المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سوزان غرينفلد تغير العقل

غير معروف

صفحة ٢ من ٢٥

20 تغيّر العقل شيء كثيرا ما يعترفون في لحظة من دون تحفظ بأنه من الوقت على موقع الفيسبوك أو أنهم، يجدون بالفعل صعوبة في التركيز لفترة طويلة بما فيه الكفاية على قراءة مقال كامل في إحدى الصحف. وفي المملكة المتحدة، يمثل ظهور مختصرة من صحيفة الإندبندنت الوطنية العالية الجودة، وطرح شبكة الإذاعة 90 تحديث الأخبار الذي لا تتجاوز مدته( BBC)البريطانية على مطالب جمهور متزايد دوما من القراء والمشاهدين – والمؤلف ليس فقط من جيل الشباب - الذين يمتلكون فترة انتباه قصيرة ويطالبون وسائل الإعلام المطبوعة والمذاعة بمجاراة ذلك. ثمة عزاء آخر هو الاقتناع بأن الجيل المقبل سيكون على ما يرام، وذلك بفضل الآباء والأمهات الذين يمسكون بزمام الأمور ويتدخلون عند الضرورة. ومع الأسف، أثبتت هذه الفكرة بالفعل فشلها. ولأسباب سنقوم باستكشافها عما قريب، فكثيرا ما يشكو الآباء من أنهم لا يستطيعون السيطرة على ما يفعله أبناؤهم على الإنترنت، فيما يئس كثير منهم بالفعل من عدم قدرتهم على إبعادهم عن الشاشة وإعادتهم إلى العالم ثلاثي الأبعاد. صاغ مارك برينس الرقمي . هو متوقع منه، بناء على البراعة والألفة التلقائية في التعامل مع التقنيات الرقمية وعلى النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين، وفقا لبرينسكي، مثل أولئك الذين يتعلمون لغة أخرى في مرحلة متأخرة من الحياة، يحتفظون بلكنة لأنهم مازالوا يحتفظون بإحدى قدميهم في الما أي شخص يقرأ هذه الكلمات وجهات نظر قوية بخصوص أي جانب من الفجوة ينتمي إليه، وحول ما إذا كان هذا التمييز مدعاة للاحتفال الصرف أو القلق العميق. يحدّد خطا وبصفة عامة، فذلك مرتبط بالعمر، على الرغم من أن برينسكي نفسه لم معينا لترسيم الحدود. وبالتالي فإن تاريخ ميلاد المواطن الرقمي يبدو غير مؤكد: فبوسعنا أن نبدأ عند ستينيات القرن العشرين، عندما دخل مصطلح

عدد الصفحات ١٩

21 تغيّر العقل: ظاهرة عالمية إلى اللغة السائدة، أو في وقت متأخر حتى العام مواطن رقمي صغير ولد في تلك السنة يتعلم القراءة والكتابة صار البريد الإلكتروني جزءا لا غنى عنه من الحياة.(1993الذي ظهر نحو العام) والفرق المهم هو أن المواطنين الرقميين لا يعرفون أي سبيل آخر للحياة غير ثقافة الإنترنت، والحاسوب المحمول، والهاتف النقال، وبوسعهم أن يتحرروا من قيود الأعراف المحلية والسلطة الهرمية، وباعتبارهم مواطنين عالميين مستقلين، يمكنهم تخصيص الأنشطة والخدمات المرتكزة على الشاشة أثناء التعاون مع، والمساهمة في الشبكات الاجتماعية ومصادر المعلومات العالمية. لكن ثمة صورة أكثر قتامة بكثير للمواطن الرقمي يرسمها منتقدون مثل الكاتب الأمريكي البريطاني أندرو ك تخلق مواقع مثل ماي سبيس النرجسية الرقمية؛ في حين تقوم مواقع تبادل المعرفة المفتوحة المصدر مثل ويكيبيديا ويتسم جيل اليوتيوب من التعرّف على العالم؛ وتعمل الأصوات النشاز الصادرة عن المدونات blogs .(9)شباب اليوم عن أصوات الخبراء المستنيرين غير أن المواطن الرقمي، مرة أخرى، قد لا يكون له وجود في الواقع بعد كل شيء. ويجادل نيل سلوين يختلف في الواقع عن الأجيال السابقة له: إن الشباب غير مبرمجين لامتلاك أدمغة . بالأحرى يستخدم الكثير من الشباب التكنولوجيا بصورة أكثر لم يسبق لها مثيل تشتتا، وسلبية، وانفرادية، وقبل كل شيء خالية من التميز الذي يوحي به ضجيج عالم المدونات والأنصار المتحمسين لثقافة الإنترنت. وبغض النظر عما إذا كان العصر الرقمي قد ولّد نوعا جديدا من الكائنات الفائقة نقول بأنه في الوقت الحالي من المرجح أن يكون الوالدون من المهاجرين الرقميين في حين أن أبناءهم من المواطنين الرقميين. لايزال الصنف الأول يتعلم الإمكانات الهائلة

