المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تلخيص تسهيل المقاصد لزوار المساجد للعلامة الفقيه كمال الدين بن أبي شريف المقدسي الشافعي

الشيخ نشأت كمال

صفحة ٥ من ١٩

65 صرَّح به ابن الصباغ والمتولي (1) والرافعي وغيرهم سجد، لأن الماء يفسدها، وأما الوضوء في ويحرم الوضوء على حُصر الم الإناء في المسجد فلا منع منه، وما أظن أحدًا يقول بكراهته. *** كراهة أكل الثوم والبصل والكراث وما له ريح كريهة وقد ذكر ابن العماد أكله خارج المسجد وبقيت عليه رائحته دخولُ في المسجد، وأنه يكره لمن المسجد من غير ضرورة، وأن ذلك عُذْرٌ في التخلف عن الجمعة والجماعة. »(2): ويكره أكل الثوم والبصل يوم الجمعة يعني قبل الجمعة. قاط الجمعة لم يجز على وينبغي أن يُفصَّلَ، فيقال: إنْ أكله على نية إس الأصح، كما لو سافر قبل الزوال، ويخالف ما [9/أ لو سافر بقصد القصر والفطر في رمضان، فإنه يستبيحُهُما. والفرقُ أن تلك رخصةٌ متعلقة بالسفر المباح، وقد وُج د، ونيتُه لا تؤثر في منعه مما أباح الله وضوء، وأن يصلي له كما لو نذر أن يمسحَ جميعَ رأس ه في ال النافلة من قيام، فإنه لا يصح نَذْرُهُ على قول الأكثرين لما فيه من إبطال رُخصة الشرع والتضييق على نفس ه ، فكذلك هنا لا يكون سفرهُ لأجل القصر (1) المتولي هو: العلامة شيخ الشافعية، أبو سعد، عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري المتولي، توفي في شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في بغداد. انظر : وفيات الأعيان (3 /133)، طبقات السبكي5 /106)، والسير18/585.) (2) «الإقناع في الفقه الشافعي»(ص52) للماوردي

عدد الصفحات ٦٦

66 مؤثرًا في إسقاط الرخصة، والرخصة إنما تسقُطُ بالمعصية وأما أكلُ الثوم والبصل فليس إسقاط الجمعة فيه والجماعة من قبيل الرخص في الحقيقة، وإن عدَّها جماعةٌ في جملة الرخص ؛ لأن أكل الثوم والبصل جنايةٌ أوجبتْ لفاع ل ها البُعْدَ عن المسجد لتأذِّي الناس والملائكة بريحه، فإسقاط الجماعة عنه ليس ر فْقًا به، وإنما هو ر فْقٌ بغيره، وليس هذا شأن الرخص. وإذا كان أكْلُ الثوم والبصل جنايةً توجبُ البُعْدَ عن المسجد ناسب أن لا يجوز أكْلُهُ على نية إحباط الجمعة. وإن أكله للشهوة أو للحاجة إليه لم يحرم كما لا يحرم عليه الاشْت غَالُ بأكل الطعام الذي تتوقُ إليه نفسُهُ ويترك الجماعة، وقد كان ابن عمر يأكلُ والناس يصلون في ال مغرب(1). وكذلك الحكْمُ في تعاطي الأشياء المُسْق طة للجمعة كغسل [9/ب الثوب الذي لا يجدُ غيره، والاشتغال بالطبخ والعجين والخبز الذي إذا شَرَعَ فيه لا يمك نُهُ إدراكَ الجمعة. ولو أمكنه إزالةُ ريح الثوم أو البصل ونحو ه بدواءٍ كسواكٍ وأكْل شعيرٍ ونحوه مما يقطع رائحتَهُ فينبغي وجوبُه لحضور الجمعة كما يجبُ كراءُ الدابة على من لا يقدر على المشي إلى الجمعة. قال بعضُ مشايخنا: والأبخرُ، ومن به صُنان مستحكمٌ حكْمُهُ حكْمُ أكل (1) علقه البخاري في صحيحه كتاب الأذان/ باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، قال وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء.

