المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخطاب القرآني وضروبه عند القاضي عبد الجبار مقاربة من منظور لغوي

غير معروف

صفحة ٢ من ٣

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 127 - الأقوال فيها والآراء وحتى القراءات التي وردت فيها إلى أن ينتهي إلى الرأي الذي يرى أنه هو الراجح لديه ويتوافق مع مذهبه الذي ارتضاه. فكما أسلفنا فالخلاف نا جم عن موضع الوقف في هذه الآية، فرأي يرى أن الوقف واجب على قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَم تَأْوِيلَه إِلًَ اللََّ ﴾ ( 1) وهذا يؤدي لأن يكون إعراب وفق ما ذكره صاحب كتاب الأثر العقدي في التوجيه النحوي عند دراسته لهذه الآية على الشكل الآتي: - الله: لفظ الجلالة فاعل يعلم وقد تم به معنى الجملة الفعلية على ذكر أن تأويل هو مفعول به مقدم؛ وتكون الواو في قوله تعالى : ﴿وَالرَاسِخ ونَ﴾ واو استئنافية وتكون الجملة التي بعدها غير متعلقة بما قبلها في المعنى ولا مشاركة لها في الإعراب.( 2) - و ﴿وَ الرا اسِّخُونَ ﴾ مبتدأ مرفوع، وجملة ﴿يَق ول ونَ آمَنَا بِهِ﴾ في محل رفع خبر. وهذا توجيه من يرى أن معرفة معنى المتشابه من العلوم التي استأثر الله بها ولا يمكن لأحد أن يعرف المراد منه إلا هو سبحانه؛ لذا يجب الإيمان به كما هو دون معرفة المراد منه. أما من يرى الوقف على قوله تعالى ﴿وَالرااسِّخُونَ فِّي الْعِّلْ مِّ ﴾( 3) فيكون قد رجح أن الواو هنا واو عاطفة قد عطفت الراسخون على لفظ الجلالة الله؛ فيكون على هذا الوجه إعراب قوله تعالى ﴿يَق ول ونَ آمَنَا بِهِ﴾ إما: - خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم يقولون آمنا به. - أو في محل نصب حال لـ ﴿وَالرااسِّخُونَ ﴾ - أو معطوفة على ما قبلها بحرف عطف محذوف: أي و ﴿يَقُولُونَ آمَناا بِّهِّ ﴾ .( 1) (1) سورة آل عمران7 (2) الجنى الداني في حروف المعاني: 163 (3) سورة آل عمران7

عدد الصفحات ١٧

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 128 - وهذا توجيه من يرى أن تأويل المتشابه مما يمكن للراسخين في العلم معرفته وإدراك معانيه بعد تدبر وتفكر، وقد رجح كثير من المعربين التوجيه الأول وهو الوقف على لفظ ﴿وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ ﴾ مستدلي ن بأدلة عدة نذكر منها: - أن الواو لو كانت عاطفة لكان الضمير في قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ آمَناا بِّهِّ كُل مِّ نْ عِّندِّ رَبِّ نَا ﴾ عائدا إلى المعطوف والمعطوف عليه، ولنصب الجملة على الحال منها وهذا باطل ومحال. - أنه لو كان على العطف لجاءت الواو داخلة على جم لة ﴿يَقُ ولُونَ آمَناا بِّهِّ ﴾ لتعطف أمرًا على أمر سابق حاصل من الراسخين، وليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين( 2) . - أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي يقولون ﴿آمَنا ا ﴾ ؛ إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأوي له بقولهم آمنا به ؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون تأويله وهو باطل؛ لأن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على لفظ الجلالة يعلمونه في كل حال من الأحول لا في هذه الحال خاصة. ( 3) - وقد نقل القرطبي (671 هـ عن الخطابي (388هـ) أنه قد رد رأي من جعل من أهل اللغة الواو عاطفة هنا ؛ وذلك لأن عامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ، ولأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل.( 4) وغير ذلك من أدلة ساقوها للدلالة على صحة ما ذهبوا إليه( 5) وقد أجيب عن هذه الأدلة بما يلي (1) انظر البحر المحيط، لأبي حيان: 2/401 . (2) انظر تأويل مشكل القرآن:100، والانتصار للقرآن: 2/778، والبرهان في علوم: 2/73 . (3) أضواء البيان، للشنقيطي: 1 /195. (4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 4/19. (5) انظر الأثر العقدي في تعدد التوجيه الإعرابي لآيات القرآن: 1/316-319.