عدد الصفحات ٢٠

22 تغيّر العقل لهذه التكنولوجيات وهم في مرحلة الرشد، في حين لم يعرف الصنف الأخير أي حياة أخرى. وكثيرا ما يجعل هذا الانقسام الثقافي من الصعب على الآباء والأمهات معرفة أفضل السبل للتعامل مع المواقف التي يرون حدسيا أنها تنطوي على خطر ما، مثل يُنفق على الأنشطة المعتمدة على الحاسوب؛ وفي الوقت نفسه الوقت المفرط الذي قد يشعر الأطفال بأنه يُساء فهمهم، وبالتالي تضيق صدورهم بوجهات النظر التي يعتبرونها غير مناسبة وقديمة بالنسبة إلى الحياة المعاصرة. وعلى الرغم من أن التقارير والاستطلاعات قد ركزت في معظمها على الجيل المقبل، فإن المخاوف التي أود إبرازها لا تقتصر على المواطنين الرقميين وحدهم بل أبعد ما تكون عن ذلك. غير أن الفجوة بين الأجيال قد نشأت من دون شك عن الزيادة المذهلة في وتيرة ظهور الأجهزة والتطبيقات الرقمية المتزايدة الذكاء دوما. ماذا ستكون الآثار المترتبة على كل جيل، وعلى العلاقة بينهما؟ نُشر في العام ضِمن تقرير بتكليف من الهيئة الخيرية البريطانية للأطفال، كيدسكايب الإنترنت من قبل أكثر من ألف طفل تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والثامنة عشرة. ذكر ما يقل قليلا عن نصف الأطفال الذين سئلوا، أنهم يتصرفون على الإنترنت بشكل مختلف عما يفعلون في حياتهم العادية، في حين زعم كثيرون أن ذلك يجعلهم يشعرون بكونهم أكثر قوة وثقة. وكما قال أحدهم أن تكون ما تود أن تكونه، لأنه لا يعرفك أحد، وإذا لم يعجبك الموقف فبوسعك الانسحاب ببساطة، وسينتهي الأمر عند هذا فقال إليهم عادة، كما يمكنك تحرير صورك حتى تبدو بشكل أفضل. يبدو الأمر كأنك شخص مختلف تماما. وذكر التقرير أن هذه النتائج تشير إلى أن الأطفال يرون الفضاء الإلكتروني باعتباره قابلا للفصل عن العالم الحقيقي، وينظرون إليه كمكان يمكنهم فيه استكشاف أجزاء من سلوكياتهم وشخصياتهم قد لا يظهرونها في الحياة الحقيقية. وهم يبدون غير قادرين على إدراك أن الأفعال التي تتم عبر الإنترنت قد . إن فرصة الحصول بسهولة على هوية تكون لها تداعيات في العالم الحقيقي بديلة، وفكرة أن الأفعال ليست لها عواقب لم تظهر سابقا في نمو الطفل، كما أنها

عدد الصفحات ٢١

23 تغيّر العقل: ظاهرة عالمية تطرح أسئلة لم يسبق لها مثيل على ما قد يكون هو الأفضل. وفي حين أن الدماغ غير مبرمج بالفعل على التفاعل بشكل فعال مع تقنيات الشاشة، فقد تطوّر بحيث يمكنه الاستجابة بحساسية رائعة للتأثيرات الخارجية - أي للبيئة التي يقطنها. كما أن البيئة الرقمية تزداد انتشارا في سن متناقصة دوما. طرحت شركة فيشر - برايس ، أخيرا مقعدا لتدريب الأطفال على استخدام المرحاض، مزودا بحامل للآيباد والذي يفترض أنه يكمّل أسلوب حياة الأطفال الذي يتسم بأن الكرسي الذي قد يقضي عليه الطفل ساعات طويلة مزود أيضا بشاشة ولهذا السبب فإن مسألة تأثير التقنيات الرقمية تتسم بأهمية بالغة. وكثيرا ما يقترب مني رواد الصناعة المخضرمون أو رجال الأعمال الناشئون خلال استراحة القهوة في الفعاليات التي تنظمها الشركات ويسمحون لأقنعتهم المهنية بأن تسقط خلال حديثهم بقنوط عن الولع المفرط لأبنائهم المراهقين بالحاسوب. غير أن جّهة وغير مركزة. أين يمكن لهؤلاء الآباء والأمهات هذه المخاوف لاتزال غير مو المهمومين تبادل الخبرات مع غيرهم على منصة أوسع، ومن ثم بلورتها بطريقة رسمية ومقنعة؟ في الوقت الراهن، ليس في أي مكان. على الصفحات التالية، سنراجع العديد من الدراسات التي أجريت حول الأطفال قبل سن المراهقة وكذلك على المراهقين؛ ولسوء الحظ، هناك عدد أقل بكثير من الدراسات التي أجريت على البالغين، ربما لأنهم أقل تماسكا وتمييزا كمجموعة من الطلاب المتطوعين المقيّدة. ولكن، على أي حال، من المهم النظر إلى البيانات ليس أو أحد الفصول كدليل للمساعدة الذاتية لتنشئة الأطفال، بل بوصفها عاملا محوريا في الصورة الأكبر للمجتمع ككل. ثمة حجة أخرى تستخدم أحيانا لدحض أي مخاوف حول الثقافة الرقمية، وهي فكرة أننا سنشق طريقنا ونتدبر أمرنا مادامت هناك تنظيمات مناسبة. وكثيرا ما ليس نسمع أفكارا مماثلة من واضعي السياسات المهنية والمسؤولين الحكوميين: ستطبَّق هناك دليل قاطع يدعو إلى القلق حتى الآن. وعندما يوجد مثل هذا الدليل، بطبيعة الحال جميع الضوابط والموازين المناسبة على النحو الواجب. وفي هذه الأثناء، مادمنا عقلانيين ومتسقين، فبإمكاننا التمتع والاستفادة من جميع المزايا التي توفرها حياة الإنترنت

