49 المسجد الحرام فلا يجوز تمكين هذا كله في غير المسجد الحرام، أما الكافر من اللبث فيه.. *** قال الشافعي المختصر»(1): ولا بأس أن يبيت الكافر المشرك في كل مسجدٍ إلا المسجدَ الحرام (2). قال الأصحاب(3): لا يُمكَّنُ الك افر من دخول حرم مكة، فإن دخل أُزعج وأُخرج إن عَل مَ أنه ممنوع. والكافرة كالكافر، والصبي الكافر يُحتمل إلحاقه بالبالغ، ويحتمل أن لا يُمنع كما لا يُمنع الصبي الجنب من حمل اللوح والمصحف، ولا فرق في مَنْع الدخول بين الذميِّ وغيره. وقال عمر بن عبد العزيز(4): لا يدخل ذمِّي المسجد الحرام ولا غيره من المساجد. وقال جابر بن عبد الله (5): لا يُمنع الكافر والعبد من دخول المسجد (1) «مختصر المز»(ص19.) (2) «الأم»1/46) و«المجموع شرح المهذب»2/174.) (3) «المجموع»2/198.) (4) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين من الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف. (5) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري ثم السلمي بفتحتين،
عدد الصفحات ٥٠50 الحرام(1). ولا يجوز الإذن للكافرة الحائض في دخول المسجد إلا أن تأمن التلويث، وكذا عند أمْن التلويث إن من عنا المسلمة الحائض من اللبث [5/أ . وقال في «الروضة» في«كتاب السير »(2): ولو استأذن الكافر في دخول المسجد للأكل أو النوم ينبغي أن لا يُؤذن له، وإن استأذن لسماع القرآن أو العلم أُذن له إن رُج ي إسلامُه. ولا يجوز للكافر أن يدخل الحرم مارًّا ولا ماكثًا كما ه و ظاهر إطلاقهم. ولو جلس القاضي فيه للحكم لم يكن للكافر الدخولُ، كما أن الحائض لا تدخل المسجد للدعوى، بل يبعث القاضي إليها من يسمع كلامها، أو يقوم لها هو بنفسه فيسمع دعواها على باب المسجد، وكذلك الكافر تُسمع دعواه في طرف الحرم من الحل. قال الرافعي (3) رحمهالله تعالى(1): ولو صالحناهم على دخول الحرم صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا. انظر السير (3/188- 189.) (1) «المجموع»2/174.) (2) «روضة الطالبين»7/480 – 481.) (3) الإمام الرافعي رحمه الله هو شيخ الإسلام إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن الفضيل القزويني، صاحب فتح العزيز، الذي لم يصنف مثله في المذهب الشافعي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والحديث، طاهرٍ اللسان في التصنيف كثير الأدب، شديد الثبت والاحتراز عن النقل، لا يطلق نقلاً عن كتاب إلا إذا رآه فإن لم يقف عليه عزاه إلى حاكيه وكان شديد الاحتراز أيضًا في مراتب الترجيح قال النووي: إنه كان من الصالح ين المتمكنين وله
عدد الصفحات ٥١51 بمالٍ لم يجز، فإن أخذناه كان فيئًا، ونظير ذلك ما يؤخذ منهم على زيارة الكنيسة المعروفة بالمقمامة(2) بالقدس الشريف، يكون فيئًا ويحرم على الرجل أن يجامع زوجته في المسجد، لأنه إذا غيَّب حشفته ًا، فإن نزع وخرج عقبه من المسجد ولم يحصل مكث، فيحتمل صار جنب( 3) الحل لعدم المنع لانتهاك حرمة المسجد ويجري الاحتمالان فيما لو ركب هودجًا هو وزوجته ومرَّا راكبين في المسجد وجامعها في حال المرور. ويجري الاحتمالان في جماع جنبٍ حُبس هو وزوجته في المسجد [5/ب ولم يمتكنَّا من الخروج لإغلاق الباب، ويحتمل المنع، وهو الأوجه؛ لأنه لا يلزم من جواز المكث لحاجة جواز ما لا يحتاج إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾. وقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (4): ينبغي أن لا يُفَعل كرامات ظاهرة وهو منسوب إلى (رافعان) بلد من بلاد قزوين. راجع طبقات الفقهاء (ص 264.) (1) «فتح العزيز شرح الوجيز»12/216.) (2) كذا، لعلها: (القيامة (3) في الهامش«المكث ويحتمل». 