177 وقد حكوا حكايات أخرى عن مخالفة الفرزدق لبعض قواعد النظام النحوي, ومع هذا المأثور عن الفرزدق فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية, وظل مدداً ثرياً للنحاة, ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي بمستوياته الأربعة: المستوى النحوي (الرياكيب), والمستوى الصرفي (الأبنية), والمستوى الصوتي, والمستوى الدلا,. الضرورة الشعرية لا تبرر الخروج عن السّنن العربية: على أنه مما ينبغي التنبه له والحذر منه أن الضرورة الشعرية - أو إن شئت لغة الشعر - لا تبي. للشاعر أن يخرج عن سَنَن العربية. قال أبو سعيد السيرافي, وهو يشرح كلام سيبويه, في الضرورة الشعرية: «وليس في شيء من ذلك رفع منصوب, ولا نصب مخفوض, و لفظ يكون المتكلم فيه لاحناً, ومتى وحجدَ هذا في شعر كان ساقطاً مطًًَّرحاً, ولم يدخل في ضرورة الشعر» والعميد الدكتور طه حسين, الذي قال عنه الأستاذ حجازي إنه أخرج الشعر الجاهلي من سلطان النحاة, يعيب على بعض الشعراء المحدَثين خروجهم على قواعد النحو, فيقول عن الشاعر إيليا أبي ماضي إنه اتخذ ضعفه في النحو مذهباً, وقد ردد هذا الرأي الناقد اللبناني صلاح لبكي, في كتابه «لبنان الشاعر»فرأى أن شعراء المهجر آنسوا ضعفهم في اللغة ويأسَهم من إصلاحها, فلم يجدوا بداً من أن يتخذوا هذا الضعف مذهباً, وآية ذلك فصل للأستاذ ميخائيل نعيمة في «الغربال»عنوانه ضفادع الأدب فليست لغة الشعر, أو الإبداع الشعري, مجازاً إلى الفوضى اللغوية, أو رخصة ليقول بعضهم: «قد فوق وقد تحت»ولعل ذلك يذكرنا بمقالة أخرى للأستاذ حجازي, نشرها بجريدة الأهرام بتاريخ 4/3/1992م, بعنوان «حد الصواب وحد ا طأ»وذكر في ها كلاماً عجيباً حول اللغة الاعتباطية, وأن القاعدة اللغوية ليست نموذجاً مثالياً لا يتغير ولا يتبدل, وأن اللغة إذا لم تكن تنزيلاً فكل شيء فيها مباح ... إلى كلام آخر كثير مما يقال فيه: «وآخر من شكله أزواج»وهو
عدد الصفحات ١٧٧178 كلام منقوضمن جهاته كلها, لكن الذي يعنيني منه هنا استشهاده على تُاوز القواعد النحوية بالقراءة المنسوبة للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت, وذلك قوله تعا الله من عباده العلماء كثير لا يتسع له هذا الموضوع, لكني أوجزه فيما يلي: أولاً : هذه قراءة منكرة, لا شاذة, كما ذكر الأستاذ حجازي, وفرق كبير في علم القراءات بين القراءة المنكرة والقراءة الشاذة, فالقراءة المنكرة مرفوضة, أما القراءة الشاذة فإن لها حدوداً ومعالم, وليس وصف القراء بالشاذة غضباً منها أو تهمة لها, وإنما وصفت القراءة بالشذو ذ لخروجها عن قراء القرَّاء العشرة المعتبرين. ولذلك يقول ابن جني في مقدمة كتاب المحتسب, عن هذا الشاذ: «إلا أنه مع خروجه عنها- أي عن القراءات العشر - نازع بالثقة إلى قرائه, محفوف بالرواية من أمامه وورائه, ولعله, أو كثيراً منه, مساو في الفصاحة للمجتمع عليه. ونعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته, وتعنحف بغيره فصاحته ... » القراءات الشاذة وقراء القراءات الشاذة أربعة من كبار علماء العربية وهم: ابن محيصن, ويحيى اليزيدي, والحسن البصري, وسليمان الأعمش. وقد ألّفت كتب في ذكر قراءتهم وتوجيهها, وعندي من كتب توجيه القراءا ت الشاذة هذه ثلاثة كتب, أولها: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها, لان جني المتوفى سنة 392 هـ, ومختصر في شواذ القراءات لابن خالويه المتوفى سنة 370 هـ والقراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي, وهو عالم قراءات مصري كبير, توفي منذ عشر سنوات, سنة 1403 هـ, ولا ذكر لهذه القراءة المنسوبة حنيفة وللخليفة عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب الثلاثة, وكذلك لم أجد لها ذكراً في كتاب الدمياطي: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر.
