المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ١١ من ٢٢

161 على أني أظن ظناً أن الأستاذ حجازي قد غَ َ نفسه, و حجَّر عليها واسعاً حين حصر طريق معرفته بالشعر الجاهلي في هؤلاء الثلاثة؛ فإني ألم. في شعره وفي كتاباته الأخيرة رصيداً طيباً من القراءة المتعددة المصادر والموارد. والعميــد الــدكتور طــه حســين - علــى جلالــة قــدره ونبــاوة محلــه - لم يكــن وحــده في ســاحة الشـــعر الجـــاهلي, فقـــد ســـبقه ســـابقون, وعاصـــره معاصـــرون, ولحقـــه لاحقـــون, بـــذلوا لـــذلك الشعر الجـاهلي مـن صـفاء نفوسـهم ونقـاء أذواقهـم, وذكـاء ألسـنتهم, ونصـاعة أقلامهـم, مـا كشــف هــذا الشــعر, ودل علــى أنــه أنبــل كــلام العــرب وأشــرفه, وأنــه مســتودع أســرار العــربي ومحسرياحه, ومجَْلَى مواجعه وأشواقه. أما الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف فما فتئ يصرّح بأن الشَّأو بعيد, والمدى أوسـع ممـا يحــيط بــه بَصَــر, بــل كثــيراً مــا يحــدَّثني كفاحـاً ومشــافهة لــيس بيــني وبينــه أحــد, عــن صــعوبة طريــق الشــعر, ثم يقــول , بلهجتــه العذبــة الــودود: «يا مــولانا, المســألة مــا ه ــش كــده, احنــا محناش واخدين بالنـا, لازم نقـرأ ونقـرأ»ثم يثـنى علـى فـلان, ويحيـل علـى فـلان مـن السـابق الأولين. ومهما يكن من أمر فإن الذي يعنيني من مقالـة الأسـتاذ حجـازي هنـا قولـه عـن الـدكتور طـه حســـين: إنـــه يـــدين لـــه «بهـــذا المـــنهج الـــذي أخـــرج بـــه الشـــعر الجـــاهلي مـــن ســـلطان النحـــاة والشــراح وســدنة الكتــب الصــفراء» وهكــذا يرســل الأســتاذ حجــازي الكــلام إرســالاً, وكــأن ذلك من الحقائق المؤكدة التي استقرت عند الناس, ولم يبق لأحد فيها مقال. وسأؤخر الحديث عن سلطان النحاة إلى حـين «وأحبـب إلينـا أن تكـون المقـدَّما»وآخـذ الحديث عن «سدنة الكتـب الصـفراء»ولنفـرغ أولاً مـن «سَـدَنة»هـذه علـى طريقـة «تحريـر المصطل. قبل الأخذ في المناقشة» و«سدنة»من الكلمات التي يتساهل بعض الكتَّاب فيها, فيستعملونها في غير مـا وحض ـعت

