الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 15 والدَّواءَ ، وَجَعَلَ لكلِّ داءٍ دواءا ، ف َ تَداوَوْا ، ولا ت َتَداوَوْا بحرَام ))27 ،فكلام النبي صدق ولكن العجز عن اكتشاف بعض الأدوية يرجع على العجز البشري ، فالأطباء لم يكتشفوا كل أسباب المرض بعد ، ولم يعرفوا كافة أنواع ال دواء والعلاج ، وهذا القصور في علوم الطب وفي غيرها من العلوم سوف يبقى ملازماا للعلم البشري حتى آخر الزمان ، مصداقاا لقوله تعالى : { وَمَا أوتيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَليلاا }[ سورة الإسراء: آية 85 ] ، فعلى الرغم من كل التقدم الذي أحرزه العلماء حقول الطب والعلاج والتشخيص مازالت طائفة واسعة جداا من الأمراض التي لم تعرف أسبابها بعد ، ولم يعرف لها علاج أو دواء ناجع حتى الآن . المطلب الثاني: ما ينبغي على الأطباء فعله بالنسبة للمريض الميئوس من شفائه. في الأمراض التي تؤدي إلى الوفاة في خلال فترة لا تطول - مع التسليم بأن الأجل مكتوب عند الله تعالى- ينبغي أن يتأكد الطبيب من التشخيص ثم ينقل المعلومات المناسبة للمريض أو ذويه بالصفة المناسبة ،كما ينبغي للطبيب أن يؤكد للمريض أو وليه أن العناية الطبية المناسبة ستُبذَل للمريض ولن يتخلى عنه الطبيب ومعاونوه. وفي الحالات التي يُظن أن الشفاء فيها أصبح ميئوسا منه ينبغي للفريق الطبي المعالج أن يستصحب القواعد التالية: 1- أن يكون القرار الطبي بأن الحالة الطبية مميتة ولا يُرجى شفاؤها قراراُ جماعياا يوافق عليه كل أو معظم أعضاء الفريق الطبي المعالج. 2- أن يُستشار ذوو الاختصاص من تخصصات طبية أخرى (إذا احتاج الأمر لذلك) للمشاركة في اتخاذ مثل هذا القرار. 3- أن يُسجل ذلك بوضوح في ملفات المريض الطبية 4- وينبغي أن يكون المريض أو ذووه على علم بمدى خطورة الحالة المرضية المطلب الثالث: للمريض الميئوس من شفائه ترك التداوي. 27 - أخرجه أبو داود في سننه ،كتاب الطب ،باب الأدوية المكروهة،برقم(3874)من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، والحديث ضعفه الألباني،و قال الشوكاني في نيل الأوطار ( 9/93): في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال ، ولكنه إذا حدث عن أهل الشام فهو ثقة. أه .والحديث لمتنه شواهد.
عدد الصفحات ١٦الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 16 ثبت أن بعض كبار الصح ابة رضي الله عنهم قد تركوا التداوي عندما أدركوا عدم فائدته (مثل أبي بكر الصديق وأُبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهم). قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه "ألا ندعوا لك طبيبا؟ قال: قد رآني!. فقالوا: فما قال؟ قال: قال "إني فعال لما أريد". قيل لأبي الدرداء: "ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ فقال: إن الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفع مقدوراتي". و روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال عن مرضه: "إني عنه لمشغول". وذكر الغزالي – رحمه الله-أسباباا دعت بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم على ترك التداوي 28، منها: 1 - أن يكون المريض قد علم بقرائن الأحوال أن مرضه مرض الموت، وأن الدواء بالتا ينفعه، وهو ما حدث لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. 2 - أن يكون مشغولا بمآله وخوف عاقبته حتى ينسيه ألم المرض. (مثل ما نقل عن أبي ذر الغفاري). 2 - العلة مزمنة ويغلب على الظن عدم نفع الدواء. قال الغزاوأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم". 3 - لينال ثواب الصبر على البلاء، وهو يطيقه وتكفير الذنوب لمن أسرف على نفسه 4 - لمن يعرف في نفسه الأشر والبطر ونسيان النعمة عند الصحة وحلول العافية، فإذا جاء المرض عرف ربه والتجأ إليه، فيترك التداوي حتى لا تعاوده الغفلة. مما تقدم أعلاه ومن أحكام التداوي فلا شك أن المريض يستطيع أن يقرر عدم التداوي (متى كان مرضه غير معد أو لا يمكن مداواته) وهو أمر قد كفلته له الش ريعة الغراء. ويبدو أن هذه الحالات التي يقرر فيها الشخص العاقل البالغ الحر (دون إكراه) أنه لا يريد التداوي إذا وصل إلى هذه المرحلة، لا إشكال فيها. ولكن الإشكال يأتي من أمرين: الأول: نقص الأهلية أو عدمها، بأن يكون المريض:فاقد الوعي أو مشوش الوعي، أو قاصرا ا. 28 - في كتابه إحياء علوم ال دين (4 /287)، الناشر: دار المعرفة- بيروت
عدد الصفحات ١٧الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 17 فهل من حق وليه أنيقرر ذلك نيابة عنه، بناء على ما ك ان يعرفه عن حالته قبل إصابته بهذا المرض المخوف؟ الجواب: نعم. الثاني: ما حدث من تقدم طبي في العصر الحديث من إنقاذ حالات عديدة ولكن في نفس الوقت أدى إلى وجود آلاف من الحالات التي هي لا في عداد الأحياء ولا في عداد الأموات وهو ما يطلق عليه اسم الحياة النباتية الدائمة Persistent Vegetative States).وتقدر رعاية هؤلاء بآلاف الملايين من الدولارات سنوياا . فهل عدم الأمر بالعلاج يعتبر نوعا من القتل خصوصا ا في الحالات النباتية؟ وهذا ما يقودنا بعد للتعرض لموت الرحمة. و قد بحث مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة في جدة (12/11/1412) هذا الموضوع وأصدر القرار التالي: 1- مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، وأن التداوي أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايتهم وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه. 2- أن ما يعت حالة ميئو سا ا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان وتبعا لظروف المرض "29. المطلب الرابع :جملة من الأحكام العامة التي تتعلق بالتداوي في الأمراض التي لا يرجى برؤها : 1- مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله عزَّ وجلَّ، وأن التداوي والعلاج ما هو إ أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وهو أمر مشروع، لا يتعارض مع قضاء الله وقدره، 29 - ولا خلاف حول تقوية معنويات المريض وتخفيف آلامه ورعايته مهما كان المرض مستعصيا أو ميئوسا منه. ولكن المجمع الموقر لم يجب على بعض الجوانب المطروحة إلا جوابا مجملا، مثل: - استخدام المورفين للآلام المستمرة بالرغم من أضراره المعروفة. - موضوع التداوي وإجراء العمليات الجراحية والإسعاف (الإنعاش القلب الرئوي) CPR) للحالات الميؤوس منها فمثلا هناك المصاب بسرطان منتشر في الجسم بحيث يكون العلاج بدون فائدة مع احتمال الإصابة بالأعراض ا لجانبية للعقاقير والأشعة، ثم قد يتوقف قلبه فجأة فهل يبادر المعالجون إلى إجراء الإنعاش القلبي الرئوي؟ - الطفل المصاب بموه الدماغ (استسقاء الدماغ )Hydrocephalus) وضمر دماغه وأُصيب بأنواع من الشلل ويعيش حياة نباتية، فهل تجرى له عملية إزالة المياه من الدماغ وتحويل مجراها؟ مع العلم بأنها لا تفي ده في حالة الشلل وضمور الدماغ ولكنها قد تطيل أمد بقائه (النباتي) هذه الأسئلة (ومثلها) يبدو أنه من العسير الإجابة عنها ونرى أنه من الأفضل إيجاد لجان أخلاقية وشرعية في كل مستشفى على حدة ، ويناط بها تقرير كل حالة بذاتها وفق المعطيات الطبية والشرعية والاجتماع ية.
عدد الصفحات ١٨الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 18 كما ورد في حديث أبي خزامة عن أبيه ، قال : " سألتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رُقَىا نَسْترَقيها، ودواءا ن َتَداوى بِهِ، وتُقاةا ن َتَّقيها، هل ت َرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شيئاا ؟ قالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ "(30) ، وَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَجُل : ياَ رَسُولَ اللهِ ، ي َن ْفَعُ الدَّوَاءُ مِنَ الْقَدَرِ؟ ، قَالَ: " الدَّوَاءُ مِنَ الْقَدَرِ ، وَقَدْ ي َن ْفَعُ بإِِذْنِ اللهِ " (31). 2 - وعلى الأطباء وذويالمرضى مواساة المريض والتخفيف عنه ، ورفع معنوياته ،والدأب في رعايته، وتخفيف آلامه النفسية والبدنية ، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه ، فقد قَالَ النَّبيِِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،: «... وَبَشِّرُوا، وَلاَ ت ُن َفِّرُوا »32 وروي عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا دَخَلْتُمْ على المريضِ ف َن َفِّسُوا لَهُ في أجَلَهِ ، فإنَّ ذلك لا ي َرُدُّ شيئاا ، وَيُطَيِّبُ ن َفْسَهُ )) 33. 3- إن ما يُعتبر حالة ميئوساا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان، وتبعاا لظروف المرضى . 4- ينبغي لمن ابتلاه اللهُ عزَّ وجلَّ بمرض لا يرجى برؤه أن يصبر ويحتسب الأجرَ عند الله تعالى، ولا ييأس من الشفاء ، ولا يتمنى الموت لما ورد من النهي عن ذلك ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " لاَ ي َتَمَنَّينََّ أَحَدُكُمُ ا لْمَوْتَ لِضُرٍّ ن َزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّياا الْمَوْتِ، ف َلْي َقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنيِ مَا كَانَتِ الحَْيَاةُ خَيرْاا ليِ، وَت َوَفَّنيِ إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيرْاا ليِ " (34) ، 5- لا يجوز ترك العلاج إذا كان ذلك يأساا وقنوطاا من رة الله تعالى، أو تبرماا وتذمراا من قضائه وقدره، لقوله تعالى : {وَلاَ ت َيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَِّّ إِنَّهُ لاَ ي َيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَِّّ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ يوسف:آية رقم (87]) ، أما ترك التداوي صبراا أو احتساباا فهو جائز، ولكن بشرط أن لا يكون مفضياا لهلاك محقق، مع غلبة الظن بتحقق الشفاء بالتداوي، لأن في هذا شبهة قتل النفس بتعريضها للتهلكة . 30 - رواه الترمذي2065- 2148 ) وابن ماجة3437) ،وأخرجه أحمد في مسنده15473 )وضعفه شعيب الأرنؤوط تحقيقه للمسند ، وحسنه الألباني في كتاب تخريج مشكلة الفقر: 11، وصحيح موارد الظمآن1171، ويشهد لهذا الحديث ما بعده. 31 - رواهالطبراني( 12784 )، وانظر صَحِيح الجَْامِع: 3415 ،3416 ، وحسنه الألباني في كتاب تخريج مشكلة الفقر 11. 32 - متفق عليه،وسبق تخريجه. 33 - أخرجه الترمذي في سننه برقم2087 )،وابن السني في عمل اليوم والليلة537) والطبراني في الدعاء1087)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .وقال الترمذي : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وضعفه الألباني. 34 - أخرجه البخاري 6351) ، ومسلم 2680) ، و أبو داود 3108) ، والترمذي 971)،،وابن ماجه ( 4265 ).
