4 - التمهيد - أ- مفهوم الن سخ في الل غة والاصطلاح : - النَّسخُ في اللّ غة : قال الجوهري(ت 393هـ) : " ن س خ تِ الشمسُ الظلَّ وان ت س خ ت هُ : أزالته . ون س خ تِ الريحُ آثار الدّ ارِ : غ يَّرتها" (1). وقال ابن منظور(ت 111هـ): " والنَّس خ: إِبطال الشَّي ءِ وإِقامة آخ ر م ق ام هُ ....النَّس خُ ت ب دِيلُ الشَّي ءِ مِن الشَّي ءِ و هُو غ ي رُهُ ... و النَّس خُ : ن ق لُ الشَّي ءِ مِن م ك انٍ إِلى م ك انٍ و هُو هُو ... و الشَّي ءُ ي ن س خُ الشَّي ء ن س خاً أ ي يُزِيلُهُ و ي كُونُ م ك ان هُ " (2). يمكن القول إنَّ أغلب أصحاب المعاجم اللغويّة اتّفقوا على أنَّ المعنى اللّ غوي للنّ سخ هو الإزالة (3) . - النّسخُ في الاصطلاح : لعلَّ أوَّل من عرّف المعنى الإصطلاحي للنَّواسخ هو ابن هشام (ت 161هـ) ،إذ قال عن معناه في الاصطلاح :" وفي الاصطلاح ما يرفع حكم المبتدأ والخبر ، وهو ثلاثة أنواع : مايرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها ، وما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر وهو إنَّ وأخواتها ، وما ينصبهما معاً وهو ظنَّ وأخواتها " (4). وقال عبده الراجحي :" النواسخ كلمات تدخل على الجملة الاسمية فتنسخ حكمها ؛ أي تغيره بحكم آخر، والمهم أنَّ الجملة التي تدخل عليها هذه النواسخ هي جملة اسميّ ة حتّ ى إن كان الناسخ فعلاً ، والنواسخُ فعليّ ة وحرفيّ ة " (5) . ________________ (1 )الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي(1991 م) ، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار)، ط4، ج1، ص433، إ صدار العلم للملايين– بيروت. (2 )ابن منظور ، محمد بن مكرم بن على المصري(1414 هـ) ، لسان العرب ، ط3،ج3، ص61، دار صادر – بيروت. (3 )ينظر: ابن سيده ، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي(2222م)، المحكم والمحيط الأعظم ، (تحقيق : عبد الحميد هنداوي) ، ط 1، ج5، ص94، دار الكتب العلمية– بيروت . وينظر : الأزهري ، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي (2221م) ، تهذيب اللغة ( تحقيق : محمد عوض مرعب)، ط1، ج1، ص92، دار إحياء التراث العربي– بيروت. وينظر : مختار ، أحمد مختار عبد الحميد عمر بمساعدة فريق عمل(2229م) ، معجم اللغة العربية المعاصرة ، ط1، ج3، ص2221، عالم الكتب. وينظر :مجمع اللغة العربية (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، المعجم الوسيط،ج2، ص911، دار الدعوة. (4)ابن هشام ، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ،(1393 هـ)، شرحُ قطرُ النَّ د ى و ب لُّ الصَّ د ى(تحقيق: محمد مُحي الدين عبد الحميد) ، ط11،ج1، ص121، القاهرة. (5)عبده الراجحي،التطبيق النحوي(1999م)،ط1،ج1، ص113،مكتبة المعارف للنشر والتوزيع .
عدد الصفحات ١٨5 ويعلِّل أحمد ياقوت تسمية هذه الحروف والأفعال بالنَّواسخ بقوله" :وأُ طلق لفظ النَّواسخ على كلِّ هذه الأفعال والحروف ؛ لأنَّ هذه الكلمات أفعالاً كانت أم حروفًا ، تحدِث تغييرًا في الجملة الدَّاخلة عليها، وتجلب لها أحكامًا جديدًة؛ بمعنى أنّها تنسخُ ما كان موجودًا من أحكامٍ قديمةٍ " (1). يمكن القول إنمعنى النواسخ في النّ حو : العوامل الفعليّ ة أو الحرفية التي تدخل على الجملة الإسميّ ة ، فتحدث تغييراً في الحكم الإعرابي للمبتدأ والخبر . ب - أنواع نواسخ المبتدأ والخبر . بيَّن العلماء أنواع نواسخ المبتدأ والخبر : فمنهم من قسّ م النواسخ بناءً على عملها ، قال المرادي (ت 149هـ): "وهي ثلاثة أقسام: قسم يرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها، وأفعال المقاربة. وقسم ينصب المبتدأ ويرفع الخبروهو (إنَّ ) وأخواتها ، و(لا) النافية للجنس.وقسم ينصبهما معاً وهو ظننتُ وأخواتها، وأعلمُ وأخواتها "(2). ومنهم من قسّم النواسخ بناءً على نوع الكلمة الناسخة : نواسخ فعليّ ة ، ونواسخ حرفيّ ة . قال ابن عقيل (ت169هـ):"نواسخ الابتداء وهي قسمان أفعال وحروف ؛ فالأفعال كان وأخواتها ، وأفعال المقاربة، وظنَّ وأخواتها . والحروف (ما) وأخواتها ، و(لا) التي لنفي الجنس ،و(إنَّ ) وأخواتها" (3). ومنهم من قسّمها بناء على نوع الكلمة الناسخة وعملها ، منهم ابن مالك (ت 612هـ) ، فقسّ مها إلى ثلاثة أبواب : الباب الأوّ ل : باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر، والباب الثاني : باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر ،والباب الثالث :باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر(4). وجعلها السيوطي (ت 911هـ) تحت مسمّى نواسخ الابتداء ، حيث قال :" هذا مبحث الأدوات الّتي تدخل على المبتدأ والخبر، فتنسخ حكم الابتداء ، وهي أربعة أنواع : كان وأخواتها، وكاد ________________ (1)ياقوت ، احمد سليمان(2224م) ،النواسخ الفعلية والفرعية دراسة تحليلية مقارنة ،الاسكندرية ،دار المعرفة الجامعية ، ص11-12. (2)المرادي ، بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله (2229م)، توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك (تحقيق : عبد الرحمن علي سليمان )،ط1،ج1،ص492، دار الفكر العربي. (3) ابن عقيل ، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني(1992م)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد) ، ط22، ج1،ص262،دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة ، سعيد جودة السحار وشركاه. (4) ينظر: ابن مالك ، محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني(1992م) ، شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد،(تحقيق: د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون) ، ط1، ،ج1، ص333- 421 /ج2، ص5-124،هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان.