عدد الصفحات ٦٧

67 الثوم والبصل وأَوْلَى، لأن ريحه أفحش من أكل الثوم وعن عمر ت وهي مجذومةٌ فقال: يا أمة أنه رأى جارية تطوفُ بالبي الله،لو جلست في بيتك لا تؤذي الناس، فتركت الطواف، وقعدتْ في بيتها، فلما مات عمر قيل لها: إن الذي نهاك قد مات، فاخرجي فطوفي، فقالت: ما كنتُ لأطيعه حيًّا وأعصيه ميتًا. »(1)، وبه صرح المالكية: أن مَن ابتُلي با لجذام والبرص وهو من سكان المدارس والرباطات أُزعج وأُخْرج لقوله ﷺ: « لً ي ورَد ذو عاهةٍ على م ص ح »(2) رواه مسلم، وقولهﷺ: «ف رَّ من المجذوم فرارَك (1) في«مجموع الفتاوى»24/284- 285) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهالله عن رجل مبتلى سكن في دار بين قوم أصحاء، فقال بعضهم: لا يمكننا مجاورتك، ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء، فهل يجوز إخراجه. فأجاب: نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء، فإن النبى ﷺ قال: «لا يورد ممرض على مصح »فنهى صاحب الإبل المراض أن يوردها على صاحب الإبل الصحاح مع قوله «لا عدوى ولا طيرة»وكذلك روي أنه لما قدم مجذوم ليبايعه أرسل إليه بالبيعة ولم يأذن له في دخول المدينة. (2) «صحيح مسلم»2221) عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى »ويحدث أن رسول الله ﷺ قال: «لا يورد ممرض على مصح»قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسولالله ﷺ ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح قال: فقال الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هري رة: قد كنتُ أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى »فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: «لا يورد ممرض على مصح »فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة قلت: أبيت. قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى»فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر..

عدد الصفحات ٦٨

68 من الأسد»(1) . وأتاه مجذومٌ ليبايعه، فقال «أم س ك يدك فقد بايعت ك »(2). ثم نقل ابن العماد عن العلائي(3) [10/أ في «القواعد»(1) كلامه في حضانة (1) حديث صحيح علقه البخاري كما في الفتح ( 10/158 – 159) رقم 5707) ولم يوصله البخاري موضع آخر. وخرجه أحمد في «المسند»2/443) وابن أبي شيبة«كتاب الأدب»179) والطبري في «تهذيب الآثار/ مسند علي»38) عن وكيع قال: ثنا النهاس عن شيخ بمكة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «فر من المجذوم فرارك من الأسد» وهذا إسناد ضعيف، لجهالة هذا الشيخ الذي حدث عن أبي هريرة. ولكن خرجه البيهقي (7/135) من طريق عمرو بن مرزوق، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ« :لا عدوى ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد»أو قال«من الأسود» وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وهو العمدة في تصحيح هذا الحديث. ورواه محمد بن عبدالله - ويقال: ابن حسن - عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف منكر.. راجع «ذخيرة الحفاظ»3608.) ورواه محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال البخاري: لا يكاد يتابع في حديثه. وقد رواه عن أبي أويس، عن ابي الزناد، عن أبيه، عن مشايخه من أهل الصلاح حدثوه عمن أدرك النبي بمثله. قال البخاري: وهذا بانقطاعه أصح. راجع «ذخيرة الحفاظ»6225.) وخرجه عبد الرزاق«المصنف»19508) عن معمر عن أيوب وخالد بن أبي قلابة أن النبي ﷺ قال: «فروا من المجذوم فراركم من الأسد» وإسناد ضعيف لإرساله (2 )حديث صحيح خرجه مسلم (2231) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ« :إنا قد بايعناك» (3) العلائي: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله، توفي س نة ( 761 )

