المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الطريق إلى التقدم العلمي

عيد الدويهيس

صفحة ٢ من ٧

17الطريق إلى التقدم العلمي تخطيط بلا علم يبدو أنه لم يقتنع بكلامي عن أهمية المعاهد العلمية فقال خطة للدولة ثم تتكاتف الجهود لتنفيذها للدولة برصيد وطني علمي ضعيف فهناك نقص شديد جداً في المعلومات والأرقام والتحاليل والدراسات العلمية والمقترحات الصحيحة... الخ والمعاهد العلمية هي التي ستزودنا بذلك والفرص المتاحة والتهديدات والصعوبات والأولويات والوسائل والأعمال والميزانيات المطلوبة وغير ذلك وقد يقول قائل يحتاج إيجاد المعاهد إلى أموال ووقت وأقول يمكن الاجتهاد في اختصار الزمن والتكاليف وقال لي دكتور ومثقف لنهضة الأمة أقترحها فلان وفلان وفلان... الخ وهذا الرأي يوجه ضربة قاضية لمقترحي مشاريع النهضة جاهزة وعندنا ما يكفي من علم وما ينقصنا هو التطبيق والعائق في رأيه هو غياب الإخلاص لدى الحكومات وليس الجهل الحكومي والشعبي. وكم سمعت من يوجه اللوم للحكام والحكومات ولو أنصفوا لقالوا إن أنظمة الحكم هي الصورة في المرآة لواقع الشعوب وفيها ما فيهم من إيجابيات وسلبيات وأن في كليهما مخلصين وفاسدين وجهلاء وواعين ويا ليت الجواب السائد هو أن تخلفنا سببه ذنوبنا وجهلنا قبل أي شيء آخر وأعود لمشاريع النهضة المقترحة فأقول أنني لم أطلع عليها وهل الاختلاف بينها اختلاف اجتهادي أو جذري وأيها صحيح وأيها خاطئ ولو كان خلف هذه المشاريع أفراد أو أحزاب أو جماعات أو مستشارين أجانب أو حكومات أو غير ذلك أو كل ذلك فلن تكون ناجحة إن كانت الوطني العلمي ضعيف فمن المستحيل عن فرد أو غيره إمكانية حالية لعمل مشروع شامل للنهضة أما إذا كانت مشاريع النهضة تتكلم عن مبادئ عامة وخبرات اقتنع بها أفراد مثلاً إذا تعاون العرب بإمكانياتهم الهائلة فسيحققون قفزات كبيرة وإذا دعموا بشدة القطاع الخاص

عدد الصفحات ١٨

18الطريق إلى التقدم العلمي فسيتطورون وإذا اهتموا بالتعليم والبحث العلمي سيتقدمون وإذا عملوا أكثر مما يتكلمون سيحققون إنجازات كثيرة... الخ فهذه المبادئ وغيرها معروفة بل بديهية والمشكلة هو في كيفية تطبيقيها على أرض الواقع فعندما ندخل بالتفاصيل سنجد أننا بحاجة إلى علم كثير ومشروعي للتقدم العلمي لا يتكلم عن رؤية أو تصورات أو قرارات ناهيك عن خطة أو خطط لدولة أو حتى لقطاع فلن أفتي في التعليم أو الإدارة بل هو آلية لربط العلم بالتنمية من خلال إنشاء معاهد علمية كبيرة تكون عيون وعقول الدولة وهي من ستتولى تحديد القرارات والبرامج والخطط المطلوبة للتنمية والنهضة وإذا كانت بعض مشاريع النهضة تقول ما أقول فأنا أتفق معها أما إذا كان بعضها مقترحات محددة فإن المعاهد العلمية ستدرسها وغيرها كثيراً من الآراء ستسمعها من هذا الطرف أو ذاك فإن اقتنعت بفائدتها فستسعى لإقناع المسئولين عن التنمية بها ليطبقوها. وكم منا من سمع من آراء إدارية أو اقتصادية أو تعليمية أو غير ذلك وسمع أيضاً ما يخالفها وكلها تبدو منطقية وصحيحة ولكن مشكلتنا أننا لا نملك الرصيد العلمي الكافي للحكم عليها فقد قال لي أستاذ بكلية الطب لسنين طويلة ولكن رأي المسئول الشاب أن النظام الجديد سيكون أفضل الرأيين يبدو صحيحاً ولديه أدلة ولكن الدراسات العلمية ستبين لنا أيهما الأصوب أو أن هناك بديل ثالث أفضل وكم سمعنا من يقول لو كنت مسئولاً لاتخذت هذا القرار أو عملت كذا وبعض هؤلاء إذا أصبح مسئولاً كبيراً رأيته يعجز وتتواضع طموحاته وأحلامه وقدراته صعوبات لم يكن يعلم بها أو غير ذلك وهذا يثبت أن التنمية تحتاج إلى علم كثير لا نملكه حالياً كأفراد ودول وسأكتفي بمثال واحد وهو هل يعلم المخلصين الواعين فينا كيف يعملون بصورة جماعية كما يعمل اليابانيون؟ الجواب هو لا فلنزيد رصيدنا من العلم أولا ولنوجد معاهد علمية يكون من مهامها فرض العمل الجماعي وغيره علينا فرضاً وإلا سنبقى جاهلين بالطريق إلى العلم والتنمية أو يقدم لنا كأفكار واقتناعات ونصائح لن يطبقها إلا القليل منا.

