283 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة مع العالم الخارجي، ولكننا دائما ما نحدث أنفسنا، في حوار لا يعلمه سوانا. وبالتالي فدائما ما يكون هناك سرد داخلي؛ عملية تفكير مستمرة لا يعلمها سوانا، حياة سرية - حتى الآن. وإذا أصبحت محصورا في الحاضرِ محاولا إشباع مطالب العالم الخارجي باستمرار، فربما سيصعب الإبقاء على هذا السرد الداخلي. ستقِل أهمية وغاية شعورك السري بهويتِك رويدا رويدا بعد أن يتلاشى السياق الحيوي؛ أي الإطار المفاهيمي الداخلي حيث ترتبط الأحداث والعناصر والأشخاص بعضها ببعض وفقا لارتباطية إطارك تْه نظارات غوغل ما يكفي الداخلي الفريد. وقد لا يوفر الواقع الخارجي الذي أنشأ من الوقت والفرص لتطور تلك الذكريات الداخلية والأفكار السرية وازدهارها بالكامل. ولكن إذا كانت الخصوصية ضرورية للحفاظ على ذلك الوعي الداخلي، فإن انعدام هذه الحياة السرية بأي طريقة سيجعل الخصوصية أمرا بِلا مغزى. وفي المقابل، إذا كان مقدار ما تتلقاه مِن اهتمامِ الآخرين هو ما يحدد شخصيتك، فسيكون فقدان الخصوصية موضع ترحيب من أجل إتاحة الفرصة لتكوين هوية جديدة تماما؛ وهي هوية متصلة. ولننتقل إلى الخطوة التالية. ماذا لو كنا مندمجين مع العالم الخارجي طوال الوقت؟ ربما سيفضي هذا إلى نوع من الحياة تكون فيها الإثارة الثانوية الناتجة من نفسِها. تتأرجح التبليغ الشخصي وإبداءِ ردودِ الفعل وتلقيها أكثر أهمية من التجربةِ ؛ فهي متصلة بالعالم الإلكتروني لحظة تلو الأخرى وغارقة ينْهويتك الآن بين نقيض في إحساسِها بالأهمية الناتجة من التبليغ، ولكنها في الحقيقة ليست متصلة. لا تنتج الإثارة التي تستشعرها من الممارسة المباشرة الخام، بل من ردودِ أفعال الآخرين المتواصلة، وغيرِ المباشرة والمتأخرةِ بعض الشيء. إذا أصبحنا نعيش في عالم بات التواصل فيه وجها لوجهه أمرا مزعجا، وصار يحدّد شخصيتك، فستتغير كذلك معظم استحسان الجمهور الافتراضي هو ما العلاقات الشخصية. إن الفرد المعتاد على جمهور مكوّن من فيضا جماعيا من الوعي سيصعب عليه أن ينتقل إلى علاقة فردية طويلةِ الأمد تتسم من أكثر الدول تطورا ينْبالحصرية والخصوصية الكاملة. ومن المثير للاهتمام أن دولت من حيث التقنية والتفكير الجماعي (اليابان وكوريا الجنوبية) تواجهان حاليا مشاكل
عدد الصفحات ٢٧٥284 تغيّر العقل جسيمة في انخفاض معدل المواليد مع الآخرين - الذي يفضي إلى شراكات عميقة جادة - لا يعني بالضرورة انخفاضا مماثلا في الجنس؛ فاستنباط المغامرات الجنسية المدمجة حِسيا في ألعاب الفيديو وتطبيقها في الحياة الحقيقية قد يكون عملية سهلة نسبيا: سيكون الجنس حينها أكثر عفوية وأقل جِدية وعابرا للغاية بما ينطوي عليه - على صعيد الممارسة الفعلية - من مشاكل متعلقة بالثقة بالنفس، والثقة بالآخرين، وسرعة التأثر، قد يتغير كذلك فيصبح مكروها. ومرة أخرى: تشير اعدةِ بين البيانات في اليابان وكوريا الجنوبية إلى عدم وجودِ اهتمام بالجنسِ أو بالمو الأجيال الأصغر سِنا. ومما يلفت النظر أن ما يقرب من نصف النساء اليابانيات مِمن تتراوح أعمارهن بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين الجنسي، أو يكرهْنه وهناك أثر آخر من آثار التقنيات؛ والذي سيتمثل في التخلي عن نمطِ الحياة الإلكترونية الساكن. فمن الأمور الشائعة التي بدأنا نشهدها بالفعل أن الحياة خلف الشاشات قد تؤدي إلى نقصِ التحفيز؛ ليس فيما يتعلق بحاسة اللمس فقط، بل التذوق والشم كذلك، وهو ما يمكن بدوره أن يكون من عواملِ الإفراط المتزايد دوما في الأكل والشرب. فقد تضاعف انتشار السمنة في إنجلترا بنحو ثلاث مرات في السنوات الخمس والعشرين الماضية. إذ تظهِر آخر الإحصائياتِ الصحيةِ في إنجلترا أن ينْ في المائة من أطفالها (من سِن السنت السمنة أو زيادة الوزن في العام حتى الخامسة عشرة) كانوا زائدي الوزن، كما أن في المائة من الأطفال قد تجاوزوا حد السمنة. وعلى رغم تعدد الأسباب المعقدة السريعةِ لهذه الزيادة المخيفة، ومنها الأنظمة الغذائية الرديئة المملوءة بالوجباتِ الكثيفةِ السعرات والسكريات، فإن هناك سببا حاسما آخر وهو: قِلة ممارسة الرياضة البدنية، وهو ما يمكن ربْطه بالحياة المستهلكة جلوسا أمام الشاشات. ومن المؤكد أن التقنيات النقالة ستكون نافعة في هذا الصدد، بتقليلها للبدانة من خلال زيادة الحركة. ومن ناحية أخرى، فالحاجة إلى تحفيز حواس اللمس والتذوق والشم - التي لا تلبيها تلك التقنيات، وقد يكون نيلها من علاقة جسدية حميمة
عدد الصفحات ٢٧٦285 تغيّر العقل فيما وراء الشاشة أمرا محرجا - يمكن تلبيتها من خلال مزيد من الأكل، وهو ما سيعوض أي انخفاض في نسبة السمنة. وها أنت ذا؛ تتحرك بين الناس، وأنت غافل عنهم. تحمل في إحدى يديْك على الأقل شيئا صالحا للأكل بسهولة، وفي أذنيْك تدفق لا ينقطع من الموسيقى، أو من المحتمل أن تكون رسائل نصية مسجلة مسبقا، أو ربما معلومات عن الأماكن التي يمكنك فيها شراء أحدث السلع التي أظهرها سِجل تصفحك الشخصي المعدّ من ا على الشاشة ذات البعديْن، بل صرِأجلك خصوصا. لم يعدْ الفضاء الإلكتروني مقت تطور ليشمل الأبعاد الثلاثة، مغيـرا بذلك واقعنا. لقد بات عالمك أشبه بفقاعة؛ من خارجها يمر الناس من حولك، أما أنت فيحميك ذلك الحائل الشفاف الذي يحوي فضاءك الافتراضي الخاص.. بُعدك الجديد. بإمكانك لمس الأشياء وشمها، وكذلك سماعها ورؤيتها، لكنك لن تكون وحيدا مستقلا أبدا. فدائما ما ستسمع بأذنِك صوتا يعمل كوسيط - كأنه صديقك المفضل - لكنه في الوقت نفسه، وعلى نحو متناقض، حسبانِك أنك ستفقد يفصِل بينك وبين كل شخص أو شيء آخر يتواصل معك. ضعْ في إحساسك بماهيتِك وماضيك ومستقبلِك، ولن تعيش سوى لحظات مجزأة. ستكون في حالة مستمرة من الإثارة المفرطة طمعا في كل ما هو جديد ومحفّز - فتقييم حِسية بحتة - ومن ثم يصبح مملا بعد كل مدخول يكون (بالفعل) وفقا لمعايير حين. ستكون عرضة للتلاعب، سواء في كيفية رؤيتك العالم أو استجابتك له. ستكون انتظار استحسانِ الآخرين مثل طفل صغير؛ تمتثل وتطيع، بعد أن تكون قد اعتدْت وإعطاءه الأولوية. وسيمنحك التعبير شعورا بالامتنان، لأنك قد تكون حائرا بعض الشيء. وفي نهاية المطاف، لن يكون لديك إطار مفاهيمي يساعدك على استيعاب ما يحدث من حولك. يضاف إلى ذلك انطماس الذات، وانطماس العالم الخارجي بين الواقع والخيال. وبما أنك لم تعدْ تستخدم حواسك وأصبح صديقك المفضل الإلكتروني هو من يساعدك؛ فستنطمس حدود الواقع على نحو متزايد. وهذه هي الجِيلية المتناقضة وجدانيا التي سببها التقدم في مجال التقنية الحيوية. وربما الحال تكون الاختلافات القديمة الثلاثة التي شكلت بنى حياتِنا الأساسية - ذواتنا الداخلية الشخصية مقابل الآخرين في الخارج، والواقع مقابل الخيال، والطفل مقابل الآباء والأجداد - قد بدأتْ تتلاشى بالفعل.