عدد الصفحات ١٩6 وأخواتها، وإنَّ وأخواتها ، وظنن تُ وأخواتها ، وما أُ لحق بذلك" (1). وردت النواسخ في كتب النحو القديمة والحديثة على سبعة أبواب(2): 1- كان وأخواتها، وهي : )كان، ظلَّ ، أضحى ،بات ،أصبح ،أمسى ،صار ، ليس ،مازال ،مابرح ،مافتئ ،ما انفكَّ ،مادام). 2- كاد وأخواتها، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام : أ- أفعال المقاربة :(كاد ،أوشك ، وكر ب ). ب - أفعال الرجاء: (ع س ى ، ح ر ى ، اخلولق) . ج- أفعال الشّروع ، وهي كثيرة منها : (أنش أ ، ط فِق ،ع لِق ،أ خ ذ ،ه بَّ ،ب د أ ،ج ع ل ،قام ،انبرى). 3- الحروفالمُشبّهة بليس: ( ما، ولا، وإن ، ولات) . 4- إنَّ واخواتها: (إنَّ ، أنَّ ، ليت ،لعلَّ ، لكنَّ ، كأنَّ ). 5- (لا) النافية للجنس . 6- ظن وأخواتها، وتنقسم إلى قسمين أحدهما: أفعال القلوب ، والآخر: أفعال التحويل. وأفعال القلوب تنقسم إلى قسمين، أحدهما: ما يدلّ على اليقين منها : (رأى ،علم، وجد ،درى ،تعلّ م ، ألفى) ، والثاني: ما يدلّ على الرجحان ، منها : (ظ نَّ ، خ ال ، ح سِب ، ز ع م ، ع دَّ ، ج ع ل ، ه ب ). أمّا أفعال التحويل فتفيد تحويل الشيء من حالٍ إلى حالٍ ، منها : (صيّر، جعل ، اتَّ خذ ، ترك ، حوّل ، ردّ ). 1- أعلم وأرى وأخواتهما ، ومنها : ( أع ل م ، أ ن ب أ، نبَّأ، أخ ب ر ، خ بَّر ، ح دَّث ) . ج- موقع الحروف الم شب هة بين النواسخ . الحروف المُشبّهة بالفعل تمثّل القسم الثاني من النواسخ الذي يشمل النواسخ التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر. فالحروف المشبهة عوامل حرفيّ ة تدخل على الجملة الإسمية، فتحدث نسخاً في الحكم الإعرابي للمبتدأ والخبر. _______________ (1) السيوطي ، عبد الرحمن بن أبي بكر، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ،(تحقيق عبد الحميد هنداوي)، ج 1،ص429، المكتبة التوفيقية – مصر. (2)ينظر: ابن هشام ،عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (تحقيق: يوسف الشيخ محمدالبقاعي)،ج1،ص226-361 /ج2،ص3-16، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ينظر :ابن مالك ،شرح التسهيل ،مصدرسابق، ج1،ص333- 361 /ج2،ص5-124 .ينظر:ابن عقيل ،شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ،مصدرسابق ،ج1،ص261-392/ج2،ص5- 13. ينظر: الصبان ، محمد بن علي الصبان الشافعي(1991م) حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك،ط1،ج1،ص331- 334/ج2،ص3-59، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان. ينظر: عبده الراجحي،التطبيق النحوي،مصدرسابق،ج1،ص113-113.ينظر: عباس حسن ،النحو الوافي،ط15، ص543-112، دار المعارف.
عدد الصفحات ٢٠1 د- عدد الحروف المشبهة بالفعل . اختلف العلماء في عدد الحروف المُشبّهة بالفعل ، فمنهم من عدّ ها خمسة ، ومنهم من عدّها ستة ، ومنهم من جعلها سبعة ،ومنهم من جعلها ثمانية . ومن الذين جعلوها خمسة حروف سيبويه (ت 192هـ)، فقال: " هذا باب الحروف الخمسة ، التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده" (1)، وعبّ ر سيبويه بالحروف الخمسة ؛ لأنَّ المفتوحة عنده فرع المكسورة فعدّ هما حرفاً واحداً (2) ، فقال :" وهي أنَّ ، ولكنَّ ، وليت ، ولعلَّ ، وكأنَّ " (3). ومنهم المبرّد(ت 295هـ) الذي عدَّ (إنَّ وأنَّ ) حرفاً واحداً ،فقال :"هذا باب الأحرف الخمسة المُشبّهة بالأفعال و هِي إِنَّ و أ نَّ و ل كِنَّ و ك أنَّ وليت و ل ع لَّ ، و إِنَّ و أ نَّ مجازهما واحد فلذلك عددناهما حرفاً و اح دًا" (4). ومنهم ابن السراج (ت 316هـ) ، فقال :" الحروف التي تعمل مثل عمل الفعل ، فترفع وتنصب خمسة أحرف ، وهي: إنَّ ولكنَّ وليت ولعلَّ وكأنَّ )(5). ومنهم ابن مالك ، فقال :"اعتبار الأصل يقتضي كون أحرف هذا الباب خمسة لا ستّة ، كما يقول أكثر المصنّ فين ، ويكملون الستّ ة بأنّ المفتوحة ، ولا حاجة إلى ذلك ، فإنّ ها فرع المكسورة" (6). وتبعهم الأشموني (ت 922هـ) (1) ، والسيوطي(ت 911هـ) (9). وذهب معظم النحاة القدماء إلى أنها ستة أحرف ، منهم :ابن الورّاق(ت 391هـ) ، ،والزمخشري(ت 539هـ) ،وابن يعيش(ت 643هـ) ،وابن عقيل(ت 169هـ) ،وغيرهم (9) . (1) سيبويه ، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي(1429 هـ- 1999 م)،الكتاب (تحقيق عبد السلام محمد هارون) ،ط3،ج2،ص131، مكتبة الخانجي، القاهرة. (2 )الأزهري،خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد (2222م)، شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو،ط1،ج1، ص293، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان. (3)سيبويه ،الكتاب ،مصدرسابق،ج2،ص131. (4 )المبرد، المقتضب، محمد بن يزيد الأزدي ،(تحقيق محمد عبد الخالق عظيمة) ،ج4،ص121 عالم الكتب– بيروت. (5 )ابن السراج ، محمد بن السري بن سهل النحوي ،الأصول في النحو،(تحقيق عبد الحسين الفتلي)،ج1،ص229، مؤسسة الرسالة، لبنان – بيروت. (6 )ابن مالك ،شرح التسهيل ،مصدرسابق،ج2،ص5. (1 )الأشموني، علي بن محمد بن عيسى (1999م)، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ج1،ص296، دار الكتب العلمية،لبنان. (9)السيوطي ،همع الهوامع ، مصدرسابق،ج1،ص494. (9)ينظر: ابن الوراق، محمد بن عبد الله بن العباس (1999م)،علل النحو،(تحقيق: محمود جاسم محمد الدرويش)ط1،ج1، ص235- 244،الناشر: مكتبة الرشد - الرياض / السعودية. وينظر: الزمخشري ،أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد(1993م)، المفصل في صنعة الإعراب (تحقيق علي أبو ملحم)، ط1، ج1،ص399 ، مكتبة الهلال– بيروت.