4)) هو سلطان العلماء وشيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد السلام ب ن أبي القاسم بن الحسن الشيخ الإمام العلامة وحيد عصره، عز الدين أبو محمد السلمي الدمشقي ثم المصري، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وكان أمارًا بالمعروف نهاء عن المنكر، توفي بمصر في جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وحضر جنازته الخاص والعام، السلطان فمن دو نه، ودفن بالقرافة، انظر: شذرات الذهب ( 5/301) وطبقات الشافعية لابن قاضي
عدد الصفحات ٥٢52 المسجد إلا ما يفعله الجالس بحضرة الملك(1). ويجوز استئجار الجنب لخدمة المسجد بخلاف الحائض؛ لأن الجنب يمكنه الغسل في الحال، ودخول المسجد، والحائض لا يمكنها ذلك. فإن ألزمت ذمتها خدمته بإجارة صحَّ، وتستنيب عنها من يقوم بذلك. *** ولا يُمنع الجنبُ والحائضُ من دخول مص لَّى العيد ونحوه على المذهب(2). وحكى الدارمي (3) في باب صلاة العيدين من «الاستذكار» فيه وجهين، أجراهما في استحباب التحية. *** ولا تحرم الإقامة واللبث على الجنب والحائض في المدارس والرُّبَط شهبة (2/109.) (1) «الفتاوى الموصلية»(ص18) ونقله الزركشي (ص326.) (2) هذا قول الشافعية والمالكية والحنابلة، يعني جواز دخول الجنب والحائض لمصلى العيد بلا كراهة. راجع «المدونة»1/294) و«المغني»3/263 – 265)، خلافًا للحنفية، فقد كرهوا دخول الحائض والجنب مصلى العيد. راجع «رد المحتار»2/313.) (3) أبو الفرج، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون الدارمي، البغدادي، الشافعي، توفي في دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. انظر: طبقات السبكي (4 /182)، والسير18/52.)
عدد الصفحات ٥٣53 بلا خلاف والزوايا الموقوفة للسكن، (1). *** ويحرم البول في المسجد، وإن كان في إناء(2). ويحرم الفصد والحجامة في المسجد في غير إناء، ولا يحرمان في الإناء، بل يكرهان. في وكذلك لو عصر دملة أو بَثْرَةً في المسجد في ثوبه وأنامله أو قتل قُمَّلةً ثوبه. وكذلك يحرم عليه أن يدخل معه بلحم إلى المسجد إذا خشي التلويثَ لما رَوَى ابن عمر (3) [6/أ عن رسول ﷺالله قال: خ صالٌ لً ينبَغ ينَ في المسج د ؛ لً ي تخذ طريقاا، ولً ي شهر فيه سلاحٌ، ولً ي نبض (4) فيه قوسٌ، و ي ن شر فيه نَب لٌ، ولً ي مَرُّ ف يه بلحمٍ نيئٍ، ولً ي ضرب فيه حدٌّ، ولً ي قتصُّ فيه من أحدٍ، ولً ي تخذ سوقاا »(5). (1) «المجموع شرح المهذب»2/178.) (2) وقد قال بذلك الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة كما «رد المحتار » (1/429) و«المدونة»2/56) و«المجموع»2/101) و«المقنع»2/87.) (3) عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى، أبو عبد الرحمن المكى ثم المدنى، أسلم قديمًا مع أبيه، وهو صغير، لم يبلغ الحلم، وهاجر معه، وقدمه فى ثقله، واستصغر يوم أحد، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ. وهو شقيق حفصة أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. توفي سنة 73 أو74 هـ (4) «ولا ينبض فيه قوس »: من أنبضت القوس، وأنبضت بالوتر، إذا شددته ثم أرسلته، وفي بعض النسخ «يقبض» راجع هامش سنن ابن ماجه1/247). (5) حديث ضعيف
