المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سوزان غرينفلد تغير العقل

غير معروف

صفحة ٤ من ٢٥

54 تغيّر العقل وغيرهم ممن لا يمتلكون الحواسيب، فإن عدد مستخدمي الفيسبوك كنسبة من السكان الذين يستخدمون الحاسوب سيكون على الأرجح أعلى من ذلك بكثير). بنشاطٍ موقع تويتر، وهي خدمة وثمة مائتا مليون آخرون يستخدمون الصغيرة الصور، ومتابعة تيارات وعي الآخرين أو روتينهم اليومي وفي الوقت الحاضر، يجري تمثيل جميع الأجيال على تلك المواقع، حيث يمكن لمن تخطوا سن الثمانين أن يظلوا على اتصال مع أحفادهم الذين يعيشون بعيدا، لكن المواطنين الرقميين هم أكثر المستخدمين نشاطا هناك. في المملكة المتحدة، نجد أن من مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية، في حين أن أعمارهم بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين والذين يستخدمون الإنترنت قد سجلوا لمحة عن أنفسهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي المتحدة، فإن ب سبيس صديقا وفي المتوسط، يكون لدى مستخدمي الفيسبوك البالغين من العمر ما بين اثنتي عشرة وأربع وعشرين سنة أكثر من خمسمائة من أصدقاء الفيسبوك يقرب من المباشرة، و في المائة من الأصدقاء لم يجرِ الالتقاء بهم شخصيا على الإطلاق أو جرى الاجتماع بهم لمرة واحدة فقط وفي اليوم المتوسط، يقوم بحالة حين لا يعمل سوى أكبر من الناس يقضون وقتا في التفاعل مع محتوى المستخدمين الآخرين بدلا من نشر محتوى خاص بهم. ويشير كل ذلك إلى حقيقة واضحة تمام الوضوح: لقد صارت

عدد الصفحات ٥١

55 ظاهرة متعددة الأوجه الشبكات الاجتماعية عاملا أساسيا في ثقافة الجميع، باستثناء المناطق الأشد فقرا والأكثر حرمانا في العالم، أو أكثرها تعرضا للقمع الفكري. وبالتالي فإن السؤال الحاسم المميّز بشأن الشبكات الاجتماعية؟ ما هي الحاجة هو، بكل بساطة، ما الشيء الأساسية التي تلبيها هذه الثقافة الجديدة بطريقة تبدو كأن لم يسبق لها مثيل العقل الحادث في منتصف القرن الحادي يرّولكنها فعالة؟ إذا أردنا فهم وإدراك تغ والعشرين، يمثل هذا واحدا من أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها. تبدو فوائد الشبكات الاجتماعية غير قابلة للمناقشة: التسويق المباشر للمستهلك، ومواقع المواعدة، وبناء الوظيفة، والتواصل مع الأصدقاء القدامى. كثيرا ما يستشهد بأن تكون فيه. لكن ما يقلقني هو ما إذا كان لهذا التواصل الذي لا ينقطع تقريبا عبر الشاشة سلبيات أيضا. وكما هي الحال دائما، هناك المسألة الرئيسة المتمثلة في أن تكون « تكمّل الصداقات الحقيقية إذا جرى استخدامها باعتدال، فإذا جرى استخدامها و بشكل مفرط أو بصورة مستبعدة للعلاقات الحقيقية، فربما تؤثر بطريقة أساسية للغاية وغير متوقعة في الطريقة التي تنظر بها إلى أصدقائك، وإلى الصداقة، وفي نهاية المطاف إلى نفسك. إذا صرت متعلقا بالحاضر على نحو متزايد، وبالتالي تكرّس كل وقتك لمتطلبات العالم الخارجي، فقد يكون من الصعب الحفاظ على شعور قوي بالهوية الداخلية. ولعل الوصول المستمر إلى مواقع الشبكات الاجتماعية سيعني عيش حياة سيؤدي تلقّي المعلومات إلى نسخ التجربة المستمرة نفسها فيها التشويق المحض إلى نشر و تماما - وهي حياة يؤدي فيها إثبات الوجود في مطعم ما، أو نشر صور وجبة بعينها، والتوق إ تناول الطعام في الخارج نفسها. إن الابتهاج اللحظي الذي تستشعره سيتحول من كونه ناجما عن تجربة حياتية مباشرة إلى تلك التجربة غير المباشرة المتأخرة قليلا، والمتمثلة في التفاعل المستمر وموافقة كل من عداك. إذا كنا في طريقنا إلى العيش في عالم تقل فيه ممارسة التفاعل وجها لوجه ويكون بالتالي غير مريح، فإن الذي يفرضه مثل هذا النفور إلى حياة واقعية مضطربة، وتواصل ثلاثي الأبعاد، جنبا