عدد الصفحات ١٨

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 129 - - بأن مجيء الحال من الم عطوف دون المعطوف عليه ثابت في الكلام الفصيح ومنه قول تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَف ا صَف ا ﴾ ( 1) فـ ﴿صَف ا صَف ا ﴾هو حال للمعطوف الملك دون المعطوف عليه وهو ربك.( 2) - أما اعتراض الخطابي فغير مسلم به ؛ لأن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر؛ فهو مذكور في قوله ﴿يَعْلَمُ ﴾ ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه.( 3) - أما ما ذُكر من عدم جواز حذف الفعل ومفعوله؛ فإن النحويين قد منعوا حذف المفعول به في مواضع محصورة ليس هذا الموضع منها، قال ابن مالك "يح ذف كثيرا المفعول به غير المخبر عنه والمخ بر عنه و المتعجب منه والمجاب به والمحصور والباقي محذوفا وعامله."( 4 ) - أما عن تقييد الحال لعاملها فهذا صحيح؛ لكن ابن الحاجب قال : "إن من الأفعال أفعالا لا تقبل التقييد وهي أفعال العلم كقولك: تحققتُ الإنسانَ قائما؛ فلم تج يء بـ قائم لتقييد التحقيق حتى ينتفي إذا ق عد، وإنما ذكرته لتعرف أنه كذلك كان عند التحقيق، والتحقق مستمر."( 5) وهكذا يمكن القول بأن ﴿يَقُولُونَ ﴾ ليس تقييدا لعلمهم؛ بل هو ثابت على كل حال، وإنما ذكر ليعرف أنهم كذلك عند علمهم وعلمهم مستمر ، إلى غير ذلك من ردود (6) . (1) الفجر22 (2) أضواء البيان للشنقيطي: 1 /194. (3) أضواء البيان 1 /195. (4) شرح تسهيل الفوائد لابن مالك : 1/161. (5) الإيضاح في شرح المفصل: 189 . (6) انظر الأثر العقدي1/320 - 322

عدد الصفحات ١٩

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 130 - وقد زعم بعضهم أن الرأي الأول، وهو الوق ف على قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ ﴾ هو الأقوى والأسلم ؛ لأن الاعتراضات التي وجهت إلى توجيه العطف لم تأت عليها إجابات شافية ، ولأن ضعف الحالية بادٍ في جملة ﴿يَقُولُونَ ﴾ ، وغير ذلك من الأدلة من ق راءات قرآنية كقراءة ابن مسع ود (إنْ تأويلُ ه إلا عِّ نْدَ اللهِّ ) (1) وقراءة أبي بن كعب وابن عباس: (ويقول وَالرااسِّخُونَ فِّي الْعِّلْمِّ ) ( 2) . إلا أن كلا الرأيين ثابت عن السلف؛ فلا وجه لتضعيف رأي دون آخر، أو القول برأي دون آخر ، فلكل فريق من الفريقين أدلته وحججه وما يرجح به رأيه ، إلا أن ما يهمنا بعد عرض موجز لآراء العلماء والمفسرين واللغويين في إعراب هذه الآية وتوجيهاتهم، وما لاقته من جدال ونقاش سعى فيه كل فريق لإثبات رأيه بما لديه من حجج وبراهين؛ نقول إن ما يهمنا في هذا الموضع هو رأي القاضي عبد الجبار في هذه الآية، وكيف فسرها مستعينا باللغة لإثبات رجاحة رأيه؛ فقد رد على من قال بأن الله سبحانه وتعالى وحده يعلم تأويل هذه القرآن، وأنه لا أحد يمكنه معرفة ما في هذا القرآن من معانٍ سواه مستعينا بهذه الآية ذاتها ذاكرا الأوجه التي تحتملها هذه الآية ونورد رأيه كالآتي: الرد الأول : القول بأن الواو عاطفة: يرى القاضي عبد الجبار أن الواو في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ﴾ واو عاطفة قد عطف بها قوله ﴿وَالرااسِّخُونَ فِّي الْعِّلْمِّ ﴾ عل ى ما قبلها ، فكأنه قد قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ﴾ وإلا الراسخون في العلم، وبين أنهم مع العلم بذلك يقولون آمنا به في أحوال علمهم به، ليكمل مدحهم، لأن العالم بالشيء إذا أظهر التصديق به فقد بالغ فيما يلزمه، ولو علم وجحد كان مذموما ."(3 ) (1) كتابالمصاحف لأبي داود: 175. (2) المصاحف لأبي داود: 194. (3) انظر متشابه القرآن:1/86.

