المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سوزان غرينفلد تغير العقل

غير معروف

صفحة ٦ من ٢٥

87 كيف يتغير الدماغ من أسفل إلى أعلى في حالاتهم، باستخدام مضادات الاكتئاب مثل بروزاك، والتدخل بواسطة تقنيات الكلام المختلفة مثل العلاج السلوكي المعرفي. يختلف العلاج النفسي ويشجّع عن الأدوية المضادة للاكتئاب في أن المعالج يستهدف معتقدات المريض، المريض على رؤية العالم بطريقة جديدة وأكثر إيجابية. إن سبب الاكتئاب - كفقدان أحد الأحباء، على سبيل المثال - لا يتضاءل، بل يوضع في سياق يمكّن المريض من اتخاذ منظور أكثر إيجابية. وبالتالي، فإن العلاج السلوكي المعرفي للاكتئاب يعمل على نحو مماثل للدواء الغُفل. وفي كلتا الحالين، فإن الدماغ يعمل من أعلى إلى أسفل: إن المعتقد يؤدي حينئذ إلى إحداث تغيرات كيميائية في الدماغ، على رغم فهم الكيفية المحددة لحدوثه فلايزال لغزا محيرا في علم الأعصاب. وفي الوقت نفسه، فإن العلاج بالأدوية يعمل بشكل مختلف، عن طريق التعديل من أسفل إلى أعلى مباشرة. فهو يعدّل بصورة مباشرة توافر الناقلات العصبية، وتجاوز أي دوائر عصبونية شخصية. بيد أن هذه الدوائر الشخصية، التي يمكننا مساواتها مع العقل الشخصي، قد تكون في غاية الأهمية. وهناك فرق كبير بين العلاج السلوكي المعرفي والتدخل الدوائي المباشر، وهو أن احتمال الانتكاس في ات المتعلقة يرّحالات الاكتئاب يكون أكبر في العلاج الدوائي. من المفترض في التغ باللدونة في الشبكات العصبونية الشخصية، التي تشكلت بفعل العلاج السلوكي العام، لكنه عابر في المقام يرّالمعرفي الروتيني، أن تكون أكثر ديمومة وقوة من التغ الأول في الصورة الكيميائية للدماغ، حيث تتلاعب الأدوية بصورة مباشرة بمشاعر الفرد وحالته الواعية على مدى فترة زمنية أقصر بكثير. ومن المثير للاهتمام أنه في الأفراد المصابين بالاكتئاب، نجد أن المنطقة الدماغية التي يجري فيها إنشاء عصبونات جديدة من الخلايا الجذعية (التلفيف المسنن تسهّل في العادة dentate gyrus الجسدييرّ تشكيل اتصالات جديدة، كما أشارت إليه شارون بيغلي، فإن هذا التغ في الدماغ قد يفسر سبب كون مرضى الاكتئاب لا يتقبلون الأشياء الجديدة بسهولة، وإصرارهم على رؤية العالم بطريقة لا تتغير، والتي تتسم بكونها مملة وأحادية اللون

عدد الصفحات ٨٣

88 تغيّر العقل وباختصار، فإن أدمغة طائفة كاملة من الحيوانات تتسم بلدونتها المدهشة، كما أن الدماغ البشري يُعد متفوقا في ذلك بصورة استثنائية. فهو يتكيف ماديا باستمرار مع الأنواع المتكررة من السلوكيات، وذلك وفقا لمبدأ وإلا فستخسرها خاص خلال الأطر الزمنية الحرجة خلال النماء، لكنه يستمر طوال الحياة وحتى سن الشيخوخة. ومع ذلك فاللدونة لا تتوقف عند تكرار مهارات معينة. إن التجربة المجردة للعيش والتفاعل في بيئة معينة تترك بصماتها على الدماغ، مما يؤدي بدوره إلى دوائر دماغية شخصانية وفريدة من نوعها (الحالة الذهنية)، والتي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مزيد من التغيرات المادية في الدماغ والجسم. لكن هذا يدعنا تعدّل حالة مادية؟ وعلى مع بعض الألغاز المضجرة. كيف يمكن لفكرة بسيطة أن العكس من ذلك، كيف يمكن لدواء يؤثر في المواد الكيميائية التي تعدّل الحالات يعدّل الأفكار البسيطة؟ باختصار، ما هي قصة علماء الأعصاب حول المادية أن الأساس الفيزيائي المحتمل للعقل والوعي؟

عدد الصفحات ٨٤

89 كيف يصبح الدماغ عق عندما سألتني عن كيفية عمل الدماغ، طرحت الفتاة التي كانت بين الحضور واحدا من أصعب الأسئلة على الإطلاق. حتى قبل أن تُظهره لنا بالفعل جميع نبدأ في فهم معنى ما التقنيات الجديدة والقوية في علم الأعصاب، سنقع على الفور في مشكلة مع السؤال نفسه. فبعد كل شيء، ما الذي تعنيه في الواقع عبارة تُناط بالجهاز العصبي « المركزي كثير من الوظائف المختلفة، والتي تؤدى على العديد من المستويات التشغيلية المختلفة، إلى درجة أن جميع هذه السفسطة العصبونية لا يمكن بالفعل إدراجها تحت كلمة منفردة جامعة مثل أحد المستويات، يعرف الجميع كيف عقار بروزاك: من بين الأفعال الرئيسة للعقار، نجد تعزيز توافر أحد المراسيل الكيميائية، وهو كيف يصبح الدماغ عقلا « النظر بأفضل صورة إلى الهوية كنشاط وليست كحالة: فهي ليست جسما صلبا أو ممتلكات مختزنة داخل رأسك، بل هي نوع معين من الحالة الدماغية الشخصانية، أي شعور يمكن أن يتغير من لحظة إلى التي تليها 7