عدد الصفحات ٥٢

56 تغيّر العقل إلى جنب مع عة سوالموافقة الخارجية، قد تعمل على تحويل طبيعة العلاقات الشخصية. إن ال العالية اللازمة للاستجابة وتناقص الوقت المتاح للتأمل قد يعنيان أن تلك التفاعلات والتقييمات نفسها تُصبح سطحية على نحو متزايد: يستخدم الناس بالفعل عبارات مثل الشعور الحقيقي وتاريخ الخلفية الفردية مما كانت تعنيه ضمنا هذه المصطلحات في السابق. يبدو أن الخصوصية تُصبح سلعة أقل قيمة: من بين الشبان الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم ب لا يعرفونه، بما في ذلك الصور والأوصاف الجسدية المواطنون الرقميون المعلومات الشخصية على صفحاتهم على الفيسبوك، والتي عادة ما تجري مشاركتها مع أكثر من خمسمائة تماما أن كلا من هؤلاء الأصدقاء يمكنه أن يقوم لاحقا بنقل تلك المعلومات إلى مئات آخرين ضمن شبكاتهم الخاصة. لقد صار من الأكثر أهمية أن تثير الانتباه، أي أن تكون ثمن هذه الشهرة، كما كانت الحال دائما، مثلما جسّدته النجمة السينمائية التي اشتهرت في منتصف القرن العشرين، غريتا غاربو، على نحو مشهور في مناشداتها المتكررة مبالٍ بصورة متزايدة؟ الخصوصية التي كنا نعتز بها سابقا يُنظر إليها الآن بتجاهل لا حتى الآن، ظلت الخصوصية تمثّل الجانب الآخر لعملة هويتنا. لقد كنا ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا كيانات فردية، تتواصل مع العالم الخارجي، ولكنها منفصلة عنه. نحن نتفاعل مع هذا العالم الخارجي، ولكن فقط بتلك الطرق وفي الأوقات التي نختارها. لدينا أسرار، وذكريات، وآمال لا يمتلك أحد حق الوصول التلقائي إليها. ية هي هويتنا، المتميزة عن تلك المهنية والأكثر حميمية من سوهذه الحياة ال الحياة الخاصة للصداقات الفردية التي نحدّد فيها على نحو متباين نوع وكم ما د الداخلي الذي ظل يزود كل فرد، حتى الآن، سّ به إلى الآخرين. إنها نوع من ال سنُ بطريقته الخاصة للربط بين الماضي والحاضر والمستقبل - ثمة تعليق ذاتي مستمر

عدد الصفحات ٥٣

57 ظاهرة متعددة الأوجه وداخلي يمزج بين ذكريات الماضي وآمال المستقبل وبين الأحداث العرضية التي تقع ي على العالم سفي كل يوم. أما الآن، وللمرة الأولى، فيتم فتح هذا الخط القصصي ال الخارجي، على جمهور خارجي قد يكون متقلبا على نحو لا مبالٍ وذا ردود أفعال عة في إصدار الأحكام. وبالتالي فإن الهوية المعينة لم تعد نفس الخبرة الداخلية سمت الذاتية التي كانت عليها، لكنها تتشكل من الخارج، وبالتالي صارت أقل قوة وأكثر تقلبا بكثير، كما سبق أن أشرت إليه في تقرير وجّهته أخيرا إلى الحكومة البريطانية حول ويتمثل حجر الزاوية الثاني لنمط الحياة الرقمية في ممارسة الألعاب في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، كان الأطفال يقضون نحو أربع ساعات أسبوعيا في المتوسط في ممارسة ألعاب الفيديو في المنزل وفي ماكينات الألعاب عة إلى الأمام لمدة عقد واحد من الزمان أو نحوه، فسنجد أن سلكننا إذا انتقلنا ب ألعاب الفيديو قد صارت جزءا لا يتجزأ من مشهد الحياة في المنزل وما وراءه أفادت دراسة نُشرت في العام الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثالثة عشرة كانوا يلعبون في المتوسط فترة مذهلة بلغت ثلاثا وأربعين ساعة أسبوعيا (على الرغم من أن عدد المشاركين، . ولكن حتى التقديرات باعتراف الجميع، كان صغيرا نسبيا، فقد بلغ المتحفظة (التي تعود إلى العام يتراوح عمره بين الثامنة والثامنة عشرة يقضي ثلاثا وسبعين دقيقة يوميا في أنشطة ترفيهية مرتكزة إلى شاشة واحدة، وهو ما يمثل زيادة على المدة البالغة ثلاثا وعشرين دقيقة في العام مع العالم الحقيقي، وعلى وجه الخصوص من دون دراسة. وفي مسح أُجري على شبان أمريكيين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والتاسعة عشرة، قضى اللاعبون وقتا أقل بنسبة . من المؤكد أنه يصعب فصل الدجاج عن البيض: من المرجح أن يقضي المنزلية الأطفال ذوو الأداء السيئ في المدرسة قدرا أكبر من الوقت في ممارسة الألعاب، الأمر الذي قد يمنحهم شعورا بالإتقان يفوتهم في الفصول الدراسية. نحن في حاجة إلى أن نتجاوز الارتباط بسبب ما، ولكن ما لا يمكننا فعله هو تجاهل القضية تماما.

