193 إقراء القرآن بمصر(1) (وفيه ترجمة الشيخ عامر عثمان في عدد يوليو 1992م من«ال»كتبتح كلمة عن «الشيخ مصطفى إسماعيل وقراء مصر»جعلتها تحية وص لة لكتاب أستاذنا الكبير الناقد الشاعر كم ال النجمي, عن الشيخ مصطفى إسماعيل رحمه الله. والحديث عن قراءة القرآن وإقرائه بمصر, لا بد فيه من التفرقة بين «القارئ»و«المقرئ» ومعروف أن لمصر في الفريقين تاريخاً عريضاً وأياماً زاهية فالقارئ: هو الذي يقرأ لنفسه وقد يسمعه غيره. والمقرئ: هو الذي يحقرئ غيره, تعليماً وتوجيهاً, وتقول اللغة: «رجل قارئ, من قوم قراء وقـَرَأه- بوزن فـَعَلَة - وقارئين, وأقرأ غيره يحقرئه إقراءً, ومنه قيل: فلان المقرئ»وبهذه التفرقة بين الفعل اللازم والفعل المتعدي يحسن أن نقول عن الذي يقرأ بصوت حسن في المناسبات وفي الإذاعة, كالشيخ مصطفى إسماعيل ومن إليه, قارئ, ونقول عن الذي يحفَّظ الصغار في الكتاتيب وجماعات تحفيظ القرآن: مقرئ. على أنه قد يجتمع الفريقان في جمع التكسير, فيقال: «القحرَّاء»لمن يقرأ ولمن يحقرئ, وعلى هذا سمَّى الحافظ الذهبي كتابه: «معرفة القراء الكبار على الطبقات والأع صار»وابن الجزري كتابه: «غاية النهاية في اختصار طبقات القراء» (1) مجلة«ال»مارس1993م
عدد الصفحات ١٩٣194 على أن«للمقرئ»في تاريخنا الرياثي معنى أوسع وأشمل من مجرد تحفيظالقرآن للصغار ومن فوقهم. فالمقرئ: هو ذلك العالم الذي يعرف القراءات القرآنية: رواية ودراية, بحيث يكون قادراً على جمَْع الطرق و الروايات, ومعرفة وجوه الخلاف بين القراء, والاحتجاج للقراءات وتوجيهها من لغة العرب, ويكون أيضاً متقناً لطرق الأداء - وهو ما يحعرف الآن بعلم التجويد - ووقوف القرآن: الكافي منها والتام والحسن, ثم يتلقى الناس عنه ذلك كله مشافهة وسماعاً. وقد نبغ في كل زمان ومك ان من قاموا بهذا الأمر على خير وجه, فضلاً من الله وحياطة لكتابه وحفظاً له, ولم يكن لمصر على سواها من الدول العربية والإسلامية فضل وزيادة, فهو رزق الله المقسَّم على خلقه شرقاً وغرباً, ليتم وعده لحافظون (9[ })9{ ,]نا القرآن للذكر 17] يخلص لمصر في القرنين الأخيرين, فريبع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة: رواية ودراية وجمال صوت, وصارت الرحلة إليهم من الشرق ومن الغرب, ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة ذكرتها في مقالتي عن «الشيخ مصطفى إسماعيل» ويذكر الت اريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين, وخدمت كتاب الله إقراءً وتأليفاً. ومنهم الشيخ محمد أحمد المتو, المتوفى سنة 1313 هـ1895م والشيخ محمد مكي نصر المتوفى بعد سنة 1308 هـ, وهو صاحب أعظم كتاب في طرق الأداء وصفات الحروف ومخارجها «نهاية ال قول المفيد في علم التجويد »والشيخ علي محمد الضبَّاع المتوفى سنة 1380 هـ1961 م ومن المعاصرين: الشيخ المقرئ العالم عبد الفتاح عبد الغني القاضي المتوفى سنة 1403 هـ 1982م, والشيخ إبراهيم علي شحاتة المقيم الآن بسمَنُّود, والشيخ أحمد عبد العزيز أحمد محمد الزيات, الأستاذ بكلية القرآن بالمدينة النبوية الآن, ويقال: إن الشيخ الزيات هو أعلى القراء الآن إسناداً (وعلو الإسناد معناه قلة الوسائط بين القارئ الآن, وبين