عدد الصفحات ١٧٨179 ثانياً: ذكر الآلوسي في كتابه روح المعا 22 /191: أن صاحب النشر - وهو ابن الجزري - طعن في هذه القراءة. وقال أبو حيان في البحر المحيط 27/312 بعد أن ذكر نسبة هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة: «ولعل ذلك لا يص. عنهما, وقد رأينا كتباً في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة, وإنما ذكرها الزمخشري» قلتح نعم ذكرها الزمخشري في الكشاف 3 /308, وعبارته«فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ حنيفة؟ قلتح: الخشية في هذه القراءة استعارة. والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم, كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبادة»انتهى كلام الزمخشري وتأمل قول: «ويحكى عن أبي حنيفة »فهو أسلوب غير قاطع بنسبة هذه القراءة إ الإمام الأعظم. وأيضاً فإنَّ انفراد الزمخشري بذكر هذه القراءة وتوجيهه لها على أسلوب الاستعارة يتفق مع منهجه الذي غلب عليه في تفسيره, وهو العناية بالمجاز والاستعارة وتنزيل الكلام عليهما, وواض. أن تفسير الآية الكريمة على نصب لفظ الجلالة ورفع هو على المجاز, كما سبق. فليس معنى الآية واحداً في القراءتين, كما فهم الأستاذ حجازي! ثالثًا: لم يلتفت إلى هذه القراءة المنكرة أئمة المفسرين الثقات: من أمثال أبي جعفر الطبري, وأبي الفرج ابن الجوزي, وأبي الفداء ابن كثير, فلم يأت في تفاسيرهم شيء عنها البتة. رابعاً: هذه القراءة المنكرة المنسوبة لأبي حنيفة ليست أول حكاية عن مخالفته لقواعد اللغة والنحو, فقد رحو ي عنه غيرها, كما تراه في ترجمة الخطيب البغدادي له في تاريخ بغداد 13/332, ويرى المحققون أن الحامل للخطيب على
عدد الصفحات ١٧٩180 ذلك هو عصبية المذهب, وهي آكلة القلب ومغمضة العين, ومطلقة اللسان, لأن الخطيب كان شافعي المذهب, ولذلك عاب عل يه ابن خلكان في وفيات الأعيان 5/413 مَسْلَكه هذا في ترجمة أبي حنيفة, وقال إنه كان الأليق به تركه والإضراب عنه ومن وراء ذلك كله: فإن الكلام في القراءات القرآنية طريق مخوف العواقب, ليس من باب الديانة فقط - وهي عزيزة علينا - ولكن من باب اللغة أيضاً وضروبها المتشبعة الشائكة. ولعل الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي يري. نفسه من الحديث في قضايا اللغة والنحو, فإنها مجلبة للهم, تكد الذهن وتصدع الرأس, والسالك فيها لا يأمن العثرة بن العثرة, والزلة إثر الزلة, والسعيد من وفقه الله. رجاء صادق: ثم أختم برجاء صادق إلى الشاعر الأستاذ حجازي - وأنا أخاطبه بالشاعر قبل أي صفة - ألا يحرم قراءه ومحبيه من حديث الشعر والشعراء, وأن يخصص ذلك المكان المتاح له في «الأهرام»للشعر, فيمتعنا بشعره هو, أو يقدم لنا ما يختاره من شعر قديم أو محدث بالتحليل والدرس والتذوق, فليس أقد ر من