وينظر: ابن يعيش، يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي (2221م)،شرح المفصل للزمخشري،(تحقيق الدكتور إميل بديع يعقوب)،ط1،ج2، ص351، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. وينظر: ابن عقيل ،شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ،مصدرسابق ،ج1،ص345-346.
عدد الصفحات ٢١9 ومنهم من جعلها ثمانية أحرف كابن هشام، فقال : " [باب الأحرف المشبهة بالفعل]هذا باب الأحرف الثمانية الداخلة على المبتدأ والخبر... فتنصب المبتدأ ويسمّ ى اسمها، وترفع خبره ويسمّ ى خبرها، فالأوّ ل والثاني: (إنَّ ) و(أنَّ ).... والثالث: (لكنَّ )... والرابع: (كأنَّ )... والخامس: (ليت) ...والسادس: (لعلَّ )...والسابع: (عسى)في لغيَّة: وهي بمعنى لعلَّ ...والثامن (لا) النافية للجنس" (1)، وتبعه خالد الأزهري(ت 925هـ) (2). ومنهم من ذهبإلى أنّ ها سبعة أحرف كعباس حسن (ت: 1399هـ)، فقال : "الحروف الناسخة (إنَّ ) وأخواتها يراد بالحروف الناسخة هنا - سبعة أحرف لا شكَّ فى حرفيّ تها" (3)،فأضاف إليها(عسى) بشرط أن تكون للرجاء ، أي: بمعنى (لعلَّ ) ، وبشرط أن يكون اسمها ضميراً لغير الرّ فع (4). ويميل الباحث إلى رأي الجمهور ، ومعظم النحاة القدماء والمحدثين ،في عدّها ستة أحرف هي (إِنَّ ،و أ نَّ ،و ل كِنَّ ،و ك أنَّ ،وليت ،و ل ع لَّ ). _____________ (1)ابن هشام ،أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، مصدرسابق،ج1،ص313-319. (2)الأزهري،شرح التصريح على التوضيح ،مصدرسابق،ج1،ص293-299. (3 )حسن ، النحو الوافي ،مرجع سابق ، ج1، ص 632. (4 )المرجع نفسه،ج1،632.
عدد الصفحات ٢٢9 الفصل الأو ل في وصف الحروف الم شب هة بالفعل المبحث الأول : في حرفي ة الحروف الم شب هة بالفعل. المبحث الثاني : في تركيب الحروف الم شب هة بالفعل . المبحث الثالث: في إعراب الحروف الم شب هة بالفعل . المبحث الرابع : في عمل الحروف الم شب هة بالفعل .
عدد الصفحات ٢٣12 المبحث اول : في حرفي ة الحروف الم شب هة بالفعل. المطلب الأول : تعريف الحرف في الل غة . وردت مادّ ة (حرف ) في اللّ غة بعدّ ة معانٍ ، فالحرف هو "من حُروف الهِجاء، وكلُّ كلمةٍ بُنِي ت أداةً عاريةً في الكلام ؛ لتفرقة المعاني تُسمَّى حرفاً " (1) . "وحرف كل شيءٍ : طرفه وش فيرُهُ وح دُّهُ " (2)،وحرف الجبل : جانبه (3)، وحرف السّ يف : حدّ ه(4)،وح ر فُ السفينة : جانب شِقِّها(5) ، وحرفا الرأس: شقّ اه (6). والحرفُ : الوجه من الشيء ، قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }[الحج: 11 ]قالوا في معنى حرف: على و جهٍ واحد، وهو أن يعبده على الس رَّاء دون الضّراء (1). والحرف: اللّ غة(9) ،قال الأزهري (ت 312هـ) :" ع ن أبي ال ع بَّاس أ نه سُئِل ع ن ق و له (نُ زل ال قُر آن على س ب ع ة أحرف) ف ق ال : م ا هِي إِلاَّ لغات "(9) . ويمكنالقول بعد استعراض معاني كلمة (حرف ) عند بعض أهل اللّ غة ، إنَّ المعنى اللغوي لكلمة (الحرف) هو الطّ رف والجانب والحد . وهو المعنى الذي اتّ فق عليه أغلب أهل اللغة ؛ كالخليل (ت 112هـ) ، والأزهري، والجوهري ،وابن فارس(ت 395هـ) ، وابن منظور، وغيرهم من أهل اللغة . واستنبط النحاة المعنى الاصطلاحي للحرف من المعنى اللغوي ، فهناك علاقة وثيقة بين المعنيين ، فالحرف يقع في طرف الكلام عند النّ حاة . _________________ (1 )الخليل ، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم ، كتاب العين (تحقيق: د مهدي المخزومي و د إبراهيم السامرائي )، ،مادة ((حرف))، 3/212، دار ومكتبة الهلال. (2 )الجوهري،الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، مادة ((حرف)) ،4/1342. (3 )ابن سيده ،المحكم والمحيط الأعظم ، مادة ((حرف))، ج3، ص326 . (4)ابن فارس ، أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي (1919م)، معجم مقاييس اللغة (تحقيق: عبد السلام محمد هارون)، مادة ((حرف)) 2/42، دارالفكر. (5 )الخليل ، كتاب العين، مصدر سابق،،مادة ((حرف))،ج4، ص1342. (6 )ابن سيده ، المحكم والمحيط الأعظم،مصدرسابق ، مادة ((حرف))، ج3،ص326 (1 )المصدر نفسه ، ج3، ص326. (9 )ابن منظور ،،لسان العرب ،مصدرسابق، ، ج9، ص41. (9 )ازهري، تهذيب اللغة، مصدرسابق ، ج5،ص11.
