المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الطريق إلى التقدم العلمي

عيد الدويهيس

صفحة ٤ من ٧

49الطريق إلى التقدم العلمي ننظر إلى ميزانيات الدراسات العلمية لنعرف قلتها هذا إذا كانت توجد ميزانية للدراسات إذن وزاراتنا ومؤسساتنا وحتى جامعاتنا ومعاهدنا تعيش في عالم من الآراء المتناقضة لا عالم من الحقائق العلمية وهذا وضع مستمر منذ نصف قرن وحتى اليوم وصحيح أنه حدث تراكم علمي ولكنه أقل بكثير مما يجب و رصيدنا العلمي القليل متفرق ولا يعمل بصورة جماعية وتمزقه الخلافات والعصبيات والفساد، ولو سألت أي وزير هل لديكم دراسة علمية عن تقييم المسئولين والمدراء في وزارتكم لقال لا إذن الوزير يحكم على كفاءة العاملين بناء على رأيه الشخصي أو آراء العاملين في الوزارة والناظر من بعيد للعمل الحكومي يظن أن كثيراً من الاجتماعات والقرارات والخطط مبنية على علم عميق وإذا اقترب صدم فسيجد لجان تخطيط سطحية ولجان لدراسة مواضيع هامة فيها غير متخصصين، أو يتم الاستعجال في اتخاذ قراراتها أو تكون لجان شكلية، فالقرار يعطى لها من المسئول الأعلى أو غير ذلك. قال لي الوزير السابق الخبير بالأوضاع السياسية المحلية 7 « العلمية والحلول التي يقدمها العلماء المتخصصين لن تنجح في تقديم حلول لواقعنا أو اتخاذ قرارات أو وضع خطط أي كأنه يقول لا حاجة للدراسات العلمية والمعاهد العلمية كأن هؤلاء يصلحون فقط لواقع مثالي وبما أن هذا الواقع غير موجود على الأرض فليبقى أهل السياسة وأهل الإدارة وأهل الاقتصاد وغيرهم في الواقع وليبقى أهل العلم معزولون، وأقول لم تكن الحلول العلمية أبدا حلول مثالية أو منفصلة عن الواقع فكم تعامل العلم والعقل والحكمة مع الواقع قال عمرو بن العاص رضي الله عنه وماقدم من توصيات أو مقترحات من أساتذة الجامعات أو غيرهم ولم يمكن تطبيقها فليست هذه المقترحات والتوصيات علمية، فجزء من العلم معرفة علم الواقع والنظر في الإيجابيات والسلبيات لكل خطة وقرار، والتشاور مع الأطراف وأحد شروط

عدد الصفحات ٥٠

50الطريق إلى التقدم العلمي الاجتهاد في الإسلام معرفة الواقع ولكن الواقعية ليس معناها الاستسلام لليأس والمصالح والصعوبات والفساد، فالحلول العلمية في الغالب هي حلول تدريجية يمكن تطبيقها وتتعامل مع الواقع وما فيه من قوى ولا تحمل المسئولين أكثر مما يطيقون ولكنها أيضا لا تقلل من حجم ما يطيقون. يقول البعض انتظروا حتى يتحقق الإصلاح السياسي أولاً 8 ثم بعد ذلك يتم إنشاء معاهد علمية ونجتهد في تحقيق قفزات تنموية في الاقتصاد والإدارة والزراعة والصناعة وغير ذلك، وأقول إن الإصلاح هو قضية شاملة وفي مختلف الجبهات بل إن الأولوية هي للإصلاح العقائدي ثم الإصلاح العلمي ولن يحدث تقدم إذا كان الإصلاح السياسي ينطلق من قاعدة عقائدية وعلمية وأخلاقية ضعيفة قال أحمد شوقى رحمه الله تعالى: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت **** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وبالعلم والدراسات العلمية سنصلح المخلصين من الأفراد والأحزاب والجماعات والقبائل والجمعيات المهنية وغير ذلك وأتمنى أن لا نعطى الإصلاح السياسي أكثر من وزنه فهذا خطأ كبير ومن نتائجه أنه جمد طاقات هائلة في شعوبنا لأنها تنتظر أن يأتي الإصلاح من أعلى في حين أنه يأتي دائماً وأبداً من الشعوب، لأن أغلب أوراقه بيد الشعوب وأقول أن الإصلاح السياسي لم ولن يتحقق إن لم ينطلق من قاعدة علمية أما التغيير السياسي وتغيير الأنظمة والحكومات والحكام فيمكن أن يحدث ولكن لن يؤدى إلى إصلاح سياسي. إذا كان الغرب يصرف 9 العلمي ونحن نصرف أقل من 6 مختلفة مثل التدريب وتشجيع الكفاءات العلمية وغير ذلك ويحتاج التقدم العلمي أموالاً طائلة على الحكومات والقطاع الخاص أن يوفرها وعلينا أيضا كأفراد وأسر

