المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ١٤ من ٢٢

209 ثم هبطتَ البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علقح بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرقح تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبقح حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطقح وأنت لما و لدت أشرق الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفقح فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ــنور وسبل الرشاد مريقح غريب الحديث لابن قتيبة 1 /359. فهذه أقدم رواية لقصيدة العباس بن عبد المطلب, إذ كان ابن قتيبة قد توفي سنة 276.) وتلي هذه الرواية زمناً رواية أبي القاسم الز جاجي المتوفى ( 340), قال: حدثنا إبراهيم الصائغ, قال: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة ... ثم بقية السند السابق. اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي ص 230. وثالث الرواياترواية الحافظ أبي الحسن الدارقطني المتوفى (385), قال: حدثنا عبدان بن أحمد وأحمد بن عمرو البزار, وحدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري, قالوا: حدثنا أبو السكين زكريا بن يحيى ... ثم بقية سند ابن قتيبة, المعجم الكبير 4 /252. ورابعها: روايةأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى (405) قال في كتابه المستدرك على الصحيحين 3/326 ,327, حدَّثنا أبو العباسمد بن يعقوب حدَّثنا أبو البخريي عبد الله بن شاكر, حدَّثنا زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند, وقال الحاكم: «هذا حديث تفرد به رواته الأعراب, عن آبائهم, وأمثالهم من الرواة لا يضعون»وجاء في رواية الذهبي عن الحاكم, في سير أعلام النبلاء 2 /102 :«ومثلهم لا يضع فون»والتعقيب في كلتا الروايتين ذو دلالة, فهو يريد أن يؤكد الثقة بالحديث, إذ كان رواته من الأعراب, يعني الذين يجرون في أحاديثهم ورواياتهم على الصدق, ف طرة وسليقة, وليسوا من المحدثين أصحاب الصنعة الذين تدور أحوالهم بين الجرح والتعديل. ونأتي إلى آخر رواية من روايات الحفا , وهو رواية الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي المتوفى (463) فقد رواه في كتابه الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ص 449 - عن أ طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي الدسكري, عن أبي أحمد محمد بن أحمد بن

عدد الصفحات ٢٠٩

210 الغطريف بن القاسم العبدي, عن يحيى بن محمد بن صاعد, عن زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند. ثم تدور القصيدة بعد ذلك غير مسندة في كتب العربية, فرياها في: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 88, والزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري 1 /275, والاستيعاب لابن عبد البر ص 447, والفائق في غريب الحديث للزمخشري3 /123, وشروح سقط الزند لأبي العلاء ص 353, وشرح أدب الكاتب للجواليقي ص 308, وأما, ابن الشجري 3 /114, والشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض ص 218 , والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي1 /35, وعارضة الأحوذي بشرح صحي. الريمذي لابن العربي 13 /96, ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب لمجد الدين بن الأثير ص 440, وأسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأث 2 /129, والجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للبري 2/12, والحماسة البصرية 1/610, وتفسير القرط 13/146, ومن. المدح لابن سيد الناس ص192, وزاد المعاد في هدي خ العباد لابن قيم الجوزية 3 /551, والسيرة النبوية لابن كث 4/51, ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي 8/217, والخصائصالكبرى للسيوطي 1 /97, وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي الشامي 1/90, والمجموعة النبهانية في المدائ. النبوية1 /56. ثم يأتي من هذه القصيدة البيت والبيتان في معاجم اللغة, ودواوين الأدب, شواهد على غريب اللغة ووجوه المعاني, منزَّ لاً ذلك على ترتيب المواد والمقاصد. ويبقى أن أشير إلى أن أبياتاً أربعة من هذه القصيدة نحسبت إلى حسان بن ثابت - انظر ديوانه ص 498 - ولا تصهذه النسبة, وقد ردها الحافظ السيوطي في كتابه اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/264 ,265. بحر القصيدة جاءت هذه القصيدة على البحر المنسرح, وتفعيلاته: مستفعلن مفعولات مستعلن ... مستفعلن مفعولات مستعلن مع ما تطيقه هذه التفعيلات من زحافات وعلل. ويرى بعض الدارسين المحدثين أن النظم على هذا البحر قليل, لأن فيه عنتاً ومشقة, وقد

