267 التفكير بشكل مختلف ملاحظة شيء ما في ضوء شيء آخر؛ فعلى سبيل المثال، يشير إطفاء الشمعة إلى إخماد حياة ما. وبينما نعيش وجودنا الفردي، سيعمل الربط بين أشياء، وأشخاص، وأفعال معينة بأشياء، وأشخاص، وأفعال ومشاعر سابقة على صبغها بسمة إدراكية بدلا من مجرد سمة حسية تميزك أنت، ولا يتشاركها أي شخص آخر. عندما نواجه شخصا أو شيئا ما، فإننا ننشئ معنى شخصيا، وعندما نربط هذا الشخص أو الشيء بإطار أوسع، سيصبح فهمنا أغنى وأكثر عمقا. وفي النهاية، فمن خلال قيامنا بمرور الوقت ببناء تسلسل يربط بين تلك الأمور ذات المغزى ضمن متوالية سببية خطية، فإن الفهم والمعنى الأصلي يتغيران ويتكيفان. وهذا النوع من عمليات التفكير هو ما يميز العقل البشري الناضج. تقدم أبحاث عالم الأعصاب التعليمي الراحل جون غيك هذا الرأي. كشفت الدراسات التصويرية التي أجراها غيك على أطفال موهوبين عن . أن أدمغتهم تُظهر ترابطا بينيا أكثر من أدمغة ذوي القدرات الإدراكية المتوسطة وعلى وجه التحديد، أدت تلك النتائج إلى نشوء فكرة ارتباط الموهبة بـ القيا التشابه بين المفاهيم الثابتة ويقارن بينها، ثم يستخدم تلك المتشابهات لاكتساب فهم لمفاهيم جديدة. يمكن للقدرة على إنشاء الارتباطات التي لم تكن موجودة من قبل، أي الربط بين النقاط، أن تفسر وجود المواهب في عدد من المجالات الأكاديمية، بما في ذلك الفلسفة، والرياضيات، والعلوم، والموسيقى يبدو أن أنماطا مماثلة تنطبق على البالغين. في بكين، أوضح البروفيسور مينغ سونغ الارتباطات بين الذكاء المرتفع وقوة الارتباط الوظيفي الموزع بشكلٍ واسع في جميع أنحاء القشرة المخية إضافيا ع الراحة، وفي غياب أي مهمات إدراكية صريحة. ولذلك فإذا كانت الارتباطات تمكّن من اكتساب فهم أعمق، فمن الممكن أن يُطلق على عملية بناء تلك الارتباطات اسم الأول، أشرت إلى أن الفرق الأساسي بين الشعور البدائي والفكر هو وجود إطار
عدد الصفحات ٢٥٩268 تغيّر العقل زمني. إن مجرد كونك واعيا يستلزم وجود نوع من الحس الشخصاني، وهو الأمر الذي يمكن لأي طفل رضيع أو حيوان تحقيقه، كما يتجلى في تحريك الذيل، أو الخرخرة، أو الغرغرة، أو الابتسام. ولكن لا يمكن مطلقا أن يتحول الحيوان المعني فجأة إلى إنسان آلي أو إلى زومبي (جثة أعيدت إلى الحياة). من المستحيل فصل الوعي عن تلك الحالة الشخصانية من الشعور. إنني أرى، في الواقع، أنهما حدٍ كبير. مترادفان إلى وعلى النقيض من ذلك، فعلى الرغم من أن جميع الحيوانات تمتلك درجات معينة من الوعي، وبالتالي الشعور، فليست جميع الحيوانات قادرة على أداء ما نُدركه كعمليات فكرية. إنها مهارة يتعين حتى على البشر تطويرها على مر السنين. ما المشترك، إذن، بين خيال، وحجة عقلانية، وذكرى، وأمل، وشكوى، وخطة عمل، مكانٍ آخر. وتتكشف تلك المتوالية من ومزحة؟ إنك تبدأ في مكان ما وتنتهي في الخطوات الخطية بمرور الوقت، مع وجود بداية، ووسط، ونهاية واضحة. وبخلاف الشعور البدائي، تتجاوز عملية التفكير نطاق إنها تربط الماضي بالمستقبل. ومن منظور الدماغ، تصبح القشرة المخية أمام الجبهية محورية مرة أخرى. لقد لاحظنا بالفعل كيف ترتبط القشرة المخية أمام الجبهية غير المكتملة النمو بفهم غير متطور لكل من اللغة الرمزية فضلا عن القدرة على ربط الأحداث الحالية بالنتائج المستقبلية. ولذلك، قد لا يكون مدهشا، أن يؤدي هذا الجزء من الدماغ، عندما يعمل بكامل طاقته، دورا في التجربة الإنسانية المتعلقة بالأطر الزمنية. وبمرور الوقت، من الممكن أن يؤدي التلف في القشرة المخية أمام الجبهية، بالإضافة إلى العديد من النقائص الأخرى، إلى الإصابة بـ . ستصبح بفقدان الذاكرة بقدر تعلقها بنسيان متى وكيف أُنشِئت ذكرى بعينها الذكريات الآن حرة طليقة، فلم تعد مرتبطة بأي سياق شخصي. إذا كنت تعاني نساوة المصدر، فستنطمس جميع ذكرياتك معا بدلا من تجزئتها إلى حوادث معينة. فقد تتذكر حقيقة بعينها، ولكنك لا تتذكر متى وكيف تعلمتها. ستكون ذكرياتك أشبه تُدرك الماضي على نحو مبهم بقدر تأثيره بكثير بذكريات طفل صغير أو حيوان، حيث في الوقت الحالي، مفتقرا إلى أي نوع من أنواع الترتيب أو التسلسل الزمني، وبالتالي