عدد الصفحات ٨٥

90 تغيّر العقل الناقل العصبي سيروتونين. لكن الكيفية التي على تخفيف البؤس الشخصي لدى مرضى الاكتئاب لاتزال لغزا كاملا. فالسيروتونين هو، بعد كل شيء، مجرد جزيء؛ أي أنه لا يحتوي على سعادة محتبسة بداخله. وبدلا من ذلك، فإن المسألة البالغة الأهمية هنا هي السياق، أي دوائر الخلايا الدماغية التي يلعب بداخلها دورا مساندا - دورا قويا بالفعل، لكن ذلك يحدث فقط عندما يعمل ضمن السيناريو الملائم. ومثل ممثلة تقرأ سطورا متفرقة من الدور بمفردها في غرفة خلع الملابس الفارغة، فإن الناقلات العصبية وغيرها من الجزيئات الفاعلة بيولوجيا والمكتنفة في الإشارات العصبية لا تحقق شيئا من تلقاء نفسها. فهي تحتاج إلى غيرها من الممثلين، وإلى المشهد المحيط، وإلى تسلسل واضح للأحداث من أجل أن يكون لأدوارها أي تأثير أو أهمية. وفي حالة السيروتونين والاكتئاب، نحن نعلم أن هناك فترة تلكؤ تمتد إلى عشرة أيام على الأقل بين بداية تناول البروزاك وبداية الشعور بالآثار العلاجية. فإذا كانت البهجة نتاجا مباشرا لجزيء السيروتونين نفسه، فمن المؤكد أنك كنت ستشعر بتأثير العقار فور تناوله. بيد أن الحاجة إلى الانتظار تعني أن تخفيف حدة الاكتئاب لا يتعلق مباشرة بالناقل العصبي نفسه، أو بمحيطه المكاني المباشر، أو حتى بفعله المباشر على الخلايا المجاورة. وبدلا من ذلك، هناك أمر أكثر تعقيدا بكثير يتم داخل الشبكة العصبية الأوسع، وعلى مدى زمني أطول. لقد رأينا أن تشابك الناقل العصبي مع جزيئه المستهدف يشبه قليلا فعل المصافحة. الآن تخيل تواصل هذه المصافحة، وأن شخصا ما يستمر في الضغط على يدك. في نهاية المطاف، ستصبح يدك أقل حساسية، بل حتى تشعر بالخدر، وستدعو الحاجة إلى مزيد من الضغط لتحقيق التأثير نفسه. وهذا هو الحال مع الأهداف الجزيئية. عندما يتناول شخص ما بروزاك، ستتعرض المستقبلات في يُفرَز بلا دماغه للقصف بكميات كبيرة بشكل غير عادي من السيروتونين الذي هوادة يوما بعد يوم. وببطء ستصبح المستقبلات أقل حساسية (المصطلح التقني هو في الواقع تؤدي دورا في تخفيف حدة الاكتئاب. لكن الكيفية التي تُترجم بها في الواقع هذه الآلية، أو أي آلية فيزيائية - كيميائية أخرى في الدماغ، إلى إحساس شخصي

عدد الصفحات ٨٦

91 كيف يصبح الدماغ عق بالسعادة أو الحزن لاتزال تمثل واحدا من أكبر الألغاز في علم الأعصاب، إن لم يكن أكبرها على الإطلاق. لنأخذ الآن مثالا آخر، هنري مارش ويُجري العديد من عملياته والمريض مستيقظ، بحيث يمكن لهنري أن يرى الآثار الوظيفية الدقيقة لتحفيز الدماغ في مواقع مخية مختلفة قبل أن يحدث أي تدخل جراحي حقيقي. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو دمويا، فلا توجد مستشعرات للألم في الدماغ، لذلك فقد كان من المعتاد تماما منذ منتصف القرن العشرين إجراء العمليات الجراحية على الأدمغة الواعية تماما تلفزيونية مغلقة في غرفة العمليات، ويتيح للمريض الفرصة لمشاهدة العملية بأكملها. فكر في الأمر هكذا: يشاهد الدماغ نفسه. ما الذي يمكنه أن يحدث يا ترى؟ إن ما يجري، سواء في غرفة عمليات هنري أو لدى أي شخص يتناول البروزاك، هو تمثيل لـ الأسترالي ديفيد تشالمرز . ولكن من أجل فهم الماء الذي تمثله وظائف الدماغ إلى شراب الخبرة الشخصانية كيفية قيام الدماغ بتوليد الوعي، نحن بحاجة إلى امتلاك فكرة على الأقل، مهما ضٍ: هل سيكون كانت افتراضية، عن نوع الإجابة التي يمكن أن تعمل كتفسير مُر معادلة رياضية، أم صورة للدماغ، أم شيئا أكثر من ذلك في عالم الخيال العلمي؟ ليس هناك واحد من هذه الاحتمالات يبدو قريبا من أن يكون كافيا أو مناسبا. ومع ذلك، فحتى نعرف نوع الإجابة التي نحتاج إليها لحل المشكلة الصعبة، فمن المؤكد أن هناك احتمالا ضئيلا لأن نقوم بذلك. على أي حال، فمن دون رادع، بحث البعض عن الإجابة في الذكاء الاصطناعي المرتكز على السيليكون. مع القوة المتنامية للمعالجة الحاسوبية، فإن القضية هنا لا تتعلق بالجزء الخاص بالذكاء بقدر ما تتعلق بالجزء الاصطناعي: كيف يمكن تنظيم حاسوب بالمقارنة مع الدماغ البيولوجي الحقيقي؟ لايزال كثيرون يجاهرون بأن الدماغ يعمل الأولية في اتجاهين محتملين: إما أن نبدأ بالنظم البيولوجية ونتحرك نحو النظم الاصطناعية، وإما أن نبدأ بتلك الاصطناعية ونتحرك نحو البيولوجية. إذا بدأنا