عدد الصفحات ٢١٠

211 قل النظم عليه, وكاد يهجر لاختلاف موسيقاه عن جنس الموسيقى الشائعة الأوزان, ويرى بعضهم أن إيقاع هذا البحر خافت يكاد يكون كلاماً منثوراً, بل إن بعضهم تنبأ بأنه سينقرض من الشعر في مستقبل الأيام !. وهذه كلام من لا يرتاح إلى هذا الوزن, وينفر منه بطبعه, فيجعل من ذوقه الخاص حكماً عاماً, ثم هو كلام يرسل إرسالاً, دون مراجعة أو إحصاء, فإن النظم على هذا البحر شائع في الشعر الجاهلي, وفيما بعده إلى يوم الناس هذا, وإن لصديقنا الشاعر عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام) أنساً بهذا البحر وولعاً, وقد أنشأ ديواناً, أداره كله على هذا البحر, وسمَّاه: (من مقام المنسرح), ثم لا يزال يتعاهده في شعره بين الحين والحين. ثم ذكر العلامة عبد الله الطيب المجذوب كلاماً عالياً هذا البحر المنسرح في كتابه الفذ: المرشد إلى فهم أشعار العرب 1/175 - 191, وذكر أن هذا البحر في الجاهلية قد شاع في فنيَّ الرثاء المراد به النوح, والنقائض, وأنشد قدراً صالحاً من الشواهد, ثم ذكر أن الخريمي الشاعر أنشأ قصيدة من هذا البحر, من مائة وخمسة وثلاثين بيتاً يصف فيها الفتنة ببغداد أيام الأمين والمأمون. وأنشد في كتابه بين النير والنور ص 169, هذا البيت

عدد الصفحات ٢١١

212 وسَرَّت النفس أمس ذات الفرا ... شات التي ريمح جيدها صَنَمح ثم قال: «هذا بحر المنسرح فاعرفه: بحر طروب إلى جارية وحشية عروب» وأقول: حسبنا أن نذكر من هذا البحر رائعة المتنبي التي أولها - وهو مما قاله في صباه: أهلاً بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها شرح القصيدة وتحليلها: تبدأ القصيدة في روايتها المسندة, وفي سائر الكتب بهذا البيت: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ولا ينبغي أن يظن أن هناك نقصاً؛ فإن الرواية مجمعة على هذا الاستفتاح, و هو استفتاح غريب حقاً, وهو دال على حالة شعورية عجيبة, فكأن الشاعر طوى أشياء كثيرة في صدره, قفز منها إلى مقصوده الأعظم وشاغله الأقوى, أو كأنه لا يحفل بما تعارف عليه الشعراء في عصره من استفتاح القصائد, فكأنه لا يحب أن يرد طريقاً مسلوكاً. ولو وقع مثل هذا البدء في شعر شاعر من القوم في زماننا هذا لكان لنقادهم فيه ضجيج واحتفال ... وقوله: «من قبلها»أي من قبل الخليقة, أضمر لغير مذكور, والعرب تفعل ذلك توسعاً واختصاراً وثقة بفهم السامع, وقد جاء منه في القرآن والشعر ما لا يحصى كثرة, كقوله تعا26)[ }26] دابة45]«الأرض»في الآيتين, وقوله (83[ })83]26[ })26] «النفس والروح »في الآيتين, ومن ذلك إضمار«الخمر»في قول ابن اعتز: وندمان دعوت فهب نحوي ... وسلسلها كما امرط العقيق