عدد الصفحات ٥١

51الطريق إلى التقدم العلمي أن نصرف الكثير على تطوير أنفسنا وأبنائنا فلا تقدم بلا مال وصبر وحتى جوع وليس صحيح أنه ليس لدينا مال فكم صرفت الحكومات على أمورها هامشيه أو ثانوية؟ وكم صرفنا على حفلات الزواج والمساكن والملابس والأحذية والسفر والسيارات ومازالت أغلبية أغنياءنا لا يدفعون زكاة أموالهم ومازالت غالبية البنوك العربية والقطاع الخاص بخلاء ولا يقومون بواجبهم الوطني، ولنعلم أن الغرب صرف آلاف المليارات من الدنانير حتى وصل للتقدم العلمي، فلابد أن نصرف الكثير، ولابد من وضع الضرائب والسياسات التي تحقق ذلك، فالتقدم ليس شعار أو كلام بل مال وأعمال وإلا سنعاني أكثر وسيعاني أبناؤنا ولا يظلم ربك أحداً. قد يقول قائل لنبدأ من حيث انتهى الآخرين 10 وأقول هذا الرأي صحيح إذا كان معناه أن نتعلم الطب الحديث لا الطب الذي كان موجودا قبل خمسين عاما ولكنه ليس صحيح إذا كان معناه أننا إذا بدأنا بالأبحاث في المجالات الحديثة كالنانو وغيرها سيمكننا تحقيق رصيد علمي قوي وسنلحق من سبقونا وذلك لأن رصيدنا العلمي الإداري والاقتصادي والتعليمي والزراعي.... الخ لن يتطور من خلال عمل أبحاث تطويرية واختراعات ولن نتقدم إذا فتحنا أبواب بلادنا للشركات العملاقة أو إذا استوردنا مئات الآلاف من المتخصصين الأجانب فهذه سياسات ناجحة ضمن ضوابط وحدود يحددها لنا رصيد علمي وطني قوي إذن لابد أن نبني القطاعات الوطنية علميا حتى نتقدم ولا يمكن أن نبدأ من حيث انتهى الآخرين، لأنهم الآن يبنون في الدور العشرين ونحن نبنى في الدور الثامن إذن الحل الوحيد هو أن نجتهد ونبني ونسهر ونتعلم ونعمل ونكتشف الطرق المختصرة حتى نصل إلى ما وصل إليه الآخرين. قيل 11 الأول فيكون في الدولة ثلاثة معاهد اقتصادية وثلاثة معاهد إدارية وهكذا حتى يحدث

عدد الصفحات ٥٢

52الطريق إلى التقدم العلمي تنافس بينهم في خدمة العلم، وحتى لا يحدث احتكار علمي، وحتى يتم تطوير كفاءة إدارتها وتتنافس في تقديم الدراسات العلمية والمقترحات والتوصيات للدولة والحكومة والقطاع الخاص وغير ذلك، فالمعاهد مثل الأفراد فيهم الذكي والغبي والمجتهد والكسول.... إلخ ولا نريد أن تفقد المعاهد العلمية التي هي عقول الدولة كفاءتها كماً أو نوعاً أو كلاهما. المعاهد العلمية هي القيادة العلمية للدولة وهي الأكثر 12 ارتباطا بالتنمية إن أحسنا إدارتها وليس صحيح أن العمود الفقري للتقدم العلمي هو التعليم أو التدريب فهذه مجالات عامة تحقق تطور علمي عام ودور معهد الدراسات التعليمية هو تطوير قطاع التعليم، وكم كان هناك اهتمام بالتعليم ووجدنا وزراء تعليم مخلصين ومجتهدين ولكن عجزوا عن تطوير التعليم فكانت خططهم نظرية أو جزئية أو ضعيفة أو غير ذلك، وما يقال عن معهد الدراسات التعليمية يقال عن بقية المعاهد العلمية إذن المعاهد العلمية هي الأكثر قرباً وفهماً واتصالاً بأهل التنمية فهي متفرغة كليا للعلوم التي تحتاجها التنمية ومتفرغة كليا لدراسة الواقع العملي وتجارب الدول الأخرى في التنمية ومتفرغة لمتابعة التقدم العلمي للوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص. عندما أقول أن العلم محيطات من المعارف فإن هذا يعنى أن 13 معهد كبير يتولى دراسة المقترحات لا يكفي وهذا ما قلته لشاب عربي قال أن عندنا معهد يدرس القرارات وذلك لأن القرارات والمقترحات والخطط تتعامل مع مجالات كثيرة وواقع كبير وعلوم نظرية كبيرة فلابد من عدة معاهد كبيرة ومتخصصة لا يقل عددها عن عشرين معهد في كل دولة عربية وأعلم أن أي معهد أو حتى مستشار يمكن أن تعطيه ملف موضوع ما فيسأل أو يستشير ويجتمع ثم يعطيك رأيه، فهذه الآراء ليست علمية، لأنها لا تستند إلى علم كثير وعميق، ودراسات علمية كثيرة ونجد كثير ممن يتكلمون في تخصصهم العلمي وعندهم خبرة سنوات طويلة