عدد الصفحات ٨٧

92 تغيّر العقل بظاهرة بيولوجية، سواء كانت التعلم، أو الذاكرة، أو حتى الوعي نفسه، فستتمثل الفكرة المعتادة في أنه ينبغي علينا أن نتمكن من نمذجتها في جهاز مرتكز على السيليكون. لكن هناك مشكلة فورية هنا، نظرا إلى أن فكرة صنع نموذج تتطلب أن نركز على السمات البارزة البالغة الأهمية والتخلي عن تلك الدخيلة. إن نموذجا للطيران، كما يتمثل في طائرة، يتطلب التغلب على الجاذبية؛ أما ما لا نحتاجه فهو ريش ومنقار. لذلك، فمن أجل نمذجة الوعي، سيتعين علينا بالفعل أن نتعرف على ماهية العمليات المادية البارزة للدماغ والجسم، وعلى الأجزاء الدخيلة منها، والتي يمكن بالتالي تجاهلها. ومع هذا، إذا عرفنا ذلك، فسنكون قد وصلنا إلى حل المشكلة بالفعل؛ ولن تكون هناك حاجة إلى أن نكترث لهذا النموذج. ولكن السير في الاتجاه المعاكس - بحيث نبدأ من منظومة اصطناعية من أجل توضيح بيولوجية العمليات المعرفية، مثل التعلم، والذاكرة، أو الوعي - يمكن أيضا أن يكون غادرا. هناك تشكيلة مميزة ومتنوعة من العلماء مثل راي كورزويل Kurzweil كبرى ع للشبكات العصبية (أو كما قال الفيلسوف جون سيرل حتى في حاسوب مصنوع من علب الجعة القديمة والذي يستمد طاقته من طواحين الهواء) - على أي حال، فإن الفكرة هي أننا إذا بنينا آلات متزايدة التعقيد دوما، فسيظهر الوعي كنتيجة عفوية وحتمية، وكذلك فإن أكثر شخصيات الخيال العلمي ابتذالا، أي الروبوت الواعي، سيصبح حقيقة واقعة. لكن طريقة التفكير هذه تُغفل علم الأعصاب المستبطن الذي هو عادة قيد العمل. فكّر في نقل تلك التشكيلة الهائلة من المركبات المتقلبة والدقيقة في الجهاز العصبي، والتي تعمل في توليفات مختلفة، وفي أماكن مختلفة، وعبر نوافذ زمنية مختلفة، والتي لها آثار متغيرة وشديدة الاعتماد على السياق. تُظهر الكيمياء العصبية المتنوعة للجهاز العصبي المركزي أن النوعية لا يمكن اختزالها إلى كمية، وأن الدينامية المعقدة لتحوير المواد الكيميائية وأدمغتنا هي أكثر بكثير من مجرد عمليات حسابية. وكما رأينا آنفا، فالعصبونات هي كيانات ديناميكية للغاية وتمتلك لدونة غير عادية، وليست مجرد مكوّن ثابت يمكن توصيله بالتيار وتشغيله بانتظام مستمر

عدد الصفحات ٨٨

93 كيف يصبح الدماغ عق وعنيد، بغض النظر عن البيئة المحيطة التي يقع ضمنها على المستويات الدقيقة والمتوسطة والكبرى في نهاية المطاف. إن التفاعل الديناميكي المكثف والمتغير باستمرار بين ائتلافات العصبونات لا يشبه في أي شيء تلك الدوائر الصارمة للأجهزة الحاسوبية. لا يمكن لأي تراكم منهجي بسيط من مكونات السيليكون أن يكون له التأثير نفسه مطلقا، إلا إذا كانت تلك الوحدة نسخة متطابقة من العصبون، ومفعمة بكل المواد الكيميائية وديناميات الكيمياء الحيوية التي تسمح بلدونتها . علاوة على ذلك، هناك جسم كامل، فيما وراء وحساسيتها المميزة التي لا تل الدماغ، والذي يتلقى ويرسل استجابات متواصلة. قبل فترة، أشار عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو ذهابا وإيابا بين الدماغ وبقية الجسم، وهي المواد الكيميائية التي أشار إليها باسم « العصبي، وجهاز الغدد الصماء، والجهاز المناعي، وهي أجهزة التحكم الثلاثة الرئيسة في الجسم. وبعد كل شيء، فإذا لم تكن هذه الأجهزة متفاعلة فستكون لدينا فوضى الغُفل، بيولوجية؛ وحتى لو لم يحدث ذلك، فسيكون من الصعب تفسير تأثير الدواء حيث يمكن، كما رأينا، لفكرة (وهي نوع من الأحداث العصبونية في الدماغ) أن تؤثر في الصحة، وهو حدث يقع في الجهاز المناعي. لكن تخيل فقط أننا سنتمكن في يوم ما من بناء نوع من الأجهزة الصنعية، والتي تتسم بما يكفي من التعقيد لأن تكون مرشحا قويا لامتلاك الوعي. دعونا نتصور حتى أنها اجتازت اختبار تورينغ . في هذا الاختبار، لن آلان تورينغ، الذي يمكن القول إنه والد تكنولوجيا المعلومات يستطيع المراقب المحايد أن يميّز بين استجابات الإنسان واستجابات الآلة. سأواصل سعيي المضني لأرى الكيفية التي يمكن بها لمثل هذا النظام الاصطناعي، على رغم أنه قد يكون إنجازا هندسيا فذا، أن يساعد في حل المشكلة الصعبة. كيف يمكن أن يساعد هذا الحاسوب الواعي البارع في فهم كيف أن يتولد في الواقع ضمن نظام موضوعي إذا كان من يجيب عن أسئلتنا هو حاسوب أم إنسان يخبرنا بشيء ما عن الحالة الداخلية المراوغة للوعي: ماهيته؟ وكيف يحدث؟ وفي أي من الأحوال، فلايزال الأمر