عدد الصفحات ٢٠

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 131 - فالوجه الأول الذي وجد فيه القاضي عبد الجبار ردا على من ادعى أن الله سبحانه وتعالى هو وحده فقط من يعلم تأويل، ومعرفه معنى القرآن، أو أن بعض ما في القرآن من معانٍ لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر أحد أن يعرفها ؛ هو موضع الوقف والعطف في هذه الآية؛ فقد رأى أنه يجوز أن تكون الراسخون في العلم معطوفة على الله، وأن العلماء أيضا يعرفون تأويل الآيات التي ظاهرها التشابه أو الغموض في معناها، وأن الله سبحانه وتعالى قد خصهم ومدحهم بذلك ، وزاد في مدحهم عندما قال على لسانهم بأنهم يؤمنون ويصدقون به مع حال علمهم به. ولم يكن القاضي عبد الجبار وحده من قال بأن الراسخين في العلم معطوفة على لفظ الجلالة، أي إن الواو هي عاطفة وليست ا ستئنافية ، ولم يكن وحده من قا ل بالوقف عند قوله تعالى ﴿وَالرااسِّخُونَ فِّي الْعِّلْمِّ﴾ ففي رواية عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقف عند هذا الموضع ويقول: "وأنا منهم"( 1)، وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا: معنا ها يعلمونه ويَقُولُونَ آمَناا بِّهِّ ، فيك ون ق وله: ﴿يَقُولُونَ﴾ حالا ، والمعنى: الراسخون في العلم قائلين آمن ا به ( 2)،وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد( 3)؛ فلم يكن قول القاضي عبد الجبار بدعا من القول أو قولا لم يقله أحد قبل ه ؛ بل هذا الرأي كان هناك من السلف من يقول به؛ لأن الخطاب بما لا يفهمه العبد بعيد. الرد الثاني: القول بالتسليم لمن قال بأن الواو استئنافية: أما الرد الثاني الذي ساقه القاضي عبد الجبار للرد على من قال بالوقف على قوله تعالى ﴿إِّلاا اللهاُ﴾ مستدلا على ذلك بأ ن الواو هنا ل لاستئناف وليست للعطف، وهذا (1) انظر عمدة الحفاظ 3/230. (2) انظر تفسير الكشف والبيان: 3/ 13. (3) انظر تفسير ابن كثير: 2/ 8.

عدد الصفحات ٢١

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 132 - القول رُ وي عن عائشة وعروة بن الزبير، ورواية طاووس عن ابن عباس( 1)، وهو اختيار الفراء(207هـ) ( 2) . فقد نقل القاضي عبد الجبار رأيمن قال بأن ﴿تَأْوِّيلَهُ ﴾ هنا هو المتأو ل ، أي إنه استخدم المصدر مكان اسم المفعول، فقال: بعد أن شرع يفند رأي من يرى بوجوب الوقف هناك وأن قو له تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللها ﴾ مستقل بنفسه، وأنه يجب الابتداء بقوله: ﴿وَالرااسِّخُونَ فِّي الْعِّلْمِّ يَقُولُونَ آمَناا بِّهِّ ﴾ . فقد قال وإن كان ذلك كذلك فإن أصحاب هذا القول يحملون التأويل عل ى معنى المتأوا ل؛ لأنه قد يعبر بأحدهما عن الآخر؛ ألا تراه عز وجل قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِّلاا تَأْوِّيلَهُ يَوْمَ يَأْتِّي تَأْوِّيلُهُ ﴾( 3) والمراد به المُ ـتَ أوا ل والمعلوم من حال المُ تأوا ل الذ ي هو يوم القيامة والحساب ومقادير العقاب أنه عز وجل يختص بالعلم به وبوقته ؛ لأن تفصيل ذلك لا يعلمه أحد من العباد ؛ فعلى هذا القول لا يجب أن يكون المتشابه مما لا يعلم المكلف تأويله.( 4) فنرى كيف أن القاضي عبد الجبار قد ساق رأي أصحاب هذا التأويل، ووجهه بما يتناسب مع ما ارتضاه من رأي معتمدًا في ترجيح ذلك على تناوب الصيغ الصر فية فيما بينها، مستعينا بسنة من سنن العرب وطريقة من طرقها في لغتها، وهي أنها تستخدم المصدر مكان اسم المفعول، فقد قال سيبويه ( 180 هـ "قد يجيء المصدر على المفعول، وذلك قولك: لبن حَ لْ ب، إنما تريد محلوب وكقولهم: الخَ لْ ق إنما يريدون المخلوق، ويقولون للدرهم: ضَ رْ بُ الأمير، إنما يريدون مَ ضْ رُ وب الأمير"( 5)، وق د ذكر (1) انظر تفسير الكشف والبيان: 3/15. (2) انظر معاني القرآن للفراء:191-193. (3) سورةالأعراف: 53 (4) انظر متشابه القرآن: 1/86-87. (5) الكتاب لسيبويه4/43.