عدد الصفحات ٥٤

58 تغيّر العقل تفتح ألعاب الفيديو أرضية خصبة للجدل. فمن ناحية، هناك إيجابيات واضحة، وسنستكشفها بالتفصيل لاحقا: مثل تحسّن التنسيق الحسي - الحركي والتعلّم الإدراكي. ومن ناحية أخرى، يمكن استخدام قصص مختلفة وعديدة من جميع أنحاء العالم لرسم صورة مروعة لنمط الحياة المعاصرة المتمثل في الإفراط في الاستمتاع غير عُثر في تايوان في فبراير المقيد لممارسة ألعاب الفيديو. على سبيل المثال، رجل يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما ميتا في مقهى للإنترنت بعد ثلاث وعشرين ساعة من اللعب المتواصل في يوليو أهملا طفلهما الحقيقي، الذي توفي في وقت لاحق، من أجل تربية طفل افتراضي تلقّى رجل في شمال إنجلترا حكما بالسجن عبر الإنترنت مدى الحياة بعد أن قتل طفلا دارجا إثر خسارته مباشرة في إحدى ألعاب الفيديو . وبعد ذلك، كانت هناك حالة لاعب طارد خصمه الافتراضي في واقع العنيفة الحياة وطعنه انتقاما لتعرضه للطعن في اللعبة من اللاعبين الرفيعي المستوى. قد يتمثل الدفاع الفوري لمحبي الألعاب فيما ي إشاعات مغرضة وليس من المرجح أن يكون صحيحا؛ ذلك القصة كلها، مع وجود عوامل أخرى أكثر أهمية بالفعل يمكن إلقاء اللوم عليها أو استخدامها لتخفيف حدة الظروف؛ أو أنها قد تكون رهيبة، هي حالات معزولة تتسم في الواقع بأنها نادرة للغاية. ليست كل هذه الاحتمالات متعارضة، وقد تكون كذلك بالفعل، لكن ينبغي أن تمثل استنتاجات نهائية، وليس فرضيات مبدئية. وعلاوة على ذلك، حتى لو كانت مثل هذه القصص مبالغا فيها وغير مألوفة، فقد تكون لاتزال لها أهمية كصور ساخرة لبعض الاتجاهات السائدة التي تنبثق حاليا عن المجتمع، وإن كان ذلك في شكل أخف بكثير: حالة من الإدمان، والعدوان، والاندفاع، والتهور. يدلف اللاعبون المعاصرون إلى عالم غني بصريا حيث يمكنهم انتحال شخصية تختلف عنهم تماما أو، في بعض الألعاب، يخلقون أي نوع يرغبون من الشخصيات (الأفاتار). وهم يتنقلون عبر هذه الكائنات الخيالية من خلال مواقف تنطوي على

عدد الصفحات ٥٥

59 ظاهرة متعددة الأوجه اختيارات أخلاقية، أو على عنف أو عدوان، ولعب الأدوار، في ظل وجود أنظمة معقدة للمكافأة في صلب الألعاب، والتي توفر حافزا للاستمرار في العيش في الخيال. وقد ينغمس بعض الأفراد لدرجة أنهم يفقدون الصلة بالعالم الحقيقي، وبالزمن؛ فقد أشاروا إلى أنهم يتحولون إلى الأفاتارات الخاصة بهم عند قيامهم بتحميل يطوّر اللاعبون ارتباطا عاطفيا بشخصياتهم. فكيف، إذن، اللعبة. وبدلا من ذلك، قد تؤثر فينا بالفعل هذه الألعاب الشديدة التحفيز، والعنيفة في كثير من الأحيان، والتي تمتلك خصائص إدمانية محتملة؟ من الممكن لتعزيز العدوان أن يكون واحدة من النتائج. تكشف الدراسات التجريبية أن ألعاب الفيديو العنيفة تؤدي إلى زيادات في السلوك العدواني والتفكير العدواني المترافق مع تدهور السلوك الاجتماعي الإيجا تحرّضه ألعاب الفيديو ينتج مباشرة ليس فقط عن طريق الاستفزاز المباشر، ولكن أيضا عن الاستعدادات البيولوجية والتأثيرات البيئية الأقل مباشرة، مع قيام الفرد تدريجيا بتكوين رأي سائد أكثر عدائية. وعلى الرغم من عدم ثبوت كون الألعاب العنيفة سببا مباشرا للسلوك العنيف جنائيا، فهناك أدلة قوية على أن ممارستها قد تزيد ذلك النوع من العدائية المنخفضة الشدة التي تحدث يوميا في المدارس أو المكاتب. قد يكون الأمر أيضا أن ألعاب الفيديو تؤدي إلى التهور المفرط. وفي دراسة أجريت أخيرا باستخدام التصوير الدماغي، تمثلت النتيجة الرئيسة في تضخّم منطقة يُرى عادة في معينة من الدماغ (النواة المتكئة أدمغة المقامرين القهري المنطقة بعينها من الدماغ تُفرز الدوبام رئيس يزداد إفرازه بفعل جميع العقاقير الإدمانية ذات التأثير العقلي. بيد أن هذه التشابهات الكيميائية بين أدمغة اللاعبين وأدمغة المقامرين لا تثبت أن ممارسة الألعاب تسبب الإدمان من الناحية التقنية، لكن كليهما قد يتشاركان بالفعل خاصية أخرى: التهور. فبعد كل شيء، إنه لدرس خطير أن تعلم أن الموت لا يدوم حتى سوى الجولة التالية - مما قد يشير إلى أن الأفعال التي تقع في العالم الحقيقي ليست لها عواقب حقيقية.