عدد الصفحات ٢٦٠269 التفكير بشكل مختلف فاقدا أي معنى. لن تكون لقصة حياتك التفصيلية أي معنى، ولا حتى بالنسبة إليك. تعتبر فكرة قصة الحياة، أو بالأحرى أي قصة، مقنعة لأغلب الأشخاص، ربما لأنها تمثل توسيعا لعملية التفكير البشرية الأساسية. وقد كان العرف التقليدي لقراءة القصص عند النوم هو أفضل طريقة ممكنة لمساعدة الأطفال على تنمية للتخيّل، ومدى الانتباه، التعاطف المهارات الإدراكية الآخرين)، والتبصر في عقول الآخرين. أُجري بحث في جامعة بافالو، نيويورك، لقياس تأثير تعاطف الطلاب الجامعيين عند قراءة فقرات من كتب هاري بوتر للكاتبة ج. ك. رولينغ ذلك، أجاب المشاركون عن الأسئلة المخصصة لقياس مدى توافقهم مع العالم الذي قرأوا عنه. أوضحت النتائج أن المشاركين الذين قرأوا فصولا من رواية هاري بوتر عرّفوا أنفسهم بأنهم سحرة، أما المشاركون الذين قرأوا فصولا من سلسلة توايلات عرّفوا أنفسهم بأنهم مصاصو دماء. والأروع من ذلك هو أن الانتماء إلى تلك فقد المجتمعات الخيالية يوفر بالفعل الحالة المزاجية والرضا عن الحياة ذاتهما اللذين يستمدهما الناس من الانتماء للمجموعات الواقعية. واختتمت مؤلفتا الدراسة، شيرا غابرييل الاجتماعي والسكينة الهانئة التي تنتج عن كونك جزءا من شيء ما أكبر من ذاتك للحظة عابرة وثمينة الكليات، فمن الممكن تمديد قوة القصص وروايتها بشكلٍ متساوٍ لتشمل البالغين. ومن جانبه، فإن كيث أوت التطبيقي في جامعة تورنتور، بالإضافة إلى أنه كاتب له روايات منشورة، يتحدث بشيء من التفصيل عن تلك الفكرة: أعتقد أن السبب وراء تمتع الأدب القصصي، ولكن ليس اللاقصصي، بتأثير تحسين التشاعر هو أن الأدب القصصي يتعلق بشكلٍ رئيس بأنفس تتفاعل مع أنفس أخرى ضمن عالم اجتماعي. فالموضوع الرئيس للأدب القصصي يدور باستمرار حول سبب فعل إحدى الشخصيات أمرا ما، أو إذا كانت تلك هي الحالة، فماذا ينبغي له أن يفعل الآن، وما إلى ذلك. وفي الأدب القصصي كذلك يمكننا فهم تصرفات الأشخاص من
عدد الصفحات ٢٦١270 تغيّر العقل وجهة نظرها الداخلية، من خلال الدخول في مواقفهم وعقولهم، بدلا من الرؤية الأكثر سطحية التي غالبا ما تكون لدينا ومما لا يثير الدهشة أن الرواية يمكن أن تمثّل أداة تعلّم كالكتاب الدراسي. نحن بحاجة إلى الأدب القصصي، أي إلى قصة شخص آخر، لكي نفهم الحقائق الخاصة بنا. فالأشخاص المعنيون لديهم مغزى لأنه يمكن ربطهم ضمن إطار مفاهيمي، وسياق معين، بالآخرين، وبالأحداث الماضية، تماما كما هي الحال في حياتنا. عندما نقرأ الأدب القصصي، في مقابل اللاقصصي، فنحن ننتقل إلى عالم من الأشخاص ونبدأ في الارتباط بهم، وبالتجارب التي يمرون بها، وبالقرارات التي يتخذونها. قد نشعر بمشاعر إيجابية أو سلبية تجاههم بوصفهم أشخاصا، ونهتم كثيرا بما يحدث لهم بطريقة أقل احتمالا بكثير لأن تحدث مع شخصية في لعبة فيديو، والتي لا تعدو كونها مجرد رمز. وقد لخص الصحافي بين ماكنتاير مر بشكلٍ رائع: Macintyre منذ اللحظة التي نصبح فيها مدركين لوجود الآخرين، فنحن نطالب بأن تُروى على مسامعنا قصص تتيح لنا فهم العالم، بل استيطان عقل شخص آخر. وفي سن الشيخوخة، نروي القصص لإنشاء متاحف صغيرة للذكريات. ولا يهم ما إذا كانت القصص حقيقية أم خيالية. فالسرد، سواء كان مكتوبا أو شفهيا، هو العنصر الأساسي لكل ثقافة حول العالم. لكن القصص تستلزم وقتا وتركيزا؛ فالروائي لا يكتفي بمجرد نقل المعلومات، . لكنه يدعو القارئ أو المستمع إلى أن يشهد تكشّف الأحداث ومن خلال ملاحظة ما يحدث، ومتابعة المسار الخطي لقصة ما، يمكننا تحويل المعلومات إلى معرفة بطريقة لا يمكن للتركيز على الإجابة السريعة والتحفيز المستمر فعلها. ومن وجهة نظري، فإن القضية الأساسية هي السرد. ففي السرد يوجد تسلسل - أي متوالية من الأسباب والنتائج المنظمة بتسلسل صارم وغير عشوائي. وبالتالي، فإن أي سرد سيقوم، بطريقة ما، بترديد قصة حياة ما. تقوم القصص بترتيب الأحداث ضمن سياق، وإطار مفاهيمي، ويعمل هذا الترتيب على إنشاء المعنى. يُنظر إلى الحكايات السردية باعتبارها الشرط الأساس للكتب، فهي أبعد ما وفي حين تكون عن كونها مضمونة على الإنترنت، حيث تكون الاختيارات المتوازية، والنصوص