عدد الصفحات ٥٣

53الطريق إلى التقدم العلمي يجهلون الكثير من المعلومات عن تخصصهم والواقع وتجارب الدول الأخرى فعبارة « بعمل دراسات كثيرة وتشاور مع أطراف كثيرة وما أقوله لا يتعارض مع القدرة على الوصول للصواب في بعض الجزئيات أو القضايا السهلة ولكن كثيراً من قضايانا عميقة وكبيرة ومتشعبة. من الأمور الغريبة التي اكتشفتها أن كثيراً من المخلصين 14 يفكر فقط في حدود مسئولياته الوظيفية وفي أحسن الأحوال مؤسساتهم و يفكرون في الشعب والدولة والوطن فتجد كثيراً من أساتذة الجامعات يهتمون فقط في البحث العلمي في جامعاتهم لا البحث العلمي في الدولة أو نظام العلم والتقنية وإذا قال كثير من هؤلاء أن هناك جهات مسئولة في الدولة عن هذه المهمات أقول إن المسئولية الوطنية هي مسئولية الجميع وأن كثيراً من الجهات الوطنية لا تقوم بواجبها نتيجة جهل أو فساد أو عجز، إذن من مسئولية كل مخلص العمل على بناء نظام علمي قوي على مستوى الدولة وهذا النظام سيخدم الجامعات والتعليم والوزارات والتنمية والقطاع الخاص. كثيراً ما نسمع في مؤتمرات علمية سؤال مثل لماذا نجحت 15 كوريا الجنوبية وفشلت مصر ؟ وأقول ليس المطلوب أن نعرف الإجابة على هذا السؤال ولست بحاجة إلى سماع أجوبة كثيرة ومتناقضة على هذا السؤال، فأوضاع مصر غير أوضاع كوريا والمطلوب أن نوجد معاهد علمية كبيرة ومتخصصة في كل دولة عربية ويدرس كل معهد القطاع المسئول عنه سواء كان اقتصاد أو صناعة أو إدارة أو تعليم أو غير ذلك ويعرف واقعه المحلي وواقع كوريا وغيرها ثم يقوم بالاجتهاد في وضع الخطط والقرارات ولا نريد أن ننشغل بأسئلة عامة أو بعيدة عن واقعنا أو فلسفية أو القيل أو القال.

عدد الصفحات ٥٤

54الطريق إلى التقدم العلمي كيف نتقدم علميا ؟ هناك أمور كثيرة من شأنها المساهمة في تحقيق التقدم العلمي ولقد اخترت أهمها والتي أرجو إن شاء الله أن ندرك أهميتها ونسعى لتطبيقها ومن هذه الأمور ما يلي: 1 إذا كنا نعرف قول الله تعالى (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وقوله (والذين جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لمََعَ المحُْْسِنِينَ) وقوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وقوله (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) إذن علينا أن نزيد من رصيدنا من علم الإسلام ورصيدنا من الطاعة ونقلل رصيدنا من السيئات فالأساس للتقدم العلمي هو أن يكون لدينا رصيد من علم الإسلام والالتزام به حتى نكون قادريين على التعامل مع الحياة بمشاكلها المختلفة وطموحاتها المتنوعة فأصحاب الإيمان يوفقهم الله وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: من نسأل بعدك ؟ فقال اسألوا عبدالوهاب قيل: ليس له سعه في العلم (ليس عالم كبير) قال: انه رجل صالح مثله يوفق للصواب الخطوة الأولى في سعادة الأفراد والأسر والشعوب والحكومات هو الرجوع إلى الله سبحانه وتعالي وأن نعلن أننا عبيد له فلا إله إلا الله، فمن يكن حقاً مع الله سبحانه وتعالى فهو القوي والمنتصر والسعيد حتى ولو كان وحده والعالم كله ضده ولنا في حياة الأنبياء أمثلة تثبت ما أقول، ومن سنن الله سبحانه وتعالى أن الإصلاح الحقيقي والتقدم الفعلي الشامل لا يتحقق أبدا لأصحاب العقائد الباطلة والمعاصي بل نصيبهم الشقاء النفسي والاجتماعي في الحياة الدنيا والآخرة مهما حققوا من