عدد الصفحات ١٩٤195 القارئ الأول, وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم بما نزل به جبريل عليه السلام, عن رب العزة والجلال). الشيخ عامر عثمان: ويقف سيدي وشيخي الشيخ عامر السيد عثمان بين هؤلاء الكوكبة من القراء المعاصرين في مكان ضخم بارز, فهو أكثرهم إقراء للناس, واتصالاً بهم, وتأثيراً فيهم. وقد عرفته منذ عشرين عاماً قبل وفاته حين بدأ العمل في تحقيق كتاب «لطائف الإشارات في علم القر اءات»لشهاب الدين القسطلاَّني, شارح البخاري, المتوفى سنة 923 هـ بالاشرياك مع الدكتور عبد الصبور شاهين. وكان الشيخ يريدد على دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات - وكنت يومئذ أعمل به - فشدَّني إليه, ورغَّبني فيه, ودعاني إلى حلقته العامرة الممتدة على أيام الأس بوع كله, فوقفت منه على علم غزير جم, وتمثلت فيه وبه هذه الأوصاف الضافية التي تأتي في كتب الرياجم والطبقات, ويظنها من لا علم عنده بتاريخ الأمة, وأحوال الرجال, من المبالغات والتهاويل التي يغص بها تاريخنا ... زعموا! نعم رأيت في هذا الشيخ الجليل كثيراً مما كنت أقرأه في طبقات القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء: من سعة الرواية, وكثرة الحفظ, وجمع الطرق, ودقة الضبط, وتحرير الرواية, وحسن الإتقان. وح ل د شيخنا الشيخ عامر, رحمه الله, بقرية «ملامس»مركز منيا القم., محافظة الشرقية 16 مايو سنة 1900 م. وحفظ القرآن الكريم بمكتب الشيخ عطية سلامة, وأتمه ولم يتجاوز التاسعة من عمره, ثم أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا, وتلقى القرآن بقراءة الإمام نافع المدني, من فم عالم القراءات الشيخ السعودي. وقد أحوتي الشيخ عامر في صباه حظاً من حسن الصوت أهَّله لأن يكون قارئاً مرموقاً بمحافظة الشرقية, يقرأ في الليا, والمناسبات, وهو طريق جالب للرزق الواسع والشهرة المستفيضة, ولكنه عزف عن ذلك وولى وجهه شطر القاهرة, حيث الأزهر الشريف, وأئمة القراءة والإقراء. وفي القاهرة أخذ في القراءة والتلقي والمشافهة والعرض والسماع, فتلقى القراءات العشر
عدد الصفحات ١٩٥196 الصغرى من طريق الشاطبية والدرة, على الشيخ محمد غنيم, وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير, وهو على العلامة المقرئ أحمد الدري التهامي, وسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, معروف. ثم تلقى القراءات العشر الكبرى على الشيخ علي عبد الرحمن سبيع, من أول القرآن إلى قوله تعالى في سورة هود (وقال اركبوا فيها), ثم إن الشيخ عليّاً أرسل خلف الشيخ عامر يقول له: سوف نبدأ بعد ثلاثة أيام, فقال له الشيخ عامر: كيف سنبدأ بعد ثلاثة أيام يا سيدي ونحن قد وصلنا إلى قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها)؟ فقال له الشيخ علي: «بعدين ح تعرف»ثم توفي الشيخ بعد ثلاثة أيام من هذا الكلام. وكان شيخنا الشيخ عامر إذا ذكر هذه القصة اغرورقت عيناه بالدموع, ويقول: «فكان معنى كلام الشيخ علي أن أيام الآخرة بالنسبة له ستبدأ بعد ثلاثة أيام» وتوفي الشيخ علي سبيع سنة 1927م ثم إن الشيخ عامر شرع في ختمة جديدة ع لى تلميذ الشيخ علي سبيع, وهو الشيخ همام قطب, فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الكبرى, من طريق الطيَّبة بالتحرير والإتقان, وقرأ الشيخ همام على الشيخ علي سبيع المذكور, وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير, وهو على الشيخ محمد المتو,, وهو على الشيخ أحمد الدري التهامي, وسنده معروف. حلقة للإقراء بالأزهر: وهكذا عرف شيخنا الطريق ولزمه. وبعد أن رسخت قدمه في هذا العلم, رواية ودراية, اتخذ لنفسه حلقة بالجامع الأزهر سنة 1935م للإقراء والتدريس, وكان في أثناء ذلك مكباً على مخطوطات القراءات بالمكتبة الأزهرية ودار الكتب