عدد الصفحات ٢٦٢271 التفكير بشكل مختلف التشعبية، والمشاركة العشوائية أكثر انتشارا. وفي حين يمكن اكتساب التعاطف empathy يفضل السرعة، والسطحية، وعدم الترابط لكنه يمكن بالتأكيد لمحركات البحث أن تتيح لنا الوقت لتأمل الأسئلة الأكثر صعوبة، وللتفكير على نحو أكثر عمقا مما كنا نتصور، تماما مثلما منحت الصحافة المطبوعة إمكانية الوصول إلى المعرفة لعدد أكبر من الأشخاص. قد يكون الأمر كذلك، لكننا نحتاج أولا إلى وضع بعض الخطوط القصصية في مكانها بالفعل. من يمكّننا من استخدام الإنترنت لصياغة الأسئلة دون وجود إطار مفاهيمي شخصي الصعبة وذات النهاية المفتوحة والتفكير بشأنها، فنحن نتعرض لخطر الاندفاع السلبي وراء الحقائق المعزولة، حيث ننتقل من تجربة معزولة ولكن مذهلة على الشاشة إلى غيرها. وكما ذكرت سابقا، فمن الجدير بالذكر أنه حتى رئيس شركة غوغل، إريك شميدت . نحن في حاجة إلى وقت للتفكير بشأن العالم من حولنا الأمثل لتعلم شيء ما وفهمه. وفي تسلسل الخطوات، لا تحدث ولكن ضمن إطار زمني كقطار، أو كخط من الأفكار. يبدو أن ثقافة الإنترنت لا تشجع على اكتساب سعة الانتباه اللازمة للتفكير العميق، وبالتالي فإذا اعتمدنا على الثقافة الرقمية حصرا، فسنفشل في بناء الإطار المفاهيمي المناسب الذي يمنح مغزى للعالم من حولنا. لا بد أن تكون قراءة القصص هي أفضل طريقة ممكنة لاكتساب المهارات للتخيّل، وسعة الانتباه، والتبصر، والتعاطف مع عقول الآخرين، فضلا عن الإدراكية منحنا إدراكا للمفاهيم المجردة. فبعد كل شيء، كيف يمكننا أن نعبر عن الشرف، على سبيل المثال، كرمز؟ ومع ذلك، أي شخص قرأ رواية Malory تعلم مثلها مثل الكتاب الدراسي. نحن بحاجة إلى الأدب القصصي لفهم الحقائق وإذا كانت هذه هي الحال، فبالتالي لا تعتبر محركات البحث الوسيلة الأفضل لكسب الفهم أو اكتساب المعرفة. المسألة الحساسة التي تواجهنا هي كيفية التفاوض على الانتقال من بيئة القرن العشرين القديمة التي تتميز بكثرة الأسئلة وقلة الأجوبة إلى
عدد الصفحات ٢٦٣272 تغيّر العقل فهم، بل والبقاء في، وتحقيق الاستفادة القصوى من، البيئة الحالية التي تتميز بقلة الأسئلة وكثرة الأجوبة بفضل تكنولوجيا سريعة الخطى. في رأيي، ثمة ثلاثة عوامل تُغفل في نظام التعليم الحالي، وهي بالطبع غير مستوحاة بالضرورة من رئيسة غالبا ما نمط الحياة الرقمي الحالي. أولها امتلاك المرء شعورا قويا بهويته الفردية (واحترامها في الآخرين). والثاني هو امتلاك شعور بالإنجاز الفردي. والثالث هو أن تكون مفيدا للمجتمع. كيف يمكن أن تتحقق هذه الأهداف المجردة إلى حد ما؟ هناك شيء يضع علامة على تلك العوامل الثلاثة، وهو الإبداع وبالإبداع لا أعني بالضرورة تأليف سيمفونية موسيقية أو الكشف عن رؤية جديدة عظيمة في العلوم أو الحالة الإنسانية، على الرغم من أن تلك الأنشطة تعتبر إبداعية بطبيعة الحال. على مستوى أساسي بدرجة أكبر، من المؤكد أن جوهر الإبداع يكمن ببساطة في النظر إلى شيء ما بطريقة جديدة، سواء تمثل ذلك في إعادة ترتيب أثاث غرفة النوم، أو تفسير موقف اجتماعي بعينه من زاوية مختلفة. لنتحدث عن الفكرة بشكل أوسع. كثيرا ما يرتبط الإبداع بالأطفال الصغار على وجه الخصوص. ويتعلق الأمر ، مثل الطبيب النفساني لويس ساس أيضا بالفصام بالنسبة إلى البعض جامعة روتجرز، وبالنسبة إلى آخرين (الأفراد أنفسهم عادة)، يتعلق الأمر بتعاطي المخدرات الترويحية. ولكن ليس جميع الأطفال، أو مرضى الفصام، أو معاقري المخدرات يتصفون بالإبداعية المفرطة، كما لا يلزم أن يكون المبدعون صغارا في مخدَرين. قد تكمن الفكرة هنا وراء حقيقة أن بعض السن، أو مرضى نفسيين، أو السمات الموجودة في الأطفال، أو مرضى الفصام، أو معاقري المخدرات قد تمثل شرطا ضروريا، ولكنه غير كاف، للإبداع. وفي الوقت نفسه، فمن الممكن أن يبلغ حالة يُصنفوا ضمن تلك الفئات الثلاث. ماذا عساه أن يكون هذا الإبداع ذاتها أشخاص لم الشرط الأول؟ يمتلك الأطفال الصغار، كما رأينا، قدرا ضئيلا من الارتباط الدماغي، ولذلك لا يمكنهم بسهولة ملاحظة شيء معين في ضوء شيء آخر. ويشبه الفصاميون الأطفال في إدراك العالم بمعناه الحرفي وفي عدم القدرة على تفسير الأقوال المأثورة؛ وفي كلتا الحالتين هم يفهمون ما يرون. وفي النهاية، ونتيجة للمواد النفسية التأثير