عدد الصفحات ١٦١

162 لــه, وهــي جمــع«ســادن»وهــو خــادم الكعبــة خاصــة, وخــادم الأصــنام في الجاهليــة, والفعــل منه سَـدَنَ يَسْـدحن, مـن باب قـَتَـل يـَقْتحـل. قـال ابـن فـارس في مقـاييس اللغـة: «السـين والـدال والنون أصل واحد لشيء مخصوص. يقال: إن السدانة: الح جابـة, وسَـدَنة البيـت: حَجَبـَتحـه» انتهى كلامه وقوله: «لشـيء مخصـوص»قَطَـع بـه طريـق المجـاز, وأراد أن العـرب لم تسـتعمله في غــير هــذا المعــنى, وأن مثــل ذلــك لا يحنقــل إلى غــير معنــاه الخــاص إلا بســماع صــحي. ممــن يحوثق بعربيته. فبطل إذن - بحمد الله - استعمال «سَدَنة»هنا ولم يبق إلا «الكتب الصفراء»وهو وصف عجيب, كنا نسمع ه قـديماً ونحـن شـبـَبـَبَة صـغار, فنح فتَ به افتناناً, كما كنا نح فتَ بمثل «الشعر المهموس»و«الدَّفْقة الشعورية»و«تراسحل الحواس»و«المنولوج الـداخلي »فلمـا أفـَقْنـا مـن الغَشْـية, وعرفنـا الطريـق, أدركنـا أن ذلـك كله مما لا غناء فيه, ولا طائل تحته, وأنه كما قال ابن قتيبة: «ترجمة تروقح بـلا معـنى, واسـم يـَهحول بلا ج سم »أو كما قال ابن الشَّجري«تهاويلح فارغة من الحقيقة» وقد اختفى هذا الوصف «الكتب الصفراء»زماناً, ثم عاد مرة أخـرى, وإذا كنـا لا نحفـل بـه إذا جــاء في كــلام مــن لا يؤبــه لــه, ولا يحعــاج بــه مــن صــغار الكتَّــاب, فــإن الأمــر يختلــف إذا وردفي كـلام شــاعر كبــير مثــل الأســتاذ أحمــد عبـد المعطــي حجــازي, لــه قــراء ومحبــون, وأســتاذ جامعي مثل الأستاذ الدكتور عاطف العراقـي, لـه تلاميـذ ومريـدون, ذلـك في كلمـة لـه قريبـة في الأهرام أيضاً. وواض. أن ورود هذا الوصف في كلام الأستاذ حجازي والدكتور العراقي, ومن لَفَّ لَفَّهما, إنما هو في مقام الـذم والسـخرية, بحيـث صـار اسـتعمال هـذا الوصـف مرادافًـا لـلأدب الغـث والفكر الهز يل المتخلّف. وإذا كنــا لا نرضــى لأنفســنا أن نتغلغــل إلى المطــوي في ضــمائر النــاس؛ لأن ذلــك عنــد عــلام الغيوب, وإذا كـان الأسـتاذ حجـازي والـدكتور العراقـي, وكـل مـن اسـتعمل هـذا الوصـف, لم

عدد الصفحات ١٦٢

163 يقدموا لنا نماذج محددة مـن أسمـاء هـذه الكتـب الصـفراء ومـا تشـتمل عليـه مـن ألـوان الفكـر وضــروب الأدب, إذا كــان ذلــك كــذلك, فــإن مــن حقنــا أن نقــف عنــد الدلالــة المجــردة لهــذا الوصف, فنقول ببداهة العقـل وبمطلـق الدلالـة: إن كـل فكـر جـاء في كتـب صـفراء مرفـوض ومطَّرَح؛ لأن الوصف إذا جاء بغير قيد أو استثناء دخل تحته كل أفـراد جنسـه. ومعـنى هـذا ببداهــة العقــل أيضــاً, وبمطلــق الدلالــة أن ديــوان الأســتاذ حجــازي «مدينــة بــلا قلــب»إذا جاءنا في ورق أصفر اجتويناه ورفضناه, وبمفهوم المخالفة: إذا جاءنا هذا الديوان على ورق كوشيه فاخر, كان ذلك رافعاً لخَس يسَت ه - إن كانت فيه خسيسَة - لا قَدَّر الله ولا قَضى. ونحن نقولها بكل سلامة الصـدر, وبكـل خلـوص النيـة لكـل مـن عنـده خـبر عـن حقيقـة هـذا الوصف: نبئنا بتأويله. وبكل سلامة الصدر أيضاً وخلوص النية نسأل الأستاذ حجازي, نعم نسأله تعلُّماً لا تعنُّتاً: ما معنى قولـك: إن الـدكتور طـه حسـين أخـرج الشـعر الجـاهلي مـن سـدنة الكتـب الصـفراء؟ فمن هم هؤلاء السدنة - إن قبلنا هذا الاستعمال؟ ما هي أسمـاؤهم, ثم مـا هـي أزمـانهم؟ ثم ما هذه الكتب الصفراء التي جاء فيهـا شـرح الشـعر الجـاهلي محرَّفـاً ومحـزالاً عـن جهتـه, حـتى جاء عميد الأدب العربي فنفخ فيه من روحه حتى نهض قائماً على سحوقه؟ إن الشعر الجاهلي قد جاءنا موثقاً مضـبوطاً في دواويـن أصـحابه الـتي صـنعها علمـاء الصـدر الأول, مثل ابن السكيت وابن حبيب وثعلب والسحكري, وفي الشـروح الكـبرى, مثـل شـرح المفضــليات لأبي محمـــد الأنبــاري, وشـــرح القصــائد الســـبع لابنــه أبي بكـــر, و شــرح القصـــائد التسع لأبي جعفر النحاس, وجاءنا أيضاً في المجاميع والمختـارات الأدبيـة الـتي صـنفها فحـول العلماء في الصدر الأول أيضاً كالمفضليات والأصمعيات والحماسيات والمختـارات, وجـاءنا أيضاً منثوراً ومفرَّقاً في كتب الأمـا, والمجـالس ودواويـن الأدب ومعـاجم اللغـة, بـل وفي كتـب التاريخ والبلدانيات (الجغرافيا).