عدد الصفحات ١٩٦197 المصرية, يقرأ وينسخ, فظهر نبوغه ولفت إليه الأنظار, فاتصل به الشيخ علي محمد الضبَّاع, شيخ المقارئ المصرية يومئذ, واستعان به في تحقيقات القراءات العشر الكبرى. وكان رحمه الله حجة في رسم المصحف الشريف, وقد شارك في تصحي. ومراجعة كثير من المصاحف التي طبعت بمطاب ع الحلبي والشمر,, والمطبعة الملكية في عهد الملك فؤاد والملك فاروق رحمهما الله. وحين أح نشئ معهد القراءات تابعاً لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف, سنة 1943م كان الشيخ على رأس مشايخه وأساتذته, فتخرَّجت على يديه هذه الأجيال الكريمة من خَدَ مة كتاب الله والعارفين بعلومه وقراءاته بمصر وخارج مصر. ولما أنشأت مصر - غير مسبوقة - إذاعة القرآن الكريم سنة 1963م, وقدمت من خلالها (المصحف المرتل) أشرف الشيخ على التسجيلات الأولى من هذا المشروع العظيم, وكانت بأصوات المشايخ: محمود خليل الحصري, ومصطفى إسماعيل, ومحمد صديق المنشاوي, وعبد الباسط عبد الصمد, ومحمود علي البنا رحمهم الله أجمعين. وعلى ذكر الإذاعة فقد كان شيخنا عضواً بارزاً في لجنة اختيار القراء, وكان سيفاً بتاراً, حازماً صارماً في غربلة الأصوات وإجادتها, ولم يكن يقبل الميوعة أو تُاوز الأصول في القراءة والأداء, وطا لما اشتكى منه القراء, ورموه بالتعسف والتشدد, وضغطوا عليه بوسائل شتى, ولكنه لم يلن ولم يضعف, وكذلك كان يفعل في لجنة اختيار القراء الذين ترسلهم وزارة الأوقاف المصرية إلى البلدان العربية والإسلامية في شهر رمضان. وقد ححور ب كثيراً في لجنة اختيار القراء بالإذاعة المصرية, وطحلب إقصاؤه أكثر من مرة, وكان الذي يقف وراءه مدافعاً ومنافحاً: الشَّاعر الفحل محمود حسن إسماعيل, إذ كان مستشاراً ثقافيّاً بالإذاعة المصرية, رحمهما الله تعالى.
عدد الصفحات ١٩٧198 مؤلفات الشيخ شحغل الشيخ رحمه الله بالإقراء أيامه كلها, فلم يجد وقتاً متسعاً للتصني ف, ولكن الله سبحانه يسَّر له أن يريك بعض الآثار العلمية في فن القراءات, حتى تكون باعثاً لمن يطالعها أن يدعو له بالمغفرة والرضوان. فمما يحضرني الآن هذه التصانيف الآتية, ولست أدَّعي فيها الحصر: 1- فت. القدير شرح تنقي. التحرير (في تحرير أوجه القراءات العشر من طر يق الطيَّبة). 2- شرح على منظومة العلامة الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنُّودي, أبقاه تحرير طرق ابن كثير وشعبة. فرغ منه يوم الجمعة 25 من صفر سنة1382 ه 3- تنقي. فت. الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم, بالاشرياك مع الشيخ إبراهيم علي شحاته والشيخ أحمد عبد العزيز الزيات. وهو نظم منق. من منظومة فت. الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم, للعلامة شيخ القراء في وقته الشيخ محمد بن أحمد المتو,, المذكور قبل. 4- كيف يحتلى القرآن, وهي رسالة موجزة محررة في تُويد القرآن: سمَّاها: إملاء ما منَّ به الرحمن على عبده عامر بن السيد عثمان في أحكام تلاوة القرآن. وقد أملاها على أحد تلاميذه الذين يحضرون مقارئه, وهو الطبيب الجراح الدكتور حسنى حجازي, رحمه الله. وقد صدرت الطبعة الثانية من هذه الرسالة سنة 1390 هـ1970م 5- تحقيق الجزء الأول من كتاب «لطائف الإشارات»الذي ذكرته من قبل صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام 1392, ولعل المجلس ينشط طبع بقيته. 6- أعان الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في تحقيق كتاب «السبعة»لابن مجاهد, الذي نشرته دار المعارف بمصر أول مرة سنة 1392 هـ1972 م. وذلك بمراجعة كتابة آياته الكريمة على هجاء المصاحف ا لمصرية المضبوطة, على ما