عدد الصفحات ٢٢

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 133 - مثل هذا عدد من علماء اللغة، فقال ابن سيده (458هـ): "إن العرب قد تقيمالمصدر مقام المفعول كما قالوا درهم ضَ رْ بُ الأمير: أي مَ ضْ رُ وب الأمير"( 1) . وهذا الذي قاله القاضي من التأويل هو المتأول ذكرهالزجاج (311هـ) فيقوله: "ومعنى ابتغائهم تأويله أي أنهم طلب وا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله، والدليل على ذلك قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِّلاا تَأْوِّيلَهُ يَوْمَ يَأْتِّي تَأْوِّيلُهُ يَقُولُ ٱلاذِّينَ نَسُوهُ مِّن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّ نَا بِّٱلْحَقِّ ﴾ ( 2)،أي إن هم يوم يرون ما وعدوا به من عذاب وبعث ونشور؛ فالوقف التام عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ﴾ أي لا يعلم أحد متى البعث غير الله. أما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن البعث حق كما أن الإنشاء حق، ويقولون: كل من عند ربنا " .( 3) كما ذكر الثعلبي (427 هـ) هذا الرأي وقال بأنالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بما في أجل هذه الأمة ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (عليه السلام)، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها مما استأثر الله لعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه.( 4) ومثله قاله الإمام الجويني الأشعري478هـ) في كتابه(الشامل في أصول الدين )؛ حيث ذكر أن هذه الآي ة مطلقة فسرتها آية من كتاب الله واضحة مشتملة على ذكر (1) المخصصلابن سيده 4/219، وانظر أيضا معاني القرآن للأخفش 1 /369، وإيجاز البيان عن معاني القرآن: 2/806، وباهر البرهان في معاني مشكلات القرآن: 3/1481،وتفسير ابن عطية 2/136، وتفسير الرازي مفاتيح الغيب 11/267، والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 1/67، والدر المصون للسمين الحلبي 1/388 . (2) سورةالأعراف: 53 (3) إعراب القرآن للزجاج:1/378-379. (4) انظر تفسير الكشف والبيان: 3 /15.

عدد الصفحات ٢٣

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 134 - مسائلتهم عنالساعة، واستعجالهم العذاب إذ سم ى الرب تعالى القيامة تأويلا في قوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِّلاا تَأْوِّيلَهُ﴾ ويعقب قائلا" وهذا أحسن الوجوه في الكلام على الآية.( 1) وقد نقل ابن تيمية728 هـ) هذا الرأي عن الحسن البصري (110هـ) في معرض حديثه عن الآراء في موضع الوقف في هذه الآية وبعد أن ذكر أن كلا القولين مأثور عن طائفة من السلف قال: "والراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن ، فقد قال الحسن البصري لم ينزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم في ماذا نزلت وما عني ب ها ، وقد يعني بالتأويل ما استأثر الله بعلمه من كيفية ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم الآخر وقت الساعة ونزول عيسى ونحو ذلك فهذا التأويل لا يعلمه إلا الله "( 2) . وتبعهفي ذلك ابن القيم (751 هـ) وهو يرد على من يقول بأن الراسخين في العلم لا يدرون معاني القرآن الكريم وينسبون هذا الرأي إلى طريقة السلف وأن هذه الطريق هي أسلم محتجين بالوقف على قوله تعالى ﴿وَمَا يَ عْ لَمُ تَأْ وِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ ﴾ ، ويقولون إ ن هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف، ويعقب رد ا عليهم بأن هذا لا يمكن ؛ لأنهم بقولهم هذا يدعون أن الأنبياء والمرسلين لا يعلمون معاني ما أنزل عليهم من نصوص، ولا الصحابة والتابعون؛ بل هم يقرءون كلاما لا يعقلون معناه، وهو قول باطل لأن ا لله أمر بتدبر كتابه وتعقله وأخبر أن فيه هدى وشفاء لما في الصدور "( 3)،وليس هذا فحسب ، بل شدد ابن تيمية وأك د أن هذا من غير المعقول، وسفه قول من يقول إن الصحابة والتابعين لم يكونوا يفهمون القرآن وما تشابه منه، بل قال إن نسبته ذلك إلى الرسول والصحابة قول شنيع.( 4) لكن ابن تيمية في موضع آخر يرى أن كلا الفريقين سواء من قال منهم بأن لا أحد يعلم التأويل إلا الله، ومن قال بأن الراسخين أيضا يعلمون؛ مخ طئون فيما ذهبوا إليه؛ (1) انظر الشامل في أصول الدين: 1/552. (2) دقائق التفسير الجامع: 1 /330. (3) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة3/920-921 (4) انظر النبوتلابن تيمية: 2/636.