عدد الصفحات ١٩

19الطريق إلى التقدم العلمي التنمية الحالية مبنية على الجهل إذا كنا نعرف ونعترف بأننا دول نامية أو بتعبير أدق متخلفة علمياً في مجالات العلوم الصناعية والزراعية والتخطيطية والإدارية والاقتصادية والتعليمية... الخ. فإننا ننسى ذلك فجأة ويقوم المسئولون والقوى الشعبية والجمعيات المهنية والمستشارون وغيرهم باتخاذ قرارات أو تقديم مقترحات أو حتى وضع خطط، وأقول إذا حشدنا كل ما في الوطن من مخلصين مؤهلين من مسئولين وباحثين ومستشارين وأساتذة جامعات ورجال أعمال وقيادات المعارضة وألف مستشار لتضع خطط وبرامج Think Tankأجنبي... الخ وعملنا منهم مجموعة تفكير كبيرة وقرارات لتحقيق التنمية الاقتصادية والإدارية والتعليمية والزراعية والسياحية... الخ فلن يستطيعوا إلا تقديم بعض المقترحات الصحيحة وقد يقدموا بعض المقترحات الخاطئة فكل هذا الحشد لا يعني أننا خرجنا من تصنيف الدول المتخلفة فلا ننسى ذلك فكل رصيدنا العلمي الوطني لا يصل إلى حتى من الرصيد العلمي الذي نحتاجه حتى نحقق قفزات في التنمية، وأنا هنا أتكلم عن تنمية دولة ولا شك أنه يمكن الوصول للحق والصواب في القرارات والبرامج إذا كان الكلام عن جدوى إنشاء مصنع أو إحداث بعض التطور في بعض المجالات، إذن القرارات والبرامج والخطط التي تبدو لنا جميلة ومنطقية ونظن أننا بذلنا في إعدادها الكثير من التشاور والأموال والوقت وجمع المعلومات هي في الغالب خاطئة إذن التنمية عندنا تنطلق من قاعدة الجهل المطلوب) فنحن نفتقد نظام علمي قوي وسلطة أولى للعلم في الدولة وما يتحكم بنا هو آراء أفراد ومجموعات أو أحزاب أو حكومات أو معارضة أو غير ذلك، ولهذا الاختلافات بيننا كثيرة وكبيرة فالعلم يوحد والجهل يفرق. وذكرت أعلاه المخلصين فقط فكيف إذا تلوثوا بالفاسدين من أصحاب المناصب والمتخصصين فإن رصيدنا