عدد الصفحات ٥٤54 رواه ابن ماجه(1). والتغوط في الإناء أولى بالتحريم من البول لشدة استقذاره وانتشار رائحته. ولو بال داخل المسجد، ومَرَّ بوله في هواء المسجد، ووقع خارجه، حرُم، كما لو بال في إناءٍ ولم يلوِّثْ أرض المسجد، بخلاف ما إذا بَصَقَ من داخ ل المسج د ومرَّ بصاقُه بهواء المسجد ووقع خارجه، فإنه لا يُمنع؛ لأنه إذا جاز شغلُ هواء المسجد بدم الفصد في إناء، فهذا أولى. فإن حصل من البصاق رشاش في مروره في المسجد، فكالبصاق في المسجد. ولو بال في المسجد وجب عليه غسلُهُ بصَبِّ الماء عليه، كما لو بال على ثوب إنسان. *** ويجب تطهير المسجد من النجاسة على الفور؛ لأن في ترك غسل ه مَنْعًا من الصلاة في بقعة النجاسة. ولا يجب نقل تراب المسجد بالنجاسة الحاصلة فيه لقوله ﷺ في بول الأعرابي الذي بال في المسجد: «ص بُّوا عليه ذَ ن وباا من ماء»(2). خرجه ابن ماجه748) وفي إسناده زيد بن جبيرة الضحاك، وهو متروك الحديث (1) محمد بن يزيد الأدمي الخراز أبو جعفر البغدادي المقابري العابد، عن ابن عيينة وابن فضيل، وعنه النسائي وابن صاعد والحضرمي، ثقة توفي سنة 245. (2) حديث صحيح خرجه البخاري (220) عن أبي هريرة
عدد الصفحات ٥٥55 وشرط بعض الأصحاب(1) أن يكونَ الماءُ المصبوبُ عليه سبعةَ أضعاف ه [6/ب. والصحيح الأول، فيجب أن يصب عليه من الماء ما يغمره بحيث تغيب أجزاء البول في أجزاء الماء(2). ال في المسجد على عهد رسول وما روي أن شيخًا ب ﷺالله فأمر رسول ﷺالله بإخراج التراب الذي بال عليه وبصبِّ الماء في موضعه، فحديثٌ مرسلٌ كما قاله الدارقطني (3). (1) حكاه النووي«روضة الطالبين»1/139.) (2) هذا قول الشافعية والحنابلة، يكفي أن يكون الماء المصبوب غامرًا للنجاسة. راجع «روضة الطالبين»1/193) و«المغني»2/499 – 500.) (3) اعلم أن الإمام الرافعي لما نقل عن أبي حنيفة: أن الأرض لا تطهر حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة، وينقل التراب. قال: لنا هذا الحديث. ثم قال إثره: ولم يأمر بنقل التراب. انتهى. وقد روي الأمر بذلك من طرق، لكنها متكلم فيها: * أحدها: عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد، خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه » رواه أبو داود 384) والدارقطني 1/132). قالا: وعبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل. قال العجلي: تابعي ثقة. وقال الإمام أحمد: هذا حديث منكر. قال أبو داود: وقد روي مرفوعًا ولا يصح. *الطريق الثاني: عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول لله ابمكانه فاحتفر، وصب عليه دلو من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول » رواه الدارقطني في سننه1/131- 132) بإسناد فيه ضعيفان »2/234.) تهذيب
عدد الصفحات ٥٦56 ولو اتخذ قناةً أو سردابًا تحت المسجد لتمر فيه النجاسة والمياه النجسة لم يجز، لأن أرض المسجد مسجدٌ فلا يحل تنجيسُهُ. فلو اتخذ لذلك قناةً من حديدٍ أو رصاصٍ وأدخلها تحت أرض المسجد الكمال»27/24- 30.) وقال ابن أبي حاتم كما«التحقيق»1/78) لابن الجوزي: ليس لهذا الحديث أصل وقال أبو زرعة: منكر. راجع «الجرح والتعديل »4/316) و «علل الحديث »(رقم 36) قال: هذا حديث ليس بالقوي * الطريق الثالث: عن أنس أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقال النبي: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء» رواه ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال ابن الجوزي في «علله»1/333- 334 رقم545) و«التحقيق»1/78) والزيلعي في «نصب الراية»1/211) وابن عبد الهادي«تنقيح التحقيق»1/58): قال الدارقطني وهم عبد الجبار على ابن عيينة ؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه، عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر أحد منهم الحفر، وإنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس أن النبي ﷺ قال: «احفروا مكانه»مرسلاً، فاختلط على عبد الجبار المتنان وقال