عدد الصفحات ٢٤

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 135 - لأنه يرى أن كثيرا من المواضع التي اعتمد الناس فيها على التأويل كانت من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا تأويل اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه.( 1) وبناء على ما قدمنا من عرض لآراء القاضي وابن تيمية وابن القيم من بعده يمكننا أن نقول بأنهم قد اتفقوا جم يعا على أن الله لا يمكن أن يخاطب الناس بما لا يعرفون معناه، وما لا يدركونه؛ لما في ذلك من ضيا ع الحكمة من إنزال الوحي والذكر على قلب الرسل. ( 2) أماعند الماتريدية والأشاعرة؛ فنرى أن الإمام الماتريدي (333 هـيرى أنه من الممكن ألا يُ علم المراد ، وأن هذا من باب الامتحان، وقد امتحن الله بذلك عباده؛ إذ إن هذه الدار دار محنة ، وله سبحانه أن يمتحن عباده بجميع المحن.( 3 ) وقريب من ذلك الرازي606 هـ) الذي يذكر في تفسيره اختلاف الناس في موضع الوقف في هذه الآية، وأن الوقف عند قوله تعالى ﴿إِّلاا اللهاُ﴾ بحيث يصبح المعنى لا يعلم المتشابه إلا الله، وينسب هذا القول لابن عباس وعائشة ومالك والكسائي والفراء ولأبي علي الجبائي من المعتزلة ثم يعقب قائلا : "وهو المختار عندنا "( 4) . بينما نراه-أي الإمام الرازي - في كتابه (أساس التقديس في علم الكلام) بعد أن يسرد الحجج والأدلة على صحة مذهب السلف في وجوب الوقف على قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِّيلَهُ إِّلاا اللهاُ﴾ قا م بتخ صيص فصل كامل تحت عنوان (تقرير مذهب السلف) ذكر تحته كل الآراء التي تدور حول هذه الآية، وذكر أن الأسلم هو الإقرار بمذهب السلف في التوقف في البحث عن المعنى المراد من هذه الآيات المتشابهات، إلا أنه قال في نهاية هذا الفصل ما نصه: "أما المتكلمون القائلون في تأويلات المفصلة (1) انظر الانتصار لأهل الأثر: 101. (2) انظر متشابه القرآن: 1/85، والانتصار لأهل الأثر:101، والصواعق المرسلة: 3/920-921 (3) انظر تفسير الماتريدي: 2/313. (4) انظر تفسير الرازي: 7/145.

عدد الصفحات ٢٥

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 136 - فحجتهم ماتقدم أن القرآن يجب أن يكون مفهوما ولا سبيل إليه في روايات المتشابهة إلا بذكر التأويلات فكان المصير إليه واجبا والله أعلم" ( 1). ومن ك الموضعين -سواء أكان في تفسير مفاتيح الغيب أو في كتاب أساس التقديس- نرى أن الإمام فخر الدين الرازي على الرغم من أنه قال بوجوب التوقف والتفويض تبعا للصحابة والسلف الصالح؛ فإننا نراه يقول بوجوب التأويل ؛ إذ المراد -كما قال هو - معرفة المراد من كلام الله سبحان ه وتعالى؛ بل يجعل ذلك واجبا كما هو واضح من كلامه. ومن خلال ما عرضنا لآراء العلماء حول هذه الآية؛ يمكننا أن نجمل موقفهم من إشكالية الإفهام في ثلاثة اتجاهات: - الأول: اتجاه يرى جواز أن يتكلم الله بكلام لا يعرف المراد منه مع قولهم بجواز تأويل المتشابه فيه ، ومن هذه الاتجاه الإمام الماتريدي والإمام الرازي من الأشاعرة على قول. - الثاني: اتجاه يقول بأنه لا بد من أن يكون لكلام الله معنى، وأن يعرف المراد منه، وأن كلام الله بما لا يفهم هو عبث منه سبحانه؛ لذا فيجب تأويل ما يبدو في ظاهره متشابها أو متعارضا مع العقل والنقل، تنزيها لله عن النقائص والتشبيه بالمخلوقات، وهذا الاتجاه يمثله المعتزلة وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار. - الثالث: اتجاه وقف بين الاتجاهين السابقين، فمنع أصحابه أن يكون الله يتكلم بكلام لا يعرف المراد ولا يُفهم؛ بل الرسل والصحابة والتابعون يعرفون المراد منه، ولكن أصحاب هذا الاتجاه رفض وا الخوض في تأويل المتشابهات؛ لأن التأويل عندهم أصبح بمعنى تحريف الكلم عن مواضعه، وكان مذهبه م التفويض في المراد منها ، ويمثل هذا الاتجاه ابن تيمية وابن القيم من بعده. (1) انظر أساس التقديس في علم الكلام: 140.