عدد الصفحات ٢٧٧286 تغيّر العقل أتظن ذلك السيناريو متكلفا ومبالغا فيه؟ بالتأكيد. لكن أيا من هذه التطوراتِ المستقبليةِ ليس خيالا عِلميا، كالسفر عبر الزمن أو الآلات ذات الحركة الدائمة، فهذه التطورات بدأت تحدث الآن بالفعل. ستكون لهذه التقنيات ومثيلاتها تداعيات هائلة شاملة على سلوك الأجيال القادمة، والأهم من ذلك: على نهجِ تفكيرِهم خلال حياتهم الطويلة والصحية. وكما ذكرت، فالقضية الحاسمة التي تواجهنا هي قضية المفتقِرة إلى الأسئلة تحوّل. كيف أصبحنا نعقْلن، بل نزكي، تلك العاصفة التقنية الغنية بالأجوبة؟ بالنسبة إلى أولئك المولودين في النصف الثاني من القرن العشرين؛ عمارِنا، فقد رفعتْ التطورات المدهشة في المواردِ والصحة والثقافة من متوسطِ أ مقارنة بالمولودين قبلهم بنحو جيل أو أكثر. ونتيجة لذلك، أصبح لدى أكثرِ من مجال في العالم المتطور مزيد من الخيارات والامتيازات، ومزيد من الوقت يمْكِنهم فيه استكشاف إمكانياتهم بأكملها. فكيف لنا أن نضمن مستقبلا لا تثبط فيه التقنيات التفكير العميق والإبداع والإنجاز الحقيقي، بل تعززها على نحو فعال؟
عدد الصفحات ٢٧٨287 صنع الارتباطات عدْ بذاكرتك إلى عشرِ سنوات مضتْ، حينما لم يكن هناك فيسبوك أو تويتر، وحينما كانت موسوعة ويكيبيديا تحوي أقل من ألف مقال فقط، قبل أن يزيد عددها ويبلغ الأربعة ملايين ونصف المليون مقال المتاحة الآن. هل تخيل أي شخص في الثمانينيات أنه في غضون بضعة عقود سيحمل ستة مليارات شخص حول العالم هواتف نقالة، بينما لا يملك بعةِ مليارات شخص مرحاضا صالحا سوى أر فقط؟ ل. ب. هارت فيه بطريقة مختلفة. كيف سيبدو، إذن، عالم القرن الحادي والعشرين الجديد؟ والأهم، كيف نريده أن يكون؟ يسخر البعض من أي محاولة للتنبؤ بالمستقبل. ولكن ها نحن أدركنا متأخرا سخافة صنع الارتباطات « من المستوى الجزيئي إلى المستوى المجتمعي، بشأن كيفية تطور غِ البشري على مدى الأشهر الدما والسنوات، هو ما سيمكننا من مِن آثار تقيِيم ما للتقنياتِ الجديدةِ طويلةِ الأمدِ في طريقةِ تفكيرِ الفرد وشعورِه 20
عدد الصفحات ٢٧٩288 تغيّر العقل وسذاجة غطرسة الأجيالِ السابقة. من أكثر الأمثلة اقتباسا وتلفيقا ما ينسب إلى توماس ج. واطسون سيكون في العالم سوق لخمسةِ حواسيب في أحسن الأحوال عليه هذا من أن توقعاتِ النتائج طويلة الأمدِ بشأن اختراعات تقنية معينة ليستْ مؤكدة، فإن تطور المفاهيم العلمية الأساسية يمكنه أن يثير تساؤلات مثيرة للاهتمام بخصوص العالم الذي نخلقه. وعلى الرغم من احتمالِ عدم قدرتنا على التنبؤ بسلوكِ المستخدمين، فبإمكاننا التفكير مليا فيما ستقودنا التقنيات إليه، إذا ما استغللنا ايتِه خيالنا إلى أقصى حد. لقد تخيل جورج أورويل في رو المراقبة والتلاعب بالأفكار، ووُجد فيه لايزال هذا الكتاب فريدا من نوعه لما فيه مِن تشابه غريب مع عالمنا الآن. [« نشطتِه واحدة تلو الأخرى؟ لآلات ضخمة معقدة تستولي على أ هذا اقتباس من كتابات ريتشارد واتسون أو نيكولاس كار Rosen لكنه في الحقيقة اقتباس من مقالة نشرها عالم البيولوجيا اللامع ج. ب. هالدين Haldane هالدين مقالته تحت عنوان الميثولوجيا اليونانية - وأشار إليه باعتباره صانع المتاهة التي يسكنها وحش المينوتور Minotaur فبينما كنا لانزال نعاني ويلاتِ المجزرة الممكنة التي وقعت في الحرب العالمية الأولى، كان قد تنبأ هو بمستقبلِ العلم، ووصفه بأنه الإلهية مِن عقل وخيال مخيف فقط، بل عبر كذلك عن مخاوف يتردد صداها بين مخاوفِنا التي عرضناها الكيمياءِ في تغيير في الفصول السابقة. على الرغم من أن هالدين قد تنبأ باستمرارِ الحياة بما نخترعه بها من متفجرات وأصباغ ومخدرات، فإنه كذلك كان من تنبأ بحدوث تحولات كبيرة يفضي إليها تطبيق البيولوجيا (علم الأحياء). فبعْد أن بحث في حركة اليوجينيا
عدد الصفحات ٢٨٠289 صنع الارتباطات كان ذلك سيؤدي إلى وجودِ وقعتْ هذه التنبؤات بالفعل بعد ظهورِ التحري الجيني والمواعدة عبر الإنترنت، على الترتيب. وبالإضافة إلى تكهّن هالدين بقدرتنا على علاجِ العديد من الأمراض المعدِية، فقد توقع أيضا وجود نباتات وراثيا. بل ربما كان الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أنه تنبأ بالفعل بتطور التلقيح الاصطناعي والفصل الكامل بين الجنس والتناسل. ولِفرط ما كانتْ عليه تلك الأفكار من روْعة وإثارة للقلق؛ ألهمتْ الدوس هاكس « بأسوأ عواقب التلاعب الجيني. كما كان هالدين مصيبا على نحو غريب حين تنبأ يرجع فضله إلى فشل مفاجئ يرّبالعلاج باستعاضة الهرمونات في مادة كيميائية معينة ينتجها المبيض. وإذا تمكنا من عزل هذا الشيء وتصنيعه، فسنتمكن من إطالة شباب المرأة، وإتاحة الفرصة لها لتكبر في السن تدريجيا بمعدل المعدّلة للمزاج من بين تنبؤاته يماثل الرجل المتوسط نسيطر على عواطفنا بطرق أكثرِ مباشرة، بدلا من الصيام أو الجلد هاكسلي أيضا هذه الفكرة في كتابه؛ فالمواطنون في مدينته الفاسدة يتناولون حبوب أدرج هالدين « حتى الآن الحين الخاص بالمادة بحد ذاتها حلمِ علوم النانو)، ثم التي نراها في نظرية الكم، و نفسه وغيره من الكائنات الحية الطب الأحيائي)، بالإضافة إلى التساؤل الكبير بشأن كيفية توليدِ الدماغِ للتجارب الشخصانية الواعية، ذاتها مشكلةِ الحتميةِ البيولوجية بشأن الإرادة الحرة في العصر الرقمي.