عدد الصفحات ٢٠

20الطريق إلى التقدم العلمي العلمي يصبح أكثر ضعفاً إذن جزء كبير من الفساد والأخطاء والانحرافات تحدث من المخلصين الواعين لأن كل الرصيد الوطني العلمي ضعيف فكيف برصيدهم كأفراد ومجموعات ولجان وكيف إذا كان رصيدنا الوطني الحالي مفكك ومقطع وتغلب عليه الفردية والانفرادية ومشاركة الآخرين في الغالب شكلية ولا يتعاون المخلصين بل كأن بينهم وبين العمل الجماعي عداء مستحكم حتى لو كان تعاونهم يحقق مصالح مشتركة لهم وللشعب وهذا يعني أن ما عندنا حالياً من خطط في أغلب الدول العربية إن كانت هناك خطط أصلاً هي خطط وهمية أو ضعيفة أو جزئية وما أقوله ينطبق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص أيضاً فلا تخطيط بلا علم قوي ولا علم قوي بلا دراسات علمية كثيرة جداً ومن الأدلة على ضياعنا أن القرارات بل والخطط تتغير بتغير المسئول سواء كان حاكماً أو وزيراً أو وكيلاً أو غير ذلك إذن يجب أن تتوجه جهود المخلصين الواعين فوراً إلى بناء نظام علمي وطني متقدم على رأسه معاهد علمية كبيرة ومتخصصة فيها أفضل العقول المخلصة في الوطن لتعمل بصورة كلية أو جزئية فتقوم هذه المعاهد بقراءة التقارير والدراسات وتعمل الاجتماعات الكثيرة وتجتمع مع المسئولين والموظفين والقطاع الخاص والمعارضة وغيرهم وتتعمق كثيراً في معرفة واقعنا الإداري والاقتصادي والزراعي... الخ بعمل آلاف الدراسات وتتعرف على تجارب الدول الأخرى في الإصلاح والتطوير فهي عقول وعيون الدولة ثم تعطينا الجرعة الأولى من المقترحات والقرارات والبرامج والخطط، فيقوم أهل التنمية من حكومة وقطاع خاص وغيرهم بتطبيق العلم وأهله وبين التنمية وأهلها، وأن علينا أن نحشد وبسرعة الطاقات والعقول والأموال الكثيرة لبناء رصيد علمي وطني كبير، وعلى الحكومات أن تجتهد، وعلى الأغنياء أن يتبرعوا بكثير من المال خاصة، وأن بعض كبار الأغنياء العرب ضربوا أمثلة قياسية في التبذير وعدم الإحساس بمعاناة العرب ومشاكلهم، ويجب أن يدرك

عدد الصفحات ٢١

21الطريق إلى التقدم العلمي القطاع الخاص أن بناء الرصيد العلمي الوطني هو من مسئوليته أيضاً فهو واجب إسلامي ووطني وأيضاً لا يمكن أن تكون هناك تنمية يستفيد منها القطاع الخاص إذا كان الرصيد العلمي الوطني ضعيف، فالأولوية اليوم لبناء القطاع العلمي القادر على التعامل مع مشاكل التوظيف والإدارة والصناعة والسياحة والتعليم... الخ وسيرسل كل طرف في الدولة فرد أو مسئول أو حزب أو جماعة أو موظف أو غير ذلك ما عنده من مقترحات وتصورات لهذه المعاهد لتحكم بصوابها أو خطئها أو تعديلها. وباختصار الصوت الحالي عندما يتكلم وسيستمر هذا الوضع حتى يوجد نظام علمي قوي فلا يغتر البعض بعقولهم وآرائهم ومقترحاتهم ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

عدد الصفحات ٢٢

22الطريق إلى التقدم العلمي اجتهاد بلا درا قيل إن الإمام مالك بن أنس رحمه الله سُئل في ثمانية وأربعين مسألة في الدين فقال في اثنتين وثلاثين لا أعلم وقيل من قال لا أعلم فقد أفتى وسُئل أبو يوسف قاضي القضاة في بغداد أيام الخلافة العباسية عن موضوع فقال للسائل لا أعلم فقال تأكل من بيت المال كذا وكذا (راتب كبير) ثم تقول لا أعلم قال علمي ولو أكلت بقدر جهلي لما كفاني ما في الدنيا جميعاً وهذا يعني أن رصيدها من العلم في مجال الاقتصاد والإدارة والسياحة والزراعة والصناعة محدود إذن عندما نعتقد أو نظن أن الخبير المحلي أو الأجنبي أو الأستاذ الجامعي أو تكوين لجنة كبيرة على مستوى الوطن أو الاستعانة بمكتب استشاري أجنبي أو كل هؤلاء مجتمعين قادرين على إعطاء إجابات شاملة وعميقة لكثير من الأسئلة التي تتعلق بالتنمية فإننا مخطئون جداً فنادراً جداً منهم من يقول: لا أدري حتى لو أعطيته دراسة جدوى ومفاهيم لا خلاف عليها، ولا يدخل بالتفاصيل، وبعضهم يحدد موافقته أو اعتراضه على قرار أو خطة أو برنامج بأدلة تبدو منطقية ومقنعة ولكنها ليست صحيحة وبعضهم يعطي إجابات جزئية صحيحة، لأن لها علاقة وثيقة بتخصصه ولكنه ينسى أو يتجاهل جوانب كثيرة للموضوع قد لا تدخل حتى في مجال التخصص فكثير من القضايا متشعبة، أي كثير من القضايا الاقتصادية مثلاً لها جوانب سياسية، وكثير من المسئولين عندما يستمعون إلى رأي مستشار أو لجنة كبيرة أو مكتب استشاري أجنبي فإنهم يتعلمون بعض العلم وقد يقتنعون به، ولكن كما قلت كثير مما يقوله هؤلاء خاطئ بمعنى أنه جزئي أو سطحي وليس في اكتشافي هذا سر وذلك لأن هذا ما رأيته خلال سنين طويلة من الممارسة العملية وغيرها، ولأن العلم الذي تحتاجه التنمية يحتاج دراسات علمية كثيرة جداً ونحن رصيدنا قليل جداً إذن ما