عدد الصفحات ٢٦

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 137 - وبالعودة إلى القاضي عبد الجبار نجده يؤكد مذهبه بأنه لا بد من أن يك ون المتشابه مما يمكن للعلماء معرفة المراد منه؛ لأنه لو لم يكن ذلك لم يكن لذكر العلماء وتخصيصهم في باب ذكر الإيمان به معنى؛ لأن العلماء وغيرهم ملزمين بالإيمان بكل ما جاء في القرآن؛ وإنما خصهم الله بالذكر ليُعلم أنهم لما عرفوا المراد بالمتشابه صح منهم الإيما ن به؛ فخصهم بالذكر مدحا لهم؛ فكل شي قد ذكر ف ي كتاب الله عز وجل إلا وقد أراد عز وجل به ما يمكن المكلف أن يعرفه، وإن اختلفت مراتب ذلك .( 1) فكما هو واضح من عبارة القاضي عبد الجبارفإن كل شيء قد ذكر في القرآن على وجه العموم سواء أكان من المتشابهات، أو المحكمات، أو المجمل فإنه يراد من المكلف معرفته ومعرفة المراد منه ومعرفة معناه، وأنه لا يجوز أن يعمى مراده سبحانه؛ لذا يجب أن يكون مراده بالخطاب معلوم وفق ما يقتضيه ظاهره أو القرينة الدالة على المراد به من عقل أو سمع. فبهذا الوجه يمكن أن يعلم أن القرآن حجة، لكن المتشابه منه يحتاج إلى زيادة فكر من حيث كان المراد به غير ما يقتضيه ظاهره( 2)؛لذا فلا يمكن أن يكون شيء في كتاب الله إلا وله معنى، وله فائدة وحاجة لهداية الناس . المبحث الثالث: إشكالية تهي ؤ المخاطَب (المتلقي) سبق وأن أشرنا إلى أن الإشكال الذي طرحه الزركشي (794هـ ) عن المخاطَب كان بإغفال ما إذا كان هذا المخاطَب متهيئًا للفهم أو لا؛ لأن الخطاب أعم من أن يكون من قصد إفهامه متهيئا أم لا.( 3) لكن المخاطب أو المرسل إليه هو المستهدف من علمية الخطاب هذه؛ فهو الذي من أجله ورد الخطاب والذي يقع على عاتقه فهمه وتفكيك ما ركبه المخاطِّب؛ لأنه لا عملية تخاطب يتم إنجازها إلا وتمر في مرحلتين : التركيب والتفكيك ( 4)؛ لذافلقد أُ ولي (1) انظر متشابه القرآن: 1/86-87. (2) انظر متشابه القرآن: 1 /101. (3) انظر البحر المحيط للزركش ي : 1/ 168. (4) انظر المعنى وظلال المعنى: 155.

عدد الصفحات ٢٧

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 138 - المخاطَبُ اهتماما كبيرا ، وقد تمت المبالغة في دوره لدرجة كبيرة حتى صار مركز العملية التأويلية وغدا أولى بالنص من منشئه، وهذا ما دعا إليه رولان بارت عندما أعلن موت المؤلف( 1) كي يطلق العنان للمتلقي بتأويل أي نص أو خطاب بغضالنظر عن صاحبه ومؤلفه ، ولكن هذه النظرية لا تتناسب مع دراسة النص القرآني لما للخطاب القرآني من قداسة إلهية؛ فكان من الحري أن يتخذ موقفا وسطا بين هذين الرأيين؛ فلا إفراط ولا تفريط؛ أي لا يقدس المخاطَب حتى تكون له السلطة المطلقة كي يفهم النص أو الخطاب بغض الطرف عن مؤلفه، ولا يُهم ش بحيث لا يعتبر في هذه العملية التواصلية والتخاطبية؛ فلا تراعى حالته ومقدار فهمه لما يقال له. وبناء على ما سبق فإن وجود المخاطَب ودوره في فهم الخطاب لا يمكن لأحد أن يغفله، بل هو ركن أساسي من أركان الخطاب، وهو الذي من أجله أنشأ المخاطِّب الكلام بغية إفهامه هذا الخطاب، وقد جُ عل وجودُ المخاطب على مستويات ثلاثة، فالمخاطَب يمكن أن يكون افتراضي ا (مثالي ا) أو فعلي ا وهو المخاطب بالفعل، أو كوني ا وهو المخاطب الذي لم يشهد لحظة التخاطب ولكنه مقصود بالخطاب.( 2) أما ما أشار إليه الزركشي بأن المخاطَب يمكن أن يكون متهيئا أو غير متهيئا؛ فعند النظر في الكتب التي تناولت الحديث عن الخطاب والمخاطَب والشروط التي وضعتها في المخاطَب كي يكون قادرًا على تلقي هذا الخطاب؛ نرى أنهم قد وضعوا شرط أن يكون المخاطَب قادرا على الفهم والفعل معًا ( 3)، وإلا حينهاستكون مخاطبته عبثا، ولا معنى له، وحتى الإمام الزركشي رحمه الله نفسه قد قال في موضع آخر : والمقصود أن يُخاطب بالقرآن من هم أهل لفهمه .( 4) (1) موت المؤلف مقالة كتبها الناقد الفرنسي رولان بارت عام 1967 في المجلة الأمريكية "أسبين العدد 5-6. (2) انظر دليل الناقد الأدبي،ميجان الرويلي وسعد البازعي:284-286 . (3) انظر المحصول للرازي: 2/429،وإرشاد الفحول: 33،والمستصفى: 1/66. (4) انظر البحر المحيط للزركشي: 1/457