عدد الصفحات ٢٦٤273 التفكير بشكل مختلف التي تضعف ارتباطيتهم العصبونية، يمتلك مدمنو المخدرات قوى ترابطية ضعيفة. وبالنسبة إليهم، يكون المعنى هشا ومتفردا. هل يمكن، إذن، أن تتمثل الخطوة الأولى المهمة في عملية الإبداع - ولكن ليست الخطوة الأولى فحسب - في القدرة بشكلٍ تقليدي سابقا؟ يشيع هذا النوع من التفكيك على فصل العناصر المرتبطة في الفن، حيث يكمن مغزاه في تقليص الإدراك المعرفي للصورة، مثل مزهرية، إلى خلط حسي تجريدي للألوان، والأشكال، والقوام التي تحاول حينئذ نسخها. ومثلما يحدث في مجال العلوم، تتمثل الخطوة الرئيسة الأولى في تحدي المبادئ، كما فعل باري مارشال بشأن الفكرة القائلة إن قرحة المعدة تنشأ عن التوتر وليس بفعل نوع من البكتريا. ولكن ليس من المهم تحدي المبادئ وحسب، بل أيضا استبدالها ببديل، أو ثمة بشكلٍ معين، أو تجميع معين للألوان ترابط جديد لم يجرّب من قبل: توليف كلمات والأشكال، أو وضع شيء أو شخص مألوف في سياق غير متوقع، أو إنشاء ارتباط بين خاصيتين للعالم المادي غير مرتبطتين سابقا، مثل التشابه بين الجهاز المناعي وفكرة البقاء للأصلح التي وضعها داروين . المناعيات الأسترالي الألمعي فرانك بورنت لكن عملية كالتفكيك وإعادة البناء لا تضمن إنتاج عمل إبداعي، كما يتضح عند قيام أي شخص يجرب مكونات غريبة في وصفة طبخ جديدة. ثمة مثال آخر على ذلك، وهو رسوم الأطفال، حيث قد توجد ألوان أو أشكال غير عادية تصور حيوانا أو شخصا ما، لكن العمل النهائي لا يتأهل للعرض في معرض الفنون. ومن وجهة نظري، تتمثل الخطوة النهائية الحاسمة نحو الإبداع في أن العمل أو الفكرة يجب أن تعني شيئا ما، ويجب أن تساعدك على رؤية العالم بطريقة جديدة. وسواء من خلال العلوم، أو الفنون، أو الأدب، أو أي محيط آخر، تنشأ ارتباطات جديدة في الدماغ والتي تمنح بدورها العالم معنى جديدا. ولكي يصبح للارتباطات معنى، كما لاحظنا، لا يمكنها أن تكون عشوائية فحسب: فهي بحاجة إلى أن ترتبط بأطر مفاهيمية أوسع تمنح بدورها معنى أعمق. لا يمكن شراء التفكير الإبداعي، أو تنزيله من الإنترنت، أو ضمانه، ولكن من الممكن تنشئته من خلال توفير البيئة الملائمة. وكذلك فإن بناء الأطر المفاهيمية
عدد الصفحات ٢٦٥274 تغيّر العقل الفردية لفهم وتفسير العالم يعني تشجيع الأفراد على امتلاك الثقة في التشكك في المبادئ والآراء التقليدية وتفكيكها، وامتلاك الشجاعة لإنشاء ارتباطات جديدة من دون الخوف من آراء الآخرين أو سخريتهم. وليس من المبهج أن نتخيل العالم مأهولا بأفراد يمتلكون تنسيقا حسيا حركيا ذكيا، والذين يمكنهم أداء مهمات عدة على نحو جيد، ولديهم حاصل ذكاء مرتفع، ولكنهم غير قادرين على الفهم والتفكير التأملي، ناهيك عن طرح أفكار أصلية. في العام بحيث صرّ إلى هذا التنبؤ المناسب، والشديد التب العلمي إيزاك أسيموف تحقق بعد خمسين عاما: على الرغم من ذلك، ستعاني البشرية بشدة من مرض الملل، وهو مرض ينتشر بشكل أوسع وتزداد حدته في كل سنة. وستكون لذلك عواقب عقلية، وعاطفية، واجتماعية خطيرة، ويمكنني القول بأن الطب النفسي سيكون أهم التخصصات الطبية على الإطلاق بحلول العام 2014 من أي نوع فسيمثلون الصفوة الحقيقية للبشر، حيث إنهم وحدهم سيقومون بأعمال أكثر من مجرد خدمة آلة ما ثم مرة أخرى، ربما بالنسبة إلى الأشخاص في المستقبل، فإن أولويات المفكرين القدامى، والمنظرين مثل أسيموف، وبالطبع تلك الخاصة بالمهاجرين الرقميين النموذجيين من أمثالي ستبدو قديمة، ومضحكة، وغير ملائمة لجدول أعمال منتصف القرن الحادي والعشرين، تماما مثلما كانت عقلية العصر الفيكتوري بالنسبة إلى القرن العشرين. ومع ذلك، فلا يمكننا أن نتجاهل العالم الحقيقي. وعلى الرغم من أن التقنيات الرقمية تسحبنا إلى قاعة المرايا المنقطة والمحمومة الخاصة بها، فلايزال هذا العالم يعتبر شبيه البيئة الضخمة والثلاثية الأبعاد الحالية، التي لايزال يتحتم الوجود فيها حتى على أشد المولعين بالتكنولوجيا الحديثة حماسا.