عدد الصفحات ٢٨١290 تغيّر العقل يجب أن نعترف بأننا قد لا نستطيع التنبؤ بالتقنيات الدقيقة والمنتجاتِ الاستهلاكية المستقبلية؛ ولكن يمكننا أن نتحدث عن الفكرة العلمية الأساسية، كما هالدين وهاكسلي وأروريل، وأن نراقب تجلياتِها الحالية، ونتنبأ بمصيرِ تلك ينّب التقنيات وتأثيرِها المحتمل في وجود الإنسان، ومجتمعه، وطريقة تفكيره. ضربت في الفصول السابقة أمثلة من واقعنا الحالي، بيد أن السؤال الأهم على الإطلاق هو: إلى أين ستقودنا هذه التطورات الجديدة إذا كانت ستستمر هكذا بلا هوادة أو تركيز؟ أن نسير نِياما نحو المجهول، فخورين بعدم استعدادنا، آملين في الأفضل، لهو أفضل خياراتنا وأكثرها خطورة كذلك. وبإطلاقِنا العنان لخيالنا وتطلعِنا نحو آفاق أبْعد، فنحن نخاطر حقا بالتوهانِ في بحيرة من التكهنات، غير أن التفكير الاستباقي يوفر لنا تقييما حاسما لعالمِنا الحالي، ويضعنا في أفضل وضع ممكن لإعداد خطة لمستقبل أمثل. لطالما حوتْ الإنسانية علاقات انتهجت بالراحةِ التي يجلبها كل اختراعِ جديد فقد خافتْ أن يحرمنا هذا الاختراع من بعض خصالِنا الجوهرية. كان سقراط المسيح، قلِقا من أن تدمر الكتابة براعتنا العقلية. وهو ما يشبه على نحو غريب ذلك النقاش الذي أجريناه هنا بخصوص الإنترنت. فقد جادل بأن: الكتابة ستولد النسيان في نفوس المتعلمين؛ لأنهم لن يستخدموا ذاكراتهم، بل سيــتكِلون على الحروف الخارجية وينسون أنفسهم. إن ما اكتشفناه ليس وسيلة مساعِدة للذاكرة، بل للاستغراق في الذكريات. وما تمنح تلاميذك إياه ليس الحقيقة، بل ما يشبه الحقيقة فقط؛ سيسمعون الكثير ولن يتعلموا شيئا؛ سيبدون كـليي العلم، وهم لا يفقهون في العموم شيئا؛ سيصبحون رِفقة مملة، ترى فيهم حِكمة بلا واقعية وقد زادت هذه المخاوف بشكل كبير في مطلع القرن العشرين، حينما أصبح الاعتماد الشامل على الأتمتة - بجانب الكهرباء التي تديرها- قوة معترفا بها في حياتنا. قد تكون الحبكة الضمنية واضحة وقد تبدو رومانسية: فعلى الرغم مما تحققه الميكنة من فوائد، فإنها تحرمنا بطريقة أو بأخرى من ميزتنا - التي قد تكون غير ملموسة، ولكنها الأكثر أساسة - التي نعتز بها كجنس بشري، ألا وهي عواطفنا.
عدد الصفحات ٢٨٢291 صنع الارتباطات ومن الأمثلة المبكرة التي صورتْ خوفنا من أن تجردنا التقنية من إنسانيتنا؛ فيلم « يصور الخوف من الروبوت الذي لا يعرف الرحمة. وفي هذا الفيلم (وهو تحفة أسلوب ينْبصرية تجمع ب بِعيني فريدر يكتشف كيف يُعامَل العمال كالآلات. كما كانت قصيدة إدوين موير إحدى الرؤى القاتمة للمستقبل، إذ يصِف فيها أعقاب عالم دمرتْه التقنية، وكيف تبنّى الناجون أسلوب الحياة التقليدي القديم. يرفض المتحدثون العودة إلى ذلك العالمِ القديمِ السيئ الذي سرعان ما ابتلع ذراريه في بلعة واحدة كبيرة. تربض الجرارات حول حقولِنا، وفي المساء تبدو كوحوش بحرية رطبة، رابضة ومنتظرة. نهجرها حيث هي ونتركها لتصدأ: « وهناك سيناريو خيالي ثالث – والذي قد يكون أكثرها ألفة - تشكل فيه التقنية تهديدا للبشرية، ألا وهو الروبوت الكلاسيكي الذي عُرض في العام ، ينْعلى الكلام وتمييزه، وتمييز الوجه، ومعالجة اللغاتِ الطبيعية، وقراءة الشفت والتذوق الفني، والتفكير ولعب الشطرنج. والأكثر إثارة للقلق من كل تلك القدرات هو تفسير العواطف وإعادة إنتاجها. وفي نهاية المطاف، عندما بدأ رائد الفضاء ديف بدتْ بشرية مؤلمة، وبدأ يزيل وحداتِه واحدة تلو الأخرى، تحلل وعي هال بطريقة يسترجع أغاني طفولته: أنا خائف. أنا خائف يا ديف. ديف، إنني أفقد عقلي. يمكنني أن أشعر بذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. إنني أفقد عقلي. ليس هناك شك في ذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. أنا ... خائف. مساء الخير، أيها السادة. أنا الحاسوب هال