عدد الصفحات ٦٩

69 مَن بها بَرَصٌ أو جُذَامٌ ثم قال: وأما الحديث الوارد فيه أنه ﷺأكل مع مجذومٍ، وقال: ك ل ثقةا »(2) . بالقدس (1) «المجموع المذهب في قواعد المذهب»1/412.) (2) حديث ضعيف معلول خرجه أبو داود ( 3925) والترمذي 1817) وابن ماجه 3542) والحاكم 4/152 ) من طريق المفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: «كل بسمالله ثقةً بالله وتوكلاً عليه ». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة، والمفضل بن فضالة هذا شيخ بصري، والمفضل بن فضالة شيخ آخر بصري أوثق من ذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة أن ابن عمر أخذ هذا وأشهر، وقد روى شعبة ه بيد مجذوم وحديث شعبة أثبت عندي وأصح. انتهى. فالترمذي رحمه الله بين أنه حديث ضعيف غريب، وهو كذلك معلول برواية شعبة له موقوفًا على ابن عمر، فوهم المفضل بن فضالة ورواه مرفوعًا. وقد أخذ الترمذي ذلك عن ه أبي عبد شيخ الله البخاري. »563/ ترتيب القاضي) فقال حدثنا أحمد بن سعيد الأشقر وإبراهيم بن يعقوب قالا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا المفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول ﷺالله أدخلها معه في القصعة ثم قال: بسم أخذ بيد مجذوم ف الله ثقة بالله وتوكلاً عليه. سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن بريدة: أن عمر أخذ بيد مجذوم شيئًا من هذا، ولا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن والمفضل بن فضالة شيخ بصري روى عنه مسلم بن المفضل بن فضالة غير يونس بن محمد، إبراهيم وموسى بن إسماعيل. قال محمد: والمفضل بن فضالة المصري آخر. والفضيل بن فضالة اثنان أحدهما روى له شعبة والآخر أقدم منه يروي عن بعض أصحاب النبي ﷺ.

عدد الصفحات ٧٠

70 فقال الحليمي (1): إن المعنى؛ كُلْ وأنت واثق بحصول الشفاء لك ببركة المواكلة للنبي ﷺ(2). انتهى والحديث خرجه ابن حبان (6120) وقال: مفضل بن فضالة هذا هو أخو مبارك بن فضالة ليس بالمفضل بن فضالة القتباني وهما جميعا ثقتان. اهـ. قلت: حتى وإن كان المفضل ثقة، فقد خالفه شعبة، والصحيح رواية شعبة قطعًا. والحديث خرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية»1456) وقال: قال الدارقطني: تفرد به المفضل. قال يحيى: ليس المفضل بذاك . قال العقيلي: ولا يتابع عليه الا من طريق فيها لين. وقال ابن طاهر في «ذخيرة الحفاظ»1222) حديث: إن رسولالله ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في قصعته، فقال: كل، بسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه. رواه مفضل ابن فضالة: عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جا بر. هذا لا أعلم يرويه غيره. قال ابن عدي: ولم أر له حديثًا أنكر من هذا. وقال ابن معين: مفضل يروي عنه يونس بن محمد، ليس بذاك. (1) «المنهاج في شعب الإيمان»2/539 .) (2) قال الحافظ في «فتح الباري»10/159- 162:) قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر أن النبي ﷺ أكل مع مجذوم، وقال: «ثقة بالله وتوكلاً عليه » قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار؛ من المالكية. قال: والصحيح الذي عليه الأكثر، ويتعين المصير إليه: أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز اهـ. هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين. وحكى غيره قولاً ثالثًا، وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان: أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوي، وتزييف الأخبار الدالة على عكس