عدد الصفحات ٥٥

55الطريق إلى التقدم العلمي قوة ومن مال وصحة فهؤلاء لا يرون كثيراً من الحقائق الفكرية والواقعية حتى ولو كان عندهم مستشارين صادقين فتراهم يضرون أنفسهم أو أوطانهم فلا يقبلون النصيحة ويظنونها خاطئة وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أعمى بصائرهم فالترابط بين العلم والطاعة وثيقة ومما يروى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال لي إن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

عدد الصفحات ٥٦

56الطريق إلى التقدم العلمي 2 أغلب المعاهد العلمية العربية الحالية هي معاهد صغيرة ومشوهة أو قليلة الإمكانيات أو محدودة الصلاحيات أولم نحسن تخطيطها و إدارتها وهذا يعنى أننا حتى الآن لم ندخل عالم الدراسات العلمية أي نحن بحاجة وفوراً إلى مئات المعاهد العلمية الكبيرة والمتخصصة في العالم العربي لتكون هذه المعاهد هي عقول وعيون دولنا وشعوبنا الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والصحية والصناعية والزراعية والنفطية وغير ذلك، وعلينا أن نعتبرها السلطة العلمية ورأس الحربة والعمود الفقري للتقدم العلمي لأنها تربط العلم بالتنمية وأهل العلم بأهل التنمية وأهمية المعاهد العلمية أمرا اقتنعت به بناء على خبرة أكثر من ثلاثين عاما في معهد الكويت للأبحاث العلمية وتأملت كثيرا في الواقع المحلي والعربي، وقد تطرقت لهذا الموضوع في عدة كتب موجودة على شبكة الإنترنت وسأركز هنا على النقاط التالية: أغلب المعاهد العربية والباحثين العرب لم 1 يعرفوا ما هو دورهم في خدمة التنمية وتقريبا لا يوجد عندنا أفراد متخصص في معرفة العلاقة بين العلم والتنمية وأكثر من يتكلمون في هذا الموضوع هم المتخصصون في مجالات العلوم والهندسة فهم يفتون في مجال غير مجالهم، أي أن هذا ليس كيمياء أو هندسة ميكانيكية وهذا وضع أضعف كثيراً من كفاءة أبحاث ودراسات المعاهد العلمية والجامعات وجعل مخرجات البحث العلمي متواضعة جداً، وأقل من الإمكانيات المتوفرة له حتى لو كانت إمكانيات قليلة بل جعل التنمية في واد والعلم في واد آخر، وجعل الاقتناع بأهمية الأبحاث والدراسات العلمية المحلية ضعيف جدا من شعوبنا وحكوماتنا والسياسيين والقطاع الخاص، فهي علاقة تغلب عليها المجاملات ومن يريد أن يقتنع بما أقول فليأخذ نتائج الأبحاث والدراسات