عدد الصفحات ٢٢

24 تغيّر العقل لم تكن متخيّلة سابقا، وستتم بطبيعة الحال موازنة هذه التطورات بكوننا دائما . ومع ذلك، ففي حين قد يكون 14)في حالة تأهب للتأثيرات السلبية المحتملة الاعتدال هو المفتاح بالفعل، فإن التكنولوجيا لا تُستخدم بالضرورة باعتدال. يقوم الشبان في الولايات المتحدة، في المتوسط، باستخدام وسائل الإعلام والترفيه لأكثر من ثلاث وخمسين ساعة أسبوعيا تلك الوسائل، أو استخدام أكثر من أداة واحدة في الوقت نفسه، يقضي الشبان في المتوسط ما يعادل إحدى عشرة ساعة تقريبا من استخدام وسائل الإعلام والترفيه يوميا - وهو ما يصعب وصفه بالمعتدل. وتتمثل المشكلة الأعمق في النظر إلى التنظيم باعتباره دائما. لا يمكن للإجراءات التنظيمية سوى أن تستجيب ومن ثم تتراجع وراء حدث، أو اكتشاف، أو ظاهرة جديدة، من أجل القضاء على ضرر واضح، كما هي الحال سَقْط الطعام مع اطلاعهم على العنف المفرط، إذا استخدمنا مثال الإنترنت. غير أن التنظيم يحتاج دائما إلى محاولة اللحاق بالركب: سيظل السياسيون وموظفو الخدمة المدنية دائما على حذر بشأن التوقعات لأنهم يدركون بحق أنهم ينفقون أموال دافعي الضرائب أو المتبرعين على ما يمكن اعتباره نوعا من المضاربة. ومهما كان قدر الحاجة إلى مبادئ توجيهية وقوانين لمواجهة المخاطر الواضحة والآنية لعالم الإنترنت، فهي غير تخيّل أفضل الاستخدامات التي يمكن توجيه كافية لمهمة استشراف المستقبل، أو التقنيات الجديدة إليها. ولهذا الغرض نحن في حاجة إلى تخيّل طويل الأجل وإلى تفكير جريء، وهما صفتان لا ترتبطان بالضرورة في الوقت الحاضر بالموظفين الحكوميين الذين يعانون نقص التمويل، أو بالسياسيين الناظرين إلى إعادة انتخابهم الوشيكة والساعين إلى تحقيق انتصارات سهلة على المدى القصير. وبالتالي فإن الأمر ممكّنة ويمكن أن تساعدنا في صياغة حياة أكثر متروك لبقيتنا. قد تكون التكنولوجيا إشباعا، لكن ذلك يحدث فقط إذا تحملنا المسؤولية وساعدنا في تنفيذ المهمة. تعمل التقنيات الرقمية على تحطيم القيود القديمة للمكان والزمان. سوف أتذكر دائما خطاب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، الذي حضرته في آسبن، كولورادو في العام

عدد الصفحات ٢٣

25 تغيّر العقل: ظاهرة عالمية العزلة، والتفاعل، والتكامل. ميّزت العزلة التاريخية النائية، التي كان الوصول إليها حتى القرن الماضي متقطعا، ويستغرق وقتا طويلا، ويتسم بالخطورة. أما التفاعل ثبت لاحقا كونه إيجابيا، في صورة المقايضة، وتبادل الأفكار... وهلم جرا، وسلبيا في الوقت نفسه، مع زيادة سهولة وحجم الحروب. غير أن هذا القرن ربما يمثل نموذجا للمرة الأولى التي يجري فيها تحقيق تكامل ومع ذلك فهذه الفكرة، على الأقل من حيث السيناريو الافتراضي، ليست ثورية. منذ العام de Chardin . (16)الفكري وفقا لدي شاردان، فإن المحيط الفكري يظهر من خلال، ويتكون من، تفاعل تطوّر البشرية إلى شبكات اجتماعية أكثر تعقيدا، فمن شأن العقول البشرية. ومع المحيط الفكري أن يتصاعد في الوعي. نظر دي شاردان إلى التمجيد النهائي للمحيط الفكري باعتباره النقطة أوميغا، وهي أكبر قدر من الوعي الجماعي الذي يمكن أن يتطور إليه الكون، مع كون الأفراد لا يزالون يمثلون كيانات متميزة. وعلى الرغم المحرّضة رقميا في المشاركة الفورية للأفكار من أنه من المغري أن نظن أن العولمة والاتصالات العالمية تحقّق رؤيته، غير أننا لا نستطيع افتراض تحقق هذه الفكرة التي كانت افتراضية الآن. ماذا لو كانت إحدى النتائج الآنية للتواصل العالمي والثقافة المتجانسة بصورة مقابلة هي أن نبدأ جميعا في الاستجابة والتصرف بأسلوب أكثر تجانسا، وهو ما يطمس في نهاية المطاف التنوع الثقافي والهوية؟ من الواضح أنه في حين توجد مزايا هائلة لفهم أنماط الحياة والمخططات التي كانت تبدو غريبة سابقا، فهناك فرق كبير بين عالم تثريه طرق المعيشة الأخرى والمتناقضة وعالم آخر يتشارك في وجود واحد موحد مثل قطع الكعك المتماثلة. وفي حين أن التنوع في المجتمعات يجلب تبصرات رائعة إلى الحالة البشرية، فمن المؤكد أن مثل هذه المقارنات لا يمكن أن تستند إلا إلى هوية ونمط حياة يتسمان بالوضوح والثقة. وعلى المدى الطويل مجرد التجانس العالمي في طرق التفكير قد تكون له عواقب وخيمة على الكيفية التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى المجتمعات التي نعيش فيها.