عدد الصفحات ٧١

71 ذلك،مثل حديث الباب، فأعلوه بالشذوذ. وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ، فكان قالت: وكان لي مولى به هذا الداء يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي. وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه، فيؤخذ الحكم من رواية غيره. وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة، بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك. وقد أخرجه ابن ماجة وسنده ضعيف ومثل حديث عبد الله أخرجه أبو نعيم في الطب بسند واه. ومثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني مر يقول نحوه، وهما أثران منقطعان.قيد رمح، ومن طريق خارجة بن زيد كان ع وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحًا في أن ذلك بسبب الجذام. والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممكن، فهو أولى. ن أبا هريرة بأ رجع عنه، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده. قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقًا، فالمصير إليها أولى، قالوا: وأما حديث جابر أن النبي ﷺكل ثقة بالله وتوكلاً لترمذي، وبين الاختلاف فيه على راويه، ورجح وقفه على عمر، ففيه نظر، وقد أخرجه ا وعلى تقدير؛ ثبوته فليس فيه أنه ﷺأكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة. قاله » والجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم عن عائشة وابن عمر ثبت من غير طريق أبي هريرة، فصح وسعد بن أبي وقاص وجابر وغيرهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولاً و الله أعلم. وفي طريق الجمع مسالك أخرى: أحدها نفى العدوى جملة وحمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوملأنه إذا

عدد الصفحات ٧٢

72 رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسر ته ونحوه حديث «لا تديموا النظر إلى المجذومين»فإنه محمول على هذا المعنى ثانيها حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين فحيث جاء «:لا عدوى »كان المخاطب بذلك من قوي يقينه، وصح توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها، وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة، وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء «فر من المجذوم»كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه، بأن لا يباشر ما يكون سببًا لاثباتها، وقريب من هذا كراهيته ﷺ الكي مع إذنه فيه، وقد فعل هو ﷺ كلا من الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين. ثالث المسالك قال القاضي أبو بكر الباقلاني إثبات ا لعدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى قال: فيكون معنى قوله: «لا عدوى»أي الا من الجذام والبرص والجرب مثلاً. قال: فكأنه قال لا يعدي شيء شيئًا إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى. رابعها أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء بل هو لأمر طبيعي، وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة. المسلك الخامس أن المراد بنفي العدوى أن شيئا لً يعدى بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله ، فأبطل النبي ﷺ اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم، ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه، ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئًا، وإن شاء أبقاها فأثرت. المسلك السادس العمل بنفي العدوى أصلاا ورأساا وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع. وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وتبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله «لا يورد

عدد الصفحات ٧٣

73 وعلى هذا فيمنع مَنْ به برصٌ أو جُذَام أو صُنان أو بَخَرٌ مستحكَمٌ من شهود الجمعة والجماعات. وقد كان الرجل في زمان النبي ﷺإذا وُج د منه ريحُ الثوم يُؤخَذُ بيده فيخرج إلى البقيع(1). وحدَهُ خلفَ الصفوف ، ولا يُمنع الغيرُ من الصلاة ولا يُمْنع من الصلاة معه، وللغير منْعُه من الوقوف معه، ويمنع المجذوم والأبرصُ من الشرب من السقايات المسَبَّلَة للشرب في المساج د وغيرها للحديث السابق. وحُكْمُ مَن رائحةُ ثيابه كريهة كثياب الزياتين والدباغين ونحوهم حُكْمُ ثوم.أكل ال وعن مالك (2) أن الزياتين يؤخَرَّون ولا يُقَدَّمُونَ إلى الصف الأول، بل يقفون في أُخريات الناس . ولو أَدْخَلَ معه المسج دَ ثومًا أو بصلاً في مكتلٍ أو خرقةٍ ونحوهما فإن إثبات العدوى بل لأن الصحاح لو مرضت بتقديرالله تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى، فيفتتن ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه.. قال: وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة. قال: وهذا شر ما حمل عليه الحديث، لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته. (1 )حديث صحيح خرجه مسلم (1528) عن عمر قال: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين؛ هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا. (2) «المدونة»2/504.)