الشيخ تقي الدين في «الإمام»1/272): عبد الجبار هذا هو ابن العلاء ابن عبد الجبار أبو بكر العطار البصري، أخرج له مسلم وابن خزيمة، وروى له الترمذي والنسائي، وقال أبو حاتم: مكي صالح. وقال في رواية أخرى: شيخ. وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: رأيته عند ابن عيينة حسن الأخذ. * الطريق الرابع: عن واثلة بن الأسقع قال: كنا مع رسول الله ﷺ فدخل أعرابي فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال له: ويحك - أو ويلك - لقد حظرت واسعًا. ثم تنحى الأعرابي فبال قائمًا، فوثبوا إليه، فقال النبي: «دعوه حتى يفرغ من مباله. ثم دعا رسول الله بسجل من ماء فصبه عليه. خرجه ابن ماجه في سننه (1/176/ رقم530)، والطبرا«معجمه»2/77- 78 رقم 192) وفي إسناده عبيدالله بن أبي حميد الهذلي، وهو ضعيف، سئل عنه الإمام أحمد فقال: ترك حديثه. وقال أبو حاتم: هو منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. راجع «الجرح والتعديل»5/313) و«تهذيب الكمال»19 /29- 31.)
عدد الصفحات ٥٧57 امتنع أيضًا؛ لأنه كالبول في إناءٍ داخل المسجد، ولأنه تكره الصلاة على الأرض المحتوية على النجاسة، والمساج دُ تُصانُ عن مثل ذلك. ولو اتخذ سرابًا بقرب المسجد بحيث تصل نداوته إلى أرض المسجد ك بخلاف ما لو كان السراب موجودًا أولاً ثم اتخذ مسجدًا قريبًا مُنع من ذل منه. وليس للناظر التمكين من اتخاذ السراب في أرض المسجد بأجرةٍ ولا غيرها. ولو وقف مدرسةً وجَعَلَ صحنها مسجدًا، وفي الصحن فسقيةٌ لمن يبول واق ف ، حولها ويتوضأ، جاز الوضوء، وحرم البول حولها، ولُغ يَ شرطُ ال والوقفُ على ذلك باطلٌ؛ لأن ما حوالي الفسقية أرضُ المسج د فلا يحلُّ تنجيسُها بالبول، وأما الوقفُ على الوضوء فصحيحٌ. *** وأما بناء المسجد [7/أ بالآجُرِّ النجس ، فعن القاضي أبي الطيب (1) تحريمُهُ، والمذهبُ تجويزُ ه مع الكراهة. (1) طاهر بن عبدالله بن طاهر الطبري، أبو الطيب: قاض، من أعيان الشافعية. ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، وتوفي ببغداد. له (شرح مختصر المزني -خ) أحد عشر جزءًا في الفقه و(جواب في السماع والغناء -خ) في خزانة الرباط (د 1588 ) و(التعليقة الكبرى-خ) في فروع الشافعية، منه نسخة في استمبول وله نظم ولد سنة 348 - توفي سنة و 450 هـ . راجع«الأعلام»3/222) وفهرست الكتبخانة3 :239 والوفيات1 : 233 وطبقات الشافعية3 :176 - 197 وطوبقبو2 :637.
عدد الصفحات ٥٨58 وينبغي تحريم فرش عرصته بالآجُرِّ النجس، لأنه يُمنعُ الصلاة عليه دون حائلٍ، وتكره الصلاة عليه مع الحائل، ولكن المنصوص الكراهة. قال الشافعي في «الأم»ولو بنى مسجدًا بآجُرٍّ نجسٍ أوفَرَشَ به مسجدًا كرهتُ ذلك. وقال في «الشامل»: وكلُّ آجُرٍّ حكمنا بنجاسته أو نجاسة باطنه كُر ه أن يُبنى به مسجد؛ لأن الصلاة تُكره على النجاسة، أو إلى النجاسة، وإن لم يلاقها المصلي. وفيه تصريحٌ بأنه تكره الصلاة إلى الستر المتنجس. وفي «كتاب الملتقطات من المسائل ال واقعات» للحنفية: يُكره بلُّ الطين بالماء النجس، لتطيين المسجد وأرضه؛ لأن الطين ينجس بالماء النجس، بخلاف السِّرقين (1) إذا جُعل في الطين للتطيين، لأن فيه ضرورة، وذلك الغرض لا يتهيأ بدونه. قال: ويُكره للرجل أن يمسح رجله باسطوانة المسج د من الطين والنجاسات، لأن حكمها حكم المسجد. وإن مسح بتراب مجموع في المسجد فلا بأس. وإن كان التراب منبسطًا كُره، لأن له حكم الأرض. فإن مَسَحَ بخشبةٍ موضوعةٍ فيه، فلا بأس، لأنها لم تأخذ حكم المسجد انتهى. (1) السرقين ما تدمل به الأرض، والسرقين: معرب ويقال سرجين. (لسان العرب 13/208.)