عدد الصفحات ٢١٢

213 وقوله«طبت في الظلال»أي في ظلال الجنة, حين كان في صلب آدم لما كان في الجنة وهو قوله: «في مستودع »أي في صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض, ومنه قوله تعا {98]الأرحام, ومستودع في الأصلاب وقوله: «حيث يخصف الورق»يعني حيث خصف آدم وحواء عليهما الورق حيث بدت لهما سواءتهما. والخصف: ضم الشيء إلى الشيء وإلصاقه به, ومنه قولهم: خصفت النعل, أي رقعتها. ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق يعني هبوطه وهو نطفة في صلب آدم, لم يصر علقاً ولا مضغة. بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق يعني في صلب نوح, كما جاء في التنزيل (41[ })41] شابت مفارقه, وإنما هو مفرق واحد. وأراد بنسر: الصنم الذي كان قوم نوح يعبدونه. وإلجام الغرق: كناية عن وصول الماء إلى أفواههم التي هي موضع اللجام. تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم ب دا طبق الصالب: الصلب, وهو الظهر, قال تعا 7 }) [7 ,]والعالم: بفت. اللام: قيل هو كل موجود سوى الله تعالى, وقيل: هم كل ذي روح, وقيل: هم الإنس والجن. والمراد به ها هنا: الإنس خاصة؛ لأن الذكر لهم. والطبق ها هنا: القرن من الناس؛ لأنهم كالطبق للأرض, يطبقون الأرض ثم ينقرضون, ويأتي طبق آخر. والمراد أنه صلى الله عليه وسلم تنقل في أصلاب كريمة, وتناسخته أرحام مطهرة, فأدته زاكي الحسب, نقي الأصول, وعن ابن عباس في قوله تعا (219[ })219]«من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيّاً» حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق المراد بالبيت ها هنا: الشرف والنسب. والمهيمن: الشاهد, وهو صفة هذا الشرف: أي حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أفضل مكان وأعلاه وأرفعه من مجد خندف

عدد الصفحات ٢١٣

214 وسامي شرفها. وخندف: لقب ليلى, وهي امرأة إلياس بن مضر, وهو من أجداد الن صلى الله عليه وسلم. والنطق: جمع نطاق, وهو في الأصل: تشدّ به المرأة وسطها فوق الثياب, ومنه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنهما. وضرب هذا مثلاً في ارتفاعه وتوسطه في عشريته وعزه, فجعله في علياء, وجعلهم تحته نطاقاً له. وأنت لما وح ل دتَ أشرقت الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق هكذا يبدأ الشاعر بيته بالضمير المنفصل «أنت»ومجيء مثل هذا الضمير في مثل ذلك الموضع لا يأتي إلا في فحولة شعر وجسارة شاعر, فإذا عدم تلك الفحولة وفقد هذه الجسارة عاد غثاً بارداً, وانظره في قول عدي بن زيد العبادي, في إحدى غرره الأربع, كما يقول ابن سلام: أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لأ ي حال تصير وقد أدار النحويون على «أنت»في بيت عدي كلاماً كثيراً, فابسط لهم العذر, ولا تظن بهم إلا خيراً؛ لأنهم أصحاب صنعة ونظام, وقد أربكهم هذا الشاعر إرباكاً عظيماً, بذلك الضمير في هذا الموضع. والشاعر الفحل مختال تياه, يتلعب بالكلام كما يشاء! وعلى أن استعمال هذا الضمير «أنت»في الشعر كثيراً ما يدل على التحنن والأنس والود بين المخاطب والمخاطب, وقد استعمله العباس في قصيدته هذه ثلاث مرات. وأشرقت الأرض: إذا أضاءت وأنارت. ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت, وأشرقت: إذا أضاءت. ويقال: ضاء المكان وأضاء, وضاءت النار وأضا ءت, لغتان فاشيتان. قال الراجز: قرب قلوصيك فقد ضاء القمر والأفق: واحد الآفاق, وهي أطراف السماء ونواحيها التي مع الأرض. والأفق مذكر, بدليل قوله تعا23[ })23.] وقال«ضاءت بنورك الأفق »فأنث فعله حملاً على المعنى؛ لأنه أر اد بالأفق الناحية, وقيل: إنه استعمل الواحد في موضع الجمع, كقوله تعا 67]4[ })4] وكقول الشاعر

عدد الصفحات ٢١٤

215 كلوا في نصف بطنكم تصحوا ... فإن زمانكم زمن خميص أي بطونكم. فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ــنور وسبل الرشاد مريق السبل: الطرق, جمع سبيل, واخرياقها: السير فيها. ويبقى بيت من القصيدة جاء من زيادات بعض الكتب, وقد جاء بعد البيت الرابع, وبعضهم يجعله آخر القصيدة. وقد روي هذا البيت بروايات ثلاث: الرواية الأولى: وردت نار الخليل مكتتماً ... تُول فيها وليس تحريق والرواية الثانية: وردت نار الخليل مكتتماً ... في صلبه أنت؛ كيف يحريق والرواية الثالثة: يا برد نار الخليل يا سبباً ... لعصمة النار وهي تحريق