عدد الصفحات ١٩٨199 يوافق رواية حفص عن عاصم, والمطابقة لما رواه علماء الرسم عن هجاء المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية. 7- وكانت آخر أعمال الشيخ مشاركته في لجنة طبع مصحف الملك فهد بن عبد العزيز الذي صدر بالمدينة النبوية عام 1405 هـ فهذا ما يحضرني الآن مما تركه الشيخ من علم مسطور مكتوب. أما أبقى أثر للشيخ وأخلده وأرجحه في موازينه إن شاء الله تعالى, فهو تلك المقارئ التي جلس فيها جلوساً عاماً للناس, وقد شغلت هذه المقارئ أيامه كلها, وأشهر هذه المقارئ مقرأة الإمام الشافعي يوم الجمعة, وقد أسندت إليه مشيختها عام 1947م وكان عدد الذين يحضرونها من القراء الرسميين أو المعتمدين من وزارة الأوقاف المصرية محدوداً جداً بجانب مختلف طوائف الناس التي كانت تحضر تلك المقرأة وغيرها من المقارئ, فكنت ترى الطبيب والمهندس والضابط والمحامي والموظف والتاجر والحرفي, والفتى الصغير, والشاب اليافع, والشيخ الفاني, مختلف الأعمار والمهن, يتحلقون حول الشيخ؛ يقرأون ويصح., عيونهم مشدودة إلى شفتيه, وهو يروَّضهم على النطق الصحي., يصبر على الضعيف حتى يقوى, ويرفحق بالمتعثر حتى يستقيم, لا يسأم ولا يمل, ولا زلت أذكره - رحمه الله - وهو يروَّض بعض إخواننا على ترقيق اللام من قوله تعا36] عسراً على هذا الأخ أن يرقق اللام بعد الضاد, فكان شيخنا يقرأ أمامه (أضللن) على مقطعين هكذا: (أضْ) (لَلْن) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الريقيق المراد. وكذلك لا زلت أذكره وهو يروَّضنا على الخروج من التفخيم إلى الريقيق وبالعكس, في قوله تعا28] كان قبلها كسر؛ لأنه كسر عارض للتخلص من التقاء الساكنين, ثم ترقق التاء وتعود إ تفخيم الضاد, وهكذا كنت تقضي العجب وأنت تنظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه: من الهمس والجهر والغنة والإظهار والإخفاء والإقلاب والفك والإدغام, وغير ذلك من دقائق الصوتيات, مما لا تستطيع معامل الأصوات أن تنقله بدقة إلى الطالب لأن هذا العلم - علم الأداء - قائم على التلقي والمشافهة.
عدد الصفحات ١٩٩200 ولو كان , من الأمر شيء لأتيت بشيخ من علماء القراءات في كل قسم من أقسام اللغة العربية بجامعتنا ليعمل على تدريب الطلبة على الأداء الصحي. والنطق السليم, بجانب معامل الأصوات الحديثة. وهؤلاء المشايخ (الغلابة ) لن يأخذوا من الأ جر أكثر مما تستهلكه هذه المعامل من طاقة وكهرباء, بل إني أذهب إلى أبعد من هذا في التمني: وهو أن يعين شيخ من هؤلاء القراء مشرفاً خارجيّاً مع المشرف الأكاديمي لكل رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) تتصل بعلم القراءات من قريب أو بعيد. ومن تفنُّ ن شيخنا في مجال الأداء الصوتي: أنه كان يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة, في الوقف على الراء من قوله تعا16[ })16] وجلّ23[ })23] يوقف عليها بريقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة؛ لأن أصلها (ونحذحري) بإثبات ياء الإضافة, وقرأ بها ورش بن سعيد المصري, عن نافع المدني. ومن القراء المعاصرين الذين سمعتهم يراعون ذلك الريقيق اللطيف المشايخ: محمود خليل الحصري, ومحمود حسين منصور, ومحمد صديق المنشاوي. أما الراء في الآية الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخالص؛ لأنها جمع نذير. وأما «الن»في مصطل. علم اللغة الحديث- وهو النظام المقطعي في قراءة الكلمة, فقد كان الشيخ رحمه الله آية فيه, وقد سألته عنه يوماً, فقال ,: «إن القراء لم يذكروا هذا المصطل., ولكنه بهذه الصفة يمكن أن يحسمَّ ى «التخليص»أي تخليص مقطع من مقطع» وها أنا ذا أضع هذا المصطل. أمام علماء اللغة الحدثين ليروا فيه رأيهم, ولعلهم يحلونه «الن»وقد سمعت لهذا«التلخيص»من الشيخ أمثلة كثيرة جداً, أذكر منها قوله تعالى: {24]{ [16]101[ })101 ,] فأنت لو ضغطت على الفاء في الآية الأولى صارت من الفسق لا من السقي, وإن تضغط على الفاء في الآية الثانية صارت من الفقس لا من القسوة. أما في الآية الثالثة فلا
عدد الصفحات ٢٠٠201 بد أنلص (ساء) من (لهم) حتى يكون من السوء لا من المساءلة, لو خطفتها خطفة واحدة. هكذا كان يعلمنا الشيخ, إلى أمثلة كثيرة لا أحصيها عدداً. لكني أذكر أن أحدهم قرأ مرة أمام الشيخ6[ })6] واحدة ضاغطاً على الفاء, بحيث صارت الكلمة كأنها فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة, مثل: ضربهم, فقال له الشيخ: (مفلهمش) يريد رحمه الله أن يقول إنه ليس فعلاً واقعاً عليهم, وأن هذه البنية من مقطعين (ف) (لهم). وكان الشيخ صاحب دعابة, فكان إذا قرأ أحدهم على غير الجادة يقول له مستفهماً مستنكراً: إنت جوّدت القرآن في ألمانيا؟ وقرأ بعضهم أمامه برواية خلف عن حمزة, ولم يكن متقناً للرواية, فقال له: «قحوم يا شيخ, دانا كنت باحْس بَك خَلَف الحبايب »وقرأ آخر أمامه وتحنن في صوته تحنناً ظاهراً في تكسر, فقال له الشيخ: «مافيش فايدة»يريد أنه يقلد ص و ت «فايدة كامل », فقد كان في صوته تلك السمات التي عرفت بها هذه المغنية قبل أن تشتغل بالسياسة. وكان للشيخ حس دقيق جداً في تقييم الأصوات والحكم عليها, وقد لا يعرف كثير من الناس أن الشيخ رحمه الله, درس علم الموسيقى بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية أو ل إنشائه. وكما كانت معرف ة الشيخ بمخارج الحروف وصفاتها عظيمة, كانت عنايته بالوقوف: تامها وحسنها وكافيها, عالية جداً, وكان يأخذ على بعض كبار القراء تهاونهم في تعهُّ د الوقوف ومراعاتها, وكان يصارحهم بذلك فيغضبون. وكان شيخنا رحمه الله يتشدد في الوقوف على رؤوس الآي: لأنها سنة, ولو تعلقت الآية بما بعدها. فإذا كانت الآية التالية مقول قول في الآية الأولى, وكان البدء بمقول القول هذا مما يوهم أن يكون إقراراً من القارئ وليس من المحكي عنه, وقف على رأس الآية الأولى اتباعاً للسنة, ثم يستأنف الآية الثانية تالياً الفعل السابق في الآية الأولى. مثال ذلك قوله تعالى في سورة الصافات151) ولد الله وإنهم لكاذبون152 }) [151 ,152] وإنهم لكاذبون. وما أكثر ما علَّمنا هذا الإمام الكب
عدد الصفحات ٢٠١202 ومع حرص الشيخ على كمال الأد اء وحسن التجويد, فقد كان يعيب على بعض القراء المبالغة في ذلك, ويراه لوناً من التنطع والشقشقة. وللفائدة هنا فإني أذكر بأن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي المتوفى سنة 478 هـ, قد أخذ على قراء زمانه مبالغتهم في التجويد والتقعر في إخراج الحروف, وذلك في رسالة له لطيفة مطبوعة, سمَّاها «بيان زعل العلم» وهي رسالة نافعة, عرض فيها الذهبي لأخطاء أهل العلم نور القرآن: وقد أضاء شيخنا القاهرة كلها بنور القرآن, فلم تكن مقرأة الإمام الشافعي هي المكان الوحيد الذي يجلس فيه للإقراء, فقد كان يبدأ يومه عقب صلاة الفجر بالإقراء بمسج د السيدة زينب, حيث يسكن الشيخ قريباً من