عدد الصفحات ٢٨

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 139 - فالخطاب كما تبين لنا من التعريفات التي سردناها عند كل من القدماء المحدثين هو عبارة عن فعل تواصلي بين اثنين؛ فهذا الخطاب الملقى يتجاذبه طرفان المتكلم والمخاطَب، وكلا الطرفين له أثر في فهم هذا الخطاب وإن كان للمتكلم ومنشئ الخطاب الأثر الأكبر والأفضلية على المخاطَب، وقد نبه إلى ذلك الجاحظ (255 هـ فقال: "والمفهم لك والم تفهم عنك شريكان في الفضل؛ إلا أن المفهم أفضل من المتفهم، وكذلك المعلم والمتعلم ..."( 1) . فمن الواضح من قول الجاحظ أن المخاطَب أو المستقبل هو شريك في الخطاب وله دور مهم في فهمه؛ بل إن الجاحظ في موضع آخر جعل من المخاطب وإقباله على النص أمرًا ذا أهمية بالغة في الحكم على النص، وحذر من إغفاله.( 2) ونرى شبيه ذلك عند أبي هلال العسكري395 هـ) فقد ذكر أن للمخاطَب دورا مهما جد ا في عملية التواصل والخطاب، بل إن البلاغة لربما تكون في الاستماع لأن المخاطَب إذا لم يحسن الاستماع لم يقف على المعنى المؤدي إليه الخطاب؛ فالاست ماع عون للبليغ على إفهام المعنى. ( 3) فالاستماع الذي يقصده أبو هلال هو الاستماع المدرك الواعي، كي يعي ما يقوله له المتكلم؛ إذ الغرض من الخطاب إيصال رسالة والإفهام وإن لم يحدث هذا الشيء؛ فقد ضاع الهدف الذي من أجله أقيمت هذه العملية التواصلية؛ لذلك قيل لا يطلق على الخطاب خطابًا إلا إذا كان من ورائه قصد الإفهام.( 4) أما القاضي عبد الجبار فقد جعل العقل من أهم القرائن التي يجب أن تتوافر في المخاطَب ليتمكن من فهم ما يُقال، وعد هذه القرينة من القرائن التي في حكم المتصلة (1) انظر البيان والتبين: 1/11-12. (2) انظر البيان والتبيين: 1/203. (3) انظر كتاب الصناعتين:16. (4) انظر التكوثر العقلي: 215 .

عدد الصفحات ٢٩

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 140 - دائما مع كل خطاب؛ فهي لا تنفك عنه ولا تفارقه أبدا ، لأن الله لا يكلف ولا يخاطب إلا العقلاء( 1) . ويتضح من عد ِّ القاضي العقل قرينة متصلة مع كل خطاب وأن الله لا يخاطب إلا العقلاء؛ أنه لابد أن يكون المخاطَب متهيئًا لفهم ما يُقال له؛ ف هو المناط بفهم هذا الخطاب الذي وجه له؛ فعليه إعمال عقله لفهم ما يمكن أن يُ شكل عليه ؛ فقد قال القاضي "وعلى السامع أن يعرف الوجه الذي يجوز أن يحمل عليه في اللغة، ويتأمل الدلالة التي لها يجب أن يحمل على ما يحمل عليه إذا أراد أن يعرف معنى ما تشابه منه". ( 2) ونخلص مما سبق إلى أن المخاطَب له من الأهمية ما للمخاطِّب من أهمية وإن كان للمخا طِّ ب أفضلية الإنشاء والخطاب، أما المخاطَب فهو المطالب في فهم وإدراك ما قيل له لتحقيق المراد من هذا الخطاب على اختلاف مستوياته وأنواعه. المبحث الرابع: أنواع الخطاب القرآني عند القاضي عبد الجبار : يبدأ القاضي الحديث عن أنواع الخطاب القرآني وهو يرد على من يتسا ءل عن طريقة الاحتجاج بالقرآن، وخاصة بعد أن تبين أن فيه محكما ومتشابها؛ فكيف يمكن الاحتجا ج به والحال هذه؛ فيبدأ أولا في تفنيد معنى المتشابه، والسبب الذي يؤدي إلى التشابه؛ فالتشابه عنده يكون لأحد سببين:( 3) - تشابه ناتجع ن الخطاب نفسه وموضوعه. - تشابه ناتج بسبب ما يدل عليه الخطاب من أحكام عقلية وسمعية. (1) انظر متشابه القرآن1/105-106 (2) انظر متشابه القرآن: 1/103 (3) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار: 1/104