عدد الصفحات ٢٤

26 تغيّر العقل وفي حين أن السرعة والكفاءة وكلية الوجود لا بد أن تكون أشياء جيدة بالتأكيد، فمن الممكن أن تكون لهذه الحياة الجديدة من التكامل آثار أخرى أقل فائدة، والتي نحتاج إلى التفكير بشأنها. في الأيام الخوالي كنا ننتظر وصول البريد في أوقات محددة يوميا. وكانت المكالمات الهاتفية الدولية، بالنسبة إلى الجميع باستثناء يُستخدم إلا في الظروف الاستثنائية أو الشديدي الثراء، على وجه العموم، خيارا لا الطارئة. لكننا الآن ننظر إلى التوافر المستمر للاتصالات الدولية باعتباره أمرا مفروغا منه. نحن نميل إلى توقّع استجابات فورية، وبالتالي نفترض أننا سنرد على الفور، وبالتالي نتأرجح دوما بين نمطي الإرسال والاستقبال. في حفل إفطار رسمي حضرته أخيرا، حيث كان المتحدث الرئيسي هو نائب رئيس الوزراء البريطاني نيك كليغ بث تغريدات على موقع تويتر تقول فيها إنها تحضر وجبة إفطار مع كليغ لدرجة أنها لم تكن تستمع في الواقع إلى ما كان يقوله. ذكر مواقع الشبكات الاجتماعية المخصصة للبالغين في الولايات المتحدة ظاهرة غريبة في العام لأنهم كانوا مستغرقين تماما في تحديث مواقعهم على الشبكات الاجتماعية حول . وبدلا من ذلك، يمكنك مراقبة فيضان الوعي بأمور هذه الفعالية أو اللحظة الآخرين، الذي يُعد تقريبا أسلوبا للحياة. عندما سألت زميلة لي عن عدد المرات التي تستخدم فيها موقع تويتر، أرتني رسالة بالبريد الإلكتروني من صديق لها، ولم يكن مستغربا ما تصفه بقولها اليوم بحيث يمكنني النظر إليه بين المكالمات، أو عندما أكون في انتظار أحد على الهاتف، إلخ. ويمكنني القول بأن معظم العاملين في مكتبنا يفعلون الشيء نفسه لم نعد في حاجة إلى الانتظار أو الاعتراف بمرور الوقت بين السبب والنتيجة، أو بين الفعل ورد الفعل. بالنسبة إلى معظم الناس الذين لم يكن بوسعهم التفكير قبل عقود قليلة في السفر إلى الخارج أو في امتلاك شبكة من الأصدقاء من خارج مجتمعهم المحلي الذي ولدوا فيه، هناك الآن فرص مثيرة ومستمرة لاشتمال الكوكب بأسره. وهناك العديد من المزايا لهذا التواصل الذي يحدث من دون مجهود. لا يمكن لأحد طرح حجة مقنعة لإعادة الزمن إلى الوراء، إلى الوقت الذي كان فيه

عدد الصفحات ٢٥

27 تغيّر العقل: ظاهرة عالمية تسليم الرسائل البريدية يستغرق أياما. لكن ربما كانت هناك بعض المزايا لامتلاك وقت للتأمل قبل الرد على وجهات النظر أو المعلومات. وربما توجد فوائد لتنظيم وتيرة يومك وفقا لاختيارك، وحسب سرعتك الخاصة. والقضية الحاسمة هنا هي: كيف يمكننا أن نستوعب داخليا ما يحدث حولنا أثناء طوّر العلاج الحالي تنقلنا من يوم إلى آخر؟ ذات مرة طرح الطبيب النمساوي الذي لداء باركنسون في ستينيات القرن العشرين، أوليه هورنيكيفيتش الرؤية التالية من الإجراءات المرتبطة التي تحدث بترتيب معين. وأبسط مثال، أي المشي، هو عبارة عن سلسلة من الخطوات التي يؤدي فيها وضع إحدى القدمين للأمام، إلى جعل القدم الأخرى تتجاوزها؛ وبالتالي تؤدي خطوة واحدة إلى أخرى في سلسلة من الأسباب والنتائج، والتي هي ليست عشوائية بل تسلسل خطي ثابت. وهذه هي الحال مع التفكير. إن كل فكرة، سواء كانت خيالا أو ذكرى أو حجة منطقية أو خطة عمل أو أمل أو حزن، تتشارك هذا السمة المشتركة الأساسية للتسلسل الثابت. وباعتبار أنه من الواضح أن هناك بداية ومنتصف ونهاية محددة لهذا التسلسل، فلا بد أن يكون هناك إطار زمني. ومن وجهة نظري، فإن فكرة التسلسل هذه هي تميّز خط الجوهر الأساسي للفكر، وهي الخطوة العقلية اللازمة التي من شأنها أن أو سلسلة الأفكار عن العاطفة اللحظية المنفردة المأسورة في صيحة من الضحك أو الصراخ. وعلى عكس الشعور الخام الذي يحدث كاستجابة لحظية، فإن عملية التفكير تتجاوز الـ ليس البشر وحدهم هم من يمتلكون ذاكرة كافية للربط بين حدث سابق، أو ثمة سبب، وحدث لاحق، أو ثمة تأثير، وحتى تصوّر نتيجة محتملة لذلك في المستقبل. إن الجرذ الذي يحصل على كريّة من الغذاء عن طريق الضغط على قضيب معدني يمكنه قريبا أن على القضيب مرة أخرى. وهنا تحدث صياغة الرابط بين المحفّز والاستجابة. غير أننا نحن البشر نتميز بقدرتنا على ربط أحداث وأشخاص وأشياء غير موجودة أمامنا بالفعل بتيار من الأفكار. نحن نمتلك القدرة على رؤية شيء ما، بما في ذلك كلمة مجردة، من منظور شيء آخر. وعلى خلاف جميع الحيوانات الأخرى، حتى الرضع من