عدد الصفحات ١٦٣

164 وحــين ظهــرت المطبعــة, وتصــدى علمــاء البعــث والإحيــاء لشــرح الشــعر الجــاهلي قــرأناه في مؤلفات جلة العلماء, من أمثـال الشـيخ حسـين بـن أحمـد المرصـفي, والشـيخ سـيد بـن علـي المرصـــفي, والشـــيخ حمـــزة فـــت. الله, ثم جـــاءت طبقـــة تلاميـــذهم مـــن قـــراء الشـــعر الجـــاهلي وشـــراحه, مثـــل الأســـتاذ محمـــود محمـــد شـــاكر, والـــدكتور طـــه حســـين, والطبقـــة الـــتي جـــاءت بعدهما مثل الدكتور نجيب محمد البـَهْب يتي, والدكتور عبد الله الطيب المجذوب ... وهلمَّ جـرّاً إلى أساتذة الأدب ودارسيه بالجامعات وغير الجامعات. فأنــت تــرى أن الشــعر الجــاهلي في أصــلاب كريمــة, ووعتــه صــدور حافظــة, وحملتــه أيــد بارة, وأدَّتـه ألســن ذكيـة. وهــؤلاء العلمــاء المحـدَ ثو ن الــذين ذكـرتهم إنمــا قــرأوا الشـعر الجــاهلي وغــير الجاهلي في الكتب الصفراء. فــإذا تركنــا حــديث الشــعر الجــاهلي ونظــرنا في تراثنــا كلــه المطبــوع في مطبعــة بــولاق والمطــابع الأهلية الأخرى بمصر وسائر بلاد الدنيا, وجدنا كله - وبخاصة أواخر القرن الماضي والربع الأول مــن القــرن الحــا, - قــد جــاءنا في الــورق الأصــفر, فقــد قــرأنا تفاســير القــرآن الكــريم ودواويــن السُّــنَّة المطهَّــرة في الــورق الأصــفر, وكــذلك كتــاب الأم للشــافعي, وكتــاب ســيبويه, والأغــــاني لأبي الفــــرج الأصــــبهاني, وتاريــــخ الطــــبري وابــــن الأثــــير, ومقدمــــة ابــــن خلــــدون, والفتوحــات المكيــة لابــن عــربي, ومنهــاج الســنة النبويــة لابــن تيميــة, ووفيــات الأعيــان لابــن خلكــــان, ونفــــ. الطيــــب للمقــــري, وألــــف ليلــــة وليلــــة ... وســــائر كتــــب الحضــــارة العربيــــة والإســلامية. وكــذلك الكتــب المريجمــة يومئــذ إلى العربيــة في أنــواع العلــوم, كالطــب والهندســة والفلك والرياضيات والعلوم الحربية. وكذلك كـان الشـأن في كثـير مـن مطبوعـات أوروبا مـن الكتاب العربي وغيره. يقول العلامة الدكتور عبد الله الطيب المجذوب, صـاحب الكتـاب العظـيم «المرشـد إلى فهـم أشــعار العــرب»في محاضــرة ألقاهــا بنــادي ناصــر الثقــافي بالخرطــوم«وأشــهد علــى نفســي أ عندما كنت أدرس في الخارج - يعني لندن - كنا ندرس بعض القطـع المسـرحية لشكسـبير,