عدد الصفحات ٥٧

57الطريق إلى التقدم العلمي العلمية خلال العشرين سنة ثم يسأل أهل التنمية ماذا استفدتم منها؟ وأقول ليس الهدف الأول من الأبحاث العلمية هو الحصول على ترقية أو النشر في مجلات عالمية أو زيادة حجم السيرة الذاتية أو الحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه، بل الهدف هو خدمة التنمية وإلا فأوطاننا تخسر والباحثون خاسرون أيضا وهذا واقع شاهدته على مدى عقود، فالباحثون يعانون من الإهمال وأيضا التنمية تعاني من التخلف. تتطلب المعاهد العلمية وكل نشاط بحثي نوعية متميزة جدا 2 من العمالة ولا أبالغ إذا قلت أنه في كل مئة من الحاصلين على شهادة الدكتوراه أو غيرها لن نجد إلا عشرة أو حتى خمسة متميزين، إذن علينا أن نحشد للمعاهد العلمية وغيرها أفضل ما لدينا من خبرات علمية وعملية و أكثرهم إخلاصاً واجتهاداً واحتراماً للعلم وعلينا أن نعطى وزنا للرصيد العلمي لا للشهادات وليعمل كل عقل متميز في هذه المعاهد سواء بتفرغ كامل أو جزئي بما فيهم العقول المتميزة في القطاع الخاص، وإن لم يتحقق هذا فستكون المعاهد العلمية معاهد فاشلة وإذا نظرنا في العمالة الموجودة حاليا في المعاهد العلمية سنجد أن الغالبية منها لا تصلح، لأنها تفكر بالراتب والترقية والمنصب وعلينا التخلص منها وما أطالب به شئ ضروري وليس من المثاليات، لأنه ممكن التحقيق فالمعاهد العلمية هي عقول الدولة فعلينا أن لا نسمح بأي تلوث فيها ولنحول الواسطات والضغوط إلى مؤسسات أخرى تعتبر المعاهد العلمية هي الأقرب إلى العلم الذي 3 تحتاجه التنمية فهي أقرب من التعليم والتدريب لأن المطلوب أن تقود المعاهد العلمية التنمية الإدارية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك وتحتاج أن تكون مستقلة لدرجة كبيرة ولهذا يجب أن تكون تابعة للحاكم أو رئيس الوزراء وليُعطى العاملين فيها أفضل الرواتب في الدولة ولتُعطى الصلاحيات العلمية التي

عدد الصفحات ٥٨

58الطريق إلى التقدم العلمي تحتاجها ولتُفتح لها أبواب التعاون، ولتقوم بعمل المقابلات والدراسات الكثيرة، وستتراكم الخبرات فيها بسرعة كبيرة وستكون قادرة على رؤية العلم والواقع المحلي والواقع العالمي والاجتهاد بعد ذلك في تقديم الحلول لمشاكلنا والخطط لطموحاتنا ولن تعطينا توصيات جزئية أو خاطئة أولا يمكن تطبيقها وستكون منبع المقترحات والتوصيات وحتى آليات تنفيذها وسيكون لها دور في متابعة التنفيذ والتطور. أساتذة الجامعة مشغولين بالتدريس ووقتهم 4 المخصص للأبحاث قليل والهيكل الإداري الجامعي ليس منظم كأقسام وكليات لخدمة قطاعات تنموية بل هو يعتمد على تخصصات علمية وأساتذة الجامعة في الغالب نظريين ومعرفتهم بالواقع محدودة وعلاقتهم بالحكومة والقطاع الخاص والوزارات محدودة وجزئية وهذا وغيره يجعلهم غير قادرين على خدمة التنمية، ولي كتاب بعنوان موجود على شبكة الإنترنت أما قوة الوزارات العلمية أي مستشاريها ومسئوليها وإدارات الدراسات والتخطيط فيها فهي ضعيفة لأسباب كثيرة منها غرور المسئولين بآرائهم أما المستشارين الأجانب فلا يعرفون الواقع المحلي ودورهم مؤقت، أما اللجان والمجالس داخل الوزارة أو على مستوى الدولة فهي لجان ذات إمكانيات قليلة وغير متفرغة ولا تقوم بعمل دراسات كثيرة وعميقة وما ذكرته من نقاط ضعف يتم تلافيها في المعاهد العلمية لأن فيها أفضل الكوادر التي تعمل بتفرغ كامل وبعضها جزئي وفيها العمل الجماعي والدراسات الكثيرة الميدانية، والاتصال الأسبوعي مع الجهات المستفيدة، ومراقبة تنفيذ التوصيات، وكل معهد يخدم قطاع محدد وبكل معهد مئات المتخصصين المتميزين وهذا يؤدى إلى تراكم الخبرة، لأن عملها مستمر وتراكم الخبرة سيؤدى إلى سرعة حل المشاكل مع الزمن والقدرة على تقديم أفكار متميزة ومقترحات رائعة. أقصد بالتكنولوجية المتخصصة في مجالات 5