عدد الصفحات ٢٣

23الطريق إلى التقدم العلمي يقوله كل هؤلاء هو آراء وليس حقائق علمية ولأنه لو كنا نملك الإجابات الصحيحة المتعلقة بكثير من القرارات والبرامج والخطط كما تحدث في الدول المتقدمة فإننا إذن لسنا دول متخلفة كل بقعة من بقاع العالم العربي الجميل. وأنا لا أطعن أو أقلل مما يوجد من علم عند مستشار أو مسئول أو لجنة أو مكتب أجنبي بل أقول إن ما تحتاجه التنمية أكبر بمئة مرة من كل ما عندنا من رصيد علمي وطني حالي إذا أجمعناه كله بما فيهم الاستعانة بمستشارين أجانب وما أقوله لا يتعارض مع قدراتنا العلمية على الحكم على صواب أو خطأ مشروع اقتصادي أو حل قضية مختلف حولها أو حل مشكلة إدارية محدودة أما إذا تكلمنا عن تطوير اقتصادي أو إداري أو تعليمي أو سياحي أو غير ذلك على مستوى البلد فإن قدرتنا تكاد تكون غير موجودة وليس حلاً أبداً أن نقول فهذا اجتهاد مبني على الجهل وقد قال لي مسئول « التجربة الطريق الرئيسي لاكتساب العلم وهناك ثمن باهظ جداً للتجارب الكبيرة من جهد ومال ومعنويات وزمن، وقد نعمل خطة ثانية خاطئة، وثالثة خاطئة... الخ والحل هو أن نوجد نظام علمي قوي بما عندنا من إمكانيات وهي كثيرة ثم بعد ذلك نجتهد، وأن يكون على رأس هذا النظام معاهد علمية كبيرة ومتخصصة وفيها علماء حقيقيون يتكلمون بصراحة ولا يخجلون أن يقولون لا نعلم إذن من لا يقولون لا نعلم ليسوا علماء ألم أقل أن العلم في واد والتنمية في واد آخر.

عدد الصفحات ٢٤

24الطريق إلى التقدم العلمي تحرير العلم والتقنية المطلوب تحرير وأساطير وخرافات المتخصصين بالعلم والتقنية، فهؤلاء متخصصون في فروع من العلوم والهندسة وليسوا متخصصين في عالم العلم والتقنية والتقدم العلمي وتجارب الدول في التطور العلمي وكيفية ربط العلم بالتنمية، فكثير من هؤلاء بل وغيرهم ظنوا أن التقدم العلمي مرتبط ارتباطاًَ وثيقاً بالاختراعات والاكتشافات أو ما يسمى البحث والتطوير وهذه خرافة، لأن العلم أكبر بكثير من والاكتشافات وغير ذلك تم بناؤه خلال المئتين سنة الماضية، ولأن المطلوب هو أن تتقدم دولنا النامية علمياً ولسنا في مجال الحديث عن كيفية تحقيق التقدم العلمي العالمي، فالاختراعات لا تعتبر أولوية بالنسبة لنا إذن علينا أن نعمل ثورة علمية في دولنا تحررنا من الضياع الذي صنعه بعض المتخصصين بالعلوم والهندسة والذي حدث، لأنهم شاهدوا ما نستورده من الغرب من سيارات وأجهزة وطائرات وأسلحة وأدوية وغير ذلك وما يحدث فيها من تطوير وأبحاث وظنوا وظننا معهم أن الصناعة هي التقدم والتنمية، وأن البحث والتطوير هو عمودها، وأن علينا أن نسعى لأن تكون لنا القدرة على الاختراع وبناء المصانع، وأصبحنا عندما نتكلم عن العلم والتقدم العلمي والأبحاث العلمية نقصد المجالات العلمية البحتة أي العلوم والهندسة بل لا نعتبر علوم الإدارة والاقتصاد والتعليم والتدريب والسياحة... الخ علوم، وتكلمت دولنا عن خطة العلم والتقنية وأحياناً سياسة العلم والتقنية وسيطر المتخصصون في العلوم والهندسة على هذا المجال منذ خمسين سنة إلى يومنا هذا ولازال احتلالهم مستمراً ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في أن يحققوا خدمات حقيقية للتنمية وهذا ينطبق على من عمل منهم في جامعات أو معاهد بحثية أو مستشارين للحكومة.