المسجد الزينبي, وهناك مقارئ أخرى يحضرها الشيخ منها مقرأة بمسجد النقشبندي بجوار مستشفى أحمد ماهر بالقرب من باب الخلق, وكان موعدها يوم السبت, ومقرأة الجمعية التعاونية للبريول بشارع قصر العيني, يومي الاثنين والثلاثاء, و مقرأة يوم الأربعاء بمسجد بمنزل الحناوي بجاردن سيتي. وقد تفرع من هذه المقارئ مقارئ أخرى, منها مقرأة الدكتور صادق بمنطقة الحلمية, بالقرب من القلعة. وهذا الدكتور صادق طبيب أطفال, وقد تلقى عن الشيخ القراءات السبع. وفي صوت هذا القارئ الطبيب صفاء وخشوع يأخذان بم جامع القلوب. ومقرأة بمسجد يوسف الصديق بميدان الحجاز بمصر الجديدة, يقوم عليها القارئ الطبيب الدكتور عوض الأستاذ بكلية طب الأزهر, ومقرأة بمسجد مصطفى محمود بالمهندسين, يقوم عليها الحاج حسين, وهو صاحب معرض ملابس, وقد لازم الشيخ كثيراً بزاوية النقشبندي. وتلامذة الشيخ كثيرون, أذكر منهم الأديب الأستاذ عبد العزيز العناني, وهو مؤرخ للموسيقى العربية, لا تُد له في بابه نظيراً, ألبسه الله ثوب الصحة والعافية. ومن الوزراء الذين قرأوا على الشيخ ولازموه ونوروا به مجالسهم: السادة عبد المحسن أبو النور, وتوفيق عبد الفتاح, وعبد الرحمن الشاذ,, وإبراهيم سالم. ويأتي على رأس هؤلاء جميعاً الرجل التقي النقي - ولا نزكي على الله أحداً - الدكتور إبراهيم بدران. وكان من أبر الناس بشيخنا, وقد حمله وأعد له مكاناً رحباً بالمستشفى الذي يملكه بالمهندسين, وأقام عليه من يخدمه ويتولى أمره, وخصص له سيارة تحمله إلى حيث يشاء, وذلك بعد
عدد الصفحات ٢٠٢203 وفاة زوجته, رحمهما الله جميعاً وقد أفاد من علم الشيخ نساء كثيرات, منهن السيدة سميحة أيوب, وإذا تأملت أداءها في النصوص المسرحية الفصيحة رأيت أمارات ذلك. ومنهن السيدة مفيدة عبد الرحمن, المحامية الشهيرة. ولهذه السيدة ال فاضلة بالقرآن وخدمته نسب وثيق, فأبوها هو: عبد الرحمن محمد, صاحب المطبعة الكائنة بحي الصنادقية بالأزهر الشريف. وقد تخصصت هذه المطبعة في طبع المصحف الشريف منذ زمن بعيد. تلاميذ الشيخ في كل مكان: على أن لشيخنا الشيخ عامر أثراً آخر مباركاً, غير التصنيف والإقراء : هو هذا العون الظاهر الذي قدَّمه لهذا النفر من الجامعيين الذين اتخذوا من علم القراءات ميداناً لدراساتهم الصوتية والتاريخية, يحضرني منهم الأساتذة: عبد الفتاح إسماعيل شلبي, وأحمد علم الدين الجندي, وعبد الصبور شاهين, إلى كثير من المعيدين والمبتدئين الذين كان وا يختلفون إليه لتجلية غامض, أو كشف مبهم من هذا العلم الذي هو علم العربية بحق. وعلى الجملة فتلاميذ الشيخ والمنتفعون بعلمه لا يحصون, داخل مصر وخارجها, وكنت أرى كثيراً من أبناء الدول العربية والإسلامية, بل من المستشرقين, يأتون إليه, ويجلسون في حلقته, ويا ليتني أحصيتهم عدداً, وقيدت أسماءهم وأسماء بلدانهم وأعمارهم, إحياء لسنن قديمة في تراثنا التاريخي, من ذكر الواردين على البلاد, والمرتحلين إلى الشيوخ. وفي سنواته الأخيرة اختار شيخنا المدينة النبوية, على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - مستقراً ومقاماً, حيث دح عي إلى هناك لمراجعة مصحف الملك فهد, وللتدريس بكلية القرآن بالجامعة الإسلامية. وفي مساء يوم الخميس, وقبيل فجر يوم الجمعة الخامس من شوال سنة 1408 هـ الموافق للعشرين من مايو سنة 1988 م, اختار الله إلى جواره عبده وخادم كتابه: عامر السيد عثمان, وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف عقب صلاة الجمعة, ودحفن بالبقيع, مرحوماً مرضياً عنه إن شاء الله. اللهم اغفر له وارحمه, وعافه واعفح عنه, واجعل كل ما قدَّمه من خدمة كتابك في موازينه يوم تُد كل نفس ما عملت من خير محضراً. وهيئ لهذه الأمة من يخلف هؤلاء الرجال