الشاعر على شرح الشعر. وللشعر بهاء, وللنفس إليه نزوع, وللقلب به علقة. وقد قال الأول: الشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه كم من ثقيل المحل سام ... هوت به أحرف خفيفه وكان أبو علي الفارسي إمام النحاة في القرن الرابع, يقول وقد جرى ذكر الشعر بحضرت ه: «إني لأغبطكم على قول الشعرفإن خاطري لا يوافقني على قوله, مع تحققي بالعلوم التي هي من موادَّه » ولم نر شاعراً اشتغل بقضايا اللغة والنحو والصرف, إلا أن يكون أبا العلاء, من مثل أ
عدد الصفحات ١٨٠181 العلاء؟ ولقد أسعدني زماني بمعرفة الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل, وكان يؤثرني بكلام حلو عال عن الشعر, وكيف يحكتب, وعن إحساسه بالحرف العربي. وقد أكثر معي من الكلام حول معاني الشعر, وبخاصة عقب إصدار الشاعر العوضي الوكيل الجزء الثالث من «الديوان»- يعني ديوان العقاد والماز- وعرَّض فيه تعريضاً شديداً بالشاعر محمود حسن إسماعيل, ويومها قلت له: لماذا لا تكتب يا أستاذ محمود هذا الكلام النفيس عن الشعر وحياتك معه وفهمك له؟ فقال: «إني شاعر»ولم يزد رحم الله الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل, وأطال في عمر الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي, وللنحو والنحاة كل الحب والإجلال. * * *
عدد الصفحات ١٨١182 العامة .. وقراءة التراث (1) كتب الأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس, في العدد السابق من الهلال, مقالة عن العا الرياضي الشاعر عمر بن إبراهيم الخيامي الفارسي النيسابوري, المعروف عند جمهرة الناس باسم: عمر الخيام, المتوفى سنة 515 هـ- 1121م. وكان الخيام عالماً لرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ, وهو صاحب «الرباعيات»التي أذاعت اسمه وأكسبته الشهرة في الشرق والغرب. وقد افتت. الدكتور أنيس مقالته بكلمات جياد, قال فيها: لا بد أن يكون عمر الخيام هو الرياضي البارز الوحيد الذي اقرين اسمه في هذا العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك, ولا حتى ناد واحد لمناقشة الرباعيات المنسوبة إليه والتي اشتهر بها في الغرب, وإنما ارتباط اسمه للأسف الشديد بأندية اللهو والمجون في ا لشرق والغرب على السواء. وقد أثارت هذه الكلمات أشجاناً قديمة حول بعض رموزنا الرياثية العظيمة التي ارتبطت عند عامة الناس بمفاهيم خاطئة وتصورات غير صحيحة. ولا سبيل إلى ذكر كل ما تمتلئ به الجعبة من هذه الرموز التي خلط الناس في أمرها تخليطاً منكراً, فلنكتف بذ كر مثالين يشريكان مع عمر الخيام, في هذا الارتباط الخاطئ بين اسميها وبين اللهو والمجون. وهما: الخليفة العباسي أبو جعفر هارون بن محمد بن المنصور, المعروف بهارون الرشيد, المتوفى سنة 193 هـ, ومعاصره وجليسه الشاعر أبو نواس, الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء, المتوفى سنة 198 هـ (1) مجلة«الال»فبراير1993م