عدد الصفحات ٢٥

25الطريق إلى التقدم العلمي وهذا أدى إلى إهمال الدراسات العلمية والمعاهد العلمية في مجالات الاقتصاد والإدارة والتعليم وغير ذلك، فتخلفنا فيها كثيراً وزاد الطين بلة أن الكثيرين يتكلمون في هذه المجالات، لأنهم يعتبرونها سهلة فكثيرين يعتبرون أنفسهم يصلحون أن يكونوا مدراء حتى لو لم يكونوا متخصصين بالإدارة والجميع يتكلمون في السياسة ويحددون مواقفهم حتى لو لم يكونوا متخصصين في السياسة، ومثل ذلك يقال عن الفتاوى الاقتصادية أو من يعطيك نصائح اجتماعية أو تربوية أو عقائدية، ولم نكن نعلم أن التطوير الإداري أهم بكثير للدول النامية من التطوير الصناعي فقد قيل « ورأينا الواقع بشموله وليس الواقع الصناعي والتطويري فقط وجدناها متقدمة في علم التخطيط وتطبيقاته وعلم الاقتصاد وتطبيقاته وعلم الإدارة وعلم التعليم وعلم السياحة وعلم العقار... الخ وأن قطاع السياحة فقط يحقق لبعض دولها عشرات المليارات من الدولارات إذن لنحرر العلم من سيطرة أهل العلوم والهندسة ولنجعل السيطرة للإداريين والاقتصاديين والتربويين... الخ ولنوجد المعاهد العلمية الإدارية وغيرها، ولتتحرك المعاهد الإدارية لتطوير أنظمتنا الإدارية في الحكومات والوزارات والمؤسسات والمدارس والمستشفيات ولنقتنع بأهمية التسويق فإذا كان عندك مصنع كبير به أحدث التكنولوجيا، فإن بضاعته ستتكدس إن لم يجد تسويق فعال، وسيعجز عن دفع رواتب العاملين ولنصرف الأموال الكثيرة على الدراسات العلمية في مجال السياحة حتى نطور هذا القطاع الهام وسنجد إذا تعمقنا في عالم العلم والتقنية أن بإمكاننا شراء أحدث المصانع البتروكيماوية والأدوية والمنظفات والسجاد والأثاث وغير ذلك إذا كنا نملك المال فالسوق مفتوح ولسنا محرومين من الصناعات والمصانع والمنتجات الحديثة وأن شراء المصانع أرخص بكثير من صناعتها وأن لا نصيب لنا في النجاح في عالم الاختراعات والاكتشافات، لأنها تتطلب أولاً: قاعدة علمية قوية وهي غير موجودة، وتتطلب ثانياً: أموال طائلة وثالثاً: ليست

عدد الصفحات ٢٦

26الطريق إلى التقدم العلمي مرتبطة بقطاعنا الصناعي، لأنه ضعيف وليس قادر على استثمار ما ننجح فيه من اختراعات وسنعلم أن الجوانب الاقتصادية والإدارية يمكن أن تنهض بالزراعة والصناعة أكثر من الجوانب العلمية البحتة، وإذا حققنا ذلك ستصفق الشعوب لأهل « ساهمت في تقدم التنمية