عدد الصفحات ٢٠٣204 العظام, ويقوم مقامهم, حياطة لدينك, وحفظاً لكتابك. إنك على ما تشاء قدير. * * *
عدد الصفحات ٢٠٤205 قصيدة نادرة في المديح النبوي (1) جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على فرية من الرسل, فانتهت به الرسالات وخحتمت به النبوات, وقد بح عث إلى الناس كافة؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور, ويهديهم إلى صراط ربه المستقيم. وقد قضى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة, بين مبعثه ووفاته يدعو الناس إلى التوحيد, ويبلغهم قرآن ربه الذي يشتمل على صلاح أمورهم في دنياهم وآخرتهم. وكانت سح نَّته الشريفة, أفعالاً وأقوالاً وتقريراً هي المصدر الثاني للتشريع, وهي الحك مة في قوله تعا151] عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به231] الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم113.] ثمكانت سيرته العطرة مجلى قوله ت عا4[ })4 .] وتصديق قول عائشة رضي الله عنها«كان خلقه القرآن»والله أعلم حيث يجعل رسالته فقد اصطفاه من بين خلقه اصطفاء وقرأ بعض القرّاء [128]ا أنفس المتاع, أي أجوده وخيار ه, ثم هداه إلى الطيب من القول, والمرضي من السلوك, وعصمه من كل شبهة, وارتفع به عن كل نقيصة وبرأه من كل عيب, وحفَّه بالضياء, وغشّاه بالنور, فكان الإعجاء به والثناء عليه مما تقتضيه الف طر السوية والطباع النقية, إذ كان صلى الله علي ه وسلم صورة للكمال الإنساني. هذا وقد كان الش عر أسبق من النثر في مديحه صلى الله عليه وسلم والثناء عليه, فلئن كان النثر قد مدَّ أسبابه في الحديث عنه عليه السلام, فيما عحرف بكتب السيرة النبوية والشمائل والخصائص, فإن ذلك لم يكن إلا بعد وفاته عليه السلام, بل وانقضاء عصر (1) مجلة«ال»سبتم1993م
عدد الصفحات ٢٠٥206 الراشدين, وذلك في نهاية القرن الأول, وأوائل القرن الثا أما الشعر فقد صح به صلى الله عليه سلم منذ صدع بأمر ربه, ولقي من إعراض كفار قريش وأذاهم ما لقي, ولعل عمه أبا طالب هو أول من فت. هذا الباب العظيم: باب المدائ. النبوية, وإن كانوا قد طعنوا في كثير مما قال فإنهم قد سلَّموا له بقصيدته اللامية الطويلة. يقول محمَّد بن سلام الجمحي: «وكان أبو طالب شاعراً جيد الكلام, أبرع ما قال [ وأبيض يحستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل وقد زيد فيه ا وطوّ لت, و رأيت في كتاب يوسف بن سعد منذ أكثر من مائة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها ولا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها, فقلت: صحيحة جيدة! قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا»طبقات فحول الشعراء ص244. ومن أقدم ما قيل في مديحه عليه السلام أيضاً قصيدة الأعشى الكبير ميمون بن قيس, التي مطلعها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا وفيها يقول: نبي يرى ما لا ترون وذ كره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