عدد الصفحات ١٨٢183 فأنت قلما تدخل فندقاً إلا وجدت فيه قاعة أفراح باسم هارون الرشيد أو أبي نواس, إلى ما تراه من أسماء الملاهي الليلية والمطاعم ومحلات الحلوى التي اختارت هذين الاسمين عنواناً وشعاراً, بحيث صار ذكر اسمهما جالباً للأفراح والليا, الملاح والمباهج والمسرات. أما ما وراء ذلك من التاريخ العريض لهذين العلمين, وأثرهما في الحضارة العربية الإسلامية؛ فهو مما لا معرفة لعامة الناس به, بل إن الأمر قد تعدى العامة إلى بعض الخاصة, وإن كنا لا نستطيع في هذا الزمان أن نجد فرقاً حاسماً بين العامة والخاصة, فقد اختلط المرعى بالهمل. واسأل من شئت من طلبة الجامعة, أو من المتخرجين فيها, عن هذين العلمين, ولن تخرج إلا بما يدور حول اللهو والمجون, وما يفضي إليهما وما ينتج عنهما. على أننا لا نستطيع - حقّاً وصدقاً - أن نحمّ ل العامة وحدهم تبعة هذا الفهم الخاطئ لتاريخ الرجلين, فمن أين جاءهم هذا الفهم, وكيف تتابعوا عليه؟ إن الأمر متصل بقضية كبرى: هي قضية الجرأة على التاريخ, والاستخفاف بأيام الناس, ثم عدم إعطاء العقل حظه من الأناة والتتبع والتحري والصبر على تكاليف الحق والإنصاف, وقهر الهوى الجام.. ولا تقل إن الأمر في هارون الرشيد وأبي نواس متصل بالأدب الشعبي الذي يستنزل من الشخصيات بعض صفاتها المثيرة فيضخمها ويتخذ منها مادة للتسلية والريوي., كما نرى في «ألف ليلة وليلة»وما إليهالا تقل هذا؛ لأن التخليط في أمر الرجلين قد امتد إلى تلك الدراسات التي يفريض أن تكون قائمة على البحث الجاد, والنظر الصحي.؛ لأنها تحمل أسماء وعنوانات توحي بالجد والصرامة العلمية.
عدد الصفحات ١٨٣184 هارون الرشيد وصور شائهة ولن يتسع المقام هنا لذكر ما كان من هذا التخليط في كتابات الدارسين المحدثين, لكني أكتفي بذكر مثال واحد, من كتاب له عند الناس مكانة كبيرة, ذلكم هو كتاب «قصة الحضارة»لول ديورانت. يقول عن هارون الرشيد«وتصور لنا القصص- وخاصة قصص ألف ليلة وليلة - هارون الرشيد, في صورة الملك المرح المثقف المستنير, العنيف في بعض الأوقات, الكريم الرحيم في أغلب الأحيان, المولع بالقصص الجميلة ولعاً يحمله على أن يسجلها ويحتفظ بها في ديوان محفوظات الدولة. وتبدو هذه الصفة كلها فيما كتبه عنه المؤرخون, إذا استثني نا منها مرحه, ولعل السبب في ذلك أن هذا المرح قد أغضب المؤرخين, فهم يصورونه أولاً وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين, ويقولون إنه فرض أشد القيود على حرية غير المسلمين, وإنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين, وإنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة, ويقال: إنه كان يشرب الخمر, ولكن هذا