عدد الصفحات ٢٤11 المطلب الثاني :تعريف (الحرف) في اصط لاح النحويين . يعرّ ف علماء كل علم من العلوم اصطلاح (الح ر ف ) تعريفاً يتناسب مع مضمون علمهم ، فيحمل تعريفاً في علم النحو ، وتعريفاً مختلفا في علم الصرف ، وتعريفاً آخر في علم القراءات وهكذا ، وما يهمّ نا هنا تعريفه في علم النحو . هناك أقوال كثيرة للنّحاة في تعريف الحرف ، واختارت الدراسة مجموعة من الأقوال ، ربّ ما تكون الأقرب والأنسب في تعريف الحرف : 1- قال سيبويه: "ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل " (1). 2- قال ابنالسرّ اج (ت 316هـ ) : " والحرف : ما لا يجوز أن يُ خب ر عنه كما يُ خب ر عن الاسم ، ألا ترى أنّ ك لا تقول: (إلى منطلق) كما تقول: (الرجلُ منطلقُ ) ...ولا يجوز أن يكون خبرًا ، لا تقول: (عمرو إلى ) و(لا بكر عن) " (2). 3- قال الزجّاجي (ت331هـ):" ما دلَّ على معنى في غيره " (3). 4- قال ابن جنّي (ت392 هـ):" والحرف ما لم تحسن فيه علامة من علامات الأسماء، ولا علامات الأفعال، وإنّ ما جاء لمعنى في غيره" (4). 5- ما قاله ابن بابشاذ (ت469 هـ):" ما أبان عن معنى في غيره ، ولم يكن أحد جزأي الجملة ، خلافاً للاسم والفعل " (5). 6- قال الزمخشري(ت539 هـ):" الحرف ما دلّ على معنى في غيره ، ومن ثم لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه ، إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل ، واقتصر على الحرف فجرى مجرى النّ ائب" (6). ______________ (1 )سيبويه ،الكتاب ،مصدرسابق ،ج1،ص12. (2 )ابن السراج ،الأصول في النحو،مصدرسابق ، ج1،ص42. (3) الزجاجي ، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق(1919م) ، الإيضاح في علل النحو ، ط3، ص54،تحقيق مازن المبارك ، دار النفائس – بيروت . (4 )ابن جني ، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي ،اللم ع في العربية،(تحقيق فائز فارس )،ج1،ص9، دار الكتب الثقافية– الكويت. (5 )ابن بابشاذ ،أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاد المصري الجوهري(1916م)، شرح المقدمة المحسبة (تحقيق خالد عبدالكريم )،ط1،ج1،ص125، الكويت. (6 )الزمخشري ، المفصّل في صنعة الإعراب ، مصدرسابق ، ص 319 .
عدد الصفحات ٢٥12 1- قالأبو البقاء العُ كب ري (ت616 هـ): "وحدّ ال ح ر ف م ا دلّ على معنى في غ يره فقط " (1). يمكن القول إنَّ هذه الأقوال في تعريف الحرف تكاد تكون متطابقة في معانيها ، متقاربة في ألفاظها ، وكلّ ها تعاريف صحيحة للحرف . فالحرف في النحو: هو مادلّ على معنى في غيره ، ولا يقبل معظم علامات الأسماء ولا الأفعال ، ولاينفكّ عن اسم ، أو فعل يصحبه إلاّ في مواطن مخصوصة ، ولا يكون أحد جزأي الجملة ، ولا يصلح أن يكون خبراً أو مخبراً عنه . المطلب الثالث : علامات الح رف . " الك لِم : اسم ، وفِعل ، وح رف جاء لمعنّى ليس باسمٍ ولا فعلٍ " (2) .كلّ قسم من أقسام الكلم له علامات ودلالات تختصّ فيه وتميّ زه من غيره من الأقسام الأخرى . فالاسم له علامات تميّ زه من الفعل والحرف ، بمعنى أنّ ها تكون فيه ولا تكون في غيره ، وللفعل علامات تختصّ فيه ، ولا تكون في الاسم والحرف ، والحرف له علامات تحكم بحرفيّ ته . وحدّد ابن جنّي علامة الحرف ، حيث قال :" والحرف ما لم تحسن فيه علامة من علامات الأسماء ، ولا علامات الأفعال " (3) .وت بِعه السيوطي (ت911 هـ)، فقال :" الحرف لا علامة له وجودية ، بل علامته ألاّ يقبل شيئاً من خواصّ الاسم ، ولا من خواصّ الفعل"(4) . يمكن القول إن علامة الحرفيّ ة هي عدم قبولها بعض علامات الاسم : (كالنداء ، والإسناد إليه ، ودخول (أل) التعريف عليها ) ، وعدم قبولها بعض علامات الفعل : ( كتّ اء الفاعل ، وياء المخاطبة ) (5) . ____________________ (1)ابو البقاء العكبري ، عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي(1995م)، اللباب في علل البناء والإعراب، (تحقيق د. عبد الإله النبهان)، ط1،ج1،ص52، دار الفكر – دمشق. (2 )سيبويه ، الكتاب، مصدرسابق ،ج1،ص12. (3)ابن جني ،اللمع في العربية ،مصدرسابق ، ج1، ص9. (4 )السيوطي ، ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، مصدرسابق، ج 1، ص 46. (5 )ينظر : ابن السراج ، الأصول في النحو، مصدرسابق ، ج1، ص31-39. وينظر: ابن يعيش، ،شرح المفصل للزمخشري، ج1، ص95-92 .و ينظر: ابن الصائغ ، محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي (2224م)،اللمحة في شرح الملحة، (تحقيق إبراهيم بن سالم الصاعدي)،ط1،ص129، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية. وينظر: المرادي ، توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك ، مصدرسابق ج1،ص215-299 .وينظر: ابن هشام ، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، مصدرسابق، ج1،ص41-49. ينظر: ابن عقيل ، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج1،ص22-21، دار التراث– القاهرة. وينظر: الأزهري ، شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو، ص22-36.