عدد الصفحات ٥٦

60 تغيّر العقل ومرة أخرى، سيكون العامل الحاسم هو ما إذا كان الفرد سيظل، على حسب تعبير الوزير في مناقشتنا في مجلس اللوردات في العام بشأن ممارسة الألعاب. يُشبه الأمر قليلا تناول الشوكولاته: فالمكافأة العرضية ضمن نظام غذائي متوازن تكون غير ضارة بل وممتعة نسبيا، في حين أن نظاما غذائيا من التناول اليومي المتواصل للشوكولاته حصريا ستكون له عواقب وخيمة. ليست المشكلة في أولئك الذين قد يمارسون الألعاب في بعض الأحيان كهواية ضمن مجموعة من الاهتمامات والأنشطة الأخرى التي تحصل في العالم الحقيقي، بل في عدد اللاعبين التكراريين الذين تنتهي بهم الحال، قياسا على مقدار الوقت الذي يقضونه في اللعب واستبعاد كل شيء آخر، إلى الوسوسة أو الإدمان. يرّوأخيرا، فبالإضافة إلى الشبكات الاجتماعية والألعاب، هناك جانب ثالث من تغ العقل: تصفح الإنترنت، خصوصا باستخدام محركات البحث. إذا كنت لا تستخدم التقنيات الرقمية بشكل تفاعلي للانخراط في علاقة ما أو لممارسة إحدى الألعاب، تُخبرك به وأن فلاتزال الشاشة تمتلك جاذبية مُسكرة، وذلك ببساطة بسبب ما يمكنها أن تُريك إياه - بل وأن تُعلّمك، كما قد يذهب البعض إلى حد القول به. إنه أمر لا يصدق تقريبا أن هذا المرفق الضروري قد ظهر قبل أقل من عشرين عاما، أي في العام عندما أُنشِئ ياهو في مقطورة في الحرم الجامعي، والذي كان في الأصل عبارة عن قائمةٍ مرجعية للإنترنت ودليلٍ للمواقع المثيرة للاهتمام. وبعد ذلك، في العام بيج، وهما طالبان في جامعة ستانفورد، إلى اختبار باكرب جديد يصنف المواقع وفقا لأهميتها ورواجها. كان مقدرا لباكرب أن يصبح غوغل Google في حين تبلغ النسبة المئوية لأقرب منافسيه رقما من خانة واحدة ).٭العلامة التجارية فعلا: فالجميع تقريبا وفي بعض الأحيان، ومن غير سبب واضح، فإن الأنشطة التي تبدو من دون « مغزى، مثل تصنع وجه مضحك، أو )٭(Everyone Googles.

عدد الصفحات ٥٧

61 ظاهرة متعددة الأوجه مثل هارلم شيك، تجتذب حشودا من المشاهدين. ولديّ تجربتي الخاصة المباشرة بشأن مدى القوة التي قد تصل إليها هذه الظواهر الفائقة الانتشار. في أبريل أجرت معي أليس طومسون من في الكيفية التي نشعر ونفكر بها. وقد تدرجنا في الحديث حتى وصلنا إلى مناقشة يعة الوتيرة قد تفرض وجهات نظر وردود فعل سريعة سكيف أن التكنولوجيا ال على نحو متناسب. وفي محاولة لتزويدها بملخص واف، طرحت احتمال اختزال ، )٭البشر إلى ردود فعل غريزية بسيطة، سلبية أو إيجابية، مثل عة، أخطأت أليس في سماعي سلما يومض على الشاشة. ولأنني أميل إلى الحديث ب وكتبت ما قلته على أنه المغزى هو أنه بعد مرور أربع وعشرين ساعة فقط، كان بوسع المرء أن يجد خمسة وسبعين ألف نتيجة للبحث عن هذا المصطلح على موقع غوغل. وعلاوة على ذلك، أقدم شخص ما على شراء اسم الموقع، وسرعان ما أذهلتني رؤية أكواب وقمصان عليها مصطلح ترحب مني لم يكن متخيّلا قبل عقد واحد فقط من الزمان أو نحوه. ضمن إطار ز إذن، ما إمكانيات التكنولوجيات الرقمية لمساعدة الجميع، في أي عمر، على معرفة الأشياء، بأوسع معاني الكلمة؟ من المفترض أنه عندما يتصفح الناس الإنترنت فهم يغذون محرك البحث بمصطلحات أو أسماء محددة، إن لم يكن أسئلة رسمية، ومن ثم تلقي المعلومات ذات الصلة ردا على ذلك. إنهم القاموس التعلّم على أنه التكنولوجيا الرقمية الحالية هذه المواهب البشرية القديمة والفائقة، أو ربما قد تعرضها للخطر، لكننا في حاجة إلى فك مختلف القضايا ذات الصلة. إن جاذبية تجربة تصفح الإنترنت، والاختلافات بين السيليكون والورق، والقيمة التعليمية للتقنيات الرقمية، وقبل كل شيء، الوصول إلى كمية شبه لا نهائية من المعلومات تعمل جميعها كعوامل مختلفة وغير مسبوقة لصياغة عمليات التفكير لدينا. « )٭(