لم يكن إلا سرّاً مع عدد قليل من خاصة أصدقائه. ويقال: إنه تزوج من سبع نساء ... »قصة اضارة, الجزء الثاني من المجلد الرابع ص 90 ,91 - ترجمةالأستاذ محمد بدران. مطبعة لجنة التأليف والريجمة والنشر - الطبعة الثانية, القاهرة 1964 م فهذه صورة شائهة مهزوزة لهارون الرشيد, تتأرج. بين المدح والذم, وقد استخدم فيها المؤلف «منهج العكس»حيث يقدم صورةالرشيد كما جاءت في ألف ليلة وليلة, وهي صورة «الملك المرح »ولكن هذا المرح أغضب المؤرخ - وهو يقصد المؤرَّخين العرب المسلمين, بلا شك - فصوروه في صورة الورع المتمسك بالدين. فهؤلاء المؤرخون في نظر «ديورانت»كاذبون مزيفون, ساءهم مرح الرشيد, فاخريعوا له صورة م عكوسة, عكس الواقع. وفضلاً عن ذلك كله ففي كلام «ديورانت»خبط كثير, وجهل بتاريخ الأمة وشرعها وتأمل قوله: «وتزوج من سبع نساء »وقد علق على هذه العبارة مريجم الكتاب رحمه الله,
عدد الصفحات ١٨٤185 فقال في الحاشية «لعل المؤلف يضيف الجواري إلى الأزواج؛ لأن الإسلام يحرم الزواج بأكثر من أربع»وأقولالصواب حذف «لعل»هذه ومن دقيق الفطنة هنا ما لاحظه الدكتور عبد العظيم الديب, قال: «إن ديورانت غيرَّ عبارة المؤرَّخين, فهم يقولون: «كان الرشيد يحج عاماً ويغزو عاما»فغيرَّها إ«يحج كل عام » وأسقط الغزو, وفي هذا ما فيه(المنهج في كت ابات الغربيينَّ عن التاريخ الإسلامي للدكتور عبد العظيم الديب ص 108 - كتاب الأمة- قطر 141 هـ- 1990م ونعم كان الرشيد رجلاً لا ينسى نصيبه من الدنيا, مقبلاً عليها, آخذاً حظّه منها, قال الأصمعي: «كان الرشيد يحب السمر ويشتهي أحاديث الناس »لكن وراء ذلك دنيا حافلة بالغرائب والعجائب. قالوا: لم يكن أحد أحظى بالشعر منه, كما ذكر الجاحظ في الحيوان 4 /383 - أي أكثر احتفالاً بالشعر, وقد اجتمع على مدحه من الشعراء ما يجتمع على أحد: أبو العتاهية, ومروان بن أبي حفصة, وسَلْم الخاسر, وابن مناذر, وأشجع السلمي, وكلثوم بن عمرو العتابي, ومنصور النمري, والعماني الراجز. وفوق هؤلاء جميعاً صديقه الأثير أبو نواس. ومن وراء الشعر والشعراء كانت عناية الرشيد بالفقه والحديث واللغة والأدب, وما ظنك بملك يجتمع عنده الشافعي, وأبو يوسف, ومحمد بن الحسن الشيباني, وسفيان بن عيينة, والفضيل بن عياض؟ وقد ألَّف له أبو يوسف «كتاب الخراج»واقرأ مقدمة هذا الكتاب وتأمل وصية أبو يوسف للرشيد, ففيها من الإخلاص في النص., والصراحة في التوجيه ما لم يقدم عليه أبو يوسف إلا لأنه يعلم أنه سيجد من الرشيد صدراً واسعاً وأذناً واعية. وما ظنك أيضاً بملك يجتمع عنده سيبويه والكسائي, ويتناظران بحضرته في المسألة النحوية الشهيرة, المعروفة بالمسألة الزنبورية؟ وبحضرته أيضاً تناظر الكسائي مع المفضل الضبي والأصمعي, وأبي محمد اليزيدي, وأبي يوسف (وانظر مجالس العلماء للزجاجي ).