عدد الصفحات ٢٦13 فنستدلُّ على حرفيّة الكلمة بعدم قبولها النداء ، والإسناد إليه ، دخول(أل) التعريف عليها ، وتّ اء الفاعل، وياء المخاطبة . المطلب الرابع : تعريف الحروف المشبهة بالفعل . عرّف عدد من النحاة الحروف المُشبّهة بالفعل ،وهذه أبرز أقوالهم في تعريفها : قال ابن السرّ اج في تعريفها :"الحروف التي تعمل مثل عمل الفعل ،فترفع وتنصب خمسة أحرف ، وهي: إنَّ ولكنَّ ول ي ت ولعلَّ وكأنَّ " (1). وعرّفها الزجّ اجي، فقال :"هي الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر ؛ لمضارعتها الفعل المتعدّ ي " (2) . وقال ابن جنّي في تعريفها :" وهي إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ وليت ولعلَّ ، فهذه الحروف كلّ ها تدخل على المبتدأ والخبر ،فتنصب المبتدأ ويصير اسمها وترفع الخبر ويصير خبرها ،واسمها مشبّ ه بالمفعول ، وخبرها مشبّ ه بالفاعل" (3). يمكن القول إنَّ الحروف المُشبّهة بالفعلستة أحرف ( (إنَّ )، (أنَّ )، (كأنَّ )، و(لكنَّ )، (ليت ) ، (لعلَّ ) ، تشبه الفعل من عدة وجوه لفظية ومعنوية ، تدخل على الجملة الاسمية ، تنصب المبتدأ ويسمّ ى اسمها ، وترفع الخبر ويسمّ ى خبرها . المطلب الخامس: عل ة تسميتها بالحروف الم شب هة بالفعل. يمكن القول : إنَّ أول من أطلق عليها مصطلح الحروف أو الأحرف المُشبّهة بالفعل هو المبرّ د ، فقال:"هذا باب الأحرف الخمسة المُشبّهة بالأفعال ، وهي إنَّ وأنَّ ولكنَّ وكأنَّ ولي ت ولعلَّ ، وإنَّ وأنَّ مجازهما واحد ، فلذلك عددناهما حرفاً واحداً " (1). ذكرعدد من النّ حاة في مؤلفاتهم النّ حوية علّ ة تسمية الحروف المُشبّهة بالفعل بهذا الاسم ، وذكروا أنّها سمّيت بالحروف المُشبّهة بالفعل ؛ لأنّها تشبه الفعل في عدّ ة وجوه ، وجوه لفظيّ ة ووجوه _________________ (1 )ابن السراج،الأصول في النحو، مصدر سابق، ج1،ص229. (2)الزجّاجي ،أبو القاسم عبدالرحمن بن اسحاق(1994م)،الجمل في النحو ،(تحقيق علي توفيق الحمد)،ط1،ص51،دار امل ،إربد. (3 )ابن جني ،اللمع في العربية،مصدر سابق،ج1،ص41. (4)المبرد،المقتضب، مصدرسابق، ج4،ص121 .
عدد الصفحات ٢٧14 معنويّة ، وتتمثل هذه الوجوه في ما يأتي (1): 1- جاءت هذه الحروف مبنيّة على الفتح في أواخرها ، كما هو الحال في الأفعال الماضية المبنيّة على الفتح في أواخرها. 2- تضمّنها معنى الفعل عند دخولها الجملة الاسمية ، فمعنى(إن ) و (أن ) أكّدت ، ومعنى (كأن ) شبّهتُ ، ومعنى (لكن ) استدركتُ ، ومعنى (ليت) تمنّيتُ ، ومعنى ( لعلّ )ترجّيتُ . 4- تّتصل بها نون الوقاية إذا دخلت عليها ياء المتكلم ،نحو : إنّني ، وليتني ، وكأنّني ، كما أن ها تتصل بالفعل إذا دخل عليه ياء المتكلم ، نحو: أكرمني ، وكافأني ، وأعطاني . 5- هذه الحروف تطلب الأسماء وتختص بها ، وكذلك الأفعال مختصة بها - أيضا - ، فتعمل هذه الحروف في الجملة الاسميّة من نصب للاسم ورفع للخبر ، كما يعمل الفعل من رفعه للفاعل ، ونصبه للمفعول به . 6- شُبّهتمن الأفعال بما تقدّم مفعوله على فاعله، فإذا قلت: (إنّ زيد ا قائم ) ، كان بمنزلة (ضرب زيد ا عمرو). المطلب السادس : الأدل ة على حرفي ة الحروف الم شب هة بالفعل . إنَّ هذه الكلمات ( (إنّ )، (أنّ )،(كأنّ )، (لكنّ )، (ليت)، (لعلّ ) ) هي حروف وليست أسماءً ولا أفعالاً بعد الوقوف على المعنى اللّ غوي للحرف ، والمعنى الاصطّ لاحي النّ حوي للحرف ، والوقوف على علامات الحرف ، ومفهوم الحروف المُشبّهة بالفعل ، ويرى الباحثُ من الأدلة التي تثبت حرفيتها : أوّلاً : ت حقّ ق فيها المعنى الاصطلاحي النحوي للحرف ، فالحرف في اصطلاح النحاة هو ما دلّ على معنى في غيره ، ولا تُخبر ولا يُ خبر عنها . والحروف المشبهة بالفعل دلت على معنى في ______________ (1)ينظر:المبرد، المقتضب ،مصدرسابق،ج4،ص129-129. وينظر: ابن السراج،الأصول في النحو، مصدرسابق ، ج1،ص232- 231 .وينظر: ابن الصائغ ،اللمحة في شرح الملحة،مصدرسابق،ج2،ص534 .وينظر:ابن يعيش ،شرح المفصل للزمخشري، مصدرسابق،ج4،ص521. وينظر:الأنباري، عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري (2223م)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين ،ط1،ج1،ص145،المكتبة العصرية.