عدد الصفحات ٥٩

59الطريق إلى التقدم العلمي البترول والصناعة والزراعة والطاقة والمياه.... إلخ فأغلب المعاهد العربية في هذه المجالات فشلت في تحقيق إنجازات هامة وهذا وضع استمر لثلاثين عاماً ولازال مستمرا وأدعو إلى الاقتناع بأننا بحاجة ماسة إلى الابتعاد عن الجوانب الفنية البحتة، والتركيز أكثر على الدراسات الاقتصادية والقانونية والسياسية وغير ذلك المرتبطة بالنفط والزراعة والطاقة.... الخ فالانتباه لأهمية الجوانب الاقتصادية في الطاقة قد يأتي بمردود أكبر بكثير من التركيز على الجوانب الهندسية والفيزيائية وتأثير الحوافز على قطاع الزراعة أكبر بكثير من تأثير تطوير بذور الطماطم، والنجاح في عمل منطقة صناعية كبيرة أكثر تأثيرا في الاقتصاد من اختراع عامل مساعد جديد للتفاعلات الكيميائية فنحن بحاجة أولا أن نتطور في العلم الذي يحقق قفزات تنموية قبل أن نتطور في البحث العلمي (التطويرات والاختراعات والاكتشافات) وقد تطرقت لذلك في كتاب (لا للأبحاث التطويرية) وأعتقد أننا بحاجة إلى أبحاث تطويرية في مجالات محددة مثل أبحاث المياه وأبحاث الطاقة الشمسية، وكم ضيعنا من وقت باحثين ومن مواردنا ومن الزمن في أبحاث قلدنا بها الغرب ولم يكن لها أي مردود على التنمية في بلادنا ولازال هذا المسلسل المكسيكي مستمر. هناك تقليل كبير جدا عند كثير من المتخصصين 6 في العلوم والهندسة لأهمية الدراسات الاجتماعية وأقول علم التخطيط مهم جدا وكذلك علم الإدارة وعلم الاقتصاد وعلم التعليم وغير ذلك وأهم العلوم على الإطلاق هو علم الإسلام لأنه يبنى الإنسان وقد قيل وكم ستصفق شعوبنا إذا نجح الباحثون الإداريون في تطوير وزارتنا ومستشفياتنا وجامعاتنا ومدارسنا.... إلخ إداريا وقل مثل ذلك عن النجاحات الاقتصادية والتعليمية والسياحية وغير ذلك فلنعيد للعلوم الاجتماعية أهميتها ووزنها ولنشاهد

عدد الصفحات ٦٠

60الطريق إلى التقدم العلمي حضور قوي للمتخصصين في الإدارة والاقتصاد والسياسة والاجتماع في مؤتمرات البحث العلمي، ومن الأخطاء الكبيرة الاعتقاد أن هذه ليست علوم هامة جدا وأن دورها في التنمية ضعيف وقد تم إنشاء معهد الكويت للأبحاث العلمية قبل أكثر من أربعين عاماً وحتى الآن لا نجد حتى نية لعمل معهد للدراسات الاقتصادية ومعهد للدراسات الإدارية وغير ذلك. من الضروري جدا أن تجمع المعاهد أهم أبرز الكفاءات 7 العلمية الوطنية للعمل بصورة كلية أو جزئية، وأن تتوفر لها الإمكانيات المالية الكبيرة والتدريب المكثف والصلاحيات الكاملة للدخول للوزارات والمؤسسات وعمل المقابلات وهذا يتطلب إدارة ذات مستوى عالي وناجحة إدارياً وسياسياً وعلمياً وواقعية ومتفائلة ونشيطة وأمينة وسيتم إدارة المعاهد العلمية بدرجة عالية من التشاور والعمل الجماعي وإلا ستكون المعاهد العلمية فاشلة في أداء مهمتها وستكون أضعف علميا من أهل التنمية وقال لي أكثر من مسئول عربي إن هذه المعاهد الحكومية ستكون فاشلة وأقول نعم إذا تم إختيار أفرادها بالواسطة أو ليسوا بمستوى العلم وأهله أو تم إدارتها بطريقة سيئة أما إذا كان عندنا خبراء متميزين في إخلاصهم وعلمهم وحكمتهم ويعملون بصورة جماعية ودائمة ويشاورون الجميع فإنهم سيكونون أفضل بعشرات المرات من العقول الموجودة في الحكومات أو غيرها، وقد قيل لرجل من عبس ونحن نشاوره فكأننا ألف حازم الشروط المطلوبة لنجاحها. مئات العاملين في معهد الدراسات الإدارية هم 8 أفراد تم تأهيلهم نظريا وعمليا ويعملون بصورة جماعية وسيدخلون الوزارات والمؤسسات والمستشفيات والمدارس لينظروا في أوضاعها الإدارية من لوائح وأنظمة وإجراءات وصلاحيات وينظرون في كفاءة الخطط التشغيلية والإستراتيجية وفي