عدد الصفحات ٧٤

74 كان لحاجةٍ لم يكره كما لو خاف عليه الضياع، وإن كان لغير حاجة وكانت له [10/ب رائحة تنتشر كُر ه لعدم الضرورة إليه، بخلاف أكْل الثوم . وإن أدخله ليتصدق به لم يكره، فقد روى الإمام أحمد في «المسند»أن أبا مرثد(1) دخل المسج دَ ومعه بَصَلٌ فقيل له: هذا ينتنُ عليك ثوبك، فقال والله إنه لم يكن عندي شيء في البيت أتصدق به غيره، وقد سمعتُ النبي ﷺ يقول: «المؤم ن في ظ لِّ صدقت ه » وكان أبو مرثد لا يأتي المسجدَ إلا ومعه شيء يتصدق به(2). *** وأما إدخال البهائ م المسجد ، فقال في «شرح المهذب »(3): قال المتولي وغيره: يُكره إدخال البهائ م والصبيان والمجانين الذي لا يميزون ال مسجد .. إلى آخر كلامه فيه. ثم ذكر إدخال الدابة ثم قال: ومحلُّ الجواز ما إذا أدخل الدابةَ لغير (1) أبو مرثد، اسمه كَنَّاز بتشديد النون وآخره زاي، ابن الحصين بن يربوع الغنوي، أ بو مرثد بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة، صحابي بدري مشهور بكنيته، مات سنة اثنتي عشرة من الهجرة. (2) حديث صحيح خرجه أحمد في «المسند»4/147) قال: ثنا علي بن إسحاق، أنا عبدالله بن مبارك، أنا حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يحدث أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس»أو قال «يحكم بين الناس»قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم الا تصدق فيه بشيء ولو كعكةً أو بصلةً أو كذا. (3) «شرح المهذب»2/192.)

عدد الصفحات ٧٥

75 الإقامة، فإن رَبَطها داخل المسج د وتركها زمنًا يُقطع بأنها تبول وتروثُ حَرُم ذلك بلا خلاف. ، وشرطُ الجواز أيضًا أن لا يكون ب خُفِّ الدابة نجاسةٌ رطبةٌ أو يابسةٌ وأرضُ المسجد رطبةٌ. واستدلالهم على الجواز بطواف النبي ﷺعلى بعيره (1)؛ نازع فيه بعضهم، وقال: إن من خصائصه ﷺ أنه كان إذا ركب دابة لا تبول ولا تروث وهو راك بُها [11/أ نُقل ذلك عن ابن إسحاق (2). وهذا قد يُشكل عليه ما ثبت أنه ﷺعا بماءٍ أُتي بصبيٍّ فبالَ على حجره، فد فنضحه(3). (1 )حديث صحيح خرجه البخاري (5293) عن عكرمة عن ابن عباس قال: طاف رسولالله ﷺ على بعيره، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه، وكبر. »1273) عن جابر بن عبدالله قال: طاف رسول ﷺالله بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه، ن الناس غشوه.فإ »1274) عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت: طاف النبى ﷺفى حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس. (2) قال الحافظ«الفتح»3/490:) وأما طواف النبيﷺ، ولذلك عده بعض من جمع راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه خصائصه فيها، واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له فلا يقاس غيره عليه. (3 )حديث صحيح خرجه مسلم (287) عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أم قيس بنت محصن