عدد الصفحات ١٩الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 19 6- سواء كان المرض مرضاا قابلاا للشفاء أم مرضاا لا يرجى برؤه يجب استشارة المريض أو وليه، وأخذ إذنه في الإجراء العلاجي الذي سوف يخضع له، ولا يصح للطبيب أن يستقل بأخذ القرار، إلا في الحالات الخطيرة التي تهدد حياة المريض بالخطر، ولا تحتمل التأجيل، فيجوز للطبيب أن يتدخل دون انتظار الإذن، حفاظاا على حياة المريض . 7- بالرغم من أن التداوي في المرض الذي لا يرجى برؤه ليس بواجب على المريض، لأنه لا يمنع تفاقم المرض، إلا أنه يستحب للطبيب أن يستمر بمداواة مريضه إذا لم يمانع، ولو كان ذلك ببعض المعالجات الملطفة، لأنه يطيب نفس المريض، ويشعره بالرعاية والاهتمام . 8- من واجب الطبيب أن لا يترك وسيلة يعتقد فيها الفائدة للمريض إلا أخذ بها، حتى وإن كانت فرصة الشفاء ضعيفة، لعموم الأدلة الشرعية التي تحضُّ على التداوي، ورجاء أن يكتب الله له الشفاء، مع الاعتقاد الجازم بأن الشفاء أولاا وأخيراا مرهون بقدر الله عز وجل . 9- يستحب للمريض مرضاا لا يرجى برؤه، أن يكثر من ذكر الموت بقلبه ولسانه، وأن يستعد له بالتوبة إلى الله تعالى، وأن يبرئ ذمته من حقوق الآخرين، ويسن له الصبر، ويكره منه كثرة الشكوى، بل عليه الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، وأن يسأله حسن الخاتمة . 10 - إذا تدهورت حالة المريض إلى درجة خطيرة ميئوس منها ، وشعر الطبيب باقتراب أجله ، فعلى الطبيب إخبار المريض بحالته بشيء من الأناة والحكمة ، لأن المصلحة الشرعية المرجوة من إخباره تفوق المفسدة المترتبة على ذلك ، حتى يراجع المريض نفسه ويتوب إلى ربه ، ويقوم بما عليه من تصرفات شرعية كالوصية ، وردِّ الودائع ، والوفاء بالدَّين ، ونحو ذلك . 11- إن بعض التداخلات الطبية قد يكون ضررها أكبر من نفعها في بعض الحالات التي وصلت إلى مراحلها النهائية، كالسرطان، والفشل الكلوي، ونحوه ، وكذلك بعض العمليات الجراحية التي تشكل خطراا كبيراا على حياة المريض، وتكون نسبة الشفاء فيها ضعيفة أو نادرة، ويكون خطر التدخل الجراحي كبيراا، وكذلك التغذية بالطرق غير المعتادة، مثل التغذية عن طريق الأنبوب، التي قد يترتب عليها مضاعفات هضمية غير محمودة، أو إعطاء المحاليل الوريدية التي قد تزيد العبء على القلب والرئتين وتزيد من تفاقم العلة، ولهذا قد يكون التوقف عن التدخل الطبي في مثل هذه الحالات هو الأصح والأفضل، وفيها يحق للمر يض أن يرفض التدخل الطبي ولا يكون آثماا برفضه هذا ، والله تعالى أعلم . ********************
عدد الصفحات ٢٠الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 20 المبحث الثالث: موت الرحمة (القتل بدافع الرحمة - تيسير الموت). المطلب الأول: تعريف الموت و القتل . تعريف الموت في اللغة:الموت ضد الحياة،قال ابن منظور35":وأصل الموت لغة العرب : السكون ،و كل ما سكن فقد مات" (36) وقال "الموت والمَوَتاَن ضد الحياة " (37) . وقال ابن فارس38: الميم والواو والتاء ،أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء ، منه الموت خلاف الحياة ، وإنما قلنا : أصله ذهاب القوة ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا ، فإن كنتم لابد آكليهما فأميتوهما طبخاا" رواه النسائي(39) . تعريف الموت عند الفقهاء :هو مفارقة الروح للجسد وقيل : صفة وجودية خلقت ضد الحياة (40) ، يزول بها قوة الإحساس والنماء والتعقل(41): وعرَّفه القرطبي فقال ":انقطاع تعلق الروح بالبدن ، ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال ، وانتقال من دار إلى دار " 42 . فيمكن أن يقالالموت هو خمود حركات الجسد وسكونها ، وعدم قابليته للنمو وتهيئه للتعفن 35 - محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، صاحب (لسان العرب) : الإمام اللغو ي الحجة. من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري. ولد بمصر (وقيل: في طرابلس الغرب) وخدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة. ثم ولي القضاء في طرابلس.وعاد إلى مصر فتوفي فيها، وقد ترك بخطه نحو خمسمائة مجلد، وعمي في آخر عمره.قال ابن حجر: كان مغرى باختصار كتب الأدب المطوّلة. وقال الصفدي: لا أعرف في كتب الأدب شيئا إلا وقد اختصره. أشهر كتبه (لسان العرب - ط) عشرون مجلدا، جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعا. أنظر : الأعلام للزركلي ( 7 /108) المؤلف: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396ه )،الناشر: دار العلم للملايين 36 - لسان العرب3/547( 37 - لسان العرب3/547( 38 - أحمد بن فارس بن زكريا، مولده بقزوين ومرباه بهمدان وأكثر إقامته بالري كان رأساا بالأدب واللغة بصيراا بمذهب مالك، من مصنفاته: المجمل ومعجم مقاييس اللغة وحلية الفقهاء توفي سنة (395ه ). ينظر: سير أعلام النبلاء 12 /538) والنجوم الزاهرة ( 4/212. ) 39 - انظر معجم مقياس اللغة5 /283 ) ، وسنن النسائي2 /43( 40 - التعريفات للجرجا ص 235 ،و انظر تفسير ابن كث 4 /619 ) ويدل على ذلك قول الله تعا وَالحَْيَ اةَ لِي َب ْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ 2]) 41 - انظر :الخرشي علي خليل2 /113 )، وحاشية ابن عابدين2 /189 ) 42 - التذكرة في أحوال الدنيا وعلوم الآخرة للقرطبي : ص 4