عدد الصفحات ٨٩

94 تغيّر العقل افتراضيا برمته: فلم يتم بعد النجاح في اختبار تورينغ (على الرغم من أنه، على ما يبدو، هناك من رسب فيه من البشر في مكان ما). ومهما كانت الأسباب التي دفعتهم إلى تبني هذا النهج، فبالنسبة إلى من يركزون اهتمامهم على بناء ضرب من الآلات الواعية، ربما يتمثل الهدف الأكثر إثارة في تلبية معيار الراحل ستيوارت ساذرلاند مع زوجته. دّ المأزق المفاهيمي للغز تحويل الماء إلى شراب إلى منع على أي حال، فلم يؤ علماء الأعصاب، وأنا منهم، من محاولة تحقيق نوع من التقدم. ثمة طريقة متعرجة للتقدم، وهي التوقف مؤقتا عن التفكير في المشكلة الصعبة، ومن ثم طرح سؤال أبسط بدلا من ذلك: هل يمكننا خفض أبصارنا وأن نكتفي بربط، أو مطابقة بعض المشاعر الذاتية ببعض الأحداث المادية في الدماغ، مثل الربط بين مشاعر العافية والزيادات الحادثة في مستويات السيروتونين بفعل تناول عقار البروزاك - بطريقة تكشف عن وجود علاقة ثابتة بين الأحداث الموضوعية والتجارب الشخصانية. يُعرف باسم تتمثل خطة اللعب هذه في البحث عما صار العصبية للوعي صلة سببية فيما يتعلق بالكيفية التي يمكن بها لحدث مادي أن يؤدي إلى حدث ذهني، أو العكس. يتسم الارتباط المحض، أو مجرد مطابقة متواضعة، بكونه أكثر جدوى لأنه يلتف حول اللغز المفاهيمي لمشكلة تحويل الماء إلى شراب. ولكن من أجل التوصل إلى ارتباط مقنع بالوعي، مازلنا بحاجة إلى وسيلة لوصف التجربة الشخصانية، والتي تعمل كقائمة تسوق لما سنطلب من الدماغ المادي تسليمه. ومع ذلك، فلاتزال هناك عقبة: إن علم الأعصاب، مثل كل العلوم، يسعى بلا هوادة إلى أن يكون موضوعيا، وبالتالي يتسم كل ما نقوم به، بما في ذلك كل التجارب، بالحيادية الصارمة في إجراءاتها، والأهم من ذلك أنها كمية، فكل شيء يتعلق بالقياس. وتكمن المشكلة في أن حالات الوعي تتسم في جوهرها بكونها شخصانية وكيفية qualitative مثلنا على أن يكونوا موضوعيين بلا تحيز. وبالتالي، من أجل التوصل إلى ارتباط ثابت ومقنع بالوعي، نحتاج إلى وصف الحالات الشخصانية بطريقة تسمح لنا باستخلاص