عدد الصفحات ١٦٤

165 فكــان التلاميــذ معنــا يحسَــمَّع بعضــهم لــبعض القطَــع عــن ظهــر قلــب, حــتى أمثــال «يطــارده القتلة»أو«يخرج بطارده سبع »وكانت لهذه المسرحيات القديمة شروح, قد تكون الأبيات أربعة أسطر في أعلى الصحيفة بخط كبير, وسائر الصحيفة بخط دقيق شرح لما فـ وق, ويقبـل التلاميــذ علــى ذلــك ولا ينفــرون, فــإذا قحــدّ م لهــم شــيء يشــبه ذلــك بالعربيــة نفــروا منــه نفــوراً شديداً. ومن عجب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصـفر. والـورق الأصفر لعلـه ألـين علـى عـين القـارئ مـن الـورق الناصـع الأبـيض»انتهـى كلامـه, ويؤكـده أن مصابي. الإضاءة في شوارع وميادين الكبرى غلب عليها الآن اللون الأصفر. وقد شهدنا في الكتب الصفراء ظاهرة طباعية عجيبة, لم نشهدها في الكتب البيضـاء, وهـي ظاهرة طبع كتاب أو كتـابين بهـامش الكتـاب الأصـلي, أو بآخـره إذا كـان لـه صـلة بالكتـاب الأصلي. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً, لا داعي للتطويـل بـذكرها, علـى أن أعجـب مـا في هذه الظاهرة أن نرى خمسـة كتـب مطبوعـة في كتـاب, وفي صـفحة واحـدة اجتمعـت الكتـب الخمســة, في الصــلب والهــامش, مفصــولة بجــداول, دون أن يخــتلط بعضــها بــبعض, أو يبغــي بعضها على بعض. وذلك: كتاب شروح التلخيص في علوم البلاغة, ويشتمل على: 1- شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح للخطيب القزوي 2- مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغر 3- عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح, لبهاء الدين السبكي 4- الإيضاح للخطيب القزوي 5- حاشية الدسوقي على شرح السعد والثلاثـــة الأولى طبعـــت في صحـــلب الكتـــاب, والاثنـــان الباقيـــان بهامشـــه. وكانـــت الطبعـــة الأولى للكتـاب بمطبعـة بـولاق - علــى الـورق الأصـفر - ســنة 1317 هــ, أي منـذ نحــو مائـــة عـــام, وكانـــت هـــذه الطبعـــة علـــى نفقـــة مصـــطفى أفنـــدي المكـــاوي, المحـــامي بمدينـــة الفيــوم, والشــيوخ فــرج الله زكــي الكــردي, وكيــل الشــركة الخيريــة لنشــر ا لكتــب العالميــة الإسلامية, من طلبة العلم بالأزهر الشريف, وعبد الحميد أفندي الصمداني.

عدد الصفحات ١٦٥

166 وقــف أيهــا القــارئالكــريم عنــد اســم «مصــطفى أفنــدي المكــاوي المحــامي»وانظــر إلى همــم الرجال واهتماماتهم في تلك الأيام! رجل من رجال القانون ينهض للمشاركة في نشر أصول مــن كتــب البلاغــة! وأدعح لــك أيهــا القــارئ العزيــز التــدبر في هــذا الــذي كــان, ومــا نحــن عليــه الآن ! وظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى, ظاهرة عجيبة فريـدة, وهـي دالـة بوضـوح علـى أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم وإذاعته. وما أعلم أن هـذه الظـاهرة عح ر فـتْ في غـير مطـابع مصر واستانبول, في بداية الطباعة العربية على الأقل. هـــذا وقـــد ارتـــبط الـــورق الأصـــفر عنـــد عـــارفي الكتـــب وجامعيهـــا, بجـــودة التصـــحي. وكمـــال الإخـــراج - وتلـــك حقبـــة غاليـــة مـــن تاريـــخ الطباعـــة في مصـــر - فقـــلَّ أن تُـــد تصـــحيفاً أو تحريفاً, وجاءت النصوص كاملة موفورة, لا سقط فيها ولا خلـل, وذلـك لأن القـائمين علـى تصــحي. الكتــب الصــفراء في ذلــك الزمــان كــانوا طبقــة مــن فضــلاء العلمــاء, وكــانوا يقومــون بعملهـــم هـــذا في أمانـــة تامـــة وحـــرص شـــديد. ويـــذكر التـــاريخ مـــن أسمـــاء هـــؤلاء المصـــححين العلماء: نصـر الهـوريني, ومحمـد بـن عبـد الـرحمن, المعـروف بقحطـة العـدوي, ومحمـد الحسـيني, وطــه محمــود, ومحمــد عبــد الرســول, ومحمــد قاســم, ومحمــد الزهــري الغمــراوي, وعبــد الغــني محمود. وكان كثير من أساتذتنا الذين يجمعون الكتـب يركضـون خلـف الطبعـة الصـفراء, ويسـمحون فيها بأغلى الثمن, فإذا جئت أحدهم بطبعة من الكتاب القديم على ورق أبيض, نفـر منهـا نفوراً شديداً, فإذا زيَّنتها له بأن فيها أوائل فقرات, وعلامات ترقيم, لجَّ في إعراضه, وقال: «ب ط ينحه ولا غسيل البرك» وإن تعجب فعجب أن الـورق الأصـفر قـد عـاد إلى الطباعـة مـرة أخـرى, وأمـامي الآن طبعـة جيــدة جــداً مــن «القــاموسالمحــيط»للفــيروزآبادي, علــى ورق أصــفروتقــع هــذه الطبعــة في