عدد الصفحات ٦١

61الطريق إلى التقدم العلمي هيكلها التنظيمي وفي كفاءة المدراء والموظفين وفي نظام الثواب والعقاب ويفكرون كيف يرفعون من المعنويات؟ ويتأملون في كفاءة التدريب، وقوة الاتصالات، وجودة الاجتماعات وغير ذلك، وسيقرأون ما يوجد من تقارير ودراسات ويعملون مئات المقابلات مع المسئولين والموظفين ثم بعد ذلك يكتبون دراساتهم وتقاريرهم، ويقدمون توصياتهم ومقترحاتهم الواقعية التي تطور العمل الإداري، ويراقبون تطبيقها ويكررون هذا العمل كلما تطور العمل الإداري وبهذا الشكل هم من يقودون التطور الإداري لا مسئولين كفاءتهم الإدارية في الغالب ضعيفة، أليس دورهم أقوى من مستشار أو لجنة لأنهم مئات المستشارين والمتخصصين وعندهم الوقت لعمل دراسات كثيرة، وعملهم مستمر لسنين، ويدخلون في التفاصيل والأرقام، وهناك ميزة هامة جدا للمعاهد العلمية وهي أنها لن تكون تابعة للوزير أو للوكيل وهذا يجعلها قوية وليس لديه القدرة على رفض توصياتها أو يكون لديه الاقتناع أنه أفهم منهم بالإدارة وفي نفس الوقت هي واقعية ولا تحمل المسئولين أكثر مما يطيقون وما ينطبق على معهد الدراسات الإدارية ينطبق على معهد الدراسات الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية والسياحية والزراعية وغير ذلك. كثيرا ما سمعت من يقول إننا مقتنعين بأهمية المعاهد 9 العلمية وضرورة وجودها وأقول بناء على خبرة لم أجد إلا قليل جداً من يهتم بوجود المعاهد العلمية لا من أهل التنمية ولا من أهل العلم وعلى سبيل المثال كم من أساتذة الجامعات من سمعتموه يطالب بوجود معاهد علمية مستقلة وكبيرة؟ إذن الاقتناع الشعبي والحكومي لازال ضعيف جداً وهذا وضع يجب أن يدفعنا لتبني هذه الفكرة حتى تتحول إلى واقع نشاهده. قال لي دكتور عربي10 (معهد) للرصد الاجتماعي وسيقومون بإنشاء معاهد علمية كلما اقتنعوا بالحاجة إليها

عدد الصفحات ٦٢

62الطريق إلى التقدم العلمي واقتناع بل تطبيق فوري فهذه قضية بديهية فنحن بحاجة إلى دراسات علمية كثيرة جدا تتعلق بحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، ودراسات عن الزراعة والصناعة والسياحة والصحة وغير ذلك ودراسات عن تجارب الدول الأخرى الناجحة والفاشلة في هذه المجالات وذلك حتى نشخص نقاط قوتنا وضعفنا والفرص المتاحة والصعوبات الموجودة وعلاقة كل ذلك بإمكانياتنا وظروفنا فليس هدفنا من المعاهد العلمية عمل اكتشافات فيزيائية أو اختراعات طبية، فأنا أتكلم عن قرارات وخطط وبرامج وأهداف في كل هذه المجالات فكيف لا نحتاج للعلم وإلى متى نرفض أن تقودنا المعاهد العلمية ونبقى منفذين لآراء هذا الوزير ويأتي من بعده فيغير كما يشاء، باختصار نريد أن يقودنا العلم أي علماء يعملون بصورة جماعية وواقعية وعميقة وشاملة ونريد أن تكون المعاهد العلمية هي التي تقضي على الاختلاف، لأن نصيبها من العلم أكبر منا بكثير. يقول البعض إن ما ستقدمه المعاهد العلمية من معلومات 11 ومقترحات وتوصيات مفصلة وخطط لن يتم تطبيقها، وأقول هذا مستحيل فلو أننا افترضنا أن نصفنا مخلصين فإن هؤلاء المخلصين سيحاولون تطبيق التوصيات التي تقدمها المعاهد العلمية فمن التشاؤم واليأس وعدم الواقعية رؤية الصعوبات والفاسدين وعدم رؤية الإمكانيات والمخلصين وإن كان الفساد وصل إلى درجة كبيرة في هذا المجتمع العربي أو ذاك فالأفضل ألا يتم عمل معاهد بحثية ولا يتم الحديث عن التنمية والإصلاح والتطور فإن لم تكن هناك نوايا صالحة فلن تنفع معاهد علمية ولا جامعات ولا مدارس ولا خبراء وصحيح أن المسئول الفاسد لن يطبق الدراسة العلمية إذا كانت تضر مصالحه أو أسياده ولكن هناك مسئولين مخلصين لم يطبقوا دراسات لأنها مثالية أو جزئية أو لا يملكون الصلاحيات علمية ومعاهد علمية وليس من المعقول أو المقبول أن نتوقف عن عمل الدراسات العلمية لأن هناك من لا يطبقها، فالعلم نور ينير الطريق إلى التنمية.