عدد الصفحات ٢٨15 غيرها، فعندما تدخل على الجمل الاسمية تدل على معنى فيها ، فعندما تدخل (إنَّ و أنَّ ) على الجملة الاسمية تعطي معنى التأكيد فيها ، وعندما تدخل (كأنّ ) تعطي معنى التشبيه ،و(لكنَّ ) تعطي معنى الاستدراك ، و(ل ي ت ) تعطي معنى التمنّ ي ، و(لعلَّ ) تعطي معنى الترجّ ي . والحروف المشبهة بالفعل لا تُخبر ولا يُ خبر عنها ، فهي لا تأتي خبراً ،ولا تأتي مخبراً عنه . ثانيًا : تحقّ قت فيها علامة الحرفيّة وهي عدم قبولها بعض علامات الأسماء ، وعدم قبولها بعض علامات الأفعال . فلا تقبل النداء فلا تأتي هذه الحروف منادى ، ولا تقبل الإسناد ،فلا يسند إليها ولا يُ خبر عنها . ولا تقبل دخول حرف التعريف (أل ) ، فلم نعثر على موقع لها وقعت فيه معرّ فة ب(أل)، فعدم قبولها لهذه العلامات يثبت لنا عدم اسميتها. ولا تقبل دخول تاء الفاعل المتحركة عليها ، ولا تقبل دخول ياء المخاطبة عليها ، فعدم قبولها لهذه العلامات يثبت لنا عدم . ثالثًاً : يمكن القول إنَّها لم تحقّ ق المعنى الاصطلاحي النحوي للاسم ، ولم تحقّ ق المعنى الاصطلاحي النحوي للفعل ، فالاسم هُو "كل لفظ دلّ على معنى فِي ن فسه غير مقترن بِز م ان "(1)، أ مَّا هذه الحروف المشبهة بالفعل فلا تدلّ على معنى في نفسها ، وإنّ ما تدلّ على المعنى عند ربطها بالأسماء والأفعال . و"الفعل م ا دلّ على معنى فِي ن فسه ، مقترن بزمان "(2)، وهذه الحروف المشبهة بالفعل لا تدلّ على معنى في نفسها مقترن بزمن معين ، فما دام أنّ المعنى النّ حوي للاسم والفعل لا ينطبق عليها ، فنحكم عليها بأنّ ها حروف . ___________ (1 )ابو البقاء العكبري ،اللباب في علل البناء والإعراب، مصدر سابق، ،ج1،ص45. (2 )المرجع نفسه، ج1، ص 49.
عدد الصفحات ٢٩16 المبحث الثاني: في تركيب الحروف المشبهة بالفعل . المطلب الأو ل : بساطة (إن ) و(أن ) . لا شكَّ في بساطة (إنَّ ) مكسورة الهمزة و(أنَّ ) مفتوحة الهمزة ، فلم أجد – بحسب اطلاعي- في كتب اللغة القديمة والمعاصرة رأياً أو قولاً يثبت تركيبها . واختلف علماء اللغة في الأصالة لمن تُعطى ل(إنَّ ) المكسورة الهمزة أم (أنَّ ) المفتوحة الهمزة ، فمنهم من ذهب إلى أنَّ (إنَّ ) المكسورة الهمزة هي الأصل وهم الأغلب ، ومنهم من ذهب إلى أنَّ (أنَّ ) المفتوحة الهمزة هي الأصل ، ومنهم من ذهب إلى أنَّ كلاً منهما أصل(1) . ويرى الباحث في هذه المسألة أنَّ (إنَّ مكسورة الهمزة )هي الأصل ،فأكثر علماء اللغة ذهبوا إلى أصالة (إنّ ) مكسورة الهمزة ، ومنهم سيبويه ، والمبرّ د ، وابن السراج (2) .فهؤلاء عندما ذكروا الحروف المُشبّهة بالفعل ، عدّوها خمسة حروف ، ولم يجعلوها ستة حروف ،وهي (إنَّ ) و(ل ي ت ) و(ل علَّ ) و(لكنَّ ) و(كأنَّ ) ، على اعتبار أنَّ (إنَّ ) مكسورة الهمزة هي الأصل ، وأنَّ (أنَّ ) مفتوحة الهمزة هي فرع لها ، فلا داعي لذكرها عندهم (3) .فقال سيبويه : "هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها ، كعمل الفعل فيما بعده" (4). وقال المبرّد: :"هذا باب الأحرف الخمسة المُشبّهة بالأفعال و هِي (إِنَّ و أ نَّ و ل كِنَّ و ك أنَّ وليت و ل ع لَّ ) ، وإِنَّ وأ نَّ مجازهما واحد فلذلك عددناهما حرفاً و اح دًا" (5). وتبعهم ابن مالك ، فقال :" اعتبار الأصل يقتضي كون أحرف هذا الباب خمسة لا ستة ، كما يقول أكثر المصنفين، ويكملون الستة ب(أنَّ ) المفتوحة ، ولا حاجة إلى ذلك ، فإنَّ ها فرع المكسورة" (6). وأيّدهم الأشموني والسيوطي(1) . ____________ (1)ينظر : العكبري، اللباب في علل البناء والاعراب ،مصدرسابق ،ج1،ص224.ينظر:المرادي،الجنى الداني في حروف المعاني ، مصدرسابق، 423-424. (2 )ينظر: سيبويه ،الكتاب ، مصدرسابق ،ج2،ص131.وينظر: المبرد ،المقتضب ، مصدرسابق،ج4،ص121 . وينظر: ابن السراج ، الأصول في النحو ،مصدرسابق ، ج1،ص229 . (3 )ينظر: سيبويه ،الكتاب ، مصدرسابق ،ج2،ص131.وينظر: المبرد ،المقتضب ، مصدرسابق،ج4،ص121 . وينظر: ابن السراج ، الأصول في النحو ،مصدرسابق ، ج1،ص229 .وينظر : المرادي،الجنى الداني في حروف المعاني ، مصدرسابق، 423. (4 )سيبويه ،الكتاب ، مصدرسابق ،ج2،ص131. (5 )المبرد ،المقتضب ، مصدرسابق،ج4،ص121 . (6)ابن مالك ،شرح تسهيل الفوائدوتكميل المقاصد ، مصدرسابق،ج2، ص5. (1) ينظر: الأشموني ،شرح الأشموني لألفية ابن مالك ، مصدرسابق ،ج1،ص296. وينظر:السيوطي ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، مصدرسابق،ج1،ص491.