عدد الصفحات ٩٠

95 كيف يصبح الدماغ عق أوجه الشبه المباشرة مع العمليات الدماغية. وقد تمثّل اقتراحي الشخصي في القول بأن الوعي ليس ظاهرة تعمل بمبدأ quantitative الإيقاف، فقد اقترحت أن الوعي هو أشبه بمفتاح التعتيم ينمو مع نمو الأدمغة وتطورها، سواء بمصطلحات تطورية عبر الأنواع الحيوانية أو في النماء البشري الفردي من مرحلة الجنين فصاعدا. وفي مرحلة البلوغ، يستمر هذا التباين، بحيث تمر أوقات تكون فيها أكثر وعيا مما تكون عليه في أوقات أخرى؛ وفي المصطلحات اليومية، نحن نتحدث عن نظري، فإن الاتجاه الفعلي لا يهم حقا، لكننا يجب أن نتحدث بدلا من ذلك عن درجة الوعي، بحيث يمكننا أن نبحث في الدماغ عن شيء مادي، عن عملية حقيقية، والتي تتباين بدورها في الدرجة من لحظة ما إلى التي تليها وكما أرى الأمر، فإن مرشحي البيولوجيا العصبية الأقرب احتمالا لاكتناف الوعي هي التجمعات العصبونية، وهي ائتلافات واسعة النطاق تضم عشرات الملايين من الخلايا الدماغية التي يمكنها أن تعمل بصورة متزامنة، وأن تفك ارتباطها في أقل من ثانية. نحن نعلم أيضا أن هذه الظواهر العابرة للغاية، التي تحدث على النطاق تُختزل بشكل كبير بواسطة العقاقير التي تسرق الكبروي الوعي، مثل أدوية التخدير. وبالتالي، فإن النظرية تقول إنه كلما زاد اتساع نطاق التجمع في أي لحظة بعينها، ازداد عمق الوعي. في المقابل، فإن المدى الذي يبلغه التجمع في أي وقت من الأوقات سيعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل التي تحدد مدى السهولة التي يمكن بها حشد الائتلاف العابر للخلايا الدماغية. ومن بين العوامل المهمة هو الشدة المحضة للتحفيز الوارد السبب في أن يقوم المنبه بسحبك من فقدان الوعي إلى الضوء القاسي لحالة اليقظة. ولكن، ماذا عن الوضع الذي لا يرن فيه المنبه ومن ثم تستمر في الحلم؟ لدينا هنا حالة يكون فيها الوعي غريبا بصورة ما، على الرغم من أنك لاتزال فيها منيعا ضد العالم الحسي الخارجي من حولك. لقد اقترحت أن التجمعات العصبونية التي جّهة من قبل تنتج الأحلام تتسم بكونها هشة للغاية وغير متوسعة كثيرا، لأنها مو مصادفات النشاط العصبوني الداخلي المستقل عن المساهمة القوية من قبل الحواس

عدد الصفحات ٩١

96 تغيّر العقل والعالم الخارجي. وإذا كان التجمع الحادث في الأحلام صغيرا، فإن الوعي المقابل لا يكون شديد العمق، وبالتالي يغيب منطق السبب والنتيجة، ومن ثم السرد المفكك وغير المعقول الذي يشكّل ويميّز حالة الحلم. وإذا كان الوعي ينمو كما تنمو الأدمغة، فبوسعنا أن نتوقع أيضا لصيغة تميّز عقلية من لاتزال أدمغتهم في طور النمو: الأطفال التجمّع الصغير هذه أن الصغار، الذين توجّه سلوكياتهم اللحظة العابرة والعواطف الآنية وليس العواقب التفصيلية والتخطيط. ومع ذلك، فهناك طرق يمكن بها حتى للدماغ البشري البالغ أن ينكص إلى هذا الوضع الأكثر أساسة من التجمع الصغير، على الرغم من كونه مستيقظا تماما. وهناك عوامل كثيرة في الدماغ يمكنها أن تسهم في المحصلة محفّز خارجي النهائية التي تنتج عن تجمع صغير، وليس مجرد الافتقار إلى وجود (الحلم) أو عدم وجود اتصالات دماغية كافية (الأطفال الصغار). ماذا لو كان هناك فائض من مادة كيميائية دماغية تحدّ من الانتشار الكامل للتجمّع، أو ما إذا كان هناك عدد كبير للغاية من المدخلات الحسية التي تقصف الدماغ، والتي تَ اللازم لتحريض التجمع للوصول إلى إمكاناته الكاملة قبل أن لا يمتلك أيها الوق يهزمه المدخل التالي؟ لقد اقترحت في وقت سابق أن هذين السيناريوهين قد يحدثان في الفصام والرياضات السريعة الوتيرة، على الترتيب، وأن التجمع يحدث نتيجة لعوامل مختلفة، يمكنه مع ذلك امتلاك حالة صافية مشتركة تتسم . بمحتوى من العواطف الجياشة وبوعي لحظي لا علاقة له بالماضي أو المستقبل وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الدماغ البشري قادرا بالفعل على امتلاك أنماط مختلفة تتميز بحالات دماغية مختلفة ترتبط بالأنواع المختلفة من الوعي، فستكون هناك تضمينات مهمة بالنسبة إلى هذا النوع من الوعي الذي قد ينجم عن التجارب المستمرة على الإنترنت. وبالتالي، ما نحتاج إلى أن نفعله الآن هو استكشاف ما يحدث عادة في الدماغ البشري خلال انتقال الفرد من مرحلة الرضاع إلى مرحلة الطفولة ثم نضجه إلى إنسان كامل لم يسبق له مثيل، له ماض ومستقبل. وكما وصفه عالم النفس العظيم وليام جيمس على نحو رائع في بدايات القرن ستقيِّم العالم العشرين، فأنت تولد في خضم من