عدد الصفحات ٢١الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 21 والتفسخ لذهاب الروح عنه ، فالموت هو النهاية للحياة الإنسانية في ا لدنيا، وبعد الموت ينتقل إلى دار أخرى غير دار الدنيا. أسماء الموت : الموت ، والحتف ، والمنون ، وشعوب ، والسام ، والحمام ، والردى ، والحين ، والثكل ، والوفاة ، و الهلاك . ألفاظ مؤتلفة ومترادفة(43) . تعريف القتل في اللغة :قال ابن فارس : ( القاف والتاء واللام أصل صحيح ، يدل على إذلال و إماتة(44) . وقال في التهذيب: (قتله إذا أماته بضرب ، أو حجر أو سم أو علة ، والمنية قاتله(45) وقتله يقتله قتلاا وتقتالاا ورجل قتيل: مقتول ، والجمع قتلاء ، وقتلى وقتالى . والمرأة قتيل أيضاا إذا كان وصفاا ، فإذا حذف الموصوف جعل اسماا ، ودخلت الهاء نحو: رأيت قتيلة بني فلان . والقِتلة بالكسر الهيئة ، يقال: قتله قتلة سوء ، والقَتلة بالفتح المرة . وقاتله مقاتلةا وقتالاا فهو مقاتل ، بالكسر اسم فاعل ، والجمع مقاتلون ومقاتِلة ، وبالفتح اسم مفعول(46) . وقد يطلق ويراد منه اللعن ، ومنه قوله تعالى: { [ رقم17]) وقوله تعا[30]) وقوله : "قاتل الله اليهود(47)". وقد يطلق ويراد منه العشق ، يقال: تقتَّلت الجارية للرجل حتى عشقها، كأ نها خضعت له ، ومنه قول الشاعر : تقتلت لي حتى إذا ما قتلتني تنسكت ما هذا بفعل النواسك(48 ) 43 - أنظر:الألفاظ المؤتلفة للجيا2 /233.) 44 - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (مادة : قتل5/56. ) 45 - مادة (قتل9/54) 46 - ينظر: مادة (قتل) في لسان العرب11/547-549) والصحاح 5/1797-1798) والمصباح المن 2/146) ومادة ( قتله ) في القاموس المحيط (4/36.) 47 -. رواه البخاري في كتاب الصلاة، ب الصلاة في البيعة (93) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور (1/215. ) 48 - أنشده في لسان العرب (11/551)
عدد الصفحات ٢٢الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 22 وقد يطلق القتل ويراد منه العلم ، يقال: قتل الشيء خبراا ، علمه وقد يطلق ويراد منه المزج ، ومنه قولهم: قتلت الشراب ، مزجته بالماء. ومنه قول حسان: إن التي عاطيتني فرددتها قُتِلَتْ قُتِلَت فهاتها لم تُقتل (49) . ويطلق القِتل على العدو ، وجمعه أقتال ، ومنه قول الشاعر واغترابي عن عام ر بن لؤي في ب لاد كثيرة الأقتال (50) . أما تعريف القتل في الاصطلاح فإنه لا يخرج عن المعنى الأصلي في اللغة. قال الراغب الأصفهاني(51) :( أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت ، لكن إذا اعت بفعل المتولي لذلك يقال قتل . وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت . قال تعاقُتِلَ }[ سورة آل عمران ، الآية رقم(144)]" (52) ومن عبارات الفقهاء رحمهم الله في تعريف القتل ما يلي قال البابرتي(53) ": فعل من العباد تزول به الحياة(54) ." وقال الرحيبا (55) ": فعل ما يكون سبباا ل زهوق النفس ، وهو مف ارقة الروح البدن"(56) . ومما سبق يتضح أن التعبير ب "القتل بدافع الرحمة" أصوب وأدق من التعبير ب "موت الرحمة" لأن التعبير بالموت لا يدل على الفعل المؤثر الواقع من الغير كالطبيب أو كل من يمارس ذلك . 49 - ديوان حسان181.) 50 - ينظر: مادة (قتل ) في لسان العرب11/551) ومعجم مقاييس اللغة 5/56)، والبيت لأبي قيس الرقيات في ديوانه (113.) 51 - الحسين بن محمد بن المفضل أديب لغوي مفسر من مؤلفاته: مفردات ألفاظ القرآن، والبيان في تأويل القرآن ومحاورات الشعراء والبلغاء، توفي سنة ( 502ه )، ينظر: سير أعلام النبلاء 13 /341) والأعلام2/279) 52 - معجم مفردات ألفاظ القرآن مادة : (قتل)( 406) 53 - محمد بن محمد بن محمود البابرتي، ولد سنة714ه )و نبغ في الفقه على مذهب أبي حنيفة وألف فيه الكتب المفيدة، منها شرح العناية على الهداية وشرح الجامع الكبير وشرح مشارق الأنوار، توفي سنة ( 786ه )، ينظر: تاج التراجم 260)، وشذرات الذهب (8/504)، والأعلام 7/271. ) 54 - العناية على الهداية10/203.) 55 - مصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني الحنبلي ولد سنة1160ه ) وكان إمام الحنابلة بالشام في وقته، جلس للتدريس فقصد من أماكن متعددة، من مؤلفاته: مطالب أولي النهى وتحفة الفقهاء ، توفي سنة (1234ه )، ينظر: النعت الأكمل (352)، وعلماء الحنابلة (422. ) 56 - مطالب أولي النهى6 /5 . )