عدد الصفحات ٢٦

28 تغيّر العقل بني البشر، لدينا لغة منطوقة ومكتوبة. نحن نتحرر من ضغوط اللحظة المحيطة بنا لأننا نستطيع أن نتوجه إلى الماضي ثم إلى المستقبل باستخدام الرموز والكلمات التي نتخيّل. غير أن تمثل أشياء ليست موجودة فعليا: يمكننا أن نتذكر وأن نخطّط وأن الأمر يتطلب بعض الوقت للقيام بذلك، وكلما كانت الفكرة أكثر تعقيدا ازداد الوقت الذي نحتاج إليه لاتخاذ الخطوات الذهنية اللازمة. لكننا إذا وضعنا دماغا بشريا، تتمثل مهمته التطورية في التكيف مع بيئته، في بيئة لا يوجد فيها تسلسل خطي واضح، حيث يمكن الوصول إلى الحقائق بشكل عشوائي، المحفّز والاستجابة حدها الأدنى، وحيث كل شيء قابل للعكس، وحيث تبلغ الفجوة بين وقبل كل شيء حيث الوقت قصير، فمن الممكن تحويل قطار الأفكار عن مساره. وعند إضافة المشتّتات الحسية لكون حيّ ومرئي ومسموع وواسع الشمول، والذي يعزّز مدى أقصر من الانتباه، فقد تصبح أنت نفسك حاسوبا، إذا صح التعبير: نظام يستجيب بكفاءة ويعالج المعلومات بشكل جيد للغاية، لكنه يخلو من الفكر العميق. المناخيرّ قبل ثلاثين سنة أو نحوها، كان مصطلح أما الآن فهو مُدرك من قبل الجميع تقريبا باعتباره مفهوما شاملا ينطوي على مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك احتجاز الكربون ومصادر الطاقة البديلة، واستخدامات المياه، إذا أردنا ذكر أمثلة قليلة. يشعر البعض بأننا محكوم علينا بالفناء، في حين يرى البعض الآخر أن المشكلات المختلفة مبالغ فيها، ويرى البعض الآخر أن العلم قد يفيد. وبالتالي، فإن تغير المناخ ليس عالميا ولم يسبق له مثيل فحسب، لكنه أيضا متعدد الأوجه ومثير للجدل. وعندما ننتقل إلى مسألة الكيفية التي ستفكر وتشعر بها الأجيال العقليرّ المستقبلية، فإن العقل كالتالي: يتكيّف الدماغ البشري يرّتسير الحجة التي يستند إليها مفهوم تغ على أي بيئة يوضع فيها. يقدم عالم الإنترنت الذي يميز القرن الحادي والعشرين نوعا جديدا من البيئة. لذلك، من الممكن أن يتغير الدماغ بصورة موازية لذلك، وبطرق جديدة متوافقة معها. وإلى الحد الذي يمكننا معه أن نبدأ في فهم وتوقع هذه التغيرات الإيجابية أو السلبية، ستزداد قدرتنا على التنقل عبر أرجاء هذا العالم الجديد. المناخ تماما، ليس يرّ العقل، مثل تغ يرّلذلك دعونا نتعمّق في التفكير حول كيف أن تغ .متعدد الأوجه ومثير للجدل وغير مسبوقعالميا فحسب كما رأينا لفورنا، لكنه أيضا

عدد الصفحات ٢٧

29 أزمنة غير مسبوقة يمتلك البشر القدرة على التكيّف. ذلك هو ما نقوم به بصورة أفضل من أي نوع من أنواع الأحياء الأخرى. وفقا لذلك، كان أسلافنا يضطرون دائما إلى اعتماد عالم متغير أدت فيه الاختراعات والتقنيات الجديدة بدورها إلى توجيه أنماط الحياة والتبصرات والأذواق والأولويات. لماذا إذن ينبغي أن يكون هذا العصر الرقمي مختلفا؟ كانت للسيارات، على سبيل المثال، تأثيرات ة للحياة. وباستخدام هذا النوع يرّهائلة ومغ من التشبيه يمكنك النظر إلى الأجهزة الرقمية على أنها مجرد أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الابتكارات التي كانت مثيرة ومزعجة في البداية، قبل أن تدخل في نهاية المطاف في حياتنا باعتبارها المحرك الموجّه لبعض التطورات الجديدة التي سيكون من الصعب دائما على بعض التقليديين قبولها. ولنأخذ مثالا أزمنة غير مسبوقة « قطر دائرة نشاط الطفل، وهو مقدار المساحة المحيطة بالمنزل التي يتجول فيها الطفل بحرية، بدرجة مذهلة بلغت 2