عدد الصفحات ٩٢

97 كيف يصبح الدماغ عق من حولك بطريق حسية بحتة، لأن كل ما لديك هو حواسك التي تقصف عقلك: كم هذا حلو، كم هذا لطيف، كم هذا مشرق، كم هذا صاخب. إن الشيء الرائع بخصوص أن تولد إنسانا وليس سمكة ذهبية، على سبيل المثال، هو أنه على رغم أننا نولد بمجموعة كاملة إلى حد كبير من العصبونات، فإن النمو والاتصالات بين الخلايا الدماغية هو ما يفسر النمو المذهل للدماغ في مرحلة الرضاع والطفولة المبكرة. لقد رأينا كيف أن الدماغ البشري العام يمتلك لدونة حساسة للغاية من شأنها تخصيصه إلى كيان فريد من نوعه، وكيف يمكن لخلية دماغية تحفزها البيئة أن تنتج مزيدا من الفروع، والتي تزيد بدورها من مساحة سطحها، وبالتالي تجعل من الأسهل عليها تشكيل الاتصالات. لذلك، لا ينبغي لنا أن نفاجأ كثيرا بأن جميع هذه الاتصالات المتاحة يمكنها أن تزودنا بقدرة على التكيف لها تضمينات مهمة بالنسبة إلى كل فرد. إذا كانت لديك خبرات فردية، فستصبح متفردا عندما تبدأ تجاربك الخاصة في إعادة ترتيب وتنظيم المشابك العصبية في دماغك. على سبيل المثال، بمرور الأسابيع، ستنمو الاتصالات بين الخلايا الدماغية في الرضيع ببطء لاستيعاب الأنماط البصرية المستمرة من الألوان والأشكال، والتي ربما تشكّل هذه كان كل منها مصحوبا باستمرار بصوت، وملمس، ورائحة معينة. ومع الاتصالات، ينتقل الرضيع تدريجيا من منظور حسي تماما للعالم إلى منظور معرفي أكثر. ستتحول الآن تلك الأنماط والأصوات البصرية التي كانت مجردة سابقا إلى أم الرضيع. وإذا ظهرت الأم مرة أخرى ومرة أخرى في حياة الطفل، بعد ذلك، كما هو الحال مع أمثلة اللدونة التي ناقشناها في وقت سابق، فإن الدماغ سيتكيف بالتالي على بنية فريدة للاتصالات بين الخلايا الدماغية وستعني الأم بالنسبة إلى الطفل شيئا لا تعنيه لأي شخص آخر. ستتقدم العلاقة بين دماغ الطفل والعالم الخارجي ببطء من شارع باتجاه واحد إلى حوار ذي اتجاهين. وبدلا من أن يكون دائما في خضم من الارتباك الهادر، يدرك الطفل المحفزات الواردة (شخص، أو كائن، أو حدث) باعتبار أنها تحمل معنى محددا كليا لهذا الطفل بشكل خاص. يقيم دماغ الطفل هذه المحفزات من حيث ترابطيتها العصبونية القائمة، وفي الوقت نفسه فإن تُجري مزيدا من التحديثات على حالة التجربة المحددة المتمثلة في هذه العملية تلك الوصلات العصبية.

عدد الصفحات ٩٣

98 تغيّر العقل في البشر، ابتداء من عمر السادسة تقريبا، تبدأ الاتصالات الزائدة - تلك التي نادرا ما تستخدم - في التقلص بشكل انتقائي. ليس هذا قصورا، بل تطوير أنماط تمكّن الطفل من استكشاف بيئته الخاصة معينة من الاستجابات والمهارات التي والازدهار فيها. ومن حيث كان الطفل يقف سابقا على مفترق طرق، مع كل الاحتمالات مفتوحة وغير محققة، سيبدأ الآن في أن يسلك اتجاها واضحا، وسيصبح مختلفا بصورة متزايدة عن كل من سواه، مع استمرار الدماغ في التكيف مع كل تجربة جديدة. فلنأخذ خاتم الزواج كمثال. ربما أنه قد يثير اهتمام طفل صغير في البداية لمجرد خصائصه الحسية الواضحة: بريق الذهب، والثقب المركزي، والسطح سّخ الاتصالات المرتبطة بالخاتم، الأملس المستدير المتدحرج. ولكن مع تر سيكتسب هذا الشيء ببطء معنى بوصفه نوعا معينا من الأشياء التي تلبسها يعرّف أيضا في نهاية المطاف على أنه شيء تلبسه في إصبع في إصبعك، والذي واحد معين فقط، وفي ظروف معينة فقط، ثم يحدث مزيد من التنقيح، مع تزايد عدد الوصلات العصبونية، إلى معنى واسع متعدد الجوانب يتعلق بالحب وحفلات الزفاف والارتباط وما إليها، وهو ما لا تمتلكه الخواتم العادية الأخرى. وفي نهاية المطاف، فإذا حصلت على خاتم الزواج الخاص بك، فإن ذلك الشيء المعين سيمتلك معنى محددا، وأهمية لا تحظى بها جميع الخواتم الأخرى التي تشبهه كثيرا. ستكون التجارب الواسعة والشخصية للغاية، ومن ثم الوصلات العصبونية الفريدة لدماغك، قد منحت هذا الشيء أهمية عميقة وخاصة، أو « خاتم الزواج العادي وما قد يمثل الشيء الأكثر أهمية في حياتك يكمن بأكمله رأسك. وبهذه الطريقة، فإن الشارع ذا الاتجاه الواحد سابقا ينطوي الآن على حركة مرور تسير في كلا الاتجاهين. إن كل ما يجربه الطفل من لحظة إلى أخرى يُقرأ في ضوء الارتباطات الموجودة مسبقا، ولكن في الوقت نفسه فإن التجربة الجارية الحالية ستعمل على تحديث الارتباطية بحيث تغيرها إلى الأبد. ومع نمو الطفل، سيتميز تطور عقله بهذا الحوار . المتزايد القوة والمتبادل بين الدماغ والعالم الخارجي