عدد الصفحات ٥٨

62 تغيّر العقل تُعد محركات البحث الآن جزءا من حياتنا، وهي بالنسبة إلى الكثيرين المحطة الأولى الفورية والواضحة للتعرف على حقيقة ما أو لمعرفة مزيد حول موضوع بعينه. وبالتالي فإن الشاشات يمكنها تشكيل مهاراتنا المعرفية بطريقة جديدة كليا. من المؤكد أن واحدة من أهم القضايا التي ينبغي استكشافها هي ما إذا كان أفراد الجيل المقبل قد يتعلمون بطريقة مختلفة تماما، بالمقارنة مع أسلافهم الذين استخدموا الكتب. إن الفرق الأكثر وضوحا هنا هو فرق نتعامل مع الورقة بصورة تختلف كثيرا عما نفعل مع الشاشات. وباعتبار أن الأمر كذلك، فكيف يمكن لملذات القراءة على الشاشة أن تجاري مثيلاتها الخاصة بالورق؟ إن تقليب الصفحات ذهابا وإيابا، وإبراز جمل بعينها، والخربشة في الهامش قد تكون جميعها خصائص إيجابية تسهم في استيعاب ما تقرأ، وبالتالي فإن إمكان التفاعل الشخصي مع الكتاب الورقي قد تكون أكبر مما يحدث مع الشاشة. عمدت آن مانغن بالفعل من خلال مقارنة أداء قراء المطبوعات الورقية مقارنة بقراء الشاشات. وقد أشار بحثها إلى أن القراءة على شاشة الحاسوب تتطلب إستراتيجيات مختلفة، والتي تشمل كل شيء من التصفح إلى الاكتشاف البسيط للكلمات، والتي تؤدي معا إلى فهم أسوأ لما نقرأه، على النقيض من قراءة النصوص نفسها على الورق ذلك، وبصرف النظر عن الخصائص المادية للصفحة المطبوعة مقارنة بتلك الرقمية، يمكن للشاشة أن تحظى بميزة إضافية لا يمكن للكتاب المطبوع امتلاكها أبدا: النص التشعبي بنفسك، كما أنه لن يحظى بالضرورة بمكان في إطارك المفاهيمي الفريد. وبالتالي فلن يساعدك بالضرورة على فهم واستيعاب ما تقرأ، بل إنه حتى قد يشتت انتباهك. لكن المغزى الكامل للشاشات ليس مجرد أنها يمكن أن تعمل بمنزلة كتب بديلة. ثمة قضية أكثر عمقا، وهي كيف يمكن للحواسيب الشخصية، والحواسيب اللوحية، وأجهزة القراءة الإلكترونية أن توفر المعلومات بطريقة مختلفة تماما، وغير لفظية، الطريقة التي نفكر بها بالفعل. إذا وصلت المدخلات إلى الدماغ يرّوبالتالي ربما تغ كصور ورسوم بدلا من الكلمات، فهل يحتمل أن يؤدي ذلك، افتراضيا، إلى تهيئة المتلقي لرؤية الأشياء بصورة أدبية أكثر وليس بطريقة مجردة؟

عدد الصفحات ٥٩

63 ظاهرة متعددة الأوجه هذه، إذن، هي التقنيات الأكثر غزوا والأوسع انتشارا، والتي تمتلك القدرة على يرّتغيير ليس فقط ما نفكر فيه، ولكن طريقة تفكيرنا أيضا. ومع ذلك، ينطوي تغ العقل على أكثر من مجرد أدوات مبتكرة: وبدرجة الأهمية نفسها نجد العقل الذي يوشك على أن يتغير. إن النمو والاتصالات بين خلايا الدماغ التي نولد بها هي ما يحولنا إلى الكائنات الفريدة التي نحن عليها، مع أدمغة قادرة على التفكير الفردي والأصيل. هناك العديد من المواهب التي نفتقر إليها كنوع: نحن لا نعدو عة عالية على وجه الخصوص أو نرى بشكل جيد على نحو متميز، كما أننا لسنا سب أقوياء بشكل خاص بالمقارنة مع الأعضاء الآخرين في المملكة الحيوانية. لكن أدمغتنا تمتلك الموهبة الفائقة للتكيف مع أي بيئة نوضع فيها، وهي عملية تعرف باسم اللدونة نقوم بتطوير منظورنا الخاص كنتيجة لهذه الاتصالات الشخصية في أدمغتنا. إن هذا النمط الفريد من الترابطية هو ما أود الإشارة إلى أنه ما يرقى إلى أن يكون عقلا فرديا. وبالتالي، فمن أجل أن ندرك تأثير هذه التقنيات العالمية، التي لم يسبق لها مثيل، والمثيرة للجدل، والمتعددة الأوجه، على العقل البشري في القرن الحادي والعشرين، سنحتاج لاحقا إلى النظر عبر منظور العلوم العصبية.