عدد الصفحات ٢٨

30 تغيّر العقل المطبعة، التي كان إدخالها إلى أوروبا عن طريق يوهان غوتنبرغ العام على دمقرطة المعرفة، وبالتالي فإن القوى الرجعية المحبة للوضع الراهن لم تكن لتُعجب بها، وهو ما يوازي، كما قد تجادل، أولئك الذين يبدو أنهم هم اللوديون ) التكنولوجيون في الوقت الحاضر. بدأت الكتب تنشر البصيرة لأعداد ٭Luddites أكبر من أي وقت مضى من الأفراد، الذين يمكنهم بعد ذلك، كما فعلوا في الواقع، إثارة التغير الاجتماعي، ما أدى إلى التقدم الشخصي وتعميم التعليم. حتى الروايات الأدبية أثارت دائما قضايا حول الحالة البشرية، الأمر الذي مكّن القارئ من أن يرى العالم عبر عيون الآخرين الذين عاشوا في عصور وأماكن أخرى، حسّن إدراك المرء وصياغة منظوره الشخصي وفهمه لذاته؛ كيف يمكن أن يكون ما هناك شيء أكثر قدرة على التغيير من ذلك؟ وبعد ذلك جاءت الكهرباء. حتى نهاية القرن التاسع عشر كان الليل يجلب معه ظلاما لا يمكن السيطرة عليه؛ كان ضوء الشموع هو التعويض الوحيد المتاح لأجدادنا لدرء المخاطر غير المعروفة أيا كان نوعها، سواء كانت حقيقية أو خارقة للطبيعة، والتي قد تكون كامنة على مقربة تماما من ذلك التجمع الواهي من الضوء المرتعش. لا بد أن خبرة أجدادنا بالحياة اليومية كانت طوال فترة طويلة من الوقت مؤلفة من أشكال نصف متشكلة، ونصف ضوء، وعجز يائس عن السيطرة على البيئة المحيطة بهم. تخيل الفرق الهائل الذي حدث عندما غمر الضوء الكهربائي في جّه العقلي الجديد نهاية المطاف هذا العالم المظلم والشرير. أي نوع من الفكر والتو مثّل مراجعة مثيرة للواقع الذي قد حدث؟ ومهما كان كُنه ذلك، فمن الواضح أنه تكيّف عليه نوعنا، والذي عمل بالتالي على تغييرنا. دعونا ننتقل إلى تطوّر أكثر حداثة: التلفاز. منذ وقت اختراعه نحو منتصف القرن العشرين تمثّل القلق في أن التلفاز سيكون له تأثير سيئ على أدمغة الأطفال، وأنهم سيحصلون ع ) هم جماعة من العمال هاجمت مصانع النسيج في بريطانيا بين العام ٭( الجديدة احتجاجا على ما مثلته من خطر على العمالة اليدوية. وقد يكون اسمهم نسبة إلى نيد لود أحد المشاركين في تلك الهجمات

عدد الصفحات ٢٩

31 أزمنة غير مسبوقة الطلق. وعلى أي حال، فباعتبار أن البث التلفازي كان يحدث خلال فترات محدودة من المساء فقط، وباعتبار أنه في ذلك الوقت كانت هناك ثقافة سائدة لممارسة الألعاب في الهواء الطلق، والقراءة، وتناول الوجبات العائلية الجماعية، فقد كان التلفاز في الواقع مكملا لنمط الحياة القائم وليس معطلا له. ومن ناحية، فبدلا من أن يكون بشيرا مبكرا للحاسوب المنزلي، كان التلفاز أشبه بالبيانو في العصر الفيكتوري من حيث كونه وسيلة للنشاط الأسري المتماسك وتفاعل أفرادها. ليس هذا حنينا إلى الأيام الذهبية الخوالي. كانت السنوات الوسطى من القرن العشرين غير مريحة جسديا وقاسية، ومن ثم فإن إعادة الزمن إلى الوراء، حتى لو كان ذلك ممكنا بصورة ما، ليست فرضية جذابة: من ذا الذي سيختار بكامل وعيه تُسمن ولا تغني من أن تكون غرفة نومه باردة من دون تدفئة وذات طبقات لا جوع من البطانيات الخشنة الرقيقة؟ تلك كانت أزمنة مختلفة. كان هناك جهاز تلفاز واحد في كل بيت، هذا إذا كنت محظوظا؛ ففي البداية، عادة ما كان هناك منزل واحد فقط في كل شارع يمكنه التباهي بامتلاك هذه الأعجوبة، ومن ثم يجذب زوارا لا حصر لهم للمشاركة في الانبهار. حتى في ستينيات القرن العشرين كانت مشاهدة التلفاز تولّد شعورا بالحس الجماعي. لم يكن لشيء أن يكون أبعد عن سيناريو القرن الحادي والعشرين، حيث يهرع أحد أعضاء الأسرة عند عودته من العمل أو المدرسة إلى الجلوس ساعات طويلة في حبس انفرادي طوعي أمام الشاشة. من بين الفروق الكبيرة بين التقنيات السابقة ونظيراتها الرقمية الحالية، هناك فرق كمّي، وهو مقدار الوقت الذي تحتكر فيه الشاشة اهتمامنا النشط والحصري بطريقة لم يسبق مطلقا أن فعلها الكتاب، والسينما، والراديو، وحتى التلفاز. يعتقد عالم المستقبليات ريتشارد واطسون Watson هي التي تصنع الفرق الحاسم بشأن الأشياء الجديدة، كما ظللنا نشتكي دوما من الأجيال الأصغر سنا. من المؤكد أن معظم أعتقد أن الجواب على هذا يختلف قليلا هذه المرة. يزداد انتشار . مكان. وقد أصبحت باعثة على الإدمان، كما أنها أصبحت مفروضة