عدد الصفحات ٣٠11 وتبعهمالعكبري ، فذكر عدة أدلّ ة تثبت صحة أصالة (إنَّ ) مكسورة الهمزة ، فقال: " والمكسورة هِي الأ صل لثلاثة أوجه أ حدها : أنَّها تفِيد فِي ال جُمل ة معنى و احِدًا هُو التوكيد ، فهي ك (لا م الاِب تِد اء ) ، و (ال ب اء) الدَّاخل ة فِي خبر (ل ي س ) ، و (نون ت أ كِيد ال فِع ل)، والمفتوحة تفِيد التوكيد وتعلّق م ا بع ده ا بِم ا قبله ا و الثَّانِي أنَّ (إنَّ ) ال م ك سُور ة أشبه بِال فِع لِ لذا ك ان ت عاملة غير م ع مُول فِيه ا ، ك م ا هُو أصل ال فِع ل والمفتوحة عاملة ومعمول فِيه ا ف هِي كالمركَّب والمكسورةُ كالمفرد والمفرد أصل للمركَّب . والثَّالِث أنَّ ال م ك سُور ة ل يست كبعض الاسم ، هي مستقلَّة بِن فسِه ا ، والمفتوحة كبعض الاسم إِذ ك ان ت هِي و م ا عملت فِيهِ ت ق دِير اس م و احِد " (1). وتبعهم المرادي ، فذهب إلى أصالة (إنَّ مكسورة الهمزة) وذكر أدلة العكبري ، وأضاف اليها بعض الأدلّ ة التي تثبت أصالتها ، فقال :" ويدل على صحته أوجه ، الأول: أنَّ الكلام مع المكسورة جملة غير مؤولة بمفرد، بخلاف المفتوحة. والأصل أن يكون لمنطوق به جملة من كل وجه ، أو مفرداً من كل وجه. الثاني: أنَّ المكسورة مستغنية بمعموليها عن زيادة ، بخلاف المفتوحة.الثالث: أنَّ المفتوحة تصير مكسورة، بحذف ما تتعلق به كقولك في عرفت أنَّ ك برّ : إنّ ك برّ . ولا تصير المكسورة مفتوحة ، إلا بزيادة ، والمرجوع إليه بحذف أصل . الرابع: أنَّ المكسورة تفيد معنى واحداً، وهو التوكيد. والمفتوحة تفيده، وتعلّ ق ما بعدها بما قبلها، فكانت فرعاً .الخامس: أنَّ المكسورة أشبه بالفعل، لأنَّ ها عاملة غير معمولة ، كما هو أصل الفعل. السادس: أنَّ المكسورة كلمة مستقلة، والمفتوحة كبعض اسم" (2). وتبعهم الشيخ خالد الأزهري في أصالة (إنَّ ) مكسورة الهمزة ، فقال:" تتعين(إنَّ ) المكسورة، وهي الأصل عند الجمهور،حيث لا يجوز أن يسدّ المصدر مسدها ومسد معموليها، و تتعين (أنَّ ) المفتوحة، وهي الفرع، حيث يجب ذلك " (3 ) . ويمكن القول بعد نهاية هذا المبحث إنَّ (لعلّ ) حرف مركّ ب من (اللام وعلَّ )، و(لكنَّ ) حرف بسيط غير مركّ ب ، و (كأنَّ ) مركّ بة من حرف التشبيه الكاف وحرف أنّ التوكيدية ، و(ل ي ت ) حرف بسيط غير مركّ ب ، و لا شكّ في بساطة (إنَّ ) مفتوحة الهمزة و(أنَّ ) مكسورة الهمزة ، و(إنَّ ) مكسورة الهمزة هي الأصل . ___________ (1 )العكبري،اللباب في علل البناء والاعراب ،مصدر سابق،ج1،ص224. (2 )المرادي،الجنى الداني في حروف المعاني ، مصدر سابق،ص 423-424. (3)خالدالأزهري ،شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو، مصدر سابق،ج1،ص322.