عدد الصفحات ٢٠٦207 له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا وللنقاد ومؤرخي الشعر في هذه القصيدة مقال. ثم كان شعراء الصحابة المشاهير: حسان بن ثابت, وكعب بن مالك, وعبد الله بن رواحة, وقد اختلط مديحهم له عليه السلام بالحديث عن الدين الجديد ومناوأة المشركين, ولم يكن هؤلاء الثلاثة وحدهم على الساحة, فقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمري المتوفى 732 هـ نحواً من مائة وتسعين صحابيّاً وصحابية عطروا ألسنتهم بمدحه صلى الله عليه وسلم, وجمع ذلك في كتابه سمَّاه (من. المدح) وهو مطبوع متداول. وينقضي عصر الصحابة, ويداول الله الأيام بين الناس, فتذهب أيام وتأتي أيام, وتثل عروش و تقوم عروش, ويتقلب الناس بين قد يم وجديد وطارف وتليد, ولا زال ذ كره الشريف يؤنس الغريب, ويطب الجري., ويرد الضال ويهدي الحائر, فلم ينقطع هذا المدد النبوي الكريم على ألسنة الشعراء وقالة القصيد: شعراً منغوماً, قد تتفاو ت قيَمحهح الفنية والتصويرية, لكنه في جميع أشكاله وضروبه يسري فيه هذا النفس المحمدي العظيم, طب القلوب ودواؤها, وعافية الأبدان وشفاؤها, ونور الأبصار وضياؤها. وقد نهد إلى جمع شعر المدائ. النبوية في مختلف العصور: الأديب العالم الجامع يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني الفلسطيني المولد, المتخرج في الأزهر الشريف, رئيس محكمة الحقوق في بيروت, المتوفى سنة (1350 هـ1932م), وقد سمَّى عمله هذا (المجموعة النبهانية في المدائ. النبوية) وهو عمل ضخم اشتمل على (25066) بيتاً, وطبع في أربعة مجلدات كبار. ومن أنفس ما قرأت في هذا الفن: ما أخرجه الأستاذ العالم الدكتور محمود على مكي, بعنوان (المدائ. النبوية) وقد صدر عام 1991م عن الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان. وجهات الحسن في هذا الكتاب كثيرة, فهو على وجازته قد عرض لتاريخ المدائ. النبوية في فصول أربعة: الفصل الأول: الرسول في شعر معاصريه, وهو ما يعرف بشعر الصحابة, الذي جمعه من قبلح : الحافظ ابن سيد الناس, على ما ذكرت. والفصل الثاني: المدائ. النبوية في شعر الشيعة.
عدد الصفحات ٢٠٧208 والفصل الثالث: المولد النبوي والمولديات. ثم جاء الفصل الرابع عن المدائ. النبوية في العصر الحديث. قصيدة العباس بن عبد المطلب: والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقصيدته هذه خالصة في مديحه عليه السلام, وهي بذلك تباين ما قاله الشعراء الصحابة, إذ كان هؤلاء قد خلطوا مديحهم له عليه السلام بالدعوة إلى الدين الجديد, والرد على المشركين والافتخار عليهم بوقائعهم معهم وانتصاراتهم عليهم, كما ذكرتح من قبل. وقد سكت الدكتور محمود علي مكي عن هذه القص يدة, فلم يوردها مع ما أورد من شعراء الصحابة - مع يقيني بأنه لا يخفى عليه مكانها - وكذلك يح غف لها كثير ممن يكتبون عن شعر المدائ. النبوية, فلم تحظ بما حظيت به قصائد حسان وكعب وابن رواحة: مع أنها قصيدة مروية مذكورة الإسناد, مع فخامتها الشعرية وشدة شبهها بالشع ر الجاهلي, بل قل إنها صورة من الشعر الجاهلي في جلاله وبهائه. وإليك أيها القارئ الكريم نص القصيدة, متبوعة بتوثيقها وشرحها وتحليلها: حدَّ ث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة, عن أبيه, عن يزيد بن عمرو الغنوي, عن زكريا بن يحيى الكوفي, قال: حدثنا عم أبي, زحر بن حصن, عن جده حميد بن منهب, قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة, يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصرفه من تبوك, فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك, فقال: «قل لا يفضض الله فاك»فقال العباس من قبلها ط بْتَ في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورقح
عدد الصفحات ٢٠٨