عدد الصفحات ٢٦٦275 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة في عصر شكسبير، كان من يبلغ من العمرِ أربعين سنة يعد مسنا. وفي تفاوت مدهش، فلدى من يولد الآن فرصة من ثلاث ليعمر حتى يبلغ المائة، ولو في مجتمعنا المتقدم المحظوظ على الأقل مجال الطب، أصبحتْ بعض الأمراض مثل شلل الأطفال والخناق محض ذكريات، بل أصبحت توقعات الشفاء أعلى من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، تفتح لنا فروع طبية جديدة ، تماما آفاقا مدهشة، ومنها المعالجة الجينية والطِب التجددي كيف سيؤثر وجود تلك التقنيات الطبية الرائدة في عقلية القرن الحادي والعشرين؟ من المرجح أن تنظر الأجيال المقبلة إلى هذه التطورات باعتبارها أمورا بديهية، كما كان حالنا ونحن صغار؛ إذ لم نعتبر شلل الأطفال والسل تغيّر العقل فيما وراء الشاشة « تثبط فيه التقنيات التفكير العميق والإبداع والإنجاز الحقيقي، بل تعززها على نحو فعال 19
عدد الصفحات ٢٦٧276 تغيّر العقل مخاطر صحية مثلما اعتبرهما آباؤنا من قبل. وقبل ذلك؛ وفي العقود الأولى من القرن العشرين، كان الناس يتقبلون عدم الراحة في أحسن الأحوال والألم في أسوئها باعتبارها أمورا اعتيادية، سواء أكانت تلك ناجمة عن الأسنان النخرة، أم عتامة العين (السادّ)، أم آلام المفاصل، أم العدوى. كانت الأمراض البسيطة المزعجة لتصبح أمرا يتكيّف بتأثير التطور مع ما يفرض عليه من ظروف. اعتياديا، وكان على الدماغ أن ولكن، من الناحية الأخرى، لو كان الانزعاج الجسدي أمرا اعتياديا، لما تمكّن الناس حينها من تدبّر أنفسهم وشؤون حياتهم بالسهولة نفسِها المتاحة لنا الآن. وعلاوة على ذلك، فسيطغى على وجودِك اليومي احتمال وارد للغاية؛ وهو أن يدمر فجأة مرض عشوائي متقلّب حياتك أو حياة شخص قريب منك. وفي الوقت الحالي، تنحسر مثل هذه المخاوف، وربما تشجع التقنيات الطبية في المستقبل الاعتقاد بأن العافية حق طبيعي للجنس البشري. لكن هناك مرضا واحدا، أو بالأحرى مجموعة من الأمراض يجمع بينها عرض العقل، فعلينا أن نفكر يرّمعين مخيف، هو الأكثر تدميرا مما سواه. إذا كنا مهتمين بتغ كذلك في خسارته - التي لا تسببها أنشطة الشاشة الطائشة فقط، بل التي تحدث بصفة مستديمة بسبب أمراض الدماغ أو الخرف « العصبونية تكمن وراء الارتباك وفقدان الذاكرة اللذين يميزان أمراضا مثل داء الزهايمر. بحلول المملكةِ المتحدة وحدها منتصف القرن الحادي والعشرين، سيعاني مليونا شخص في من داء ألزهايمر، وهو عدد يمثل نحو من يحبونك في تلك الحياة. ولنسهل العملية الحسابية التالية، لنفترض أنهم عشرة أشخاص؛ هذا يعني أن عشرين مليون شخص سوف تنقلب حياتهم رأسا على عقب، أي ثلث سكان بريطانيا. تشير التقديرات إلى أن العددِ كل العالم كانوا مصابين بالخرف في عام فسيبلغ عددهم نحو 5(2050 اقتصادي أكثر تكلفة للمجتمع من أمراض القلب والسرطان
عدد الصفحات ٢٦٨277 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة يمثل الخرف مرضا قاسيا بصفة استثنائية، لما يسببه من دمار لمثل هذا العدد الكبير من الأرواح. وعلى رغم أن أمراض القلب أو السرطان، مثلا، قد تكون أمراضا مهدّدة للحياة، فإن مرضاهما يحتفظون بشخصياتهم كما هي؛ مدركين كونهم أزواجا أو زوجات، أو آباء أو أمهات، أو إخوة أو أخوات؛ ولذلك يحتفظون بعلاقتهم يُفضي الخرف إلى خسائر الهادفة معك على رغم مرضهم. أما الخرف فمختلف قاسية لما يسببه من فقدان بطيء ومستمر للخلايا الدماغية، وبالتالي يمكن للرعاية أن تسبب معاناة لا توصف حين ينكر زوج مريض أو أم مريضة أي علاقات. يمكن قتِل بالفعل. غالبا للشعور بالخسارة حينها أن يكون مؤلما كأن المريض قد مات أو مقدمو الرعاية كل مراحل الفقدان وعلاماته، ولكن من دون تلقي مراعاة ِما يقاس المجتمع وتسامحِه اللذين يمنحهما لمن يعانون خسارة شخصية. ولا يتوافر حاليا أي علاج لسلسلة الاضطرابات العصبية التنكسية التي يتسم ضْ – ولنأمل - أن يتمكن شخص