عدد الصفحات ٥٩59 وما ذكره مُتَّجَهٌ إلا قوله »فإن ذلك لا مكروه. حرام وللحائط من خارج المسجد حكمه من داخله حتى [7/ب يكره مسح الرِّجْل به، ويحرم البولُ تحته، والاستنجاء به، والبصاق فيه، ونحو ذلك. *** ولا يجوز إدخال الجنب النائم المسجد. ينبغي تنبيهُهُ وإخراجُه تنزيهًا ولو نام الجنب في المسجد ذاكرًا للجنابة للمسجد من ذي الجنابة الذي فيه الجنب لقوله ﷺ: ولً تدخل الملائكة بيتاا »(1) رواه أبو داود وأما قول الخطابي (2) إن«الجنب» تصحيف، وصواب «ج ب تٌ » بالباء الموحدة، ثم التاء المثناة فوق(3)، فيرده ما رواه الإمامأحمد في «المسند» :« لً تدخل الملائكة بيتاا فيه كلبٌ ولً ذو جنابة »(4) أي: ولا صاحب جنابة ويحتملُ عدم وجوب تنبيه ه ؛ لأن النائم غير مكلَّف، والمُتَّجَهُ التفصيلُ بين أن ينام متعمدًا أو ناسيًا للجنابة. (1) حديث ضعيف خرجه أبو داود (4152) وفي إسناده عبدالله بن نجي، وهو ضعيف كما قال البخاري وابن عدي، وهو يرويه عن علي بن أبي طالب ولم يسمع منه كما قال ابن معين. (2) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، توفي سنة388.) (3) «معالم السنن»(رقم227،4153.) (4) حديث ضعيف (رقم1290) من طريق عبدالله بن نجي، وسبق بيان ضعفه.
عدد الصفحات ٦٠60 فإن نام ذاكرًا للجنابة كانت المعصية منسحبةً عليه في حال نوم ه ، فيجب تنبيهُهُ لعصيانه، وأمرُه بالتوبة؛ لأن التوبةَ؛ واجبةٌ على الفور. *** وكذلك لو نام عن صلاةٍ يجب قضاؤها على الفور، أو عن صلاةٍ ضاق وقتُها؛ لأن قَتْلَهُ واجبٌ في هذه الحالة، إن لم يَتُبْ (1). وقولُهم«إن النائم غير مكلّفٍ » مرادُهُم بغير جنايته السابقة، أما جنايته السابقة على النوم، فمؤاخَذٌ بها، ومعاقَبٌ عليها، كما أن الميتَ يرتفع عنه القلم، ويُؤاخَذُ [8/أ بجانيته السابقة، ولهذا يحرمُ عليه النوم بعد دخول الوقت، إذا غلب على ظنه أنه لا يستيقظُ إلا بعد خروج الوقت. هذا إذا كان لعارض تعبٍ أو نُعاسٍ عارضٍ، فإن كان ذلك طبْعًا له وعادةً لم يحرمْ عليه النومُ، وإن علم أنه ينام إلى خروج الوقت، لما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن معطل السُّلمي (2) يَضْر بن ي إذا صليتُ، ويفطرني إذا صُمْتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمسُ، قال وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت. (1) من المعلوم والمتقرر عند أهل العلم أن ذلك يرجع إلى الإمام الذي هو ولي الأمر أو نائبه. (2) صفوان بن المعطل بن ربيعة بن خزاعى بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان ابن ثعلبة السلمي، أبو عمرو الذكواني، قتل سنة تسع عشرة غازيًا، على عهد عمر بن الخطاب وهو الذي رميت به عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان على ساقة النبي ﷺ في غزوة. (الثقات 3/192.)