عدد الصفحات ٩٤

99 كيف يصبح الدماغ عق وبالتالي مع نضج الطفل، فإن الإحساس الخام بالعالم الخارجي يفسح المجال أمام مدخول معرفي تكون فيه للأشياء، والأشخاص، والأحداث معانٍ شخصية. لكن هذا ليس كل شيء. إن قدرة الشخص على رؤية ما يتجاوز (بصورة شبه حرفية) القيمة الظاهرية تمكنه من إجراء تحليل وتقييم أكثر دقة لكل ما يحدث له. لنأخذ الحالة البسيطة لشخص يأتي إلى غرفة في يوم حين سيتمكن البالغون من الاحتكام إلى خبراتهم ومعرفتهم المسبقة لتفسير الوضع باعتباره حميدا، فقد يشعر الطفل الصغير بالرعب حقا. يفتقر الأطفال الصغار إلى الضوابط والتوازنات التي يوفرها وجود إطار مفاهيمي قوي، والمستندة إلى الخبرة السابقة، التي تمكنهم من تفسير الأحداث الجديدة على نحو ملائم. على أي حال، فمن دون أي إطار مرجعي، قد يكون هذا الظهور الغريب مهددا للحياة. إنني أقترح أنه كلما ازدادت قدرتنا على ربط ظاهرة، أو فعل، أو واقع، بغيرها من الظواهر، أو الحقائق، أو الأفعال، ازداد عمق التفاهم. وإليكم مثالا على ذلك. عندما بلغ أخي غراهام ثلاث سنوات فقط من عمره، وكنت أنا في السادسة عشرة، كنت أجد متعة كبيرة في مضايقته، كما تفعل الأخوات المراهقات الأكبر سنا. من بين الطرق التي استخدمتها، كان إجباره على أن يحفظ عن ظهر قلب مقاطع كبيرة من مؤلفات شكسبير، وعلى وجه الخصوص مناجاة ماكبث الشهيرة، »... مثّل تسلية كبيرة لزملاء السرعة بقراءة الأبيات الشهيرة عند الطلب، الأمر الذي دراستي الضاحكين. فإذا سألته عما يعنيه في الواقع البيت القائل أيتها الشمعة بأمري. إن الحياة كالمشي بالظلام كان شيئا عن إطفاء الشموع على كعكة عيد ميلاده. ما لم يكن بوسعه مطلقا أن يستوعبه في هذه السن، في ظل ارتباطيته العصبونية الهزيلة نسبيا، هو أن انطفاء الشمعة يتعلق في الواقع بشيء آخر تماما. لم يكن بوسعه وضع هذه العبارة في سياق أوسع، ومن ثم يدرك أن بيت الشعر لم يكن يتعلق كثيرا بانطفاء اللهب بقدر تعلقه بانتهاء الحياة - أي أنه كان كناية عن الموت. إن الفهم، إذن، يعني في الأساس أن ترى شيئا من منظور شيء آخر. من المؤكد أن هذا هو ما يعنيه الذكاء

عدد الصفحات ٩٥

100 تغيّر العقل الحرفي، أي نحو غاية محددة تتطلبها اختبارات حاصل الذكاء، على سبيل المثال، والتي هي أكثر . أشار عالم الرياضيات روجر قابلية بكثير لأن تترجم إلى أنظمة من السيليكون بنروز للقدرات البشرية الرئيسة مثل الحدس أو الحس السليم. وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء إلى أبعد من ذلك، فسنجد أن الفيزيائي العظيم نيلز بور تعليقا مهينا هو إن هذا التفريق بين المعالجة الفعالة لمدخول ما بحيث يجري التوصل إلى المخرجات الصحيحة (حفظ مسرحية ماكبث عن ظهر قلب، على سبيل المثال) ِف به منذ فترة، والمتعلق ترُوالفهم الحقيقي يتوافق جيدا مع التمييز الذي اع بالذكاء في هذين المفهومين المتميزين لأول مرة في العام بأنه أو عن التعليمات المتعلقة بتلك العلاقات التعلم، والخبرة، والتعليم. وفي الوقت نفسه، فإن الذكاء المتبلور ينطوي على المعرفة المكتسبة من التعلم المسبق والخبرات السابقة. يبلغ الذكاء السائل أقصاه في سنوات المراهقة ثم ينخفض، ولكن مع تقدمنا في العمر وتراكم المعارف والمفاهيم الجديدة، يصبح الذكاء المتبلور أقوى. طّد في علم النفس أن يتوافق مباشرة مع استخدام ومن الممكن لهذا التمييز المو أو عدم استخدام الارتباطية العصبونية الواسعة النطاق. وفي حالة المعالجة السائلة، تكون المعالجة الفعالة للمدخلات والمخرجات خالية من السياق، كما كان الحال بالنسبة إلى أخي؛ فليست هناك حاجة لارتباطية عصبونية شخصية من أجل توفير إطار مرجعي. لكن العملية المتبلورة التي تعتمد على المعلومات السابقة تمثل استعارة ممتازة لبناء الشبكات العصبونية واسعة النطاق. ويمكننا حتى أن نفكر في بنية الشبكة العصبونية بصورة حرفية أكثر، بحيث تشبه قليلا بنية بلورية، مع ترابط شديد بين الخلايا. وبالتالي فإن تعريف العلوم العصبية للعقل سيتمثل في شخصنة الدماغ البشري من خلال ارتباطيته العصبونية الدينامية، المدفوعة بدورها