ما عاجلا أو آجلا من بها الخرف إتاحة إنجاز كهذا. تخيّل ذهابك إلى طبيب الرعاية الصحية الأولية الخاص بك لتجري تحليل دم روتينيا، لفحص مستويات الكوليسترول مثلا، فينظر الطبيب بهدوء إلى عينيك مباشرة قائ هو أن دمك يظهر واسمات بيولوجية مرتفعة على وجود تنكس عصبي. ووفقا للجدول البياني المنشور هنا، فهذا يعني أنه في حالتك هذه ستظهر عليك أعراض كرِ الاسم معينة في غضون عامين، منها: تعثر في ذاكرة المدى القصير، وصعوبة في تذ الصحيح لشيء يومي معتاد. أما الخبر السار؛ فهو وجود دواء فموي سيوقف من الآن فصاعدا موت خلايا دماغك. لذا فلتتناول هذه الأقراص يوميا. ستحتاج لِها يوميا من الآن فصاعدا. ولن تعاني أي أعراض مادمت تتناولها، لأنها إلى تناو توقف عملية التنكس العصبي في مساراتها السيناريو- الذي يتضمن تحليل الدم روتينيا وتناول علاج يومي- واقعا فعليا بدلا من كونه ضربا من الخيال. لانزال تنقصنا بعض المعلومات الحاسمة فيما يتعلق بالسبب الذي يجعل خلايا معينة في الدماغ تبدأ دورة موت الخلايا، المعروفة . إن تحديد هذه الآلية الأساسية المتسببة في داء ألزهايمر باسم التنكس العصبي وما يتعلق به من أمراض سيكون بمنزلة الكأس المقدسة التي ستقود إلى التشخيصِ
عدد الصفحات ٢٦٩278 تغيّر العقل الوثيقِ (وقبل ظهور الأعراض) والعلاجاتِ البالغة الأهمية التي ستمنع موت أي مزيد من الخلايا. لذا فلنفترض تحقّق هذا الأمل الرائع وانضمام الخرف في نهاية المطاف إلى غيره من أمراض الماضي، التي كانت، أو بَدَتْ، كحكم بالإعدام، ثم أصبحت الآن قابلة للاحتواء بفضل الإستراتيجيات الطبية الحديثة. وبحلول النصف الثاني من هذا القرن، سيتطلع كثير منا نحو حياة طويلة مفعمة بالصحة. وسنبدو أكثر شبابا نتيجة لكوننا أكثر صحة، وسنكون قادرين على التناسل فترة أطول بكثير؛ وربما طوال عمرِنا كله في نهاية المطاف. وبتقدمِ التقنيات أكثر فأكثر، قد يصبح اعتياديا أن تجمد المرأة بويضاتِها في عنفوان سِن إنجابها، لتذاب فيما بعد – ربما حتى لو كان طمثها قد انقطع- وتصبح قادرة على الإنجاب، وإن كان ذلك عن طريق التخصيب لنشطحْ في خيالنا إلى أبعد حد. على رغم أنه قد يبدو أمرا غير مستساغ في المختبر. و وبعيد المنال، فليس بعيدا عن التوقع العلمي المنطقي أن يكون بمقدرة أي شخص في المستقبل - مهما كان جنسه أو عمره أو توجهه الجنسي - أن ينجب طفلا مع أي شخص آخر. إذا أمكن استخلاص المادة الوراثية من أي خلية في الجسم، ومزج مادةِ شخص آخر، فلن نحتاج بعد ذلك إلى الحيوانات المنوية نصفها مع نصفِ أو البويضات يوفرهما شخصان مختلفان. ولذلك، مبدئيا، يمكن للطفل أن يكون له ستة آباء: مانحي المادة الوراثية، ومانحة البويضة، ومانحة الرحم، والأبوان اللذان سيربيان الطفل. النقطة الرئيسة هي أنه سيمكنك بطريقة أو بأخرى أن تصبح أبا جديدا يرعى طفلا صغيرا طوال فترة البلوغ. جرِ متوافرا خارج المنزل، وأخيرا، لنتحدثْ عن العمل. عادة ما كان العمل ذو الأ وغالبا ما كان يستلزم لياقة بدنية. أما الآن، فقد أتاح اقتصاد المعرفة وعالم الإنترنت العمل من داخل المنزل، ولم تعدْ القوة البدنية ضرورية، وأصبح هناك جدل دائر ومستمر ضد وجودِ سن محددة للتقاعد؛ وهذا بالفعل شأن العديد من المنظمات والجمعيات حاليا. وقد نجعل للقضية وزنا إذا دعمناها بفكرة أفضلية تحفيز الدماغ بدلا من الانفصال السلبي عن العالم الخارجي، وحينها سيشيع في المجتمع أن العمل كانتْ لدينا زيادة في نسبة المسنين ذوي الذكاء مفيد للدماغ. ويكفي القول بأنه إذا