عدد الصفحات ٧٦

76 ومنع ذلك المالكيةُ (1) واستدلوا بذلك على طهارة بول البعير وما يؤكل لحمُه، وهو ضعيف (2)؛ لأنه على تقدير طهارته يجب تنزيه المسجد عنه لاستقذاره، ثم إنه منقوض بحمله ﷺ أُمامة في الصلاة (3)، وهي أسوأ حالاً من البعير في إرسال البول. ولو كانت الدابة نجسة العين كالكلب والخنزير(4) وما نزعه ع رْق منهما، لم يجز إدخاله المسجد كما لا يجوز إدخال الميتة فيه، ولأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب. ولو نزل الطير في المسجد الحرام حَرُمَ تنفيره، وإن عُلم أنه يبول فيه وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله وهى أخت عكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام. قال عبيد الله: أخبرتني أن ابنها ذاك بال في حجر رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلاً.. وخرجه مسلم كذلك من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن قالت: دخلت بابن لي على رسول الله ﷺ لم يأكل الطعام فبال عليه فدعا بماء فرشه. (1) «المدونة»2/492 – 493.) (2) مذهب الشافعية نجاسة بول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، وخالفهم الجمهور، فقالوا بطهارة بول وروث ما يؤكله لحمه، وقد بينت ذلك تفصيلاً في «شرح بداية المجتهد ونهاية المقتصد» يسرالله إتمامه. (3 )حديث صحيح خرجه البخاري (516) عن أبى قتادة الأنصارى: أن رسولالله ﷺ كان يصلى وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبى العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإ ذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. (4) في نجاسة الكلب والخنزير خلاف مشهور، وليس هذا محل بيانه، وقد تكلمت على ذلك في «شرح بداية المجتهد ونهاية المقتصد»يسرالله إتمامه.

عدد الصفحات ٧٧

77 ويذرقُ(1). مسجد الحرام ولا غيره من ولا يجب تنحيةُ أفرخه وإخراجها من ال المساجد، وإن عشَّشَ فيه جاز تركُهُ على بيض ه وفرخ ه ، وإن بال وذرق. ولا يجب تنفيره وإخراج فراخه كما قاله الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد(2) في«شرح مختصر ابن الحاجب»في الفروع فور، ولا وإذا حصل في المسجد بول آدمي أو بهيمة وجب إزالتُه على ال يجوز تأخيره كما سبق، ولا تجب إزالة النجاسة على الفور [11/ب إلا في هذه، وفيمن تعدَّى بتنجيس بدنه، أو وشم يده، أو تنجيس ثوب غيره، وإلا في الميت إذا خرجت منه نجاسة لوجوب المبادرة بدفنه. وكذلك من لم يتعدَّ بالتنجيس وضاق وقتُ الصلاة. جنابة على الفور إلا على الزاني ومَن خاف خروج ولا يجب غسْلُ ال الوقت أو كان في مسجدٍ واحتلم، ولم يتمكن من الخروج وعنده ماءٌ داخل المسجد. *** ولو كثر ذَرَقُ الطير في المسجد لم تجب إزالتُه ولا غَسْلُهُ وجازت الصلاةُ الأولين لم يأمروا بغَسْل ه ، وتركوه، كما قاله عليه؛ لأن البلوى تعمُّ، ولأن (1) ذرق الطائر: خرؤه، وذرق الطائر يذرق ويذرق ذرقًا وأذرق خذق بسلحه وذرق، وقد يستعار في السبع والثعلب. (لسان العرب 10/108.) (2) محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، توفي سنة702). راجع«تذكرةالحفاظ» (4/481.)

عدد الصفحات ٧٨

78 النووي«شرح المهذب »(1) والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (2) في«التذكرة في الخلاف »(3) والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد (4)؛ كلهم قالوا يُعْفَى عنه بالنسبة إلى المُصَلِّي. واستدل الحنفيةُ (5) بترك الأولين له في المسجد على طهارته، لأنه لو كان نجسًا لأمروا بغَسْل ه ولم يتركوه. وأجاب الشيخ أبو إسحاق (6) بأنهم إنما تركوه للمشقَّة ، لأنه كلما غُس ل عاد مثلُه. واستدل الشيخ تقي الدين(7) على طهارة ذَرَق الطير بإجماعهم على جواز اقتناء الحمام في المسجد. وهذا لا دليل فيه؛ لأن ذَرَقَ الطير مستقذر، وتنزيه المسجد عن المُسْتَقْذَرات الطاهرة [12/أ واجبٌ. والصوابُ التعليلُ بمشقة الاحتراز. وقال النوويُّ (8) «في المناسك» في المطاف : إذا كثر فيه ذَرَقُ الطير كما هو (1) «شرح المهذب»8 /15 – 17.) (2) إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي، توفي سنة476). راجع«طبقات الشافعية الكبرى»3/88.) (3) كتاب كبير في الخلاف، واسمه «تذكرة المسئولين»ذكره ابن قاضي شهبة«طبقات الشافعية»1/240.) (4) «إحكام الأحكام»1/67.) (5) «رد المحتار»1/379.) (6) يعني الشيرازي، وذلك«المهذب»1/102.) (7) «إحكام الأحكام»1/67.) (8) «شرح المهذب»8/15.)