عدد الصفحات ٣٠

ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها E-ISSN: 2718-0468 المجلد2 العدد3 أبريل2021 م - 141 - فالقاضي عبد الجبار يرى أن التشابه من الممكن أن يكون راجعا إلى أسلوب الخطاب ولغته، أو إلى الألفاظ نفسها بغض النظر عن الموضوع التي تتحدث عنه سواء أكان عقيدة أو فقها أو غير ذلك، والنوع الثاني وهو تابع لما يتعلق به هذا الخطاب، وخاصة فيما يتعلق بالخطاب الذي يتحدث عن الذات الإلهية وظاهره التعارض مع أدلة العقل أو النقل ؛ فلا بد حينها من تأويلها كي يكون متوافقا معها، وينتفي التعارض بين النقل والعقل . ( 1) ومن بعدها ينتقل للتفصيل في ضروب الخطاب القرآني ويجعلها على ضربين - الضرب الأول: ما يستقل بنفسه في الإنباء عن المراد دون الحاجة إلى حجة ولا دلالة، وهو المحكم - الضرب الثاني: ما لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى غيره، وهذا الضرب ينقسم إلى قسمين: أ- ما يعرف المراد من ذلك الخطاب مع ما يحتاج إليه مجتمعين . ب- ما يعرف المراد بذلك الذي يحتاج إليه بانفراده، وهذا يكون تثبيتا وتأكيدا. ( 2) فنرى أن القاضي عبد الجبار قد صنف الخطاب على صنفين، الأول ما يعلم دون الحاجة إلى نظر أو قرينة وأطلق على هذا الصنف : المحكم، والصنف الآخر وهو المتشابه، وهذا ينقسم أيضا إلى قسمين الأول : يُ عرف المراد منه مع القرينة مجتمعين، ولا يمكن أن يعرف بدون القرينة، والآخر: قسم يُ عرف المراد منه بالعقل ولو بدون الخطاب ولكن الخطاب يأتي تأكيدا، وتثبيتا، وتوفيقا من الله سبحانه. فالمحكم كما قال ليس بحاجة إلى إعمال عقل وفكر؛ فهو واضح ولا حاجة فيها للتأويل، أما الثاني وهو المتشابه والتي ينضوي تحته اللطف الإلهي فهذا الذي بحاجة (1) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار: 1/104 (2) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار 1/105

عدد الصفحات ٣١

خصائص الخطاب القرآني وأنواعه عند القاضي عبد الجبار.. مقاربة من منظور لغوي أ. أحمد قطان - 142 - إلى إعمال فكر وإعداد العدة لمعرفة المراد منه، ولا بد من توافر قرائن؛ وهذه القرائن إما أن تكون سمعية وإما أن تكون عقلية، ويؤكد بعد ذلك أن العقل وإن كان منفصلا فإنه في حكم المتصل دائما مع النصوص الشرعية ؛ إذ إن العقل هو مناط التكليف؛ فلا تكليف لمن ليس له عقل فهو القرينة التي هي بحكم المتصلة دائما مع كل النصوص القرآنية.( 1) ويتوافق ذلك الذي ذكره القاضي مع أنواع الدلالة في التخاطب اللغوي في الدرس الحديث، فالدلالة اللغوية على نوعين: الأول: دلالة معجمية حقيقي ة:( 2) يقع الفهم عليها بالتبا در الأول دون الحاجة إلى قرينة خارجية، وهي الأصل ، وهي التي قال عنها القاضي عبد الجبا ر بأنه المحكم من القرآن، وليست بحاجة إلى إعمال عقل ولا بحاجة إلى تأويل ، بل يقع الفهم عليها بالتبادر الأول. والثاني: دلالة سياقية( 3): وهي التي لا يمكن إدراكها من الكلامخاطرا أولي ا، إنما تحتاج إلى قرينة ما للوصول إلى دلالتها المبتغاة، وهذه ما يمكن أن تسمى بـ "دلالة القرينة"، وهي الدلالة التي أطلق عليها القاضي عبد الجبار المتشابه في القرآن، وهذه الدلالة بحاجة أولا إلى قرينة أو ربما قرائن؛ لإدراك المعنى المراد منها ومعرفة دلالتها المبتغاة.( 4) ومن ثم يعرض للنوع الذي اختلف العلماء فيه وفي إطلاق المصطلحات عليه، فمنهم من أطلق عليه محكم، ومنهم من أطلق عليه متشابه، وبعضهم : مجازا، وبعضهم : محذوفا ، إلى غير ذلك من مصطلحات، ولكنه يعقب على ذلك بأن هذا الاختلاف لا يؤثر على ما اتُّ فِّقَ عليه في هذا الوجه بأنه بحاجة إلى قرينة، ولكن حتى هذا النوع من (1) انظر: متشابه القرآن 1/105 (2) انظر: جدلية السياق والدلالة في اللغة العربية النص القرآني أنموذجًا : 37 (3) انظر جدلية السياق والدلالة: 37 (4) انظر متشابه القرآن: 1/105

عدد الصفحات ٣٢