عدد الصفحات ٢٨٣292 تغيّر العقل لقد بدأت العمل في مصنع 1992 إذا وددْتم سماعها، يمكنني أنْ أغنيها لكم يمكن للسيناريو العكسي في الحياة الحقيقية أن يبعث القشعريرة في عظامنا: فليست هناك آلات كثيرة تحاول أن تصبح بشرية وتفشل في محاولاتها، لكن البشر بسعيِهِم إلى أن يكونوا آلات. في العام هم من يحاولون الهرب من ويلاتِ عواطفِهم 1959 الفتى ا إلى كائن شبه آلي كوسيلة للدفاعِ ضد العالم. وفي نهاية المقال، بعْد أن تعالج جوي بنجاح، صنع لافتة لموْكب يومِ الشهداء وكتب عليها شيء في هذا العا استرجع طبيعته البشرية ولكن أيمكن أن يكون هذا هو مصيرنا الذي نتجه نحوه؛ نحو مستقبل مؤتمت خالٍ مما نعتز به من صفات بشرية؟ إذا كانت مخاوف الأجيال السابقة من أن تصبح تْ من الحماسة تجاه تلك التقنيات، فيبدو أن التقنية مجردة من الإنسانية قد خفف المواطنين الرقميين لا يعانون مثل تلك الهواجس. يتمثل ملخص الفصول السابقة في اتِ التواصل الاجتماعي سوءا أنه يمكن للتواصل عبر الشبكاتِ الاجتماعية أن يزيد مهار وأن يقلل التعاطف بين الناس؛ فالهويات الشخصية ربما تكون قد تأسستْ خارجيا ستحسانِ الجمهوري. وهو مسلك يقود إلى وأصقِلتْ إلى حد الكمالِ بِناء على أولويةِ الا فن الأداء أكثر مما يقود إلى النمو الجسدي النشيط؛ فالممارسة المفرطة للألعاب قد تؤدي إلى مزيد من التهور، وإلى تقليص مدى الانتباه، وإلى تزايد التصرفات العدوانية؛ ويمكن للاعتماد الكثيف على محركاتِ البحثِ وتفضيل التصفح على البحث أن يزيد .ينْ من سرعة المعالجة العقلية، ولكن على حساب المعرفة والفهْم العميق ربما تبدو هذه الأمثلة ظالمة قليلا، فاقتضابها يختزل اختلافات معقدة بين الثقافات والأجيال والأفراد، ليحولها إلى رسوم كاريكاتورية مفرطة التبسيط، لكنها قد تكون مفيدة في تأملنا لما يمكن أن تقودنا إليه. ومن المثير للاهتمام أن ما ينشأ عن تلك القائمة ليس روبوتا قاسيا، بل عقلية بشرية متضخمة بكل ما فيها من ضعف
عدد الصفحات ٢٨٤293 صنع الارتباطات وهشاشة؛ فالمرء يتوق إلى الاهتمامِ باعتبارِه فردا متميزا، وفي الوقت نفسِه يحتاج إلى الشعورِ بالانتماءِ والاحتضانِ داخل هوية وعقلية جماعية. وعندما تتضخم المشاعر والعواطف ويبالَغ في تقدير قيمتها على نحو مستمر، فلا عجب إذن أن المواطنين الرقميين لا تستبد بهم المخاوف القديمة من أن تسلبنا المكننة بشريتنا. إذن فما هي بالضبط إشكالية ثقافة تستنفع من احتياجات بيولوجية متأصلة كهذه؟ تنشأ الإشكالية حين يبالَغ في تلك الميول الطبيعية كما لم يحدث من قبل، بفضل الطبيعة غير المسبوقة لنمطِ الحياةِ الرقمي. تتمثل حاجة الإنسانِ الأولى في أن ينظر إليه باعتبارِه فريدا من نوعه. وها قد رأينا كيف تتزايد النرجسية بسببِ مواقعِ التواصل الاجتماعي. وبالفعل فقد أشارت التقارير إلى أنه في الآونة الأخيرة زاد استخدام كلمة 17,000 الجسد، التي عادة ما تحد التواصل بين الأشخاص، ومع إمكانيةِ وصول غيرِ مسبوقة إلى مجتمع أكبر من أي مجموعةِ من الأصدقاء في الحياة الحقيقة؛ يمكن لغريزةِ حب التميز أن تخرج عن نطاق السيطرة، لتصبح هوسا. فالحياة عبر الإنترنت تتيح بسهولة وسائل غير مسبوقة لنيْلِ مكانة متميزة؛ ولأول مرة لا تقاس هذه المكانة بِناء على الممتلكات، أو المواهبِ، أو الوظيفة. ويمكن للتباهي المفرط بهذه المكانة، ذات السماتِ التقليدية المقبولةِ ثقافيا، أن يكون ضارا ومؤذيا من دون شك، وهو ما قاله أوليفر جيمس بشكل مقنِع في كتابِه المعنون جاذبيتِه وعددِ من يمكنه اجتذابهم من متابعين وأصدقاء. أضفْ إلى ذلك الفرصة غير المسبوقة لإخفاء الذات الحقيقية، وكذلك زيادة احتمالاتِ حرمانِ المرءِ من أن يشعر بالراحة في علاقات شخصية جادة. فقد أصبح الحل البديل هو اللـوْذ إلى عالمِ الشاشةِ الآمنِ سعيا وراء الاستحسان، من دون فعل شيء يذكر لاستحقاقه، بل من دون الوجودِ بالطريقة نفسِها التي يوجد بها الناس في العالم الحقيقي. أما الحاجة الإنسانية الثانية فتتمثل في أن يكون المرء مقبولا باعتباره فردا في القبيلة؛ أن يكون جزءا صغيرا ضمن هوية جماعية أكبر. وهنا أيضا يمكن للعالمِ الإلكتروني أن يلبي تلك الحاجة على نحو غير مسبوق؛ إذ يمكنك الانضمام إلى الآخرين