عدد الصفحات ١٦٦

167 (1750) صــفحة, وقــد أصــدرتها مؤسســة الرســالة ببــيروت - الطبعــة الثانيــة 1407 هـــ 1987 م. ثم طبعــة محققــة مــن كتــاب «مفــردات ألفــا القــرآن»للراغــب الأصــبهاني علــى ورق أبـيض, ولكنــه بيــاض خفيـف يميــل كــل الميـل إلى الأصــفر. وهــذه الطبعـة مــن منشــورات دار القلم بدمشق, والدار الشامية ببيروت. الطبعة الأولى 1412 هـ1992 م هذا ولـن تـزول حـيرتي, ولـن ينقضـي عجـبي مـن حـديث «الكتـب الصـفراء»والحـط (1) عليها, إلا إذا جاءني كاتب بكلام محدد مبين موثـق, بأسمـاء هـذه الكتـب الصـفراء, والفنـون الـــتي عالجتهـــا والدلالـــة علـــى مواضـــع الـــذم منهـــا, ولـــيس , إلا شـــرط واحـــد: أن يرفـــق بي الكاتـــب, فـــلا يَ هجـــم بي علـــى دهـــاليز المنهجيـــة والموضـــوعية والإشـــكالية, وحركـــة التـــاريخ, والحتمية الحضارية, وأن يأتيني الكلام واضحاً قاطعاً, لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً؛ فـإن كثـيراً ممــا نقـــرأه ونســمعه في هـــذه الأيام ممـــا ينطبــق عليـــه قــول ذلـــك الأعـــرابي وقــد حضـــر مجلـــس الأخفـــش فســـمع كلامـــاً لم يفهمـــه, فحـــار وعجـــب, فقـــال لـــه الأخفـــش: مـــا تســـمع يا أخـــا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا »نعم إن كث اً مما نقرأه ونسمعه الآن ممـا يـدير الـرأس ويجعـل الأعلـى أسـفل والأسـفل أعلـى, وكأنـك في مدينـة ملاه , أمام تلك الصناديق التي يجلس فيها الصغار: تعلو بهم ثم تهبط, ثم تعلـو ثم تهـبط, إلى أن يدركهم الدُّوار, أو يحنزل الله عليهم النعاس أمنة منه ... والملجأ الله. * * * (1) كذا في الأصل, ولعلها: والحض عليها. قلت (محمد المهنا): بل الصواب الحط كما في الأصل وهو واضح المع

عدد الصفحات ١٦٧

168 النحو .. والشعراء (1) عرضت في عدد الهلال الماضي لكلمة الشاعر الأستاذ أحمد عبد المعطـي حجـازي المنشـورة بجريدة الأهرام 26/8/1992 م, والتي قدم فيهـا كتـاب الأسـتاذ الكبـير الـدكتور مصـطفى ناصف «صوت الشاعر القد» وقد وقفت عنـد قـول الأسـتاذ حجـازي إنـه مـدين لعميـد الأدب العـربي الـدكتور طـه حسـ «بهذا المنهج»الذي أخرج بـه الشـعر الجـاهلي مـن سـلطان النحـاة والشـراح وسـدنة الكتـب الصفراء» ثم ناقشــته«ســدنة الكتــب الصـــفراء»ولم يبــق , مــن كلامـــه إلا قولــه: إن الــدكتور طـــه حسين «قد أخرج بمنهجه الشعر الجاهلي من سلطان النحاة » وعوداً على بدء, فهذا أيضاً من الكلام الذي يحرسل إرسالاً, وكأنه من الحقـائق المؤكـدة التي استقرت عند الناس, ولم يبق لأحد فيها مقال. فـــأي «ســـلطان»يا ســـيدي الشـــاعر, وأي«نحـــاة»؟ لابـــد مـــن تحديـــد هـــذا الســـلطان (الحــائر) وبيــان مــداه الــذي ينتهــي إليــه, وغايتــه الــتي يقــف عنــدها. ولا بــد أيضــاً مــن تعيــين هؤلاء «النحاة»بأسمائهم وأزمانهم, فإن هناك كثرة من النحاة الأوائل قد وقفوا مـع الإبـداع الشــعري - كمــا يقــال - ووجهــوا ترا كيــب الشــاعر الــتي خرجــت في الظــاهر عــن سَــنَن كــلام العرب؛ فالتمسوا لها وجهاً, وطلبوا لها تأويلاً من لغات العرب التي تسمى الآن «لهجات» (1) مجلة«الال»ديسم1992 م