عدد الصفحات ٢٧٠279 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة ، فحينها سيكون التقاعد لِلعب الغولف والسودوكو هو الاستثناء ينْوالصحة العقليـ وليس القاعدة حين تقابل شخصا للمرة الأولى، فعادة ما تُلحِقه - لاشعوريا - بجيل معين بِناء ع 4( الحيوية حاليا تحدث وفقا للاستنتاجات المنطقية في نواحي حياتِنا الأربع الحاسمة المذكورة أعلاه، فلن يكون التقسيم إلى جيل أو الآخر أمرا سهلا. تتغير أمور كثيرة في العالم من حولنا؛ بعضها في عالمنا الواقعي المادي العتيق ذي الأبعاد الثلاثة، وغيرها في العالم الإلكتروني ذي البعدين. تخيل الآن ما سيحدث لو دمجنا معا. ماذا لو أمكن للتقنياتِ الرقميةِ التي كانت سابقا حبيسة الشاشة ينْالعالم أن تؤثر في طريقةِ إدراكِنا للعالم الواقعي؟ لا يريد أحد حاليا أن يظل مقيدا إلى لوحةِ مفاتيح عتيقة وشاشة منفصلة ثقيلة. إن الهواتف الذكية ليستْ بالفعل سوى حواسيب محمولة اتُّفق امتلاكها لخاصية الاتصال الهاتفي؛ وهناك تفضيل متزايد للهواتف المحمولة بدلا من الحواسيب المحمولة، لما فيها من جميع أنواع التطبيقات وألعاب الفيديو. وسيكون الجيل القادم من الهواتف الذكية مدركا للسياق، مستغلا في ذلك التوافر المتزايد لأجهزة الاستشعار المادية وقدراتِ تبادل ع الهواتف في متابعةِ بياناتِك الشخصية، وستتكيف شرْالبيانات. ونتيجة لذلك، ست بِناء على أهدافِك وموْقِعك لتتوقع ما تحتاجه من معلومات متابعته إياك، سيرصد هاتفك محيطك ليكشف المعلومات عن أي شيء أو أي مكان تشير بهاتفِك نحوه. تخيّل ما ستكون عليه الحياة إذا أمكن لخاصيةِ المراسلةِ الآمنة بالغةِ القيمة أن تصبح شفوية بدلا من كونها مكتوبة. سيمكـنك تسجيل رسائلِك من تجنّب حرج التواصلِ مع الشخصِ مباشرة - وعبر الهاتف كذلك - وصعوبته. ويمكن الوصول إلى تلك الرسائلِ بسرعة ويسر، كما هو حال الرسائل النصية حاليا. بل لن يلزمك حتى أن تكون متمكنا من القراءة والكتابة. سيخلق هذا الاختراع الجديد حاجزا بينك وبين بؤسِ التواصلِ البشري الفوري في عالمِ الواقع، وكذلك سينهي الاستياء المتزايد من تعقيدِ مهارات القراءة والكتابة. مرحبا بك في عالم نظارات غوغل
عدد الصفحات ٢٧١280 تغيّر العقل فيما يتعلق بالمظهر، فنظارة غوغل أشبه بنظارات عادية ذاتِ مستطيل أسود صغير مستقِر أعلى أحد الجانبين، وهو ما يُظهر لك المعلومات ويمكّنك من الولوج إلى الإنترنت من خلال أوامر صوتية بسيطة. سيمْكِنك قريبا تسجيل كل ما تشاهده من دون استخدام يديْك، ومشاركته مع الآخرين لحظيا. وكذلك سيمْكنك معرفة الاتجاهات، والاطلاع على أي شيء يتعلق بموقعك الحالي، وترجمة ما تتفوه به، ومعرفة معلومات عن أي مكان توجد فيه من دون أن تطلب ذلك صراحة. في الوقت الحاضر، لا بد من أن تتوقف دورات الألعاب وتصفّح الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في وقت ما. ودائما ما يمكنك إيقاف تشغيل جهازك، والعودة مجددا إلى العالم الواقعي. أما نظارات غوغل وغيرها من التقنيات، فستجعل تلك الأنشطة متاحة في كل لحظاتِ استيقاظِك. وكما يشيع الآن أن نرى من المارة من يضعون أسلاكا في آذانِهم ويحدثون أنفسهم - بينما كان ينظر إليهم فيما مضى باعتبارهم معتوهين - فمن المحتمل أن يتحوّل هؤلاء الأشخاص أنفسهم إلى أشخاص يرتدون نظارات بِلا إطار ولا تكاد تراها الأعين، ويعيشون في واقعِ نظاراتِ غوغل المعزّز الحالي للواقع، لذا فلا ينبغي الخلط بينها وبين الواقع الافتراضي الذي يستبدل عالما محاكى بالعالم الحقيقي. وبدلا من ذلك، يعتمد الواقع المعزز على النظرِ المستمر إلى البيئة الماديةِ في العالم الحقيقي، بحيث تعزز عناصرها بمدخلات حسية منتجة حاسوبيا، ومنها الصوت أو الفيديو أو الرسومات البيانية أو بيانات نظام تحديد 15()GPS(المواقع العالمي باستمرار على البيئة المحيطة في العالم الحقيقي وعلى ما تحتويه. )، لذا فربما أنت ٭من المخططِ أن تطرح نظارات غوغل في الأسواقِ العام تقرأ بالفعل هذا الكلام الآن ممسكا نظارتك الخاصة استعدادا لارتدائها مرة أخرى. عتمادِ الشامل لهذا الأسلوب الجديد في رؤية العالم وعموما، فالآثار المترتبة على الا آثار متنوعة بقدر شموليتها. ومن المتوقع لتلك الأجهزةِ القابلةِ للارتداء، كنظارةِ غوغل أو ساعة ) نظارات غوغل طُرحت في الأسواق الأمريكية وغيرها في العام ٭( كتابته