عدد الصفحات ٢١٥

216 وأضعف الروايات الرواية الثالثة, أما الأخريان فهما من أزكى الكلام وأشرفه, وأعلاهما عندي الرواية الثانية؛ لأن فيها صري. الدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان سبباً لنجاة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ولأن الشطر الثاني فسر «مكتتماً» في الأول, فضلاً عما في البيت من إحكام الصنعة الشعرية وتوهجها, وتأمل مرة أخرى «أنت»كيف جاءت في ا لبيت كالمنارة, مضيئة عالية, ومجيئها بعد الجار والمجرور وقبل الاستفهام يحمل القارئ والسامع على أن يقف عندها هنيهة, يندي لسانه ويرهف سمعه تشريفاً وإجلالاً للممدوح صلى الله عليه وسلم. وبعد: فهذه قصيدة العباس بن عبد المطلب, عم المصطفى صلى الله عليه وسلم, في مديحه وتعظيمه, أرجو أن أكون قد وفقت في تحقيقها وجلائها, ولفت الأنظار إليها. وبأبي أنت وأمي يا رسول الله !. * * *

عدد الصفحات ٢١٦

217 مع بداية العام الدراسي الجديد من يقرأ هذه الكتب (1) ؟ قرأت شيئاً من الجاحظ في صدر الشباب, ثم أخذت أعاوده المرة بعد المرة لتوثيق نقل أو تخريج شاهد, فيما أعالج من تحقيق النصوص ونشرها. وفي السنوات الأخيرة رأيت أن أقرأه على مكث, وأن أعطيه حظه من النظر والتأمل, بل قل: لأعطي نفسي حظها من الإمتاع والمؤانسة, فخصصت له وقتاً من إجازة الصيف بالإسكندرية, أقرأ وأستخرج وأقيد؛ لنفسي ولطلبتي حين أستقبل معهم العام الدراسي الجديد, فإني وإن كنت أدرّ س علم النحو, فإني أرى أن الأدب لازم للنحوي إقراء وتدريساً حتى يجد لكلامه سبيلاً ومذهباً, ولتوجيهه مقنعاً وبلاغاً. وهذا الجاحظ يحكي عن ابن عتاب قوله: «يكون الرجل نحوياً عروضياً, وقساماً فرضياً وحسن الكتاب جيد الحساب, حافظاً للقرآن, راوية للشعر, وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهماً, ولو أن رجلاً كان حسن البيان, حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك, لم يرض بألف درهم؛ لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع, كالنجار الذي يدعى ليعلق باباً وهو أحذق الناس, ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له: انصرف, وصاحب الإمتاع يراد في الحالات كلها »البيان والتبي1 /403. وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه, فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان. مناقب الشافعي للبيهقي 2 /143. وكتب الجاحظ - كما يقو ل المسعودي - «تُلو صدأ الأذهان, وتكشف واض. البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم, ورصفها أحسن رصف, وكساها من كلامه أجزل لفظ, وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل, ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة»مروج الذهب 4 /195. ولا يخدعنك هذا الكلام- حسن النظم وحسن الرصف وجزالة اللفظ - فتذهب مع (1) مجلة«ال»أكتوبر1993م