عدد الصفحات ١٦٨

169 والقضية أقدم من عميد الأدب العربي بأكثر من ألف عام. وإليك يحساق الحديث: قال أبو محمد بن الخشاب المتوفى سنة 567 هـ: إن أبا حا السجسـتاني قـال: لـيس الفـرزدق أهـلاً لأن يستشهد بشعره على كتاب الله, لما فيه من التعجرف. وقــال ابــن خشــاب أيضــاً: لم يجَْــر في سَــنَن الفــرزدق مــن تعجرفــه في شــعره, بالتقــديم والتــأخير المخل بمعانيه, والتقدير المشكل إلا المتنـبي, ولـذلك مـال إليـه أبـو علـي وابـن جـني, لأنـه ممـا يوافق صناعتهما, ولا ينفع المتنبي شهادة أبي علي له بالشعر, لأن أبا علـيًّ محعْـر ب لا نقَّـاد, وإنمــــا تنفعــــه شــــهادة العســــكريين (يعــــني أبا أحمــــد صــــاحب المصــــون, وأبا هــــلال صــــاحب الصناعتين وديوان المعاني), وأبي القاسم الآمدي, فإنهم أئمة يقتدى بهم في نقد الإعراب» في قلب الحركة الشعرية: أرأيــت يا ســيدي الشــاعر! هــذا أبــو علــي الفارســي شــيخ النحــاة في القــرن الرابــع وتلميــذه العظيم ابن جني, كلاهما مع الإبداع الشعري, ولعلـي أذكـر شـيئاً مـن تخـريج أبي علـي لشـعر الفرزدق الذي عابه عليه النحاة. فــذكر «النحــاة»هكــذا بصــيغة التعمــيم غــير صــحي.. وأيضــاًفــإن وضــع القضــية علــى هــذا الشــكل يجعـــل النحـــاة - وبخاصـــة عنـــد مـــن لا يعـــرف تاريـــخ العلـــم والعلمـــاء - بمعـــزل عـــن الشعر, بل في موقف المريبص به, الكاره له, البعيد عنه. وهذا غير صحي. أيضاً, فإن كثيراً مــن نحــاة الصــدر الأول لم يكونــوا منظــرين مــن بعــد, بــل كــانوا في قلــب الحركــة الشــعري ة, وفي الصميم منها: فهذا أبو عمرو بن العلاء الإمـام النحـوي اللغـوي, وأحـد القـرَّاء السـبعة كـان راويــة لــذي الرمــة الــذي يقــال: إن شــعره يمثــل ثلــث لغــة العــرب. وعنايــة أبي عمــر بالشــعر الجاهلي معروفة, وقد كان يعول مع السماء والرواية على الكتابة والتقييد. وكـان يـونس بـن حبيب شيخ سيبويه شديد الاختصاص برؤبة بن العجاج. وكان ن فْطويـه يحفـظ نقـائض جريـر والفرزدق وشعر ذي الرمة. أما أبو العباس ثعلب - وهو مع الكسـائي والفـراء, زعمـاء مدرسـة الكوفـة النحويـة - فـإن له علقة شديدة بالشعر والشعراء: فقد صنع دواوين الأعشى وزهير