عدد الصفحات ٢٣الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 23 المطلب الثا: المراد بالقتل بدافع الرحمة . عُ رِّ ف القتل بدافع الرحمة بتعاريف كثيرة ، من أهمها : أولاا: تسهيل موت الشخص الميئوس من شفائه ، بناءا على طلب ملحٍ منه ، مقدم للطبيب المعالج(57). ثانياا: نوع من القتل يرتكبه شخص ، قد يكون طبيباا وقد لا يكون ؛ لتخليص مريض يُرجى شفائه ، ولم يعد يطيق تحمل آلامه(58). ثالثاا: استجابة الطبيب المعالج لرغبة مريضه بإنهاء حياته ؛ نتيجة لمعاناة هذا المريض من آلام مبرحة لا يمكن تحملها ، والميئوس من شفائها نهائياا وقطعيا (59) . ويعرف القتل بدافع الرحمة من الناحية القانونية بأنه : إنهاء حياة مريض ميئوس من شفائه طبياا ، بفعل إيجابي أو سلبي ، وذلك للحد من آلامه المبرحة والغير محتملة ، بناء على طلبه الصريح أو الضمني ، أو طلب من ينوب عنه ، وسواء قام بتنفيذه الطبيب أو شخص آخر بدافع الشفقة(60). أو هو فعل إيجابي أو سل ، ينهي آلام مريض لا يرجى شفاؤه ، بالقضاء عليه رحمة به(61 ). من خلال هذه التعريفات نخلص إلى أن القتل بدافع الرحمة : تصرف يقصد منه تسهيل موت الشخص الميئوس من شفائه بدون أية آلام . هذا القتل قد يقوم بتنفيذه الطبيب أو غيره ، بدافع الإشفاق ؛ لإراحة الشخص من آلام مبرحة لا يرجى لها شفاء . وقد درجت اللغات الأجنبية على تسميته (الأوثانازيا Euthanasia ، وهي في اللغة اليونانية مكونة من مقطعين. 57 - ينظر أحكام التداوي68) وبذلك صدر قرار مجلس الإفتاء الأوربي. ينظر: موقع المجلس على شبكة المعلومات: www.e-cfr.org/index.shtml 58 - ينظر: دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن (447.) 59 - ومن المصادر التي تناولت القتل بدافع الرحمة بالتعريف: القتل العمد وأوصافه المختلفة129) وبحوث في الشريعة الإسلامية والقانون في الطب الإسلامي(106) والأحكام الشرعية للأعمال الطبية 184) ومسؤولية الطبيب الجنائية في الشريعة الإسلامية (157) و الموت الدماغي (122) و الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي ، للدكتور بلحاج العربي بن أحمد ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، س :( 11)، ع 42)، ص 62.) 60 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش6-7.) 61 - ينظر: دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقار ن (534) والأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي 62) والموت الدماغي (122. )
عدد الصفحات ٢٤الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 24 الأول (EU وتعني الطيب الثاني : (Thanatos وتعني الموت(62). وعليه فإن كلمة الأوثانازيا تعني لغوياا الموت الطيب ، أو الموت الهادئ بدون آلام لكن هذا المعنى أصبح قاصراا عن استيعاب الموضوع ؛ لأن هذا النوع من القتل أصبح يعني التعجيل بالموت ، بواسطة شخص آخر لإنهاء حياته ؛ تخليصاا له من آلامه التي لم تعد تحتمل ، بواسطة ترتيبات طبية متنوعة. وانطلاقاا من ذلك فقد قام عدد من الباحثين بإطلاق اسم ( قتل الرحمة) على هذا النوع من القتل ؛ اشتقاقاا من طبيعته إلا أن هذا المصطلح وبالرغم من دلالته على أن القصد من القتل هو الرحمة بالمريض ، بإنهاء آلامه عن طريق القضاء على حياته ، إلا أن القتل والرحمة متناقضان من حيث المعنى والمضمون(63). ولذا يرى بعض الباحثين أن تسمية هذا التصرف بالقتل بدافع الشفقةأو بدافع الرحمة أدق تعبيراا ، حيث أن الدافع على إنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه هو الشفقة عليه ؛ للحد من آلامه التي لا يحتملها ، ولا يرجى أمل في الشفاء منها (64). ويقسم الأطباء ما يسمىبموت الرحمة (القتل بدافع الرحمة) إلى قسمين: قتل الرحمة الإيجابي،أو تيسير الموت الفعال، وهو أن يقوم الطبيب المعالج بإجراء فعال يودي بحياة المريض المصاب مثلاا (بالسرطان)، والذي يعاني من الألم...، وذلك بإعطاء المريض جرعة عالية من دواء قاتل يوقف تنفسه وينهي حياته. قتل الرحمة السلبي أو تيسير الموت المنفعل، وهو عملية تسهيل وفاة المريضالميئوس من شفائه، وذلك بإيقاف أو عدم إعطاء العلاج، مثل إيقاف جهاز التنفس أو عدم وضعه عندما يحتاج إليه المريض، بناءا على طلب المريض، أو عدم إعطائه العقاقير التي تُعالج الأمراض الأخرى (65 ). 62 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش7) ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن 535) والقتل العمد وأوصافه المختلفة (129) وأثر الباعث في المسؤولية الجنائية295) واسؤولية الطبية المدنية والجزائية ( 445.) 63 - ينظر: بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون في الطب الإسلامي19.) 64 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش6) ويذكر بعض الباحثين أن تعبير القتل بدافع الرحمة وجد في القرن السابع عشر الميلادي من قبل فرانك باكون في كتا به المسمى (علاج المرض غير القابلين للشفاء). ينظر: القتل العمد وأوصافه المختلفة (130.) (65) أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها، محمد علي البار، ص68.