عدد الصفحات ٢١٧

218 الذاهبين إلى أن كتب الجاحظ على شاكلته إنما هي كتب تسلية وسمر وإزجاء فراغ؛ لأنها تمثل الاهتمام بالجزئي دون الكلي؛ ولأن العقلية العربية غير قادرة على الريكيب ... وهو كلام ساقط مرذول, ورده ودفعه في غير هذا المكان. لكني أعجل فأقول: إن زعماء (التنوير) ورموزه الذين يكثر الحديث عنهم هذه الأيام قد تكوَّنوا على هذه الكتب وتغذوا بهذا الزاد, ودع عنك طه حسين والعقاد فإن صلتهما بأصول الكتب العربية معروفة, وتأمل ما ذكره عميد المسرح العربي توفيق الحكيم في كتابه «عصفور من الشرق»من أنه كان يصطحب معه عند زيارته لباريس كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه, رفيق سفر, وزاد مغريب وذكر إبراهيم عبد القادر المازني - وكان من أبرع الناس في الريجمة عن الإنجليزية - ذكر لخير الدين الزركلي أنه حفظ في صباه «الكامل»للمبرد غيباً. يقول الزركلي«وكان ذلك سر الغنى في لغته»الأعلام1 /68, وأبو فهر محمود محمد شاكر قرأ«لسان العرب»كله وهو تلميذ بالثانوي, وكذلك قرأ في الوقت نفسه كتاب «الأغا»في طبعة الساسي, وهي طبعة غير مشكولة ولا محققة. وقراءة الجاحظ فوق أنها تمتع الوجدان, تحرك العقل, وتفت. أبواباً من النظر, وتستثير دفائن من الفكر. والكاتب العظيم - فوق إمتاعه - يستخرج من قارئه أشياء حبيسة, هي من صميم الموضوع الذي يعالجه الكاتب, وهي أشياء تظل كامنة مطوية, وكأن صاحبها مع إحساسه الضخم بها لا يستطيع كشفها والإبانة عنها, حتى يجيء الكاتب القادر المبين, فإذا بهذه الأشياء الحبيسة تنطلق من عقالها, وإذا بالأفكار والخواطر تأتيه من كل مكان, وتنثال عليه انثيالاً, وتزدحم أمامه ازدحاماً, وكأنها قوافي سويد بن كراع التي وصفها: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا فيقيد منها الشارد, ويستدني منها البعيد, فيكون فرح القارئ بما قرأ معادلاً لسروره بما استخرج. الجاحظ والعربية: وقراءة الجاحظ إذا أح خذت بحقها قادت إلى المكتبة العربية كلها, بفنونها وعلومها المختلفة, إذ كان الجاحظ كثير الإلمام بالعلوم العربية, لا يكاد يشذ عنه منها شيء وبخاصة في

عدد الصفحات ٢١٨

219 «رسائله»التي لم تؤت م ا تستحقه من الدرس؛ لأن الناس شغلوا عنها بكتبه الأخرى: البيان والحيوان والبخلاء والعثمانية. على أن أهم ما تستثيره عندي قراءة الجاحظ الآن هو: ما حظ شباب هذا الجيل من كتب الجاحظ ومن إليه؟ لقد قال ابن خلدون قولته الشهيرة: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أنأصول هذا الفن - علم الأدب - وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة, وكتاب الكامل للمبرد, وكتاب البيان والتبيين للجاحظ, وكتاب النوادر لأبي علي القا,, وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها » ونعم, لقد أحسن كل الإحسان من عد هذه الكتب الأربعة أصول علم الأدب, فإن كتاب ابن قتيبة يدور حول اللغة, في تسمية الأشياء وخلق الإنسان والحيوان, وأصول الهجاء وضوابط الأبنية, وتقويم اللسان ولحن العامة. وكتاب المبرد كتاب لغة ونحو وأخبار - وبخاصة أخبار الخوارج - وكتاب الجاحظ دائر حول البيان والبلاغة والخطابة, مع الاسريسال إلى المعارف الأخرى, و كتاب القا, المعروف بالأما, والنوادر, كتاب لغة وغريب وشعر, فمن حصّل هذه الكتب, ثم أطال الوقوف عندها والنظر فيها فاز بأوفر الحظ والنصيب. وهذه الكتب كانت متاحة لنا في صدر شبابنا: في دار الكتب المصرية بباب الخلق, وفي مكتباتها الفر عية داخل القاهرة, وفي عواصم الأقاليم, ثم كانت تغص بها مكتبات الكليات الجامعية, بل في كثير من مكتبات المدارس الثانوية, ثم كانت تلك الكتب قريبة إلى عقولنا وقلوبنا بذكر أساتذتنا لها, ونقلهم عنها, وحثهم لنا عليها وإغرائهم به ا, ومطالبتهم إيانا باستظهارها, إ ذ كا نوا يرون أنها أوعية العلم ولا أوعية غيرها, وكذلك كانت مألوفة لنا بإحالة الأدباء والكتاب عليها في المجلات والدوريات الثقافية. والآن: جفَّ ت الينابيع, وصوَّ ح النبت, فدار الكتب أصبحت كبئر معطلة , ومكتبات الكليات الجامعية تطايرت محتوياتها إلى بيوت بعض الأساتذة: غنيمة باردة, وعارية غير مسريدة, أما تعامل الأساتذة والكتاب مع هذه الكتب فأنت تعرفه ! وأسأل طلبتي في السنة النهائية (الليسانس) عن هذه الكتب فلا أظفر إلا بصبابة قول, لا تكاد تتجاوز اسم الكتاب, مع تخليط كثير في بعض أسماء الكتب وأسماء أصحابها ... ولا