عدد الصفحات ٦٣

63الطريق إلى التقدم العلمي أطالب بإنشاء أكثر من معهد علمي في كثير من التخصصات 12 وأن يكون بعضها ممولاً من القطاع الخاص أو شركة أو بنك أو حزب سياسي أو نقابة أو غير ذلك فقد آن الأوان كما في الغرب أن تكون هناك دراسات وأرقام تدعم هذا الرأي أو ذاك ومطلوب من كل صاحب مصلحة العلم يقف معه وليس معنى هذا الاحتكام للأهواء وتشجيع التعصب لطرف بل كل طرف يرجع لأفراد متخصصين يقدمون له دراسات علمية كما نشاهد في الغرب ومطلوب أن تكون هناك شفافية تسمح بالتعرف على الدراسات الموجودة لتأييدها أو نقدها أو تطويرها ولينتهي عصر تقديم اقتراحات شفوية أو كتابية بصفحات قليلة فالدراسات العلمية أعمق من ذلك بكثير.

عدد الصفحات ٦٤

64الطريق إلى التقدم العلمي 3 بالتأكيد عند العرب رصيد علمي في الزراعة والصناعة والتعليم والإدارة والسياسة والإقتصاد..... الخ، ولكنه رصيد متدني إذا تم مقارنته بما وصلت إليه الدول المتقدمة فهذه الدول صرفت آلاف المليارات من الدنانير خلال الثلاثين سنة الماضية على الأبحاث العلمية فلذلك رصيدها العلمي مما عملته من دراسات وأبحاث كبير جداً ففهمت جوانب كثيرة من الاقتصاد والصناعة والزراعة وهي دول صرفت أيضا آلاف المليارات من الدنانير خلال قرن أو أكثر على التعليم والتدريب فالولايات المتحدة لديها آلاف الجامعات ولديها نسبة عالية من الحاصلين على الشهادات العلمية والتدريب المتخصص، وإذا قارنا هذا بما لدينا من نسبة عالية من الأمية والفقر والتفرق ومكر الأعداء وغير ذلك نجد أن هناك مستويات مختلفة من العلم والجهل ونحن مقتنعون بأهمية العلم ولكن مقدار ما نصرفه عليه من جهد ومال قليل جدا كنسب وكأرقام وأدعو إلى تحقيق قفزات كبيرة وبسرعة، وسأذكر هنا بعض الأمور التي تساعد على ذلك:- هناك علاقة وثيقة جدا بين عدد الدراسات مئات الآلاف من الدراسات: 1 والأبحاث العلمية وبين زيادة الرصيد العلمي ولهذا أدعو العرب إلى البدء فورا بتبني مبدأ ربيع الدراسات إن صح التعبير بأن نشجع الصغير والكبير والموظف والمتقاعد والرجال والنساء... إلخ على عمل دراسات علمية في التخطيط والإدارة والتعليم والزراعة والصناعة والإقتصاد والسياحة.... إلخ دراسات علمية تتعامل مع الأرقام والمعلومات الصحيحة، وتشخص مشاكلنا وخلافاتنا وطموحاتنا وقضايانا، وأن تكون بعضها دراسات فردية وكثير منها جماعية وأن يتم عمل الدراسة للموضوع الواحد من أكثر من فريق أو فرد وتأخذ الدراسات العلمية على الأقل ستة شهور من الجهد الكبير وكم هناك من دراسات هزيلة لا تستحق ثمن الورق الذي كتبت

عدد الصفحات ٦٥