عدد الصفحات ٣٠

32 تغيّر العقل لا يقتصر الأمر على الوجود المادي المطلق للشاشات الذي قد يفرّق الآن بين مظهر المنزل العادي من المنازل السابقة، بل ثمة خاصية غير مرئية لم يكن بالإمكان تصوّرها قبل عقد واحد من الزمن، حيث يمكن لأفراد العائلة أن يظلوا على اتصال مستمر خارج إطار المنزل بصورة أكثر حميمية من تواصلهم مع أفراد الأسرة المباشرين الذين يعيشون على مقربة منهم. كل بالغ وطفل منفرد يمتلك الآن أجهزة رقمية متعددة، . يستخدمها للترفيه، والتواصل الاجتماعي، والحصول على المعلومات هناك شد وإرخاء، على الترتيب، نحو الفضاء الإلكتروني الذي توفره، على سبيل المثال، عزلة الجهاز المحمول و/ أو غرفة النوم المتعددة الوظائف، وبعيدا عن النقطة المركزية السابقة لأنشطة الأسرة. في الماضي، كانت غرف النوم تمثل أماكن يُنفَى فيها الطفل عقابا على السلوك السيئ - وهو أمر بعيد كل البعد عن للعقوبة الملاذات التي تمثلها للعديد من الشباب اليوم. كان المطبخ الدافئ، أو غرفة المعيشة حيث يجلس أفراد الوحدة العائلية معا، هو المنتدى الرئيسي للتفاعل والحصول على المعلومات، كما كان يوفر إطارا وجدولا زمنيا للوجود اليومي. أما الآن، فعالم الشاشة الموجودة في غرفة النوم، أو في أي مكان آخر، يطرح في كثير من الحالات سياقا بديلا لتحديد وتيرة النشاط، ووضع المعايير والقيم، وبدء المناقشات، وتوفير وسائل الترفيه، في حين صار تناول الوحدة الأسرية وجبة من الطعام معا أقل محورية في خضم الاتجاهات المجتمعية الأشد تعقيدا، مثل الطلاق والزواج مرة أخرى، فضلا تطلّبا. عن أنماط العمل الأكثر تنوعا و وفيما وراء الانتشار الكلي للتقنيات الرقمية بالمقارنة بالاختراعات التي تعود إلى العصور السابقة، ثمة فرق آخر هو التحول من التكنولوجيا كوسيلة إلى كونها غاية في حد ذاتها. تنقلك السيارة من مكان إلى آخر؛ وتعمل الثلاجة على حفظ الطعام طازجا؛ كما يمكن لكتاب أن يساعدك على معرفة المزيد عن العالم الحقيقي والناس الذين يعيشون فيه. غير أن التكنولوجيا الرقمية لديها القدرة على أن تصبح الغاية بدلا من الوسيلة، أي أن تتحول إلى أسلوب حياة في حد ذاتها. وعلى الرغم من أن التعلّم كجزء من الكثيرين سيستخدمون الإنترنت للقراءة، أو تشغيل الموسيقى، و حياتهم في عالم ذي ثلاثة أبعاد، فإن العالم الرقمي يوفر إمكانية، أو حتى إغراء، التعلّم، لأن يصبح عالما قائما بذاته. من التواصل الاجتماعي إلى التسوق، والعمل، و

عدد الصفحات ٣١

33 أزمنة غير مسبوقة واللهو، فإن كل ما نقوم به في كل يوم يمكن الآن أن يحدث بطريقة مختلفة جدا في مساحة موازية يتعذر تحديدها. للمرة الأولى على الإطلاق، تتفوق الحياة أمام شاشة الحاسوب على الحياة الحقيقية عندما تستيقظ، فإن أول شيء تقوم به هو فحص هاتفك الذ وفي جميع الاحتمالات ستقوم بفحص هاتفك في غضون الدقائق الخمس عشرة الأولى من الاستيقاظ الهواتف الذكية في الولايات المتحدة، الذين تتراوح أعمارهم ب يتذكرون مرة واحدة لم تكن خلالها هواتفهم الذكية في متناولهم أو في الغرفة نفسها. وبعد الاستيقاظ تلتقط فنجانا من القهوة وكعكة دنماركية أثناء تصفّح رسائل البريد الإلكتروني التي ربما أتتك خلال الليل، وكذلك إرسال بعضها. لنفترض أن وظيفتك ؛ تمكّنك من العمل من المنزل، كما يفعل نحو ستقوم حينئذ بالانخراط في العمل. وفي حين توجد أمامك المهام التي ينبغي عليك تنفيذها، سيكون أمامك أيضا موقع تويتر مفتوحا لمتابعة أخبار المشاهير المفضلين لديك، جنبا إلى جنب مع صفحتك على الفيسبوك للتأكد من ألا تفوتك أي أخبار. تفحّص مواقع الشبكات الاجتماعية لديك، مثل تحديثات ستحتاج أيضا إلى متابعة مواقع مثل إنستغرام لما ستتناوله على الغداء (لقد طار الوقت)، وأن تكون في الوقت نفسه على أهبة الاستعداد لتلقي تلك الرسائل النصية القديمة الجيدة. وبعد أن تستنفد طاقتك كل هذه المهام المتعددة أثناء العمل، تسترخي عن طريق مشاهدة فيديو على موقع يوتيوب، والذي اجتذب عددا كبيرا من المشاهدات، أو يمكنك تحميل أحدث حلقة من أحد البرامج التلفزيونية. وبعد ذلك، ستجد أن الوقت قد حان لطلب منتجات البقالة خاصتك والتشافي النفسي من خلال التسوق عبر الإنترنت. في العام اشترى ، وفي السنة التالية تسوق عدد مقارب بلغ الإنترنت المملكة المتحدة بين سن الخامسة والعشرين والرابعة والأربعين عبر الإنترنت وبحلول العام جميع مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة. ولكونك في حاجة إلى التحفيز والإثارة

