويسري عيوب من اتصل به, مع ما يحذخر له في عاقبته من الغبطة الأبدية»
عدد الصفحات ٢٣٤235 قلت: وقد رأينا كثيراً ممن تطاولوا على الدين وهزأوا به وسخروا منه في مجالسهم, أو أعمالهم الأدبية - شعراً أو نثراً - قد انتهى أمرهم إلى خسار وبوار, بل إن منهم من رأى فقره بين عينيه, ورأى عافيته تتفلت من بين يديه, مع ما تراه من ظلام في وجوههم ... {18.] وتبقى بعد ذلك كلمة لقد قلت من قبل: إن أسلوب هذا الكاتب عذب مصطفى, واللهم نعم ! لكن شاب هذا الصفاء, وعكر هذه العذوبة بعض أوشاب مما يخالط الأساليب الشريفة, تتسلل إليها لواذاً, وكأنها العدوى المهلكة, تتخلل ذرات الهواء, لا تحس بها إلا وقد داهمتك في خلايا بدنك - عافاك الله - فلا تستطيع لها دفعاً ولا مرداً. و من ذلك ما جاء في كلام المؤلف الفاضل من هذا الريكيب «موسيقى القرآن»وهو تركيب رخو لين, لا يليق بجلال القرآن وبهائه, ولا تقل: لا بأس علينا من تقارض مصطلحات العلوم, لأن فيه إثراء للغة, لا تقل هذا ولا تغري به, لأنه مدخل لبلاء عظيم, ولو فتحنا هذا الباب لفسد علينا كل شيء, فإن لل كلام حدوداً ومعالم ينتهي إليها. أنسيتَ أن منا من قال: إن القرآن رسم لوحة صفتها كيت وكيت؟ فجعل المولى عز وجل فناناً تشكيلياً يحمل فرشاة يغمسها في ألوان, تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. لقد غيروا «النظم القرآني واتساقه »فجعلوه«موسيقى ا لقرآن»ثم غيروا «العروض» فجعلوه«موسيقى الشعر»ثم غيروا«علم الصرف»فسموه«علم الصوتيات»وثم و وثم, وبالله نستدفع البلايا!. * * *
عدد الصفحات ٢٣٥236 الشيخ الشعراوي .. واللغة (1) الشيخ محمد متو, الشعراوي ظاهرة غريبة عجيبة في زماننا, وإن كان له أشباه ونظائر فيما سلف لنا من أيام, ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد عرف جمهور الناس هذا الشيخ الجليل في أوائل السبعينات الميلادية, وكان صاحب الفضل في التعريف به وتقديمه للناس الأستاذ الفاضل الناب ه: أحمد فراج, وذلك من خلال برنامجه التلفزيوني المعروف يومئذ: «نور على نور»وللتاريخ نقول: إن الذي قدم الشيخ الشعراوي للأستاذ أحمد فراج هم طائفة من أدباء السعودية ووجهائها, عرفوا للشيخ قدره وأنزلوه منزلاً كريماً أيام تدريسه بكلية الشريعة بمكة المكرمة, وللشيخ هناك أصداء عالية الرنين. وقد بهر الشيخ الشعراوي آنذاك أسماع الناس وأبصارهم بثلاث حلقات تلفزيونية حول: الإسراء والمعراج, والقضاء والقدر, وحديث هند بن أبي هالة في صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويومها أدرك الناس - كل الناس - أنهم أمام صوت جديد يدعو إلى الله على بصيرة, بأسلوب مباين لكل ما ألفه الناس من أساليب الدعوة والتوجيه, وأنماط الوعظ والإرشاد, وإنما كان ذلك لأن الشيخ سلك في وعظه درباً غير مطروق, وورد ماء مهجوراً, وانتجع كلأ غير مرعي. تكررت لقاءات الشيخ بالناس في البرنامج التلفزيوني المذكور, على فريات متباعدة