عدد الصفحات ٦١61 فقال: يا رسول الله أما قولُها: »فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيْتُها، فقال: ». وأما قولُها »فإنها تنطلق تصوم؛ وأنا رجلٌ شاب أصْب رُ، فقال رسول ﷺالله يومئذ: » . وأما قولُها «إني لا أصلي حتى تطلع الشمس»، فإنَّا أهلُ بيتٍ قد عُر ف لنا ذلك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: »(1). (1) حديث ضعيف معلول خرجه أبو داود (2459) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال:.... الحديث. »3/80) وأبو يعلى كذلك1037) وابن حبان4/354 رقم 1488) والطحاوي«مشكل الآثار»5/286) والحاكم1 /602 رقم1594) والبيهقي (4/303) وابن عساكر«تاريخ دمشق»24/165.) وقد أعل هذا الحديث بـ 1-الاختلاف في إسناده 2-ة الأعمش وهو مدلس.عنعن 3-النكارة في متنه، وذلك في مواضع منها: ضرب صفوان لزوجه لطول صلاتها. ومنها: كون صفوان متزوجًا، لأن ذلك يعارض ما جاء عن عائشة في الصحيحين في قصة الإفك، قالت: قال صفوان: سبحان الله، فو الذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثي قط. عد ذلك في سبيل الله.قالت: ثم قتل ب ومنها: نوم صفوان عن صلاة الفجر وعدم استيقاظه إلا بعد الشروق، قال الإمام الذهبي وقد ذكر الحديث في ترجمة صفوان بن المعطل: فهذا بعيد من حال صفوان أن يكون كذلك، وقد جعله النبي ﷺعلى ساقة الجيش، فلعله آخر باسمه. مشكل وتكلم عليه، وقد تكلم فيه البخاري والبزار وأعلاَّه
عدد الصفحات ٦٢62 وتكلم فيه كذلك أبو داود، واختلفوا في مراد أبي داود بذلك، فإنه قال: (رواه حماد يعني ابن سلمة، عن حميد، أو ثابت، عن أبي المتوكل). فبعضهم فهم أن هذا الكلام منه تقوية لرواية أبي صالح عن أبي سعيد، قال في «عون المعبود»7/94- 95): عن أبي المتوكل الناجي البصري والحاصل أن أبا صالح ليس بمتفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد، بل تابعه أبو المتوكل عنه، ثم الأعمش ليس بمتفرد أيضًا، بل تابعه حميد أو ثابت، وكذا جرير ليس بمتفرد، بل تابعه حماد بن سلمة. وفي هذا كله رد على الإمام أبي بكر البزار. انتهى. واختار آخرون أنه إعلال لرواية أبي صالح عن أبي سعيد، ويدل على ذلك أن كلام أبي داود قد حكاه المزي في «تحفة الأشراف »3/348) بزيادة عما جاء في السنن، فإنه قال رواه حماد يعني ابن سلمة عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل،ﷺ] فزاد المزيﷺ] يبين أن أبا داود أعله بالإرسال، ولكن قد يشكل على ذلك أن أبا د اود نفسه لم يخرج هذه الرواية المرسلة في المراسيل. ولكن يجاب عن ذلك بأنه لم يشترط الاستيعاب. كلام البزار في الحديث وما أجيب به عنه: قال أبو بكر البزار: هذا الحديث منكر عن النبي ﷺ. وقال: ولو ثبت احتمل إنما يكون إنما أمرها بذلك استحبابًا، وكان صفوان من خيار أصحاب رسول الله ﷺ وإنما أتى نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل: «حدثنا أبو صالح»فأحسب أنه أخذه عن غير ثقة، وأمسك عن ذكر الرجل، فصار الحديث ظاهر إسناده حسن وكلامه منكر لما فيه ورسول الله ﷺ كان يمدح هذا الرجل ويذكره بخير، وليس للحديث عندي أصل. انتهى. قلت: وقد يجاب عن كلام البزار من وجهين: الأول: عنعنة الأعمش لا تضر مع كونه مدلسًا، لأنه يروي ههنا عن شيخه أبي صالح، وهو مكثر عنه معروف به، فلم يحتج لتصريحه بالسماع كما قال الذهبي وغيره. الثاني: قد صرح الأعمش بالتحديث في رواية ابن سعد كما قال ابن حجر رحمه الله. وأما رجاله فرجال الصحيح، ولما أخرجه أبو داود قال بعده: رواه حماد بن سلمة، عن حميد، عن ثابت عن أبي المتوكل، وهذه متابعة قوية جيدة تدل على أن للحديث أصلاً، وأما من جعل هذه الطريق الثانية علة للطريق الأولى فقد أبعد جدا كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله.