عدد الصفحات ١٦٩

170 وابنــه كعــب وعــروة بــن حــزام والنابغــة الــذبياني والجعــدي والطرمــاح وطفيــل الغنــوي, وشــرح لامية الشنفرى: أقيموا بني أمية صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل كما روى شعر ذي الرمة عن أبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي, وعن هذه الروايـة كانـت نشـــرة الـــدكتور عبـــد القـــدوس أبـــو صـــالح العظيمـــة لـــديوان ذ ي الرمـــة بمجمـــع اللغـــة العربيـــة بدمشق, وفضلاً عن ذلك كله فإن لثعلب في علم الشعر كتاباً شهيراً هو «قواعد الشـعر» وهو على وجازته مفيد في بداية هذا العلم أمــا مســألة «ســلطان النحــاة علــى الشــعر»ووقــوفهم في وجــه الإبــداع الشــعري فهــي مــن المسائل التي يتابع الناس بعضهم بعضاً فيها دون أن يعطوها حظها من النظر والتأمل. تقعيد القواعد: إنَّ النحو علم وصناعة, وقـد قعَّـد النحـاة القواعـد بنـاء علـى الجمهـور الأعظـم الـذي انتهـى إليهم من كلام العرب شعراً ونثراً, فهو نظـام مسـتتب, مبـني علـى الأكثـر والشـائع, ولـذلك يقول ابن عصفور «إن أئمـة النحـوي كـانوا يسـتدلون علـى مـا يجـوز في الكـلام بمـا يوجـد في النظام» والنحوي حريص على هذا النظام, متشـبث بـه, فمـا خـرج عنـه رفضـه أو ضـعَّفه أو شـذّذه ولا يبا, النحوي أي نص كان هذا الذي خرج عن النظام, ولذلك يضعف النحوي - بناء على نظامه - بعض القراءات القرآنية الآتية من طريق التواتر. فقد تكلم النحاة على قراءة نافـــع وابـــن عـــامر وحمـــزة والكســـائي {«أما»من قوله صلى الله عليــه وســلم: «أمــا بعــد, مــا بال رجــال يشــريطون شــروطاً ليســت في كتــاب»وحقــه

عدد الصفحات ١٧٠

171 «فمــا بال»وتكلَّمــوا علــى حــديث«صــلّى رســول الله صــلى الله عليــه وســلم قاعــداً وصلى وراءه رجال قياماً »لمجيء«قياماً»حالاً, وقبله نكرة «رجال »وحق

عدد الصفحات ١٧١

172 صـــاحب الحـــال في النظـــام النحـــوي أن يكـــون معرفـــة, وتكلَّمـــوا أيضًـــاعلـــى قـــول العـــرب: «مكروه أخاك لا بطل», وحقه«أخوك» فالنحوي يعرض كل ما يرد عليه من كلام ونصوص على نظامه, فما وافقه قبله, وما خالفه رفضه, فلئن كانـت عـداوة بـين النحـاة والشـعراء لهـذه العلـة, وجـب أن تكـون هـذه العـداوة أيضاً بين النحاة وكل من تكلَّم بكلام خالف فيه النظام واتبع هواه. علم التوجيه النحو ي ودوره: ومع كل هذه الصرامة النحوية, فقد قام نحاة آخرون بتوجيه هذا الكلام الخارج عن النظام, ورده إليــه مــن طريــق موافقتــه لــبعض لغــات العــرب - أي لهجــاتهم - أو مــن طريــق الحــذف والتقدير, والحـذف مـن خصـائص العربيـة, وهـو سمـة مـن سمـات فصـاحتها وبلاغتهـا, ويجعلـه ابن جني من «باب شجاعة العربية»وعلم التوجيه النحوي هذا علم ضخم جـداً, وبخاصـة توجيه القراءات السبع. ولمــا كــان الشــعر كلامــاً مــن الكــلام فقــد عرضــوه أيضــاً علــى نظــامهم, فقبلــوا منــه ورفضــوا, لكــنهم قــد وقفــوا منــه موقفــاً آخــر غــير مــوقفهم مــن النصــوص النثريــة - وهــذا يــدل علــى احتفــالهم بــه, وإجلالهــم لــه - فهــم قــد نظــروا إليــه مــن أول الأمــر علــى أنــه كــلام ذو طبيعــة خاصــة ونســق متميــز, وحيــث كانــت هــذه حالــه عومــل معاملــة مباينــة لمعاملــة منثــور الكــلام, فأجـازوا فيـه مــا لا يجـوز في النثــر. وكـان صــنيع إمـام النحــاة سـيبويه في ذلــك دلـيلاً ومرشــداً, فقد عقد باباً في أول الكتاب سمَّ اه: «باب ما يحتمل الشـعر»قـال في أولـه«اعلـم أنـه يجـوز في الشعر ما لا يجوز في غيره» ويقول ابن عصفور«اعلم أن الشعر لمـا كـان كلامـاً مـوزوناً يخرجـه الـزيادة فيـه والـنقص منـه عــن صــحة الــوزن, ويحيلــه عــن طريــق الشــعر, أجــازت العــرب فيــه مــا لا يجــوز في الكــلام, اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه, لأنه موضع أل فَت فيه الضرائر»