حول بعض القضايا التي يح سأل عنها الشيخ فيجيب, إلى أن استقر أمره على هذا اللقاء الأسبوعي: تفسير القرآن العظيم. وفي هذا اللقاء, ويوماً إثر يوم اتض. منهج الشيخ, وتحددت ملامحه. ويهمني في هذا المقام الكشف عن هذا المنهج, وإقامة حدوده ومعالمه, وتلمس أسبابه وبواعثه؛ فإن الشيخ يمثل عندي أنموذجاً ينبغي أن نجلوه للناس, بعد أن ندح ل على جذوره وأصوله, وإن في ذلك كله (1) مجلة«ال»فبراير1994م
عدد الصفحات ٢٣٦237 بعثاً لتاريخ عزيز غاب عنا, أو أريد له أن يغيب وإذا كان لكل عالم أو مفكر مفتاح, فإن مفتاح شخصية هذا الشيخ هو «اللغة»واللغة هي الباب الأول في ثقافات الأمم, وإهمالها أو التفريط فيها, أو السخرية منها هدم لتاريخ الأمم, ومحو لها من الوجود. العناية باللغة: وعناية الشيخ باللغة تتجلى في مستوياتها الأربعة: أصواتاً وصرفاً ونحواً ودلالة. وفي طريق هذه المستويات الأربعة صال الشيخ وجال, ومما يحسب في موازينه, ويسجل له: هذه الجسارة والجرأة في معالجة تلك القضايا وجمهوره الأعظم من عامة الناس, ولكن الشيخ يرى أن هذا ضروري لتفسير كلام الله والكشف عن مراده. وقد استطاع الشيخ على هذا المدى الطويل أن يأخذ العامة وأوساط الناس إلى قضايا التذوق والبلاغة واللغة والأدب, وخاض بهم لجج هذه العلوم, واستكثر من شواهد الشعر والأمثال وكلام الفصحاء, وأحب أن أسجل ها ه نا أن عوام الناس يستجيبون لذلك ويستمتعون به, وإن كانوا لا يستطيعون التعبير عنه, فيجب أن نحسن الظن بهم, فإن لبعضهم ذوقاً قد يجفو عنه بعض الخاصة, ومن غريب ما كنت ألاحظ في أحيائنا الشعبية أن خطيب الجمعة كان إذا اندفع في الكلام الخفيف العامي على المنبر ضاق به الناس وخرجوا ساخطين يقولون: «إيه الهيافه دي؟ يا عم سيبك منه دا بيتكلم زينا» إن الشيخ الشعراوي قد نج. فيما عجز عنه غيره, فإننا على كثرة ما كتبنا عن الإعجاز القرآني وعبقرية اللغة العربية لم نستطع أن ننزل بهذه القضايا إلى عامة الناس, وظلت هذه القضايا دائرة بيننا, يدخل اللاحق على السابق, وكأننا نحدّ ث بعضنا بعضاً. وبَ دْ ءة ذي بدء, فإن الشيخ يصرّ ح بضرورة استقبال القرآن بملكة اللغة, ليح خْ ر ج المستشرقين وأمثالهم, من أعاجم العرب الذين كتبوا في الدراسات القرآنية وهم بمعزل عن فقه اللغة, ثم يقول: إن هؤلاء أخذوا اللغة صناعة, ولم يأخذوها ملكة. وما من آية من كلام ربنا عز وجل يعرض لها الشيخ بتفسير وبيان إلا وأفاض في قضايا اللغة, بادئاً بتأصيل الكلمة صرفاً واشتقاقاً, على المنهج الذي أصَّ له ابن فارس في «مقاييس اللغة»وابن ج«الخصائص»بالقدر الذي تطيقه العامة وتدركه ا لخاصة,