عدد الصفحات ١٨٥186 وقال الذهبي في وصفه «وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممحَ دَّ حاً, فيه دين وسح نَّ ة, مع انهماكه على اللذات والقيان, وكان أبيض طويلاً, سميناً مليحاً, وقد وخطه الشيب. وكان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات, ويتصدق كل يوم من صح لب ماله بألف درهم, وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم »العبر في خبر من ع 1 /312. و قال في سير أعلام النبلاء 9 /290 :«ومحاسنه كثيرة, وله أخبار شائعة في اللهو واللذات والغناء, و يسم. له» فهذا الذهبي مؤرخ الإسلام يذكر كل جوانب هارون الرشيد, فلا ينشر الحسنات ويطوي السيئات, وهكذا جمهور مؤرخي العرب المسلمين, لا ما يذهب إليه ول ديورانت وم ن لفَّ لفَّه. ويقول السيوطي عن الرشيد في تاريخ الخلفاء صفحة 284 :«وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام, ويبغض المراء في الدين, والكلام في معارضة النص, وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن, فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه. ورح وي أن أبا معاوية الضرير حدثه بحديث: «احتج آدم وموسى »(انظر تمام الحديث في صحي. البخاري كتاب الأنبياء 4 /192), فقال رجل شريف من الحضور: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد و قال: النطع والسيف, زنديق يطعن في الحديث ! فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين, حتى سكن. وقد سبق أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً, وكان يلبس قلنسوة مكتوباً عليها: غاز حاج, قال أبو المعا, الكلابي: فمن يطلبْ لقاءك أو يحر دْه ... فبالحرمين أو أقصى الثغور وقد حكم الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة, بلغت فيها الدولة الإسلامية شأواً عظيماً من الرح قي
عدد الصفحات ١٨٦187 والحضارة. يقول ابن دحية «وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم» وقد غزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني, وافتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار, تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. ووثَّ ق علاقة الدولة ببعض ملوك الفرنجة, فكانت له ص لات ومودة مع ملك فرنسا كارلوس الكبير الملقب بشارلمان, وكانا يتهاديان التحف, على ما هو معروف. وبعد ... فهل نطمع أن نرى اسم هارون الرشيد يتلألأ ويتضوَّأ على صدر جامعة عربية, أو يتزين به مركز بحث علمي, بدلاً من قاعة هارون الرشيد, وحلواني هارون الرشيد؟. أبو نواس ... صفحة مضيئة: أما رفيقة أبو نواس فهو شاعر العربية في المائة الثانية بعد بشار بن برد, وهو يمثل صفحة مضيئة في كتاب الشعر العربي, جاء فملأ الأسماع وبهر الأنظار, واستوى في الإعجاب بشعره الجادون والهازلون؛ لأنه دار بين الجد والهزل. وقد خلط الناس في أمره قديماً وحديثاً. لكن المحنة في زماننا أن كثيراً من شباب هذه الأيام ممن نلقاهم أو نقعد منهم مقعد الدرس في الجامعة, لا يعرفون عنه إلا هذا الجانب الهازل الماجن, لأن بعض الدارسين يستهويهم هذا الجانب الماجن من حياة أبي نواس, فيطيلون الو قوف عنده, ويغدون ويروحون فرحين بما آتاهم علم التحليل النفسي. والإغراق في معطيات هذا العلم يحجب كثيراً من الحقائق, ويصد عن أبواب كثيرة من العلم, وقد يدخل الدارس في مضايق يعسر عليه التخلص منها إلا بخداع من القول وضروب من الاحتيال. وشبابنا معذور أيضاً لأن ما يأتيه عن أبي نواس إنما يأتي كثير منه من تصورات العامة حول شخصية أبي نواس, وما تنسجه حوله من أخبار وحكايات يمتزج فيها الحق بالباطل, ويداخل الخير فيها الشر. ولست بحاجة إلى التذكير بما يسمونه «المعالجة الدرامية» في