عدد الصفحات ٦٠

65 كيف يعمل الدماغ كيف يمكن لتجربة ما، سواء كانت مرتكزة على الشاشة أو غير ذلك، أن تترك حرفيا بصماتها على دماغ لدن؟ إذا أردنا، نحن علماء الأعصاب، أن نسهم بأي شيء مهم على الإطلاق في تقدير تأثيرات نمط الحياة الرقمية في عملياتنا الذهنية، فسيكون ذلك بالإشارة إلى الآليات العصبية المادية الفعلية قيد العمل: ينبغي أن نتمكن من إثبات وجود علاقة سببية بين التعرض لبعض البيئات والتجارب، ومن ثم للأفكار والسلوكيات الناجمة عنها. ومن خلال فهم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن كيفية عمل الدماغ، سنتمكن من الحصول على صورة أكثر دقة بكثير عن كيف وإلى أي مدى يمكن لتقنيات الشاشة أن ن محوِّلة تكو تمثّل التحدي الأكبر لعلم الأعصاب دائما في تحقيق قفزة فكرية بين ندفة من أنسجة كيف يعمل الدماغ « وظيفة نهائية صافية، ليس وفقا لتسلسل هرمي، بل بطريقة أقرب شبها بعزف الآلات الموسيقية المختلفة لسيمفونية في الأوركسترا 5

عدد الصفحات ٦١

66 تغيّر العقل الدماغ والفكر والعاطفة - فحتى الحلم، في كل من معنيي هذه الكلمة: الظاهرة الحرفية لذلك العالم الداخلي الغريب الذي يتكشف أثناء النوم، فضلا عن الاستعارة المستخدمة في تخطيط نتائج رائعة لحياتنا. إنها رحلة سنحتاج إلى القيام بها في ثلاث خطوات: أولا، التعرف على كيفية عمل الدماغ نفسه؛ ثانيا، اكتشاف الكيفية التي يتغير بها طوال الحياة؛ وثالثا، النظر إلى الكيفية التي يمكن بها لهذه التغيرات في الدماغ أن ترقى إ « الواقفة أمامي، التي ربما كان عمرها نحو أحد عشر عاما. من المؤكد أنه لمجرد أن الوقت قد نفد مني خلال حديثي الذي استمر ساعة واحدة إلى مجموعتها من تلاميذ المدارس، كنت قد أغفلت الإجابة عن هذا السؤال النهائي التافه. لقد نظرنا إلى الدماغ من جميع الزوايا من خلال تفكيك نموذج من البلاستيك. وقد أخبرت جمهوري من الصغار عن الوقت الذي كنت فيه طالبة بدوري وحملت دماغا بشريا حقيقيا في يدي، ولأن أنسجة الدماغ لا تشبه مطلقا ذلك النموذج البلاستيكي الصلب ذا اللون الوردي المشرق بل تتسم باللون الأبيض القشدي، إضافة إلى كونها رخوة وهشة، فقد فكرت فيما كان سيحدث لو علق بعض ذلك النسيج تحت ظفري. هل يمكن تفكيك ذكرى أو عاطفة بعينها بواسطة أحد الأظافر؟ هل يمكن لندفة من أنسجة الدماغ التي تتعلق بطريقة أو بأخرى بعادة معينة، مثل عض الأظافر، أن ينتهي بها الحال بالفعل إلى أن تسير على غير هدى تحت ظفر ما؟ كيف يمكن لتجربة أن تكون ذاتك، ورؤية العالم بطريقة لا يمكن لأحد آخر مشاركتها بشكل لّد عن هذه الكتلة غير الجذابة وغير المتعاونة التي يمكنك الإمساك مباشر، أن تتو بها بيد واحدة؟ ليس هناك نموذج للدماغ، ولا حتى نظيره في واقع الحياة، يزودنا بأي نقطة انطلاق واضحة. ليست هناك أجزاء متحركة واضحة، كما هي الحال بالنسبة إلى القلب أو الرئتين، والتي تشير إلى ما يجري هناك. كل ما يمكنك القيام به من خلال النظر إلى الدماغ هو إدراك الكيفية التي يعمل بها على المستوى الكلي. سترى أن مغلّفة حول الجزء العلوي من الحبل الشوكي وهو يتضخم مشكلا هناك طبقات الجزء الأساسي من الدماغ