عدد الصفحات ٢٣٧238 وقد نج. في ذلك نجاحاً ظاهراً. على سبيل المثال فحين عرض لتفسير قول الله تعا تقف ما ليس لك به علم63] من ذلك«القفا»هذا المعروف, لأنه يقفو الوجه, أي يتبعه, وقافية البيت في الشعر؛ لأنها تقفو سائر الكلام أي تتبعه. ويق فح الشيخ كثيراً عند معاني الحروف وأثرها في الدلالة, ووضع بعضها مكان بعض, كقوله تعا38]«من»ها هنا مع «بدل»وقوله تعا5[ })5] باللام مع أنه جاء معدى بإلى في آيات كثيرة, كقوله تعا 68]7] ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم6]«مع ظلمهم»و«علم معا الحروف»علم ضخم من علوم اللغة, والمؤلفات فيه كثيرة, والعناية به واجبة, والشيخ دائم الحديث فيه. وللشيخ احتفال زائد بالفروق اللغوية, في الأبنية: كعالم وعليم, وشاكر وشكور, وهو الفرق بين اسم الفاعل, وأمثلة المبالغة المأخوذة منه, وكعدل وعادل وهدي وهاد , وهو الفرق بين الوصف بالمصدر والوصف باسم الفاعل. ثم الفروق فيما يبدو مريادفاً من اللغة, كالفرق بين الشك والريب, والحزن والبث, والرجاء والتمني, والحسد والغبطة, وهو باب معروف من أبواب اللغة, وممن ألف فيه أبو هلال العسكري. ويفرق الشيخ كذلك في جموع التكسير بين العباد والعبيد. وإذا كنت لا أستطيع أن ألم ها هنا بكل ما قيدْ تح ه من قضايا اللغة التي يح عنى بها الشيخ ويدير الكلام حولها, فإني لا أستطيع أن أغفل جانباً مهماً جداً من جوانب اللغة, يتعهده الشيخ دائماً ويحرص عليه, وهو «غريب اللغة»وهو مصطل. يحراد به الكلمات الغامضة القليلة الاستهلاك في كلام الناس, وتأتي غالباً في الكلام العا, الفصي.. وليست الغرابة في اللغة كالغرابة في البلاغة, لأن هذه يراد بها الكلام الحوشي المستكرَ ه, أصواتاً ودلالة. أما الغرابة في اللغة فتقال في مقابل الوضوح, وشاهد هذا ما ذكره الخليل بن أحمد في مقدمة كتابه العين, قال : «بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين, وهو أقصى الحروف, ونضم إليه ما
عدد الصفحات ٢٣٨239 بعده حتى نستوعب كلام العرب الواض. والغريب »كتاب الع1/60 (طبعة العراق وقد دارت على هذا العلم مؤلفات كثيرة, وبخاصة: ما يسمى غريب القرآن وغريب الحديث. وهذا العلم - علم الغريب - مما أهمله الناس في زماننا هذا إهمالاً يوشك أن يكون تاماً, فقد هجره الناس هجراً طويلاً, بل إن بعضهم إذا صادف شيئاً منه في نص قديم, غيره إلى مرادف له مما يسهل على الناس, كالذي رأيت يوماً عند أحدهم من تغيير «وكان عمر بن الخطاب رجلاً طوالاً»بضم الطاء, أي بالغ الطول, غيره إلى: «رجلاً طويلاً جداً »وأشد من هذا أن بعضهم أنكر استعمال كلمة «لغوب»لعدم جريانها على ألسنة الناس هذه الأيام, مع مجيئها في القرآن العزيز ! قال تعا38[ })38.] وهكذا ينكر كثير من الكتاب الآن ألفاظاً وتراكيب كثيرة ضاربة في الفصاحة بعروقها. ولستَ تُد هذه الألفا والرياكيب في النصوص الأدبية فقط, من شعر ونثر, بل إنك واجدها في علم الأنساب والتاريخ والجغرافيا, وكتب الفلك والطب والفلاحة والزراعة, وسائر ما كتب الأوائل. وينادي بعضهم الآن بهجر هذه اللغة القديمة وتبني لغة واقعية كالتي تح قرأ في الصحافة ووسائل الإعلام, حتى لا يشعر التلميذ بفجوة بين الذي يقرأه في النصوص القديمة, وبين ما يسمعه في واقع الحياة من