عدد الصفحات ٢٨٥294 تغيّر العقل من دون بذْلِ الجهد أو امتلاكِ المهارات التي تحتاجها في العالم الحقيقي لتنضم إلى جوقة للمنشدين أو إلى فريق لكرة قدم، بل لا يلزمك أن تبذل أي جهد بدني للتوجّه إلى مباراة كرة القدم لتصبح أحد المشجعين. ولكن في حينِ تفضي فِرق كرة القدم والجوقات إلى منتج ونهاية ملموسة، وكذلك تفعل أي عاهرة لعوب أو حفلات توديعِ العزوبية؛ فإن عالم الإنترنت لا حدود لوقتِه أو أرقامِه، ويفتقر إلى المسؤولية التي تجعلك تستعيد رشدك وتكتسب أي هوية جماعية، سواء كانت تلك هوية كتابِه جيدة أمْ لا. وقد ذكر برتراند راسل « chan لويليام غولدينغ على الإنترنت تلك المرأة التي هُددتْ بالاغتصاب على موقع تويتر، ولم يهددْها رجل مختل واحد؛ بل العديد من المتابعين. فما جريمتها؟ لقد اقترحت وضع صورة الكاتبة الشهيرة عالميا جين أوس جنيهات إسترلينية، نظرا إلى عدمِ وجودِ صورة امرأة على أي ورقة نقدية بريطانية، بمجرد أن نشأ احتجاج واسع النطاق، فشتْ في الناسِ عقلية غوغائية أما الجانب الثالث والأخير من الطبيعة الإنسانية، والذي يظهر أيضا في الفضاء الإلكتروني بصورة مبالغ فيها، فهو اندفاعيتنا، أي الرغبة في الإشباع الفوري. لقد رأينا لعابِ الفيديو الرئيس هو أن الأفعال فيها ليست لها عواقب أن سبب جاذبيةِ أ طويلة الأمدْ، لكن هذا ليس سوى غيْض من فيْضِ المتعة. فتلك المتعة الطاغية، التي لا تشعرنا بها الألعاب فحسب، بل مشاهدة اليوتيوب كذلك ونشر معلوماتِك الشخصية على الفيسبوك، تفوق أي نتائج طويلةِ المدى. وإرضاء لذلك، وعلى سبيل تقديمِ عذر بعد أي سلوك طائش أو فعل متهور، شاع استخدام مصطلحِ (لن تحيا سوى مرة واحدة)، باعتباره تبريرا أو توضيحا، بعْد أي توصيف لسلوك شائن أو متهور مث لأنفسنا المتع الحاضرة والإفراط الترفيهي لدى الأجيال السابقة هو أن الأولى يمكنك نيْلها في أحيان أكثر ووقتما شئت، بل يمكنك ذلك طوال الوقت إذا أردْت.
عدد الصفحات ٢٨٦295 صنع الارتباطات ربما يكون الفارق أن ثقافة الإنترنت تتيح لك تلبية الحاجات الإنسانيةِ الثلاث مجتمِعة، على نحو أكثر شموليـة وسهولة مِن أي وقت آخر في التاريخ البشري استرجعْ ذلك السيناريو المتخيّل، الذي عرضناه في الفصل التاسع عشر، بخصوصِ التقنياتِ النقالة. أولا، هناك استثارة حسية قوية للمدخلاتِ السمعيةِ البصريةِ التي ِفك عن التفكيرِ في المستقبِل أو الماضي، فأنتصرْ ت ستكون في الوقت نفسِه مفرِط التواصلِ بشكل متزايد، بواسطة نظارات غوغل مثلا، وبالتالي ستكون دائما فردا من القبيلة. ثالثا، ستكون بالنسبة إلى جمهورك الشخص الذي يصدر الأفعال وردود الأفعالِ باستمرار، وكذلك ستحتاج منهم إلى استجابات مستمرة، وستحيا بشكل متناقض حياة غير مباشرة، تارة في العالم الواقعي وأخرى في العالم الثانوي، ولكنك ستحياها في وضع متصل -بالإنترنت- ذي عرض مستمر، يجلب لك، إذا كنت وبالتالي، فبدلا من أن يثير العصر الرقمي، مثله كمثل التقنيات السابقة، المخاوف القديمة مِن أن يجردنا من إنسانيتنا، أو أن يحولنا التقدم العلمي التقني إلى كائنات نِصفِ آلية شبيهة بالجثث التي أعيدت إلى الحياة، أظن أن ما حدث هو العكس تماما. إن بعض أسوأ جوانبِ المبالغةِ في الإنسانية، أي الرغبة في الحصول على مكانة من دون النظر إلى المواهب، والعقلية الغوغائية، والتهور اللامبالي، قد طلِق لها العنان الآن في كل مكان مجهول عبر الفضاء الإلكتروني. ما الذي يمكننا، أو أ ينبغي علينا، فعله؟ في كتاب دوغلاس آدامز طلبتْ مجموعة من الكائناتِ شديدةِ الذكاء شاملةِ الأبعاد أن تتعلم الحاسوب الفائق الذي يدعىبرْ الجوهري للحياة وللكون ولكل شيء العميق ملايين سنة ونصف المليون سنة ليحسب الإجابة ويتحقق منها، والتي اتضح أنها ولكن لاحِظْ أن السؤال الجوهري نفسه ليس محددا هنا. وعلى الرغم من أن كثيرا التاريخِ قد عبروا عن أفكار طموحة نسبيا فيما يتعلق بمعنى الحياة، برْمن الناس ع فلايزالون يمثلون أقلية كانتْ تتميز بامتلاكِها أوقات فراغ تمكنها من مواصلةِ التفكيرِ بشأن أهميةِ ماهيتِهم وأهميةِ ما يفعلونه، في حين نال عدد أقل منهم فرصة التعبير
عدد الصفحات ٢٨٧296 تغيّر العقل عن أفكاره فيما يتعلق بالأدبِ، أو الموسيقى، أو الفن، أو العلوم. لكننا الآن على يحتمل أن يتميز بإتاحة الفرصة لنا لنعبر عن أنفسنا بشكل جماعي، صرْمشارفِ ع حيث يدرِك كل منا إمكانياتِه الفردية الحقيقية، ويطرح أسئلة كبرى ويقدم لها حلولا مبدعة ومثيرة. ولكن قبل أن نبالغ في حماسنا بشأن هذا المستقبل الوردي، علينا أولا أن نحدد أولوياتِنا، ونوع المجتمع الذي نرغب فيه، ونوع الصفات الفردية التي نقدرها. وتحقيقا لهذه الغاية، يمكن لوسائل الإعلام التقليدية - المطبوعة منها والمذاعة - أن تشرع في ذلك. حيث يمكنها الوصول إلى أوسع نطاق من جميع أنواع الناس، الشائعةِ فحسب؛ بالإضافة إلى أن عليها التزاما قانونيا بتحري الدقة، وليس المدونات على عكس هؤلاءِ المتشدقِين الموجودين في الفضاء الإلكتروني. كما أن الحوارات التفصيلية والمناظرات بين مجموعة من المتخصصين ستتيح لِكل فرد أكبر كما ممكنا من وجهاتِ النظرِ والتبصرات. وربما سيفكر أحدهم في إخراج فيلم. فمهما كان، ) هو ما نبّه الأغلبية الصامتة منا إلى مشكلةِ تغير المناخ. ٭كان أما الخطوة الثانية، فستكون جس نبضِ المجتمعات في جميع أنحاء العالم. سيكون مفيدا حقا أن نجري استطلاعات رسمية حول وجهاتِ نظرِ أصحابِ المصلحة، كالآباء والمعلمين، والأطباءِ النفسيين وعلماءِ الأعصاب، وكذلك المواطنون الرقميون أنفسهم. فكما علمْنا من الفصل الأول؛ فهذه الاستطلاعات المنشورة حتى الآن لم تزد على كونها مجرد أرقام، وإحصائيات، ورسوم بيانية بسيطة. ونحن الآن في حاجة إلى استطلاعات تتجاوز الإحصائيات الأولية لتسْتطلع آراء جميعِ قطاعاتِ العقل أسئلة قد تكون بمِثْل تعقيدِ وتنوع الأسئلةِ يرّالمجتمع. تكتنف موضوع تغ المحيطةِ بـتغيرِ المناخ. لكن الفارق بينهما هو أن الناس قد يفضلون ألا تزيد حرارة العقل؛ فقد تختلف بشأنه نتائج الاستطلاعات يرّالكوكب، أما فيما يتعلق بتغ الممْكنة والمنشودة، تِبعا لاختلاف الأذواق والميول، وبالتالي نحن بحاجة إلى أنْ نأخذ في اعتبارنا جميع وجهاتِ النظر الموجودة. An Inconvenient Truth )٭( بالعنوان نفسه، من تأليف النائب السابق لرئيس الولايات المتحدة آل غور
عدد الصفحات ٢٨٨297 صنع الارتباطات أما المشكلة الرئيسة الأخرى فهي شائكة وتتعلق بالأدلة؛ فعلى الرغم من أن ما أجري من تجارب مختبرية محددة قد صُمم للإجابة عن تساؤلات محددة، الخاص والعام، من ينْفإننا لانزال بحاجة إلى مزيد من الأموالِ والموارد من القطاع أجلِ إجراء مزيد من البحوثِ المختبرية، والدراساتِ الوبائية، والمقاربات النفسية والاجتماعية؛ وهو ما يمثل الخطوة الثالثة. وكما عملنا في الفصول السابقة، يمكن جوبةِ التي للمنهج العلمي أن يكون شائكا، إذْ تصبح الأسئلة المطروحة أكثر من الأ تقدمها النتائج. لانزال بحاجة إلى مزيد من التوضيحِ والتفصيل، وإلى مزيد من البيانات بكل بساطة. إن البحث