عدد الصفحات ٢١٩

220 تلوموهمولوموا أنفسكم. ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الأدب منها, وأكرر سؤالاً أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه الكتب, كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءاً بالمفضليات والأصمعيات, وانتهاء بالكشكول والمخلاة للعاملي, وقروناً بين ذلك كثيراً: دواوين الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأما, والمجالس, وكتب المعاني وكتب الأمثال: تُارب أمم, وعقول أقوام استودعو ها بطون الكتب, وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين, حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. وقل مثل هذا في سائر علومنا: تفسير القرآن و علومه, ودواوين السنة, وكتب الفقه وأصوله, وعلم الكلام والتصو ف والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة, واللغة والنحو والبلاغة. فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلاً عن اقتنائها؟ ولا تقل طلبة الدراسات العليا؛ لأن باب الدراسات العليا باب ضيق جداً؛ ولأن الأصل أن تعرض هذه الكتب - الشيء منها بعد الشيء - على طلبة الجامعة, على امتداد السنوات الأربع, بل في المراحل التعليمية السابقة على الجامعة, ليأنسوا إ ليها ويألفوها ويعايشوها, فإذا قحدّ ر لأحدهم أن يمضي في دراسة عليا كان مستصحباً لأصول العلم وأساسه, وإذا انقطع بأحدهم الطريق كانت هذه المعرفة عوناً له وسنداً فيما يعالج من أمور التعليم والثقافة, وأعرف نفراً من زملائنا المعلمين الذين لم يستكملوا دراساتهم العليا يفوقون كثيراً من حملة الدكتوراه الآن, ولكنها حظو الناس: متى ما ير الناس الغنيَّ وجارح هح ... فقير يقولوا عاجز وجليدح وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحا قسمت وجدودح رموز التنوير: وإنما كان زملاؤنا المعلمون على هذه الصفة لأنهم يأوون إلى ركن شديد من المعرفة التي أتاحتها لهم دراستهم الجامعية الجادة الصارمة في ذلك الزمان الرخي قبل أن يدهمنا ال سيل وتغشانا النوائب بذلك التنقص والاحتقار الدائم لتاريخنا وعلومنا, وإنك لا تُد أمة تستهين بتاريخها وعلومها ومعارفها كالذي تُده من بعض أفراد أمتنا الآن, وقد كان الهجوم على علومنا ومعارفنا يح سمع من بعض من ينتسبون إلى الأدب, من أحلاس المقاهي وسمَّار

عدد الصفحات ٢٢٠

221 اللياثم صار الآن يسمع مجلجلاً في قاعات الدرس الجامعي: هجوماً كاسحاً أكولاً على الشعر العربي والنحو العربي والبلاغة العربية (بل كذَّ بوا بما لم يحيطوا بعلمه) ويقول هؤلاء لتلاميذهم: إن الكتب القديمة حفائر وأكفان موتى, وقد غاب عن هؤلاء أمران: أولهما: أن رموز (التنو ير) وأعلامهم الذين يتحدثون عنهم الآن قد خرجوا من عباءة هذا القديم, كما ذكرتح من قبل. وثانيهما: أن هذه الكتب لو لم يكن فيها إلا أنها تعلم الجد وتقود إلى الصرامة لكان في ذلك ما يغري باقتنائها وطلب العلم منها. يقول مصطفى صادق الرافعي: «ومما ترده على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكّ ن فيه للصبر والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفُّ ., وهي الصفات التي فقدها أدباء هذا الزمن فأصبحوا لا يتثبتون ولا يحققون, وطال عليهم أن ينظروا في العربية, وثقح ل عليهم أن يستبطنوا كتبها, ولو قد تربوا في تلك الأسفار وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها, وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته, وكانوا أحق بها وأهلها. وذاك بعينه هو السر في أن من لا يقرأون تلك الكتب أول نشأتهم لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحط, ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث, ولا يرون في الأدب العربي إلا آراء ملتوية, ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي فيساهلون أنفسهم, ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم تلك, ويتورطون في أقوال مضحكة, وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ناحية الشعور, ما دا م الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه, ولا من ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها, وهم أبدًا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما»مقدمة شرح أدب الكاتب للجواليقي ص 3. فهذه إحدى الطوام: الطعن كتبنا واجتواؤها والإزراء بها. وثانية أشد وأعجب - وكل الأمور عج ب - : يأتيني أحد طلبتي فيعرض علي شيئاً من شعره فأقول له: يا بني, ليس هذا شعراً, هذا عجن وتخليط, فيحاجني بنماذج كثيرة تعج بها جرائدنا ومجلاتنا, مصحوبة هذه النماذج أحياناً بتحليل وثناء لبعض كبار أدبائنا وأساتذتنا وزملائنا الجامعيين, يرفعون بكلام حلو خسيسة كلا م هزيل:

عدد الصفحات ٢٢١

222 في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعرييه سوء تعب تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلتَ : ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزتَ وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور ونعم ... لقد جاوز الأمر حده, وأصب. واجباً على ك ل ذي عقل أن يقف أم ام هذا السخف. إن هذا الذي ينشر على أنه شعر إنما هو امتهان للعقل؛ من حيث كان استخفافاً باللغة وهزءاً بنظامها وأعرافها. لقد قرأت ذات يوم في جريدة كبرى كلاماً لشاعر يقول فيه: «نرفو أعراف الديكةفوق شرائ. السمك البلطي»هكذا قال, وأنا أقول: لماذا سمك البلطي بالذات؟ ألأنه عريض؟ إن «سمك موسى»أعرض منه كلام ليس من كلامنا: وفي العدد السادس من «أخبار الأدب»الجديدة, وفي الصفحة الثامنة والعشرين ترى هذا العنوان: الفتوحات: شعر ... وفي أحد مقاطعه يقول تحت عنوان: الخليل بن أحمد: «حملت الدلاء على كتفي, وكنت أبص على جسد كا لنديف, ولكنها كانت الأرض باردة, تتخللنا وتحيط أصابعنا باليقين, وتريكنا , قلت: أمشي وراء المظنات, أطرح ما حسبت أنه رعوي, ومنسدل, مثل مهر جميل على جسد الصحراء, وأدعك أطراف جسمي ببعض الغيوم, وأنفضها, فاكتشفت بأن الدم العبّ يحتجب الروح في جسد رقائق طينية ... أن جسراً من الري., يعلو على الأرض كي نتغطى به كالمرايا, وحين نفر إلى الله, نح شه د أنفسنا, رائعين, ومجتلبين إلى الكون نحصر فيه الفساد, نبوبه في سجلات أعراضنا, ثم نردمه خلف بحر قديم تداركنا, فاعلن فاعلن » ما هذا يا قوم؟ إني والله أسأل تعلماً لا تعنتاً عن معهذا الكلام! إن هذا الكلام وأمثاله مما يطلق عليه شعر, إنما هو كما قال ذلك الأعرابي وقد حضر مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه, فحار وعجب, فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس في كلامنا »أو كما قال القاضي الفقيه ابن دقيق العيد, عن الصوفي الشهير ابن سبعين: «جلست معه منضحوة إلى قريب الظهر وهو