عدد الصفحات ٢٥الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 25 وبناءا على ذلك لا يعد قتلاا بدافع الرحمة ، إلا إذا توفر في الشخص المجني عليه شرطان : الأول : وجود حياة طبيعية . الثاني: وجود معاناة من آلام مبرحة ، ناتجة عن مرض غير قابل للشفاء في الوقت الحاضر(66). وعليه فإن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن الموتى دماغياا لا يدخل ضمن القتل بدافع الرحمة ، وذلك لعدم وجود حياة طبيعية. المطلب الثالث: لمحة تاريخية عن القتل بدافع الرحمة . في نظرة فاحصة إلى تاريخ فكرة القتل بدافع الرحمة أو الشفقة نجد أنها تعود إلى رجال الفكر ، وخاصة فلاسفة اليونان القدماء مثل أفلاطون الذي قال في كتابه الجمهورية: ( يجب تقديم كل عناية للمواطنين الأصحاء جسماا وعقلاا ، أما الذين تنقصهم سلامة الأجسام فيجب أن يتركوا للموت)(67) . وكذلك سقراط وأتباعه الذين سموه ( التدبير الذاتي للموت بشرف) ولذلك لم يوافق سقراط على الهروب من السجن الذي رتبه تلاميذه ، ولجأ إلى تناول السم ليموت بشرف ، ومات في أثناء محاكمته ، غير أن القبائل البدائية عرفت هذا النوع من القتل ، وما تزال قبائل الإسكيمو وبعض القبائل في وسط أفريقيا تمارس هذه العادة إلى يومنا هذا(68) . وفي القرن الثالث عشر كان القس الفيلسوف الإنجليزي فرانك باكون أول من استخدم مصطلح القتل بدافع الشفقة ، وكان يرى أن على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة إلى المرضى ، وتخفيف آلامهم ، ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم لا أمل فيه ، يجب عليهم أن يهيئوا موتاا هادئاا وسهلاا . 66 - ينظر: الأحكام الشرعية للأعمال الطبية 184) والقانون الجنائي والطب الحديث 186) و التداوي والعلاج في الفقه الإسلامي (113. ) 67 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش13) ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن 547-548) والأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي (63) والموت الدماغي118.) 68 - ينظر: الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي 63) والموت الدماغي118.)
عدد الصفحات ٢٦الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 26 وكان المفكر الإنجليزي توماس مور في كتابه (الوهم ) عام 1516م يرى أنه يجب على رجال الدين والقضاة حث التعساء على الموت ، وكذلك كان الفيلسوف الألماني نيتشه (69 ). وفي أوائل القرن العشرين قامت في ألمانيا على وجه الخصوص حركة تنادي بإباحة القتل بدافع الرحمة ، وهذا ما أقره الأمر الصادر من هتلر عام 1939م الذي أباح قتل المرضى العقلي ، والأشخاص المعتوهين ، وكذا الشيوخ الذين أصيبوا بالخرف ، كما ظهر في إيطاليا نفس الاتجاه ، الذي يطالب بإباحة القتل بدافع الرحمة(70). وكانت روسيا أول دولة أوروبية تعتبر ما يسمى قتل الرحمة بناء على طلب المقتول نفسه أمراا لا يستحق العقاب . وقد صدر بذلك القانون الجنائي في عام 1922م ، لكن لم يمض على صدور هذا القانون بضعة أشهر حتى ألغي هذا النص ؛ لأن النتائج التي ترتبت على تطبيقه كانت ضارة بالمجتمع . وفي الولايات المتحدة الأمريكية وضعت ولاية أوهايو سنة 1906م مشروع قانون يجيز لكل مريض بمرض لا يرجى شفاؤه ، مصحوب بآلام فظيعة ، أن يطلب اجتماع لجنة مكونة من أربعة أشخاص على الأقل ، لتقرير ما إذا كان من الملائم وضع حد لهذ ه الحياة المؤلمة . ولكن مجلس النواب والكونجرس رفض هذا المشروع (71) . وقد أنشئت الجمعية الأمريكية لقتل الرحمة سنة1930م ، ثم عدل اسمها سنة1970م إ جمعية حق الإنسان في الموت ، ثم عدل الاسم إلى جمعية حق الإنسان في الموت في وقار وإجلال ؟! .كذلك تقدمت إحدى الجمعيات المؤيدة للقتل بدافع الرحمة في انجلترا بمشروع قانون يبيحه عام 1936م ولكنه رفض(72). والواضح أن الغرب يتجه نحو تأييد القتل بدافع الرحمة ، ومما يزيد المشكلة تعقيداا أن العطف الذي يحظى به المهتمون بالقتل بدافع الرح مة من الرأي العام ، يؤثر بعمق على سن القو انين الحديثة . ففي هولندا مثلاا أحالت الحكومة سنة 1999م مشروع قانون يجيز القتل الرحيم والمساعدة على الانتحار حتى بالنسبة للأطفال ما فوق 12 سنة، وفي أمريكا حاول الطبيب جاك كيفوركيان من 69 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش13) ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن 548) والأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الإسلامي (64.) 70 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش13) والمسؤولية الطبية المدنية والجزائية 445-446 )والأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي (64. ) 71 - ينظر: بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون في الطب الإسلامي109) وأحكام التداوي72) والقانون الجنائي والطب الحديث (187) والمسؤولية الطبية المدنية والجزائية 449.) 72 - ينظر: القتل بدافع الشفقةدى قشقوش (13) ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن 549.)