عدد الصفحات ٢٧٢281 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة غضونِ خمسِ سنوات، بعد أن تصِل مبيعاتها بحلول العام جهاز سنويا بعد أن تعتاد على الواقع المعزّز؛ تخيل كيف سيشق عليك أن تكون وحيدا من دونه، ومدى صعوبة التخلي عن هذا البعد الجديد وإيقاف تشغيله. وبالفعل، فإن معظم مالكي الهواتفِ الذكية متعلقون بها عاطفيا. وفي دراسة أمريكية أجريت في العام أضاعوا هواتفهم، بينما شعر وأعلن فقدانِ هواتفِهم، وهو ما يعرف الآن باسم كان هذا النوع من السلوك منتشرا بالفعل، فمن المثير أن نضيف إلى هذا النوع من الارتباطِ العاطفي الذي نعانيه أجهزة أخرى كثيفة الاندماج، تمدنا بترفيه أكثر وأجوبة أسرع، وكذلك تواصل اجتماعي أكثر صحية، وكل ذلك من دون توقف. يصعب إدراك كيف سيستوعب العقل البشري كم معلومات هائلا كهذا. فمع الحاجةِ إلى محاولة معرفة نظاراتِ غوغل، ستكون المعلومات أمام ناظريْك من دون الإجابة بنفسك. وبما أن محركاتِ البحثِ توفر الآن بالفعل خيارا أسرع من الإعمالِ الضروري الحتمي لعقلك وأسهل منه، فستكون حينها عرضة لإضعافِ عقلِك بدرجة غير ممكنة حتى في الوقت الراهن؛ حيث لايزال تصفح الهاتف أو الجهازِ اللوحي أو . فأنت لن تبقى حينها ينْالحاسوبِ المحمول يتطلب بعض الكتابة أو اللمسِ المسبق متحكما فيما تنظر إليه، بل الشاشة هي ما سيتحكم فيك. إن أكثر الخصائص فورية اللحظةِ الراهنة المحدثة باستمرار. في نظاراتِ غوغل هي التفاعل، حيث تركز على وسيوقِع هذا العالم الواقعي المتطور باستمرار المستخدمِين في شِباكِ حاضر مفرطِ التواصل. ولن يصبح هناك أي شيء خصوصي يمكن تذكّره أو توقـعه. فنظارات غوغل يمكن أن تكون بمنزلة ناقوس الموت الأخير للخصوصية، نهائيا كِ وعلى نحو حاسم. وقد كان أندرو بريطاني- أمريكي، وشكوكي مِهني، ومؤلف كتاب e Cult of the Amateur and Digital Vertigo( المسألة. إذ كتب
عدد الصفحات ٢٧٣282 تغيّر العقل بغرابة فيلم الأكبر للكاميرات في رواية جورج أورويل الآن مستقبل يتضمن شركاتِ بيانات لكن نظارات غوغل تفتح آفاقا جديدة تماما في الحرب الرقمية ضد الخصوصية. فهذه النظارات، التي صممت خصيصا لتسجّل كل ما نراه، تمثل نقلة تطورية في تاريخ البيانات، شبيهة بالانتقال من الدراجة إلى السيارة. وقد ينتهي هذا النوع من التحولاتِ الجذرية بالفعل إلى التدميرِ الكامل لخصوصيتنا الفردية في القرن الحادي والعشرين الرقمي. وبمجرد أن نرتدي أجهزة المراقبة هذه، فسنصبح كالجواسيس بالنسبةِ إلى كل شيء وكل شخص من حولنا ولذا فهذه سِمة جديدة حقا لمستقبل يبدو كأنه قادم مباشرة من كتب الخيال العلمي، حيث تتحرر فيه أخيرا هواجسِ مراقبةِ حياة الآخرين وبث كل لحظة من لحظاتِ وجودِنا، من لوحة مفاتيح وشاشة لمسية. وبدلا من ذلك، فأنت تتفاعل مباشرة مع جهاز رقمي: كأنه امتداد لجسدك. وبالنسبة إلى كين، فهو ليس قلقا فقط بشأن أخلاقية فقدان الخصوصية المحتمل وقانونيته، بل يشعر بالقلق أيضا بخصوص ما سيمثله لنا فقدان كهذا، باعتبارنا - كنا ولانزال حتى الآن - كائنات فردية مستقلة. عالمِ ربما يشعر مرتدو نظارات غوغل بأنهم مجبرون طوال الوقت على اختيار الإنترنت المفرط التواصل، خوفا من الإغفال والتخلف عن الركب. ونتائج ما يقومون به في كل دقيقة هي فقدانِ الخصوصية، كالمعتاد. لقد كانت الخصوصية ذات قيمة حتى الآن، لأنها كانت من هويتنا بمنزلةِ الوجهِ الآخر للعمْلة. نحن نعتبر أنفسنا كائنات فردية متصلة بالعالم الخارجي بالتأكيد، ولكنها في الوقت نفسه مستقلة عنه دائما. والإحساس بالخصوصية هو ما يفصل بين الاثنين. نحن لا نكشف خبايا أنفسنا؛ ليس لأنها تخجلنا وتشعرنا بالحرج، بل بالأحرى لأنه لا ينبغي للجميع أن ستقلالِ عن يعلموا ما نشعر به ونفكر فيه. وبِتمهلِنا سنحتفظ لأنفسِنا بإحساسِ الا العالم الخارجي، فالشفافية تخلق حدودا تحول بيننا وبين الانكشاف. ولهذا يُسدِل معظمنا الستائر ليلا، لنمنع الغرباء من استراق النظر إلى بيوتنا. نحن نتفاعل بالفعل
عدد الصفحات ٢٧٤