عدد الصفحات ٢٢٢

223 يسرد كلاماً تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته» ثم إن السلامة اللغوية مطلوبة في كل عمل أدبي, بل هي مطلوبة بداهة في كل كلام يجري بين العقلاء, فما معنى «أبص»في هذا الكلام؟ لم يَرد هذا الفعل في كلام العرب بمعنى النظر, وإنما يقال: بص الجرو - وهو ولد الكلب - أي فت. عينيه, وفت. العينين غير النظر. فهي إذن عامية محغْر قَة. قال المرتضى الزبيدي في تاج العروس: «والبصاصة: الع في بعض اللغات, صفة غالبة, قيل: لأنها تبص, أي تبرق, ومنه قول العامة: هو يبص ,» وما موضع هذه الهاء في قوله «ولكنها كانت الأرض باردة »؟ فهل هي ضمير الشأن والقصة؟ إن كان يريدها كذلك فما أبردها في هذا المكان ! ثم ما قيمة «فاعلن فاعلن»ها هنا؟ ألأنه قد ذكر قبلها كلمة «بحر»وكلمة «تداركنا » فيريد أن يعلمنا أن تفعيلات بحر اتدارك؟ فاعلن فاعلن؟ فها نحن قد علمنا وانبسطنا: مستفعلن فاعلن, ولا داعي لكل هذا الكلام الطويل: فعولن مفاعلين! ويعلم الله, أننا لا نصدر عن عصيبة للقديم, فالشعر هو الشعر, ليس فيه قديم ولا جديد, وإنما مداره على الإمتاع واللذة, وما أصدق قول أحمد شوقي من قصيدته في أمين الريحاني: والشعر في حيث النفوس تلذه ... لا في الجديد ولا القديم العادي وإننا نطرب لمحمود حسن إسماعيل طربنا لامرئ القيس وذي الرمة, بل إننا نطرب لشعر فؤاد حداد طرباً لا مزيد عليه, وتأخذ النشوة منا مأخذها حين نسمع أشعار صلاح جاهين في «الليلة الكبيرة». فكيف يسكت أساتذتنا الكبار وزملاؤنا الجامعيون على هذا العبث المسمى شعراً؟ بل كيف يزيّ نونه؟ ويحسّ نونه, ولقد شفى وأبرأ سقمها تعليق للأستاذ الشاعر الناقد كمال النجمي (الهلال - سبتمبر 1990م) على ما كتبه الدكتور شكري عياد حول كتاب «المستحيل والقيمة»للأستاذبدر الديب, يقول الأستاذ النجمي: «والعجب الأكبر من أديب ناقد ثاقب البصيرة نافذ الفهم - الدكتور شكري عياد - يشغل وقته بالكتابة المطولة عن شعر وهمي يزعمه لأنفسهم ناثرون أمثال الأستاذ الديب, وهو كاتب فاضل كنا نرجو له السري, أعريف أنني لم أفهم لا كلام بدر الديب ولا كلام شكري عياد, ففيم يتحدث هذان الفاضلان؟ وهلاَّ نزلا إلينا لنفهم عنهما أو نحاول أن نفهم؟ »

عدد الصفحات ٢٢٣

224 لقد كتبت وكتب غيري عن المستوى المتدني للغة العربية على ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين: من شباب هذا الجيل, لكننا نعالج هذه القضية بكثير من التخوف والريدد والمصانعة والحذر من إغضاب الناس, والتحسب لردود الفعل التي قد تعطّ ل مصالح العباد, وتقصي القريب وتقرّ ب البعيد: وفي النفس أشياء وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب والقضية لا بد أن توضع في حاق موضعها إن كنا صادقين: أولاً: إعادة النظر في مناهج تدريس العربية بد ءاً من الابتدائي وانتهاء بالجامعة, بحيث تكون مناهج ترد التلاميذ إلى تاريخهم, وربطهم بعلم الآباء والأجداد - ولا أقول تراثهم؛ فإن هذه الكلمة قد أصبحت بغيضة عندي جداً, لما توحي به هذه الأيام عند بعض الناس من الماضي السحيق والفولكلور والمتحفيات - ولعلي أفرد لذلك مقالة, إن شاء الله. لقد كنا في طفولتنا وصدر شبابنا نحفظ الشعر الجاهلي ومتون العلوم في الصباح, ونلعب الكرة الشراب عند العصر, فجرت اللغة في عروقنا واختلطت بلحمنا وعظمنا, وما أمر «مجموعة النظم والنثر»لعبد الله باشا فكري, و«المنتخب من أدب العرب»للسكندري وأصحابه, ببعيد, وهكذا الشأن عند سائر الأمم, فتلاميذ المدارس الإنجليزية يقرأون «شكسب»ويعرفونه جيداً, وتلاميذ المدارس الألمانية يقرأون«جوته»ويعرفونه جيداً, مع الاحريام الزائد والتوقير الشديد. ثانياً: تنقية الجو الأدبي خارج المدرسة والجامعة من الأوشاب والأخلاط. فالمدرسة والجامعة لا يعملان بمعزل عن الحياة العامة, لقد كان طلاب ذلك الزمان السعيد يقرأون أصول العلم في معاهدهم, ثم يقرأون مرة أخرى على صفحات الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال. ألم ينشر طه حسين «حديث الأربعاء»منجماً في «البغ»؟ ألم ينشر أبو فهر محمود محمد شاكر كتابه العظيم عن المتنبي عدداً خاصاً من «المقتطف»؟

عدد الصفحات ٢٢٤