عدد الصفحات ٢٧الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 27 أنصار نظرية القتل بدافع الرحمة إثارة الجدل حول هذا الموضوع ، فسجل كل مشا هد حقن مريض ميئوس من شفائه بعقار ممنوع يوقف القلب ويعطل الرئتين على شريط فيديو ، وبث الشريط على شاشات التلفزيون الأمريكي في نوفمبر عام 1998م(73). وبالنظر إلى الواقع العملي نجد انتشار هذا النوع من القتل بشكل يثير الدهشة ، ففي بريطانيا قالت البروفيسورة هيزيل بيغز عميدة كلية القانون الطبي في جامعة كنيت أنه أحصي مالا يقل عن 18 ألف حالة وفاة تمت في عام واحد ، على أيدي أطباء ممن يعالجونهم من أمراض مستعصية تحت مقولة الموت الرحيم (74) . وفي هولندا ورغم عدم وجود إحصائية سنوية توضح عدد الحالات التي تم قتلها بدافع الرة ، فإن التقديرات تختلف من ألفي حالة سنوياا ( في أقل تقدير) إلى عشرة آلاف حالة سنوياا ( في أعلى تقدير ) (75). وفي بلجيكا تم تسجيل203) حالة للقتل بدافع الرحمة خلال سنة واحدة(76) أما سويسرا فقد زاد عدد الوافدين إليها بحثاا عن المساعدة لإنهاء حياتهم من مجرد 3 في عام2000م إلى 55 في عام2002م وتشير الإحصائيات في سويسرا أن هناك ما يقرب من 1800 حالة يطلبون المساعدة لإنهاء حياتهم سنوياا ، ويرفض ما يقرب من ثلثيهم . ونصف من يقبلون عادة يموتون لأسباب أخرى ، والبقية يتم مساعدتهم لإنهاء حياتهم عن طريق عدد من الهيئات والمؤسسات العاملة في هذا الشأن(77). وفي عام20011م قامت ممرضة سويسرية ، وتحت ذريعة الرحمة والشفقة ، بقتل (277) مسناا يقيمون في عدة دور للعجزة (78). 73 - ينظر: الموت الدماغي121-122.) 74 - ينظر :موقع شبكة النبأ المعلوماتية www.annabaa.org/nbanews/39/010.html. 75 - ينظر: أحكام التداوي74.) 76 - ينظر: موقع صحيفة الشعب اليومية : http://arabic.peopledaily.com.cn/200311/26/are2031126-72676.html. 77 - يعتبر السبب الأساس في إقبال راغبي ما يسمى (القتل الرحيم) على سويسرا أنها تختلف عن سائر البلدان التي تسمح قوانينها به إذ يمكن أن يقوم به أي شخص ولا يشترط أن يقوم به طبيب ويشترط فقط الحصول على موافقة كتابية من الشخص بأنه يعاني من مرض عضال لا يرجى شفاؤه منه وليس له قدرة على تحمل آلامه. ينظر:موقع الإسلام على الانترنت ، مقال الدكتور حسام عرفة : www.islamonline.net/arabic/science/2003/02/Article06.shtml 78 - ينظر: جريدة الوطن العدد711) اليوم الثلاثاء 3 رجب1423ه
عدد الصفحات ٢٨الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 28 وتزداد هذه المشكلة اتساعاا وعمقاا عندما يطالب طبيب نفسي في مقال له ، نشرته المجلة الطبية البريطانية ، بالسماح بالقتل بدافع الرحمة لمن يعاني أيضاا من مرض نفسي مزمن لا يمكن الشفاء منه ، ويعاني فيه المريض من شعور قاس بالوحدة ورغبة في الانتحار . كما يزداد الأمر خطورة عندما يطالب طبيب بتنفيذ ما يسمى ( موت الرحمة) بناءا على الظروف الحياتية للشخص ، وأن رعاية شخص مسن ، يعاني من أمراض متعددة ، وفاقد للذاكرة ومصاب بسلس البول والغائط ، يكلف الأسرة كثيراا من المشقة النفسية والمالية ، ويضع أعباء لا تطاق على هذه الأسرة ، فلذا يكون من حق الأسرة أن تطلب ما يسمى (موت الرحمة) لمثل هذا الشخص(79). ومع أن القتل بدافع الرحمة ظاهرة وجدت وانتشرت في الدول الغربية ، إلا أن المجتمع المسلم ونتيجة للتبعية والانزلاق خلف الحضارة الغربية ، فقد بدأت تظهر بوادر للتأثر بهذه الفكرة والاقتناع بها ، ومن ثم الدفاع عنها والقيام بها . ففي مصر قامت إحدى الممرضات بحقن ثلاث عشر مريضاا من مرضى غرفة العناية المركزة بمستشفى الإسكندرية الجامعي ، بعقار مرخ للعضلات تسبب في وقف تنفسهم (80). وفي تونس قامت فتاة تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماا بقتل شقيقها البالغ من العمر أربع سنوات ؛ إشفاقاا عليه من آلامه ، وحكم عليها بعد إدانتها ، فثارت ضجة في الرأي العام التونسي ، تزعمها جمع من طلبة الحقوق وبعض المواطنين منادين بقانون يلائم روح العصر (81). وبعض الدول بالرغم من رفضها لقتل الرحمة أص بحت تف رِّق في قوانينه ا م ا ب ين القت ل الجن ائي وقت ل الرحمة ، وتجعل م ن ه ذا الأخ ير مج رد جُنْحَ ة(82) ، أم ا معظ م ق وانين العق وبات في البل دان العربي ةف لا تأخ ذ بمب دأ تخفي ف العقوب ة في قت ل الرحم ة ، لكنه ا ت رى أن ذل ك لا يمن ع م ن تطبي ق مب دأ «الظ روف المخفف ة »المعروف ة في الق وانين الجنائي ة ، وه ي تق وم عل ى تخفي ف العقوب ة إذا اقتض ت الجريم ة المقام ة 79 - ينظر: أحكام التداوي82-83. ) 80 - ينظر: الموت الدماغي121. ) 81 - ينظر: مسؤولية الطبيب الجنائية في الشريعة الإسلامية (158.) 82 - المصدر السابق ، ص765 .