عدد الصفحات ٧٩

79 الغالب، والمختارُ العفو ما لم يتعمد المشي عليه حينئذ فللطائ ف والمصلِّي ثلاثة أحوال:وهذا قيدٌ متعيَّنٌ، ف أحدها: أن يتقصَّد المشيَ على الذَرَق من غير حاجة ولا ضرورة، فلا تصح صلاتُهُ ولا طوافُهُ. الثاني: أن يتقصَّدَ المشيَ على المواض ع الطاهرة، وذلك غير واجبٍ للعُسْر عن الخشوع ، وإذا كان فله والمشقَّة ، بل الأَوْلَى ترْكُهُ لأنه يشغَلُ القلبَ الطوافُ والصلاةُ، وحينئذٍ فله المشي ورفْعُ بصر ه عن الأرض ولا يكلَّفُ التحرُّزُ. وقد صرَّح الرافعيُّ (1) بمثل ذلك في الماشي إذا صلى النافلة في السفر ، فذكر أنه إذا مشى في الطريق التي فيها نجاسةٌ لا يُكلَّفُ التحرُّز، بل له المشي من غير تحرُّزٍ. قال: ولو تعمَّد وطْءَ النجاسة بطلتْ صلاتُه. ونظيرُ ذلك لو عمَّ الجرادُ أرضَ الحرم ، فإنه يجوزُ المشي على عادته، ولو وطئ شيئًا فقتله لم يلزمه الكفارة، ولو تعمَّد الوطءَ عليه لزمُه الكفارةُ وأث مَ في (2). ر تحفُّظٍ، وقد سبق جوازُهُ.الحال الثالث: أن يمشيَ مع التغافل من غي *** (1) «فتح العزيز شرح الوجيز»5/212.) (2) كذا بالأصل

عدد الصفحات ٨٠

80 وأما البصاقُ في المسجد، فثبت «الصحيح»(1) وغيرهما عن أنسٍ أن رسول الله ﷺ [12/ب قال: «البصاق في المسج د خطيئةٌ، » . وفي رواية أبي داود (2) قال: قا ل رسول الله ﷺ: «التف ل في المسج د خطيئة(3) وكفارتُ ا أن تواريَه » . وفي روايةٍ لأحمد (4) أنه عليه الصلاة والسلام قال «البصاق في المسج د سيئةٌ ». وخرَّج أبو داود (5) عن بكر بن سوادةَ الجذامي(6) عن صالح بن حَيْوان عن (1) حديث صحيح متفق عليه: «صحيح البخاري»415) و«صحيح مسلم»1231.) (2) حديث صحيح خرجه أبو داود ( 474) من طريق هشام وشعبة وأبان عن قتادة عن أنس بن مالك الحديث. (3) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وإثباته لازم (4) حديث صحيح: خرجه أحمد في «مسنده»3/173): قال: ثنا حجاج قال: سمعت شعبة يحدث قال: قلت لقتادة: أسمعت أنساً يحدث عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «البصاق في المسجد خطيئة؟»قال نعم، وكفارته دفنه. (5 )حديث ضعيف خرجه أبو داود (481) وإسناده ضعيف، كما سيأ (6) بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي أو ثمامة المصري ثقة فقيه من الثالثة مات سنة بضع وعشرين.

عدد الصفحات ٨١