عدد الصفحات ٦٢

67 كيف يعمل الدماغ التي يسهل تمييزها - وهي مناطق الدماغ التي تتباين في الحجم والأهمية وفقا للنوع الحي. غير أن الموضوع الرئيسي يظل هو نفسه بالنسبة إلى جميع الثدييات، سواء كنت تنظر إلى دماغ جرذ أو دماغ إنسان. وعلى سبيل المثال، فسترى دائما نموا صغيرا يشبه القرنبيط، والذي ينتأ من الجزء الخلفي من الدماغ فوق الحبل الشوكي . كما سترى دائما نصفي كرة المخ اللذين يقابل كلاهما الآخر مثل قبضتين مباشرة اثنتين، في حين أن غطاءها الخارجي، القشرة يلتف حولهما بالطريقة نفسها التي يلتف بها اللحاء حول الشجرة وقد اتسعت مساحة سطح القشرة المخية لدى البشر لدرجة أن استيعاب هذه الكميات الهائلة من الدماغ ضمن حدود الجمجمة سيكون مثل استيعاب صفحة من الورق في قبضة ضيقة: قد تضطر إلى تجعيد الورقة. بمعنى من المعاني، ومادمنا لا نوسع نطاق المقارنة كثيرا، فهذا هو ما فعله التطور: يتسم سطح الدماغ البشري بنفس تجعيد ثمرة الجوز، في حين تكون أدمغة الرئيسات الأخرى أقل تجعيدا من ذلك، وتقل درجة التجعيد في أدمغة القطط والكلاب، بينما لا تحتوي القشرة المخية للقوارض على أي تجعيدات على الإطلاق. ربما كانت هذه الطبقة الخارجية الرقيقة هي الجزء الأكثر روعة وغموضا من الدماغ. من حيث التطور نجد أنها الأحدث، وربما ليس من المستغرب أنها الأكثر وضوحا في البشر، وهم النوع الحي الذي يمتلك أعظم القدرات الفكرية. وبالتالي، ستظهر القشرة أكثر من أي منطقة أخرى من الدماغ ونحن نستكشف تأثير التقنيات الرقمية على التفكير. فكّر في مدينة مزدحمة مثل ولأخذ فكرة عن كيفية ترتيب أجزاء الدماغ معا، مدينة نيويورك. إن مناطق الدماغ المتميزة تشريحيا تقابل البلدات، التي توجد ضمنها مناطق ثم أحياء - أما في الدماغ، فهي تتعلق بمجموعات أصغر فأصغر من الخلايا. بحلول الوقت الذي نصل فيه إلى المربع السكني، أو الشارع، أو صف المنازل، سنكون قد وصلنا إلى الوحدة الأساسية للتواصل العصبوني: الفجوة (المشبك synapse تُعرف الغرف الموجودة بداخله باسم ذلك في العصبون العضيات، وهي الأجزاء الخلوية المتخصصة التي تحافظ على حياة خلية دماغية واحدة، تماما مثل أي خلية عامة في الجسم. في حين أن هذا التشبيه قد يزودنا

عدد الصفحات ٦٣

68 تغيّر العقل بلمحة عن التسلسل الهرمي المتداخل لتشريح مناطق الدماغ، فلا يمكن للاستقراء أن يذهب إلى أبعد من هذا: إنه مجرد لقطة ثابتة لكيفية بناء الدماغ المادي. في حديثي إلى الطلاب الصغار فككت أجزاء النموذج البلاستيكي، وأريتهم جميع المناطق المختلفة التي يمكن تمييزها بسهولة والواقعة في عمق الدماغ، وكيف تتشابك بعضها حول بعض، تماما كما رأيت لأول مرة في دماغ حقيقي منذ فترة طويلة في مُرضيا غرفة التشريح بقسم التشريح في جامعة أكسفورد. لكن، هل كان هذا الجواب للطفلة الواقفة أمامي ذات العينين الشبيهتين بصحنين، والتي لا تقوى على الصبر حتى أخبرها في جملة واحدة بكيفية عمل الدماغ؟ تكمن المشكلة في كون خلايا الدماغ أقل شبها بالهياكل الثابتة مثل الطوب والمنازل، والتي لا تفعل أي شيء في الواقع، لكنها أقرب شبها إلى البشر، وهم سكانها شديدو الحيوية. وبالتالي فإن ما نحتاج إليه حقا هو صورة، أو نوع من السيناريو الذي يصف ليس فقط الكيفية التي يتألف الدماغ فيها تشريحيا من لبنات أساسية، وهي الخلايا الدماغية، ولكن أيضا كيفية عمله في الواقع. العصبونات هي الوحدات الأساسية للدماغ، تماما كما أن الشخص هو الوحدة الأساسية لمنظمة أو مجتمع بعينه. ومثل الشخص، يتسم العصبون بعموميته لكنه يمثل في الوقت نفسه كيانا فرديا. يتغير الشخص تدريجيا بمرور الوقت، وكذلك سيتكيف العصبون بدوره. يبني العصبون تدريجيا الاتصالات عبر فجوة صغيرة (المشبك) باستخدام وسيط، وهو رسول كيميائي (ناقل عصبي)؛ إن الاتصال المادي المباشر الفعلي بين خلايا الدماغ هو أمر ممكن، لكنه يظهر بصورة أقل. وبالمثل، فإن الشخص يبني العلاقات تدريجيا مع الآخرين من خلال التواصل غير المباشر عن طريق اللغة؛ أما الملامسة فهي أكثر ندرة. وفي وجود كل من المراسيل الكيميائية واللغات هناك تنوع هائل، لكن هناك أيضا التزاما بالمبدأ العام نفسه: التواصل بين كيانين مستقلين من دون أي اتصال مادي مباشر. يأتي كل من اللغات والناقلات العصبية في طائفة واسعة من الأصناف، لكن يمكن تصنيفها إلى فصائل حسب (للّغة) أو التركيب الكيميائي (للناقل العصبي). يتشابه النمط المصدر الجغرافي الفعلي للاتصال في كلتا الحالتين من حيث إن كلا من اللغات والناقلات العصبية يمكنها استخدام طائفة من الإشارات، من البسيطة إلى تلك المعقدة والمتطورة. وفي السيناريو الأساسي أكثر، يمكن لأحد العصبونات إرسال إشارة بسيطة عن طريق