عدد الصفحات ١٧٢

173 وتأمل جيداً قوله«اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه»فهو كلام صري

عدد الصفحات ١٧٣

174 في الاعرياف بأن للشعر لغة خاصة, وأن الضرورةالشعرية ليست كما يفهمها بعض الناس: أنهــا الــذي لا يجــد الشــاعر عنهــا محيصــاً. وهــذا مــا عليــه المحققــون مــن العلمــاء, فــإن الشــاعر الذي قال: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكمح عليَّ إذن حرامح كان يستطيع أن يقول: مررتم بالديار ولم تعوجوا فيسلم له الوزن مع رعاية النظام النحوي في تعدية الفعل «مر»بالبـاء, ولكنهـا لغـة الشـعر فيــا بحعــد مـــا بــين «تمــرون»و«مـــرر» في المــذهب الشــعري ! ومـــع التســليم بهــذه الضـــرائر الشعرية وتصنيف العلماء فيها: فإنك لو أحصيت ما خرج به الشعراء جميعاً في كـل عصـور الاستشهاد والاحتجاج, وما بعدها, عن النظام النحوي, لوجدته قطـرة في بحـر, وأن جمهـور شــعرهم جــار علــى هــذا النظــام, ومــا كــان ذلــك كــذلك إلا لأن ذ لــك النظــام النحــوي فطــرة وسليقة عند العرب, ألم يقل الشاعر القديم: ولست بنحوي يلوك لسانَه ... ولكن سيلقيّ أقول فأعربح الضيق بالنحو: أمــا مــا تــراه في كتــب الأدب والــرياجم مــن ضــيق بعــض الشــعراء بالنحــو والنحــاة, وقــولهم في ذلــك الشــعر الســاخر المســتهزئ فهــو عنــدي مــن باب المعابثــة والاســتطالة بالــذكاء, وكــأنهم يريدون أن يقولوا: إن نحوكم أيها النحـاة صـنعة, ونحـوَنا ف طْـرة, وآيـة ذلـك أن شـعرهم الـذي حمل سخريتهم من النحاة ليس فيـه شـيء خـارج النظـام, أو خـارق لقواعـده, وكأنهـا سـخرية بالنحــاة لا بالنحــو. ولا يتســع المقــام لــذكر شــيء مــن شــعرهم الســاخر هــذ ا وتحليلــه, ولكــني أشير إلى مقطوعة من تسعة أبيات, أوردها أبو حيان في الإمتاع والمؤانسـة 2 /140, يقـول الشاعر الساخر في أولها:

عدد الصفحات ١٧٤

175 ماذا لقيتح من المستعربين ومن ... تأسيس نحوهمح هذا الذي ابتدعوا

عدد الصفحات ١٧٥

176 وفي هذه المقطوعة يقول ما كل قو, معروف لكم فخذوا ... ما تعرفون وم ا لم تعرفوا فدعوا كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين علي إعرابهم طحب عحوا فهذان البيتان شاهدان على ما قلته من نحو الصنعة ونحو الفطرة. والشاعر بطبعه مختال تيّاه, وححق له! وما أظن الذين تكلَّموا عن «سلطان النحاة»على الشعراء قد أخذوا كلامهم إلا من ق صة الفرزدق مع عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: فقد سمع الفرزدق يقول: وعَضُّ زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مجحَلَّفح فقال له: بِ َ رفعتَ «أو مجلفح»؟ فقال«بما يسوءك وينوءك, علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا»وهذا البيت مما استفاضت به كتب العربية, وأطال النحاة فيه الكلام. قال البغدادي صاحب الخزانة: «وهذا البيت صعب الإعراب»وقال الزمخشري«هذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه »وقال ابن قتيبة«رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة, وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة, فقالوا وأكثروا, ولم يأتوا فيه بشيء يـحرْتَضى, ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه » وقال أبو فهر محمود محمد شاكر«وبيت الفرزدق مما اشتجرت عليه ألسنةالنحاة, ولكنه بقي مرفوعاً حيث هو» ومن أقرب تخريجات النحاة وأولاها بالقبول ما ذكره الخليل بن أحمد, عبقري العربية قال: هو على المعنى, كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت, لأن معنى لم يبق ولم يَدَع واحد. ومثل ذلك قال أبو علي الفارسي, واستشهد للحمل على المعنى بشواهد أخرى.

عدد الصفحات ١٧٦