عدد الصفحات ٣١19 المطلبالثاني : تركيب (لعل ) . اختلفت أراء علماء اللغة في تركيب البنية الأولى للحرف (لعلَّ ) وبساطتها ، فانقسموا على مذهبين : المذهب الأول ذهب إلى أنّ الحرف (لعلَّ ) حرف مركّ ب أصله علَّ (ع ل ل)، يتكون من اللام الأولى الزائدة وكلمة علَّ . والمذهب الثاني ذهب إلى أنّ (لعلَّ ) حرف بسيط ليس مركباً ، و جميع حروفه أصلية. ويمثّ ل المذهب الأول مجموعة من النحاة ، منهم : سيبويه، فاستدل على أن ها مركّ بة لأنَّ العرب تقول علّك ، فقال : " و(لعلَّ ) حكاية؛ لأنَّ اللام ها هنا زائدة ، بمنزلتها في لأفعلنَّ . ألا ترى أنّ ك تقول: علَّك" (1).ومنهم المبرّد ، فقال عن تركيب (لعلَّ ) : " و أ صله (علّ ) و اللاَّم ز ائِد ة " (2). ومنهم الزجّاجي ، الذي فصّ ل القول في هذه المسألة ،فأورد في كتابه اللاّ مات باب اللام المزيدة في (لعلَّ )، فقال: " أجمع النحويون على أنَّ أصل لعلَّ (علَّ )، وأنَّ اللام في أوله مزيدة ،واستدلّ وا على ذلك ، بقول الشاعر:[الرجز] ي ا أ ب ت ا ع ل كأو ع س اك ا (3) وقال آخر: [الرجز] ع ل ص ر وف الد هْرِ أو د وْ لا تِه ا ي دِلْن ن ا الل م ة مِنْ ل م اتِه ا (4) و قالوا فلو كانت اللام أصليّة في أوله لم يُ جز حذفها ؛ لأنّ المعنى بها كان يكمل ، وفيها خمس لغات (علّ ، ولعلّ ، ولعن ، وعنَّ ، وأنَّ بهمزة مفتوحة) " (5) . ____________ (1)سيبويه ،الكتاب،مصدر سابق،ج3،ص332. (2)المبرد،المقتضب، مصدر سابق،ج3،ص13. (3 )العجّاج ، عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي(1991م) ، ديوان العجاج ، رواية وشرح عبدالملك بن قريب الأصمعي ( حققه سعدي ضناوي )،دار صادر ،ط1، ص429، بيروت. وهو من شواهد سيويه في الكتاب ، ج2،314 .وصدر البيت هو: ت قُولُ بِن تِي ق د أ ن ى أ ن اكا (4 )أنشده الفرّاء، يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، معاني القرآن، تحقيق:( أحمد يوسف النجاتي / محمد علي النجار / عبد الفتاح إسماعيل الشلبي)، ط1، ج3، ص9،دار المصرية للتأليف والترجمة – مصر. (5 )الزجاجي ،عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي(1995م)،اللامات، (تحقيق مازن المبارك)،ط2، ج1،ص135، دار الفكر– دمشق.
عدد الصفحات ٣٢19 ومنهم ابن جنّي ، واستدلّ على أنّ ها مركّ بة ؛ لورودها مجرّ دة من اللام في الشعر العربي ، فقال :" وكذلك اللام عندنا في (لعلَّ ) زائدة " (1). ومنهم الجوهري (ت 393هـ) ،فقال:" لعلَّ كلمة شكّ ، وأصلها علَّ ، واللاّم في أولها زائدة ، قال مجنون بني عامر(2): [الطويل] ي ق ول أ ناس: ع ل مجنون عامِرٍ ... ي ر وم س ل و اً قلت : إن ي لِم ا بي ا " (3) . وذكرت كتب الخلاف بين البصريين والكوفيين ،أنّ البصريين ذهبوا إلى أنَّ (لعلَّ ) مركبة من (اللام الزائدة وعل َّ ) ،واحتجّ وا على صحّ ة ذلك بعدّ ة حجج ،هي (4): 1- شيوع استعمالها مجرّدة من اللام في الشّعر كثيراً، والأصل عدم حذف الأصل، والزّيادة أقرب، لا سيّما إذا أريد تقوية الحرف أو قوّة معناه . ومن الأبيات التي ذكروها : قال نافع بن سعد الطائي :[من الطويل] و ل سْت بِل و امِ ع ل ى ا مْ رِ ب عْد م ا ... ي ف وت ، ولكِنْ ع ل أ نْ أ ت ق د م ا (5) وقال العُج ير السَّلُولي: [من الطويل] لك الخ يْ ر ع لِّلْن ا بِ ه ا، ع ل س اع ةً ... ت م ر ، وس هْ واء مِن الل يلِ ي ذْه ب (6) 2- استدلّوا على زيادة اللام الأولى في (لعلَّ ) بالقياس على اللاّ م في (زيدل، وعبدل، وأولالك) فاللاّ م في هذه الكلمات زائدة؛ لأنّ نا نقول في معناه (زيد، وعبد، وأولاك). __________________________ (1 )ابن جني، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي،الخصائص،ط4،ج1،ص311،الهيئة المصرية العامة للكتاب. (2 )قيس ، قيس بن الملوح(1994م) ، ديوان مجنون ليلى ،ط1، ص11، جمع وترتيب أبي بكر الوالبي ، تحقيق وشرح جلال الدين الحلبي ،دار النجم ، بيروت. البيت من شواهد :الزبيدي ، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، ج32، ص312،المحقق: مجموعة من المحققين، دار الهداية. (3 )الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، مصدر سابق،ج5،ص1915. (4)ينظر: الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين ،مصدرسابق، ج1،ص111-191 .ينظر: أبو البقاء العكبري، عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي (1996م)، التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين،( تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين)،ط1،ص359-361، دار الغرب الإسلامي.وينظر: عقل ، عبدالكريم محمد عقل (2214م)،الخلاف النحوي في الحروف المشبهة بالفعل ،ص93- 96، رسالة ماجستير،قسم اللغة العربية وآدابها،كلية الآداب والعلوم ،جامعة الشرق الأوسط . (5) أنشد ابن منظور هذا البيت عن ابن بري، ونسبه لنافع بن سعد الغنوي،البيت موجود في : ابن منظور ، لسان العرب ، ج11،ص 621. الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين ،مصدرسابق، ج1،ص119. (6) البيت موجود في: الأصفهاني ، أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي(2223م) ، شرح ديوان الحماسة ،ط1،1/1131،تحقيق: غريد الشيخ، وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان . الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين ،مصدرسابق، ج1،ص119.
عدد الصفحات ٣٣