عدد الصفحات ٢٩الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 29 من أجلها الدعوى رأفة القضاة ، وه ذا معم ول ب ه حالي اا في ك ل م ن الس ودانوس ورية ولبن ان إذا ك ان القتل مبنياا على رضا المجني عليه(83) ، أو كان القتل بناء على إلحاح المجني عليه (84) . المطلب الرابع:أسباب وعوامل أدت إلى اللجوء إلى ما يسمى بقتل الرحمة . السبب الأول: رغبة المريض في التخلص من الألم . ويكون طلب المريض قتله بدافع الرحمة على إحدى صورتين : الصورة الأولى : طلب المريض الصريح . الصورة الثانية : طلب المريض الضمني بأن يتخذ موقفاا يستدل منه على إرادته إنهاء حياته ، والتخلص من آلامه ، بأن يرفض وبإصرار خضوعه للعلاج ، وهو على علم بأن رفضه للعلاج سيؤدي إلى موته (85). السبب الثا: رغبة أولياء المريض بقتل المريض بدافع الرحمة . قد تصاحب هذه الإمراض آلام شديدة غير محتملة ، مما يشكل رغبة لدى أولياء المريض بقتل المريض بدافع الرحمة. من خلال ما سبق يتبين أن أسر هؤلاء المرضى أو بعضهم قد يرغب في إنهاء حياتهم ، لأسباب عدة منها : أولاا: عدم قدر تهم على الاستمرار في علاج المرضى الميئوس منهم ؛ لانتفاء الفائدة منهم كما يظنون . ثانياا: ارتفاع تكاليف العلاج والنفقات المدفوعة في سبيل التداوي . ثالثاا: انعدام الفائدة المرجوة من العلاج ، أو تدني نسبة الشفاء ، مع ما يعانيه المريض من آلام(86) . السبب الثالث : إقناع بعض الأطباء المرضى أو ذويهم بإنهاء حياتهم . 83 - المادة249 ، الفقرة الخامسة ، قانون العقوبات السودا 84 - المادة538 من قانون العقوبات السوري ، والمادة 552 من قانون العقوبات اللبنا 85 - ينظر: القتل بدافع الشفقة لهدى قشقوش (47.) 86 - ينظر: أحكام التداوي64) ومدى شرعية إيقاف أجهزة الإنعاش الطبي في حال الأمراض المستعصية 246.)
عدد الصفحات ٣٠الحالات الميئوس منها وموت الرحمة 30 من الأسباب الأساسية لانتشار القتل بدافع الرحمة أن بعض الأطباء قد يساعد ولو بشكل غ مباشر في قناعة المريض أو ذويه بإنهاء حياته ، بدعوى تخليص المريض من آلامه بسبب إصابته بأمراض مزمنة أو ميئوس منها . السبب الرابع: العوامل الاقتصادية والاجتماعية . تُشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية عاملاا مهماا يقف وراء الكثير من أعمال القتل بدافع الرحمة ، سواء أكان ذلك على مستوى الأسر والأفراد ، أو على مستوى المجتمع بكامله . وانطلاقاا من ذلك المبدأ فقد قامت هولندا بالموافقة على قانون يجيز إجراء عمليات قتل للمرضى أصحاب الأمراض الميئوس منها ، ويتطور الأمر باقتراح قانون يجيز قتل كبار السن الذين يشعرون بالملل وعدم جدوى الحياة . وصاحبة هذه الفكرة هي وزيرة الصحة؟!! التي فاجأت الجميع بعد ذلك باقتراح تدعو فيه لإقرار قانون آخر يجيز قتل كبار السن الذين يرغبون بالتخلص من حياتهم ، بمجرد السأم والملل ، حتى وإن لم يكونوا يعانون من أي مرض عضوي (87) . وسيراا على هذه الخطى قامت عدة دول بمتابعة هولندا في إقرار مثل هذه الأنظمة ، والاستفادة منها كون ها صاحب ة السبق . وبهذا يظهر جلياا زيف ما يتشدقون به من ديمقراطية وحرية ذاتية ، ينادى لها ليل نهار ، ويسعى إلى تقليدهم الجهلة من أبناء جلدتنا.. والله المستعان . المطلب الخامس: حُ كم قتل الرحمة بنوعيه الإيجابي والسلبي ، وهل يجب فيه القصاص؟. بداية نقول إن قتل الرحمة الإيجابي (تيسير الموت الفعال) هو قتل، ولا نشك في حرمته، قال تعالى: وَلاَ ت َقْت ُلُواْ الن َّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللُّّ إِلاَّ باِلحَْقِّ [151 ] ،و قد وردت الأحاديث الصحيحة تنهى عن القتل، فقال النبي "... فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَام عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ ي َوْمِكُمْ هَذَا، فيِ شَهْرِكُمْ هَذَا، فيِ ب َلَدِكُمْ هَذَا "(88). كما نهى الإسلام عن الانتحار بشتى صوره وأشكاله، وتوعّد عليه بالوعيد الشديد،قال تعالى : ولا ت َقْ ت ُ لُ وا أن ْ فُ سَ كُ مْ إنَّ اللهَ كانَ بِ كُ مْ رَ حيماا [ سورة النساء: آية 29 .] وقال "من تردّى 87 - ينظر: موقع الإسلام على الانترنت ، مقال الدكتور حسام تمام http://www.islamonline.net/arabic/science2001/05/article1.shtml 88 - أخرجه البخاري في "الصحيح 1741) ، وفي "خلق أفعال العباد 396) ، ومسلم 1679( )31) ،وأحمد (20497)، والنسائي في "الكبرى 4093) و 5850) وابن خزيمة 2952).
عدد الصفحات ٣١