على جميع المستويات، من المستوى الجزيئي إلى غِ البشري على مدى الأشهر والسنوات، المستوى المجتمعي، بشأن كيفية تطور الدما هو ما سيمكننا من تقيِيم ما للتقنياتِ الجديدةِ مِن آثار طويلةِ الأمدِ في طريقةِ تفكيرِ الفرد وشعورِه. وكلما طال انتظارنا قبْل بدءِ هذا النوع من الأبحاث، قلتْ خياراتنا وفرصنا التي قد نملكها في المستقبل. لا بد أن نبدأ مِن الآن. وكذلك لا يوجد في النقاش الذي طرحناه سبب يمنع التقنياتِ مِن أن تكون جزءا من الحل. أما الخطوة الرابعة فستتمثل في اختراع برمجيات جديدة تماما تعوض أي قصور قد ينجم عن الإفراطِ في الوجودِ أمام الشاشات وتوازِنه من المؤكد أن هذه الخطوات الأربع لا تعد خطوات من الأساس، إذ لا تتوقف فيها خطوة على الخطوات الأخرى. وبدلا من ذلك، يمكن اعتبارها استراتيجيات ميِنكِن مختلفة قابلة للتطبيق في الوقتِ نفسِه. وسنكرر اقتباس هنري لويس Mencken ينطبقْ هذا القول على شيء قدر انطباقِه على الموقفِ المعقد الذي أحدثتْه ثقافة الإنترنت الواسعة الانتشار في القرن الحادي والعشرين. تلخص الأمثلة الموضحة في العقل، ظاهرة مشابهة لظاهرةِ تغير يرّهذه الصفحات، والتي تشكل في مجموعها تغ . وفيما يتعلق بما نناقشه بشأن ظاهرتيْينْ المناخ، لما لها من حجم وتأثير هائل العقليرّالمناخ العقل؛ لا توجد يرّولكن لايزال هناك فرق آخر حاسم تماما. ففيما يتعلق بتغ إجابة بحد ذاتِها، لأنه لا يوجد سؤال أو هدف واضح. وخلافا للمِنهاجِ البين المخصصِ العقل يعتمد على ما يريده كل مِنا والمطافِ الذي نريد أن يرّلتغير المناخ، فإن تغ
عدد الصفحات ٢٨٩298 تغيّر العقل ننتهي إليه كأفراد. وعلاوة على ذلك، تشتمل قضية تغير المناخ في أحسنِ الأحوال يرّ العقل. ففي حالة تغ يرّعلى حصر للأضرار، لكن الشيء نفسه لا ينطبق على تغ العقل، لدينا الفرصة لنستفيد بإيجابية من تقنياتِها القوية، ولأجْلِ غايات جديدة، وإن لم تحددْ بعْد. ومِما قاله عالم المستقبلياتِ الراحل جيم مارتن لمْ نرغبْ حقا في معرفةِ ما سيحدث في المستقبل، وأردْنا بدلا من ذلك أن نصنع هذا المستقبل استباقيا، فلا ينبغي لنا أن نتوقع إجابات مانوية سريعة، أو شعارات أو بيانات قصيرة، أو معتقدات جماعية سهلة. لا يمكننا التنبؤ بما سيظهر من تقنيات جديدة عجيبة، ولا التنبؤ بمدى تطور التقنيات الموجودةِ حاليا جهاتِ العاقلة - ومنها التقنيات النقالة - ولا بمعدلِ تقدمها. ولكن يمكننا احتذاء التو لهالدين وراسل وهاكسلي وأورويل، فيما يتعلق بكيف سنتأقلم - نحن البشر- مع تلك التقنيات، وكيف ستغير التقنيات طريقة رؤيتِنا للعالم. قد يمثل موضوع الارتباطية نهاية جيدة لرحلةِ نقاشِنا الحالية. نحن نعلم أنه من خلال توصيل العصبونات في ترتيب فريد من نوعِه، يكتسب الدماغ المادي طابعه الشخصي ويشكّل عقلا فرديا. وفيما يتعلق بالاتصال الشخصي بين البشرِ وأشياء بعينها؛ فهذه الاتصالات هي ما يضفي على هؤلاء البشرِ وتلك الأشياءِ أهمية خاصة. إن خبراتِنا التي نكتسبها مع مرورِ الوقت هي ما يمنح كلا مِنا أحداثا ذات مغزى، تسهم بدورِها في السرد الخطي - قصة شخصية شديدة الانفتاحِ، والتي تردد صدى عمليةِ التفكيرِ نفسِها. ولكن بما أننا أصبحْنا مفرِطي التواصلِ على نحو متزايد في الفضاء الإلكتروني، فهل يحتمل ألا تظهر بيئتنا العالمية أثر الشبكات أو تعكسه على دماغِنا المادي الفردي؟ وكما تتيح ارتباطية العصبونات توليد تعبيراتِ العقلِ البشري الفريدِ وتطويرها، فإن الارتباطية المفرطة في الفضاءِ الإلكتروني يمكِنها أن تصبح عاملا قويا في تغيِير هذا العقل، سواء أكان تغييرا للأفضل أم للأسوأ. إن معرفة ما قد تعنِيه تلك الارتباطية، وحسم ما سنفعله حيالها، سيكون بالتأكيد أكبر تحدياتِ عصرِنا وأكثرها إثارة.
عدد الصفحات ٢٩٠