تلك اللغة التي تلبي احتياجاته. وحجة هؤلاء أن لكل عصر لغته وأعرافه, وهي حجة داحضة من التعبيرات القرآنية, فلا بأس علي في استعمالها إن شاء من وجه. لكني أسأل: إذا نحن ربينا أبناءنا على هذا المنهج المقريح, وسلخ التلميذ من عمره ما سلخ في المراحل: الابتدائية والإعدادية والثانوية, ثم دخل كلية جامعية تح عنى باللغة والأدب, مثل دار العلوم أو الآداب, فماذا هو صانع مع مناهج هذه الكليات, التي تدور حول قضايا اللغة قديماً وحديثاً؟ نعم ماذا يصنع ذلك التلميذ مع مناهج هذه الكليات, وقد دخلها مفرغاً خا, الوفاض؟ إلا إذا غيرنا مناهج اللغة أيضاً في هذه الكليات حتى نضيق الثغرة بين اللغة العربية كما تقدمها النصوص وبين ا للغة العربية في واقع الحياة - كما جاء في أخبار الأدب - العدد التاسع 12 سبتم1993م ص26.
عدد الصفحات ٢٣٩240 إنللغة جانباً تاريخياً يجب الحرص عليه ومعرفته, ثم إن اللغة ممتدة مع أصحابها لا تموت ولا تفنى, وليست اللغة للتفاهم وقضاء المصالح فقط, وإلا لكان القدر اللازم لنا منها محدوداً جداً, ولكان الذي يعرف خمسمائة كلمة إنجليزية تلبي احتياجاته في متاجر لندن وشوارعها عالماً باللغة الإنجليزية. ولقد كان غريب اللغة الذي هو الفصي. الرفيع مألوفاً للناس إلى عهد قريب, في خطبة الجمعة, وفي الكتاب المدرسي والكتاب الجامعي, ثم على ألسنة المحاضرين وأقلام الكاتبين, ثم هجره الناس هجراً غير جميل, ثم جاء الشيخ الشعراوي فردنا إليه رداً جميلاً, وكان أول عهد الناس معه حين عرض لحديث هند بن أبي هالة في وصف خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث غريب كثير كشفه الشيخ غاية الكشف, وأبان عنه غاية ا لإبانة. وبعض ما يعرفه الشيخ من غريب الكلام مما يدق ويغمض على كثير من الناس, بل إن بعض المثقفين يصحّ فه لخفاء معناه عنده: سمعت الشيخ ذات يوم في حلقة من حلقات يوم الجمعة ينشد قول الشاعر الأموي عروة بن أذينة: لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنّ يني تطلُّ بح هح ... ولو قعدت أتاني لا يعنّ يني هكذا أنشد الشيخ «وما الإشراف»بالشين المعجمة, وهو صواب إنشاده, ومعناه: إ أستشرف ولا أتطلع إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ولا تتبعها نفسي. وبعضهم لا يعرف هذا المعنى الغريب فينشد ه: «وما الإسراف »بالسين المهملة مصح فاً ومزالاً عن جهته, وكأن الذي زيَّ ن له ذلك وجود الكلمة في سياق الرزق. وقد امتدت عناية الشيخ أيضاً إلى النحو, و هو علم الرياكيب, وشأنه خطير, يقول أبو العباس ثلعب: «لا يص. الشعر ولا الغريب إلا بالنحو, النحو ميزان هذا كله »والشيخ لا يكاد يخلي حلقة من حلقاته من شيء من دقائق هذا العلم الجليل. ففي قوله تعا40 ,] حيث جاءت«كلمة»الأولى بالنصب, و«كلمة»الثانية بالرفع, يقول: لماذا لم تحعطف الثانية على الأولى فتكون منصوبة مثلها؟ ثم يجيب: لأن كلمة الله أصلاً عالية ثبوتاً ولزوماً,
عدد الصفحات ٢٤٠