عدد الصفحات ٢٧

27الطريق إلى التقدم العلمي تطوير اإداري حقيقي الأغلبية الساحقة من المدراء العرب بالحكومات والمؤسسات والشركات ليسوا متخصصين في علم الإدارة، فكيف نتوقع منهم عمل تطوير إداري وهم غير ملمين بأساسيات علم التخطيط وعلم الإدارة؟! وإذا حصل بعضهم على بعض الدورات التدريبية أو قرأ في كتب الإدارة فهذا لا يعني أنهم أصبحوا مؤهلين إدارياً، فالتخصص بعلم الإدارة يحتاج سنوات من التفرغ، والعلم درجات والجهل درجات، ومن هو متخصص من المدراء بعلم الإدارة لا يعني أنه خبير أو متميز أو قادر على إحداث تطوير حقيقي، فقد يكون من النوعية التي لم تطور علمها بعد التخرج، وإذا أدركنا أن الجزء الأكبر من التخلف الإداري لا يرجع إلى وجود مسئولين فاسدين وإن كثيراً من المسئولين مخلصون ولكنهم جهلاء بعلم الإدارة وإذا قُدم لهم مقترحات تطويرية إدارية لن يستطيعوا تقييمها وكثيراً ما يرفضون المقترحات المفيدة سواءً جاءت من موظفين أو مستشارين أو غيرهم وقد يقبلون مقترحات خاطئة جاءت من موظفين أو مستشارين أو غيرهم إذن سيصبح التطوير الإداري الحقيقي حلماً لن يتحقق وسنجد بدلاً منه تغييرات يحدثها المسئول التنظيمي أو الإجراءات والسياسات أو الحوافز أو الصلاحيات أو غير ذلك، ولكن تأثيرها في تحقيق التقدم محدود بل قد تجعل الأوضاع أكثر سوءاً وقد يقول قائل: يتطلب التطور الإداري توظيف متخصصين في علم الإدارة في كل وزارة ومؤسسة وأقول هذا موجود في كثير من الوزارات والمؤسسات ولكن لم يظهر تأثيرهم إلا بصورة محدودة، لأن ليس لديهم الصلاحيات أو القدرات أو يُرفض ما يقدمونه من مقترحات. وهنا نقطة مهمة وهي أن نسبة المتميزين إدارياً من كل المتخصصين في علم الإدارة لا تزيد عن أو مؤسسة هو احتمال ضعيف، أي الأغلبية الساحقة من المتخصصين في مختلف

عدد الصفحات ٢٨

28الطريق إلى التقدم العلمي التخصصات عاديين لم يجتهدوا كثيراً في تطوير خبراتهم النظرية والعملية ولا يقود التنمية إلا المتميزين أما الآخرين فهم منفذين. وأعتقد أن التطوير الإداري الحقيقي يتحقق إذا جمعنا مئات من أفضل المتخصصين بالإدارة وعملنا معهد أو معهدين للدراسات الإدارية وطلبنا منهم عمل المقابلات الكثيرة مع المسئولين والموظفين والعملاء والقطاع الخاص وغيرهم ثم التعرف على تجارب الدول المتقدمة في التطوير الإداري ثم عمل الدراسات الميدانية والنظرية الكثيرة لتشخيص واقعنا الإداري ووضع العلاج له ثم إعطاء هذا العلاج للوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص على جرعات من الخطط والبرامج والقرارات ومراقبة تنفيذ هذه الجرعات، وإجراء مزيداً من الدراسات والتعديلات والتطويرات وسيحكمون في ما يقدم لهم من مقترحات وآراء متناقضة بين المسئولين والموظفين وغيرهم لأنهم المؤهلين علمياً للحكم على صواب الآراء من خطئها لأنهم متخصصون ويعملون بصورة جماعية ويقومون بإجراء الدراسات ثم يصدرون أحكامهم وبهذا تقل كثيراً الاختلافات الإدارية ويصمت كثيراً من المسئولين فلا يفرضون آراءهم نتيجة قوة منصبهم فعلم المعاهد العلمية للدراسات الإدارية أكبر من علمهم بكثير، وتتميز هذه المعاهد بتفرغها الكامل للدراسة والمقابلات والتفكير والمعرفة بالواقع الإداري لكل مؤسسة وهذا أمر غير متاح لأساتذة الجامعات المتخصصين بالإدارة لأنهم مشغولين بالتدريس وليس متاح للمكاتب الاستشارية الأجنبية، لأنها تأتي لفترة محددة فهي ليست ذات علم قوي بتفاصيل الواقع الإداري لوزارة أو مؤسسة ناهيك عن دولة وليست لديها الاستمرارية للمراقبة والتعديل والتطوير وحتى يستمع المسئوولون وغيرهم لما تقول المعاهد العلمية الإدارية فيجب أن تكون تابعة للحاكم أو لرئيس الوزراء أما إذا كانت تابعة لوزير فإنها تضعف كثيراً ولا تستطيع تقديم خطط أو قرارات تخالف آراء الوزير إذن يجب أن تكون مستقلة، وتبعث تقاريرها للحاكم ولرئيس الوزراء وأيضاً للوزير والوكلاء وكل مسئول مخلص سيقبل