عدد الصفحات ٦٤

69 كيف يعمل الدماغ ناقله العصبي، والتي تتمثل لحظية لنشاط الخلية الدماغية المستهدفة. وعندما تعبيرا أكثر تقنية)، فهي تولد ومضة كهربية (واحد مللي ثانية)، والتي تحط سريعا حتى تصل إلى نهاية الخلية بحيث تتواصل مع العصبون التا يمكنها الذهاب إلى أبعد من ذلك. وعلى أي حال، فلم يُفقد كل شيء بعد: يحرض وصول الومضة طرف الخلية على إفراز رسولها الكيميائي، الذي يمكنه التنقل عبر المشبك بنفس سهولة انتقال الكلمات عبر الهواء. وبمجرد وصوله إلى وجهته، أي الخلية التالية، يدخل . يتسم هذا التشابك بكونه من الناقل العصبي في مصافحة جزيئية مع هدفه المحدّد الإحكام والتحديد بحيث إن المثال الأقرب شبها به هو المفتاح والقفل. يؤدي التشابك وجيز في فولطية يرّالمعقد بين الناقل العصبي وهدفه المصنوع خصيصا إلى تحريض تغ الخلية المستهدفة، وهو ما يعني فعليا إعادة التحويل من إشارة كيميائية إلى إشارة كهربية. تحدث حالة في النشاط الكهربائي (الاستثارة)؛ أما حالة ومثلما أن التواصل اللفظي يكون في معظم الوقت أكثر من مجرد كلمات بسيطة أحادية المقطع، حيث تُرتب المقاطع في صورة كلمات، والكلمات في صورة جمل، والجمل على شكل بيان، فهذه هي الحال بالنسبة إلى الناقلات العصبية: يعتمد التأثير النهائي على تسلسل الناقلات العصبية المختلفة التي تتجمع خلال فترة معينة من الزمن على خلية بعينها. وفي كلتا الحالتين، سيعتمد تأثير كل كلمة أو إشارة ناقل عصبي على السياق الأوسع خلال الفترة التي تحدث فيها ومع تحول المللي ثانية إلى ثانية، ودقائق، وساعات، وإلى أيام في نهاية المطاف، فإن الاتصالات التي يجري تفعيلها خلال هذه العملية - أي الاتصالات بين الأشخاص أو بين العصبونات - تتغير. من المثير للاهتمام تماما، والمنوّر للبصيرة في الواقع، أن نستكشف أوجه التشابه المختلفة بين العلاقات الشخصية والمسارات التي تتبعها هذه الإشارات عبر الدماغ والعلاقات الشخصية: كلاهما يتعزز بفعل الاستخدام المتكرر، لتصبح أقوى وأكثر

عدد الصفحات ٦٥

70 تغيّر العقل كثافة. وبالنسبة إلى بني البشر والعصبونات على حد سواء، تكون العلاقات أكثر مرونة في سن الشباب. ومثلها في ذلك مثل البشر، تصبح العصبونات على نحو متزايد أكثر تخصصا و يحدث عندما ينضج البشر ويكتسبون سمات شخصية معينة، تصبح العصبونات أكثر مقاومة للتغيير في وظيفتها العامة. يُحافظ عليها على نحو فعال، وبنفس الطريقة التي تذوي بها الصداقات إذا لم فإن الوصلات العصبونية القليلة الاستخدام تضمر. ومع نمو الفرد، فهو يبني علاقات معقدة أكثر فأكثر، بعضها وثيقة ومتكررة، والبعض الآخر أقل نشاطا وأكثر تباعدا؛ تترابط مجموعات أكبر فأكبر في نهاية المطاف، تشكّل المجتمع الأوسع نطاقا. وهذه هي الحال مع الدماغ، حيث يؤدي ومن ثم التسلسل الهرمي المتداخل من الطبقات الأشد تعقيدا من شبكات العصبونات في نهاية المطاف إلى تشكّل بنية كلية معينة للدماغ. وفي نهاية المطاف تترابط جميع مناطق الدماغ بعضها مع بعض، حتى على مبعدة مسافات طويلة ضمن الدماغ، تمكّن من إجراء عبر السبل الليفية التي تعمل بطريقة تشبه خطوط الهاتف، بحيث حوارات متواصلة في كل أنحاء الدماغ، وهي منظمة شمولية. إن نهج المنظمة. إذا كنت عالم أعصاب متخصصا في فهم الناقلات العصبية، والمستقبلات، وكيف تعمل المشابك العصبية، فسيشبه الأمر كونك خبيرا في التواصل بين الأشخاص. على سبيل المثال، يرتبط الناقل العصبي الدوبامين بالعديد من العمليات المختلفة في الدماغ، بما في ذلك الاستثارة، والإدمان، والمكافأة، واستهلال الحركة. لكن من أجل الفهم من أسفل إلى أعلى لكيفية عمل مواد كيميائية مثل الدوبامين سنحتاج أيضا إلى نهج من أعلى إلى أسفل، الذي يبدأ بمناطق الدماغ الكلية ويحاول رسم كيفية . وفي هذه عملها معا بحيث تُفضي إلى سلوكيات متباينة وطرق مختلفة للتفك المرة قد يتمثل القياس التشبيهي المناسب في علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا، اللذين يركزان على الاتجاهات والنتائج الجمعية وليس على سلوك الأفراد. يستخدم العلماء حاليا طرق المسح الدماغي لتصوير النشاط الجماعي لمناطق الدماغ المختلفة نتيجة لأنواع مختلفة من المدخلات والبيئات والسلوكيات. وفي مسح

عدد الصفحات ٦٦