عدد الصفحات ٩٦

101 كيف يصبح الدماغ عق من قبل خبرات الفرد الفريدة من نوعها. دعونا الآن نتقدم خطوة إلى الأمام. كثيرا ما تساءلت عن الكيفية التي يمكن بها توليد الحالة الشخصانية الفريدة لأن تكون أنت نفسك على مستوى الدماغ . من منظور علم الأعصاب، يمكن النظر بأفضل صورة إلى الهوية كنشاط المادي وليس كحالة: فهي ليست جسما صلبا أو ممتلكات مختزنة بداخل رأسك، بل هي نوع معين من الحالة الدماغية الشخصانية، أي شعور يمكن أن يتغير من لحظة إلى التي تليها. ومن وجهة نظري، هناك خمسة معايير أساسية يتعين على الدماغ المادي نك كيان متميّز. تلبيتها حتى تتمكن من أن أولا، عليك أن تكون واعيا تماما، أي لست نائما أو مخدّرا. وكما رأينا، ففي حين أن علماء الأعصاب لايزالون يفتقرون إلى أي وسيلة موضوعية لتفسير شخصانية الخبرات المباشرة بالعالم، والفريدة من نوعها لكل فرد، علينا ألا نسمح لهذا المأزق المفاهيمي بأن يمنعنا من المضي قدما لتوفير مزيد من المتطلبات. وعلى سبيل المثال، يمكن لجرذ أن يكون واعيا لكنه لا يمتلك شعورا واعيا بذاته بالهوية. وبالتالي فلاتزال هناك حاجة إلى مزيد. ثانيا، يجب أن يكون عقلك قادرا على العمل بكامل طاقته. في الوضع الافتراضي سيمكّن الفرد من الاستجابة لدماغ الإنسان البالغ العادي، رأينا الآن أن العقل بطريقة معينة للأشياء والأشخاص والأحداث وفقا للضوابط والتوازنات التي تفرضها المعتقدات والخبرات السابقة. وهذا العقل الفريد من نوعه، كما ينعكس على يمكّنك ليس فقط من فهم ما يحدث ارتباطيتك العصبونية الفريدة من نوعها، حولك في أي لحظة بعينها، بل إتاحة البند الثالث على لائحة التسوق. المعيار الثالث هو أنك تتفاعل بطريقة معينة تتحدد ليس فقط من خلال تجاربك السابقة والسياق السائد، كما في المعيار الثاني، ولكن أيضا من خلال الكيفية التي صاغت بها تلك التجارب السابقة في وقت لاحق معتقداتك الأوسع. يتمثل الفرق الرئيسي بين الذكريات والمعتقدات في أنه يمكن استحضار الأولى بشكل مستقل - تكتسب الذاكرة وصولا إلى وعيك من دون مزيد من التبرير- في حين أنه لا يمكن إدراك المعتقدات إلا من حيث مدى انفتاحها أو مقاومتها للتحقق من صحتها

عدد الصفحات ٩٧

102 تغيّر العقل أنه يمكن وصف المعتقدات بطول طيف ما، والذي يتراوح بين العقلاني واللاعقلاني، وذلك بصورة متناسبة مع هذه المصادقة النهائية المستقلة، أو مقاومة دليل يثبت صحة العكس وبالتالي، فإن اعتقادا غير منطقي (مثل القول إن جميع الرجال أفضل من النساء) وصولا إلى اعتقاد أكثر عقلانية (سوف تشرق الشمس غدا) يمكن تحديده وفقا لموقعه المحتمل بطول نطاق واحد حاسم يتعلق بمقدار مقاومته و/أو اعتماده على الأدلة الإضافية. في الدماغ، يمكن أن يتحقق هذا الترتيب من خلال مدى extent ظل وجود مدخلات متناقضة (مثل البراعة الواضحة لدى النساء) التي من شأنها، أو يمكنها، أو ينبغي إما فرضها وإما إلغاؤها، كما في حالة المعتقدات المتحيزة ضد المرأة. ومن الممكن أيضا أن يتحقق هذا التحقق المحتمل من الصحة، أو التفنيد، من منظور علم الأعصاب، في صورة ارتباطات أو ارتباطية تمتلك القدرة على تعويض أو إلغاء الارتباط الأصلي (الاعتقاد)، لكنها لا تفعل ذلك في الواقع إما لأن الاتصال الأصلي قوي للغاية وإما لأن التحقق من الصحة لايزال ضعيفا للغاية. بدورها، ستقوم هذه الاستجابات الحقيقية أو الافتراضية، أي معتقداتك، بتعديل ذكرياتك، والكيفية التي سترد بها بشكل مختلف في المرة المقبلة في أي موقف تقذف بك فيه أمواج الحياة. لكن لايزال هناك ما يتعلق بالهوية أكثر من مجرد امتلاك عقل، وذكريات، وحتى مجموعة من المعتقدات. تخيل أن تكون وحيدا على جزيرة صحراوية. ماذا سيحدث لهويتك؟ على جزيرة صحراوية، من ستكون في الواقع؟ أقترح أن المسألة هنا تتمثل في أن تجد نفسك فجأة من دون أي سياق يمكنك من خلاله التعبير عن نفسك. إن الفرق بين العقل والهوية هو أن العقل سلبي ولا يعتمد على التفاعل مع الآخرين، في حين أن الهوية نشطة وتعتمد على نوع ما من السياق المجتمعي. يتمثل العقل في الكيفية التي ترى بها العالم، في حين أن الهوية هي كيف يراك العالم. ومن أجل تحقيق هذه الأخيرة ستحتاج إلى مجتمع، أي ثمة سياق يدرك فيه الآخرون ما تفعله ويستجيبون له. وبالتالي فإن الشرط الرابع هو فعل - رد فعل معتمد على السياق.

عدد الصفحات ٩٨