عدد الصفحات ١٨٧188 أفلامنا ومسلسلاتنا, وما يحدث في هذه المعاة من اضطراب وتشويه للأحداث وتاريخ الرجال, ليسلم لهم ما يريدون من الإثارة والإمتاع. وليس من غايتي هنا الحديث عن شاعرية أبي نواس, فهذا مما يعرفه الناس, ويح لتمس من مظانه. لكن الذي يعنيني هنا هو الكشف عن الوجه الآخر لهذا الشاعر العظيم, وأنَّ وراء هذه الشاعرية الجادة أو الماجنة عالماً كبيراً, هو من معالم هذه الأمة ومن رموزها العظيمة. وحسبك بشاعر يقف على بابه, ويخوض لججه, أئمة كبار, كابن السكيت, وابن جني, وأبي بكر الصو,, وحمزة الأصفهاني, ومهلهل بن يموت بن المزرع, وأبي هفان المهزمي! قرأ أبو نواس القرآن الكريم على يعقوب بن إسحاق الحضرمي, أحد القراء العشرة, ولما حذق القراءة عليه رمى إليه يعقوب بخاتمه, وقال: اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة. وكتب الحديث عن أئمته: عبد الواحد بن زياد, ويحيى القطان, وأزهر السمان. ثم أخذ اللغة والغريب عن أبي زيد الأنصاري شيخ سيبويه, ونظر في كت اب سيبويه, وأخذ عن خلف الأحمر معاني الشعر, وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى أخبار العرب وأيام الناس. وحفظ وحصَّ ل كثيراً, حتى روي عنه أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب, فما ظنكم بالرجال؟ وروي عنه أيضاً أنه قال: أحفظ سبعمائة أرجوزة, وهي عزيزة في أيدي الناس, سوى المشهورة عندهم. والجاحظ يصفه بالعالم الراوية, الحيوان 2 /27. وحكى ابن المعتز في طبقات الشعراء ص 201, قال«كان أبو نواس عالماً فقيهاً, عارفاً بالأحكام والفتيا, بصيراً بالاختلاف (أي اختلاف الفقهاء في الأحكام) صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث, يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه. وقد تأدب بالبصرة, وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً, وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدَ ثين» وقال ابن منظور في مختار الأغا3/17 :«كان أبو نواس متكلماً جد لاً, راوية فحلاً, رقيق الطبع, ثابت الفهم في الكلام اللطيف»
عدد الصفحات ١٨٨189 وبعد ... فهذه كلمات قلائل عن هارون الرشيد وأبي نواس سقتها على
عدد الصفحات ١٨٩190 سبيل الوجازة والاختصار, وهي كلمات يعرفها أهل العلم من أساتذتنا وزملائنا, ولك أردت بها شباب هذا الجيل الذي غحيَّب عن تاريخه وتراثه بأسباب كثيرة من المسخ والتشويه والتضليل, وأردت بها أيضاً التنبيه إلى خطورة إخضاع رموزنا الرياثية وقضايانا الفكرية لتوجيه العامة وسلطانها الغالب. ومما ينبغي التنبه له أيضاً أن هذه العاميات قد مدت سلطانها الآن إلى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر وسائر كلام العرب, ولست أعني بالعاميات: الألفا والأبنية والرياكيب, ولكني أعني عاميات الفكر والتصور, وما أريد أن أشق عليك أيها القارئ الكريم بذكر الشواهد والمثل, فهو أمر متعالم مشهور, لكني أذكر لك ما أره الآن أمامي كتاب (الأدب العربي) المقرر على تلاميذ الصف الأول الثانوي. طبعة وزارة الريبية والتعليم سنة 1992 م1993م, وقد كتب على غلافه «الكتاب الفائز في مسابقة الوزارة سنة 1990م»وفي أول الكتاب قصيدتان لعنرية بن شداد العبسي, صدرتا بهذه العبارة «نماذج من الشعر الجاهلي»ومطلع القصيدة الأو سكتُّ فغرّ أعدائي السكوتح ... وظنُّوني لأهلي قد نسيتح ومطلع الثانية: يا طائر البان قد هَيَّجت أحزاني ... وزدتني طرباً يا طائر البان وهذا شعر بارد خفيف سخيف, يبعد أن يكون من نمط الشعر الجاهلي, ويستحيل من كل الوجوه أن يكون من مذهب عنرية الشعري. وفي القصيدة الأولى نقرأ هذا البيت: خلقت من الحديد أشدَّ قلباً ... وقد بَل يَ الحديد وما بليتح وعجز البيت من العامية بمكان. وكنت في طفولتي بحي الدرب الأحمر أسمع بعض فتوات المغربلين يقولون: «الحديد بحل ي واحنا لم بلينا»(وهذا من المواضع القليلة التي يستعمل فيها العامة الفعل مبنيّاً للمجهو ل»على أن الحديد أكثر ما يوصف بالصدأ, لا بالبلى