عدد الصفحات ٦٣63 رغم صحة الإسناد الظاهر، ولكن قد يكون ذكر السماع خطأ من ابن سعد نفسه أو من الرواة عن الأعمش. »3 /441:) وروى أبو داود من طريق أبي صالح عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة صفوان إلى النبيﷺ رسول الله، إن زوجي صفوان يضربني.. الحديث، وإسناده صحيح، ولكن يشكل فقالت: يا عليه أن عائشة ك قالت في حديث الإفك: إن صفوان قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط، وقد أورد هذا الإشكال قديمًا البخاري ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك، ويمكن أن يجاب بأنه تزوج بعد ذلك ) انتهى. كلام البخاري في الحديث وما أجيب به عنه: »1/43) قال حدثني الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: و الله ي ثم الذكواني إن الرجل الذي قيل له ما قيل يعنى صفوان بن المعطل السلم ليقول: سبحان الله فو الذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثي قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.. هذا في قصة إفك. قال أبو عوانة وأبو حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد: جاءت امرأة صفوان بن المعطل النبي ﷺفقالت: إن صفوان يضربني.. انتهى. أجاب الإمام ابن القيم رحمه وقد الله عن هذا التعارض فقال: وقال غير المنذري: ويدل على أن الحديث وهم، لا أصل له: أن في حديث الإفك المتفق وإن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي ذلك في سبيل بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط، قال: ثم قتل بعد الله وفي هذا نظر، فلعله تزوج بعد ذلك، والله أعلم. الجواب عن نوم صفوان عن صلاة الفجر: من الملابسات والظروف، ما يوضح هذا الإذن فيقول ، وهي أنهم أي عادتنا ذلك قال: فإذا ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ومن لطف نبيه ﷺ، ورفقه بأمته، ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع، واستيلاء العادة، فصار كالشيء
عدد الصفحات ٦٤64 وإذا نام ناسيًا للجنابة، أو أجنب وهو نائم، اسْتُح بَّ تنبيهُهُ ولا يجب *** وهل يجوز للصبيِّ المكثُ في المسج د جُنُبًا [8/ب كما يجوزُ له قراءةُ القرآن وحَمْلُ اللوح والمصحف جُنبًا، أم لا يجوز ذلك، لأنه إنما أُبيح حَمْلُ اللوح للمشقة؟ فيه نظر، والمُتَّجَهُ الأول؛ لأن المصحفَ أعظمُ حرمةً من المسج د . وغسْلُ الميت في المسجد على الوجه الذي ذكروه من استعمال السِّدْر وعصْر البطْن ونحو ذلك حرامٌ (1)؛ لأن غُسالة السِّدْر ستقذِّره، وما يخرج من الجوف نجسٌ فيجب تنزيه المسجد منه. وأما الاقتصار على الواجب وهو صبُّ الماء على الميت وتعميم بدنه، فجائز، كما يجوز للحي الغسل في المسجد، وكما يجوز الوضوء في أرض المسجد ما لم يؤذ بمائه. المعجوز عنه، وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه، فعذر فيه، ولم يثرب عليه. ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض، وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه، ويبعثه من المنام، فيتمادى به النوم، حتى تطلع الشمس، دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال، فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات، وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه، ولا يراعي مثل هذا من حاله، ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك، مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده، والله أعلم. (1) وهذا باتفاق الم ذاهب الأربعة. راجع «تحفة الفقهاء »1/379) و «الشرح الصغير » (1/546 – 547) و«الروضة»1/615) و«المغني»3/372.)
عدد الصفحات ٦٥