عدد الصفحات ٢٩

29الطريق إلى التقدم العلمي آراءها وسيسعى لتنفيذها وستكون كثيراً من آرائها صحيحة وما ينطبق على المعهد العلمي للدراسات الإدارية ينطبق على المعهد العلمي للدراسات الاقتصادية والمعهد العلمي للدراسات التعليمية والمعهد العلمي للدراسات الصناعية... الخ وهذه المعاهد ستكون عقول وعيون الدولة وستكون كلياً لجمع المعلومات الصحيحة، وإبعاد المعلومات الخاطئة، ومتفرغة للمقابلات، وقراءة التقارير، وعمل الدراسات، والنزول يومياً للواقع ونقل التجارب الناجحة من مؤسسة إلى أخرى فلا تنمية إدارية أو اقتصادية أو تعليمية... الخ بلا عقل علمي ورصيد علمي كبير، ومن أهم مزايا المعاهد العلمية المتخصصة أنها ستسكت كثيراً من الآراء الخاطئة التي نقرأها في مجال التخطيط والإدارة والاقتصاد والتعليم والزراعة.. والتي نسمعها في اجتماعات رسمية أو نشاهدها في قنوات فضائية ولن تصبح المرجعية العلمية من اختصاص وزيراً أو مستشاراً أو نائباً أو حكومة أو معارضة أو حزب أو جماعة أو أستاذ جامعي فلا يُفتى ومالك في المدينة، ومالك في هذا العصر هو المعاهد العلمية الكبيرة المتخصصة.

عدد الصفحات ٣٠

30الطريق إلى التقدم العلمي هل تريد اإعادة اختراع العجلة ؟ قال لي صديق مهندس ومثقف عندما تكلمت معه عن أهمية إيجاد معاهد علمية كبيرة ومتخصصة لتقود التقدم العلمي والتنمية هل تريد إعادة اختراع العجلة؟ هناك دول مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة حققت تطور علمي وتنموي فلنذهب إليهم ونتعلم منهم، أي علينا أن نرسل وفود لهذه الدول لنعرف كيف تقدموا ونقلدهم، وأقول إن عقول وفودنا أصغر حجماً من الوعاء العلمي المطلوب لتحقيق التقدم العلمي الذي تحتاجه التنمية، فالعلم محيطات من المعلومات والحقائق والتجارب، فكيف إذا أضفنا لذلك العلم المرتبط بتجارب الغرب وكوريا وماليزيا وإذا أضفنا أيضاً علم الواقع المحلي لدولنا في مجال الإدارة والتعليم والصناعة والزراعة والاقتصاد... الخ إذن نحن بحاجة إلى معاهد كبيرة ومتخصصة لتستوعب كل ذلك وهذا أمر بحاجة إلى عمل دراسات علمية كثيرة جداً وذات نوعية عالية جداً ومن أفراد متميزين جداً وهذا لا يتوفر في الوفود التي سنرسلها، فالتنمية تحتاج علم كثير وتفاصيل كثيرة وعلماء متميزين وصبر ودراسات كثيرة حتى نعمل خطط ونتخذ قرارات تطويرية وبالتأكيد أننا إذا أرسلنا وفود ستتعلم من الدول الناجحة، وبالتأكيد أننا زرنا كثيراً من هذه الدول وكذلك أرسلنا عشرات الآلاف من طلبة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه للدول المتقدمة هذا غير الدورات التدريبية ومع هذا عجزنا عن رسم خرائط طريق للتنمية الإدارية والتعليمية والصناعية والزراعية... الخ فالاختلافات في الآراء هي القاعدة والتناقض في الأولويات أوضح من الشمس، بل لو سلطنا الأوضاع على الواقع التعليمي المحلي فقط لوجدنا أن المتخصصين في التعليم كثيرين ولكنهم مختلفين في تشخيص الواقع ناهيك عن الاختلاف في الخطط والعلاج فهم لا يعرفون نسبة الغش في كل مدرسة أو على مستوى الوطن؟ وليسوا متفقين على المناهج التي نحتاجها؟ ولا يعرفون العلاقة بين التعليم وسوق العمل؟