عدد الصفحات ١٩٠191 أما التكرير في مطلع القصيدة الثانية فهو إلى التفاهة والسخافة ما هو وقد ذكر الأساتذة المؤلفون في حواشي الكتاب أن القصيدتين من ديوان عنرية بن شداد. نعم يا سادة, هما في الديوان, ولكن أي ديوان؟ لقد طح بع ديوان عنرية عدة طبعات, أولاها - فيما أعلم - طبعة بيروت سنة 1864م, بعنون«منية النفس في أشعار عنرية عبس» وقام على هذه الطبعة اسكندر آغا ابكاريوس, ثم تناسلت من هذه الطبعة بعد ذلك طبعات كثيرة, في بيروت ومصر, وكان آخرها بمصر بالمكتبة التجارية, بتحقيق وشرح عبد المنعم عبد الرؤوف شلبي, وتقديم إبراهيم الإبياري, وتشريك هذه الطبعات كلها, في أنها جمعت شعر عنرية كله, سواء ما كان منه صحي. النسبة إليه, أم ما جاء من طريق السيرة الشعبية لعنرية وهي التي يختلط فيها الغث بالسمين, والعا, بالنازل. ثم يأتينا ديوان عنرية في دراسة علمية محققة على ست نسخ مخطوطة. من عمل الأستاذ محمد سعيد مولوي, وهو طالب علم سوري, حصل بهذا العمل المحقق الجيد على درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة, بإشراف الدكتور شوقي ضيف, ومناقشة الدكتور عبد الحميد يونس, والدكتور يوسف خليف. وقد طح بع هذ ا الديوان بالمكتب الإسلامي لصاحبه الأستاذ العلامة زهير الشاويش, دمشق 1390 هـ- 1970م, وقد نشر الأستاذ المحقق ديوان عنرية بشرح أبي الحجاج يوسف بن سليمان المعروف بالأعلم الشنتمري, مع زيادات الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي, وغيره من قدامى العلماء, ثم خل صه مما علق به من أخبار ومرويات السيرة الشعبية, فصار بهذا الديوان الذي لا ديوان لعنرية غيره. وتقرأ هذا الديوان الموثق المحقق من أوله إلى آخره, فلا تُد فيه أثراً لهاتين القصيدتين المقررتين على تلاميذ السنة الأولى الثانوية, وقد يكون من هؤلاء شاعر أو أديب ... وهكذا نقدم لأبنائنا في مراحل تعليمهم علماً غير موثق ولا مضبوط, ثم نصفهم بعد ذلك بالجهل والتسرع, وما هم إلا غرس الغارس, وبناء الباني:
عدد الصفحات ١٩١192 ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقتح ولكنَّ الرماح أجرَّت (يقال: أجْررتح الفصيل: إذا شَقْقت لسانه لئلا يرضع). وروى الجاحظ في الحيوان 5 /180 :«قيل لرجل: أبوك ذاك الذي مات جوعاً؟ قال فوجد شيئًا فلم يأكله؟» والشكر بعد ذلك كل الشكر للأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس, فهو الذي استخرج هذا الكلام من مجثمه, أحسن الله إليه, وأطال في عمره. لكن , إليه رجاء: أن يعتمد التاريخ الهجري في ذكر الأحداث والأعلام العربية؛ لأن مراجعنا التاريخية كلها (التاريخ العام والطبقات والحوليات) ثم أصول علمنا كلها منزلة على ذلك التاريخ الذي لا تاريخ لنا غيره. وكنا على عهد قريب نلتزم بذكر التاريخ الهجري وبعده الميلادي: على سبورة الفصل, وفي رأس الجريدة, وعلى غلاف الكتاب المطبوع, وفي الشهادات الرسمية, وبراءة الأوسمة. بل إننا كنا نلتزم بذكر التاريخ الهجري فقط, وإذا دخلت جامعة القاهرة, ووقفت أمام المبنى الرئيسي, قرأت هذه العبارة: «وضع الحجر الأساسي للجامعة في حفل من وجوه الدولة وأعلام الأمة في يوم الثلاثاء لخمس عشرة خلت من شعبان سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة» * * *
عدد الصفحات ١٩٢