عدد الصفحات ٣٢

34 تغيّر العقل والهروب من الواقع بعد أن تعرف كم المال الذي أنفقته، ستقوم حينئذ بغمر نفسك في لعبة فيديو مثيرة، مثلما يفعل بالتحديد نحو غير أنك الآن تشعر بأنك معزول قليلا وفي حاجة إلى صحبة بعضهم، وبالتالي تقوم بتفحّص مواقع الشبكات الاجتماعية، غير أنك هذه المرة تبحث من كثب في مواقع المواعدة عبر الإنترنت. ينفق مستخدمو الإنترنت في الولايات المتحدة . الوقت الذي يقضونه على الإنترنت على مواقع الشبكات الاجتماعية أو المدونات وقد أفاد أكثر من ثلث الأزواج الذين تزوجوا بين عامي المتحدة بأنهم التقوا شريك حياتهم عبر الإنترنت، حيث حدث ما يقرب من نصف هذه اللقاءات عبر مواقع المواعدة على الإنترنت والباقي عبر مواقع الإنترنت الأخرى، . أما العالم المادي الحقيقي، مثل مواقع الشبكات الاجتماعية والعوالم الافتراضية وما نقوم به فيه، فقد تتضاءل أهميته أكثر فأكثر مع تلاشي القيود التقليدية للزمان والمكان. ومع تكيف كل واحد منا على بُعد جديد لم يسبق له مثيل، فأي نوع من الأفراد قد يظهر في نهاية المطاف؟ من المؤكد أنه سيكون شخصا أقل تناغما مع الهواء الطلق. منذ العام تقلّص نصف قطر دائرة نشاط الطفل، وهو مقدار المساحة المحيطة بالمنزل التي يتجول فيها الطفل بحرية، بدرجة مذهلة بلغت للّعب أمرا غير مسبوق. في كتابه المعنون Frost الحاضر، وخلص إلى أن خلال التخلي عن اللعب التقليدي في الهواء الطلق، والعمل والأنشطة البدنية الأخرى والتحوّل إلى اللعب الافتراضي الذي يحدث من خلال الجلوس في الأماكن المغلقة، أو اللعب بالتكنولوجيا أو ساحات اللعب عبر الإنترنت جانب اتباع نظم غذائية غير صحية اللعب في الهواء الطلق قد تصبح بالفعل قضايا أساسية في رفاهية الأطفال. يتسم محتوى نمط الحياة المرتكز على الشاشة بكونه غير مسبوق ليس فقط من حيث كيفية صياغته للأفكار والمشاعر، بل بسبب الآثار البديهية لعدم ممارسة

عدد الصفحات ٣٣

35 أزمنة غير مسبوقة الرياضة أيضا وعدم اللعب والتعلم في الهواء الطلق، في حين أن عددا متزايدا من المتابعين المتحمسين للتقنيات الرقمية قد يختارون في نهاية المطاف استخدام التقنيات عبر الأجهزة النقالة بصورة حصرية، فلايزال يحدث في الوقت الحاضر إنفاق قدر لا بأس به من الزمن في الجلوس أمام شاشة الحاسوب. وفي أي حال إذا كنا مشغولين بإرسال واستقبال الرسائل النصية أو التغريدات عبر هواتفنا النقالة، حتى أثناء سيرنا، فمازلنا أقل احتمالا لممارسة قدر أكبر من الرياضة البدنية الشاقة مما كنا لنفعل خلاف ذلك. ثمة نتيجة واضحة للميل إلى الحياة الخاملة، ألا وهي اكتساب الوزن. تنبع السمنة من عوامل كثيرة، بما في ذلك تناول النوع والكمية الخطأ من الطعام، وكذلك انخفاض استهلاك الطاقة. ومن الصعب وضع ترتيب معين للأحداث: ما إذا كان الطفل الذي لا يحب الرياضة كثيرا سيكون أكثر انجذابا إلى الشاشة أم إن أسلوب حياة الشاشة لديه جاذبية تفوق تسلق الأشجار، وهو سيناريو أشبه حلّه هنا. وبدلا من ذلك، نحن في حاجة إلى بسيناريو الدجاجة والبيضة، ويستحيل النظر إلى نمط الحياة الرقمية ككلّ، سواء من حيث زيادة الوقت الذي يجري إنفاقه على الحياة في بُعدين وانخفاض الوقت الذي يجري إنفاقه على الحياة في ثلاثة أبعاد. على سبيل المثال، وصلتني أخيرا رسالة بالبريد الإلكتروني من أب لطفلين في أستراليا، لخص فيها الأمور بطريقة لافتة للنظر تماما: في نهاية الأسبوع الماضي تعرّضت للحظة منوّرة، حيث كان أطفالي يتحركون بصورة متكاسلة في جميع أنحاء المنزل، وهم يستخدمون وسائل التكنولوجيا ويتشاجرون حولها. وعندما تمكنت أخيرا من إجبارهم على الخروج لنزهة قصيرة، أخذنا الدراجات وشاهدت بفرحة الضحك والمرح اللذين عاشهما الأطفال لمجرد صعود وهبوط منعطف منحدر بعينه على هذا الطريق الريفي الهادئ. إن استمتاع الأبناء وضحكاتهم وقهقهاتهم تمثل بالفعل موسيقى تطرب لها آذان الوالدين، لكنني لا أسمع هذه الضحكات مطلقا عندما يستخدمون التكنولوجيا. سلطت المعلمة السابقة، سو بالمر 2007 يجب أن يكون الطفل قد مارسها قبل أن يصل إلى مرحلة المراهقة، مثل تسلق

عدد الصفحات ٣٤