عدد الصفحات ٣١

31الطريق إلى التقدم العلمي ولا يعرف الوزير أو الوكيل الكفاءة الإدارية العلمية لمدراء المدارس وليس عنده دراسات في هذا الموضوع؟... الخ، وإذا لم يكونوا يعرفوا واقع عاشوا فيه عقود هل سيعرفون الخطوط العريضة لواقع كوريا التعليمي في أيام؟ ومن قال أن تقليد تجارب الآخرين هو من العلم أصلاً فالخطط الكورية أو الأمريكية أو السنغافورية لا يمكن تطبيقها في مصر أو السعودية، لأن الاختلافات كثيرة جداً بين مصر وكوريا في الأوضاع السياسية والإدارية والمالية والتاريخية والنفسية والبشرية... الخ فالإصلاح والتطور أكثر تعقيداً وتشعباً وعمقاً مما يراه الكثيرين، ولابد من وجود معاهد علمية متخصصة تفكر وتدرس وتسأل وتناقش حتى تصل إلى ما يناسبنا من قرارات وخطط. وأرجو ألا نبسط الأمور فتحويل الكويت مثلاً إلى مركز مالي كسويسرا أمر يحتاج كثير جداً من العلم ويحتاج أيضاً كثير من العمل والإرادة وأيضاً الظروف المناسبة فكيف بتنمية شاملة في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والتعليمية والمالية والإدارية والصناعية والزراعية والقانونية... الخ إذن عمل زيارات لدول نامية وتقليدهم أمر ليس بصحيح وما أقوله لا يتعارض من أننا سنتعلم الكثير من هذه الدول ولكن لوجود جوانب أخرى كثيرة منها: معرفتنا بالواقع، ومعرفتنا بالعلوم بشكل عام، ومعرفتنا بإمكانياتنا وظروفنا فإن الأمر يحتاج معاهد كبيرة تدرس كل ذلك ومن ليس مقتنع بذلك أقول جرب نقل نظام التعليم الياباني لدولة عربية وتأكد أن هذا سيؤدي إلى كارثة لا نهضة تعليمية ولو حاولت دولة عربية تطبيق النظام الزراعي الأمريكي لما استطاعت بل لحصلت ثورة من المزارعين وليس الحل أيضاً أن يقوم وزير التعليم أو غيره بعمل بلادنا حقول تجارب لتغيرات جزئية غير مدروسة جيداً وكل ما في الأمر أنه استوردها أو اقتنع بها فهذا خطأ وأيضاً لن يحقق نهضة شاملة ولكنه قد يحقق

عدد الصفحات ٣٢

32الطريق إلى التقدم العلمي خبراء اقت قال الرئيس السوفيتي الأسبق غورباتشوف له مائة صديقة بينهن واحدة مصابة بالإيدز لا يعرفها ميتران والرئيس الأمريكي له مائة حارس بينهم إرهابي لا يعرفه بوش أما أنا فعندي مائة خبير اقتصادي بينهم واحد ذكي لا أعرفه الذي دفعه الإتحاد السوفيتي نتيجة حدوث انهيارات اقتصادية كبيرة نتيجة تطبيق القيادة السوفيتية لتوصيات خبراء اقتصاديون ولجان اقتصادية لتحويل الاقتصاد الشيوعي إلى اقتصاد رأسمالي فإن الدرس المستفاد أن رصيد الإتحاد السوفيتي من العلم في مجال التحول من اقتصاد شيوعي إلى اقتصاد رأسمالي كان رصيد ضعيف مع أن الإتحاد السوفيتي دولة عظمى ولديه خبراء ومستشارين وجامعات ووزراء ومدراء ومكتبات...... إلخ ، وتعالوا نسلط الأضواء على هذا الموضوع من خلال ما يلي: قد يكون صاحب شهادة الدكتوراه، ناجح كأستاذ جامعي 1 ولكن هذا ليس دليل على أنه سينجح في فهم الاقتصاد المحلي، فعلم وخبرة الخبراء الاقتصاديين وأستاذة الجامعات في الاقتصاد محدودة فبعضهم لديه خبرة نظرية وبعضهم لديه خبرة عملية جزئية وهناك نقص كثير في المعلومات وضعف في معرفة الاقتصاد الرأسمالي الغربي الذي تم بناءه خلال عقود بل أكثر من قرن، فالاقتصاد الرأسمالي شبكة الاقتصاد الشيوعي السوفيتي فيه حقائق كثيرة لا يعرفها الاقتصاديون السوفيت، ولهذا كانت القرارات والخطط التي تم تنفيذها خطط فاشلة وأضرت بالاقتصاد السوفيتي أشد الضرر، وهذا يعني أن على الدول النامية أن تزيد رصيدها العلمي بأسرع وأقوى ما يمكن حتى تحقق التنمية، وتعالج مشاكلها بطريقة صحيحة وهي

عدد الصفحات ٣٣