(18) فضل"الحمد لله" ومواضعها : 1 -بعد الأكل والشرب: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : أ- (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلة فيحمده عليهـا ، أو يشـرب الشـربة فيحمَ دَه عليها) (رواه مسلم وغيره) . ب- وقال صلى الله عليه وسلم : (من أكل طعاماً فقال : الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزَ قَنِيه من غير حول مني ولا قوة ، غُفِ رَ له ما تقدم مـن ذنبـه ) (صـحيح رواه الترمذي وغيره) . 2 -عند النوم: عن أنس رضي الله عنه : أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال : (الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا و وانا ، فـكم ممـن لا كـ افي لـه ولا مؤوي) (رواه مسلم) . ب- وعن علي رضي الله عنه : أن فاطمة رضي الله عنها شك ما تلقى في يدها من الرَّ حى ، فأُ تيَ النبي صلى الله عليه وسلم بسَ بْيِ (عبيد) فانطلق ، فلم تجده ، فوجد عا شة فأخبرتها . فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتْ ه عا شة بمجيءِ فاطمة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهب لأقوم ، فقال : ( علـى مكانكما) فقعد بيننا حتى وجد برد قدميه على صدري ، وقال : ( ألا أعلمكمـا خيراً مما سألتماني ؟ إذا أخـذتما مضـاجعكما : فكبـرا أربعـاً وثلاثين ، وسبحا ثلاثاً وثلاث ين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، فهو خيـر لكمـا مـن خادم) (رواه البخاري) . ويجوز أن يقال قبل النوم : (سبحان الله 33 )و( الحمد لله 33 )و(الله أكبر 33 . ) 3 -عند الاستيقاظ من النوم: عن حذيفة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليـه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تح خده ثم يقول : ( باسمك اللهـم أحيـا وأمو ) . وإذا استيقظ قال : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) (رواه البخاري) . 4 -عند العطاس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا
عدد الصفحات ١٧(19) عطس أحدكم فليقل"الحمد لله" وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمك الله ، فإذا قال لـه : يرحمك الله ، فليقل : يهديكم الله ويُ صلحُ بالكم) (رواه البخاري وغيره) . 5 -عند رؤية مبتلى: عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من رأى صاحب بلاء فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضَّـ لني علـى كثير ممن خلق تفضيلاً ، إلا عُ وفَ يَ من ذلك البلاء كا ناً ما كان ما عـاش ) (صـحيح رواه الترمذي) . 6 -بعد الرفع من الركوع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صـلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ، فقولوا : " ربنا ولك الحمـد " فإنـه من وافق قوله قول الملا كة غُفر له ما تقدم من ذنبه ) (متفق عليه) . 7 -بعد الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من سبح الله في دُبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحَ مِدَ الله ثلاثاً وثلاثـين ، وكبـر الله ثلاثاً وثلاثين ، وقال تمام الما ة : لا إله إلا الله وحده لا شريك الله ، لـه الملـك ولـه الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غُفر خطاياه وإن كان مثل زبد البحر)(رواه مسلم). "دبر كل صلاة : بعد كل صلاة" . 8 -عند الاستيقاظ من النوم ليلاً : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من تعارّ من الليل (أي استيقظ) فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويمي وهو على كل شيء قدير ، سبحان الله والحمد لله والله أكبـر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم اغفر لي ، فإن دعا استجيب له ، فإن توضأ وصلى قُبل صلاته) (رواه البخاري وغيره) . الرَّحْمَنِ الرَّحِيم : (الرحمن الرحيم) : اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم ، والرحمن مشتق ، ودليل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنـه سـمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله تعالى : أنا الرحمن خَ لَقْ ُ الرحمَ وشقق ُ لها اسماً من اسمي فمن وصـلها وصـلته ومن قطعها قطعتُ هُ) (أخرجه الترمذي وصححه) .
عدد الصفحات ١٨(21) قال القرطبي: هذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق . روى ابن جرير بسنده عن العزرمي يقول : "الرحمن الرحيم" قال : الرحمن : لجميع الخلق ، الرحيم : قال : بالمؤمنين . قالوا : ولهذا قال تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} (الفرقان: 59 ) . وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5 ) فذكر الاستواء باسمه الرحمن ، ليعم جميع خلقه برحمته. وقال : {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} فخصهم باسمه الرحيم. قالوا : فدل على أن الرحمن أشدّ مبالغة في الرحمن من (الرحيم) لعمومِ ها في الـدَّ ارَ يْنِ (انظـر تفسير ابن كثير) . الرحمن عام والرحيم خاص (الرحمـن) : أي يرحـم أهل الدنيا والآخرة ، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامـة ، إن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمـورهم المعاشـية ، وأسباب حياتهم ، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا ، فرحمته هنا عامة وإذا لم تكن الرحمـة هـذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحـق من الباطل ، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيدَ منها أهل الأرض من الإنس والجن . {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29. ) فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب. وأما ما جاء في الدعاء المأثور : ( يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) ، فقوله : رحيمهما محمول على معنى أنه يرحمُ المؤمنين في الدنيا فيما أطاعوه من الإيمان به ، وتنفيذ أوامره ، واجتناب نواهيه وتسهيل سبل ذلك لهم ، ويرحمهم في الآخرة بإدخالهم الجنة جزاء ما أسلفوا من إيمان وطاعة : فطاعتهم لـه في الدنيا رحمة منه تعالى ، وجزاؤهم بالجنـة ، رحمة منه تعالى ، وهذا معنى قوله : رحيمهما ، والله أعلم . (من تعليق محمد نسيب الرفـاعي علـى "مختصر تفسير ابن كثير") .
عدد الصفحات ١٩(21) فا دة مهمة: قوله تعالى : {المرَّحْمنِ المرَّحِيمِ} وصف نفسه بأنه الرحمن الرحيم ، لأنه لما كان في اتصافه بـ{رَبِّ الْعَ الَمِينَ } ترهيبٌ قَرَنَهُ بـ {المرَّحْمنِ المرَّحِيمِ} لما تضمن من الترغيب ليجمـع فـي صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه ، فيكون لـه أعون على طاعته وأمنع كما قـال : {نَبِّمْْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم} (الحجر: 49) . وقال تعالى: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} (غافر: 3) (انظر تفسير القرطبي) . من هداية الآية 1 -الرحمن: اسم خاص بالله تعالى لا يجوز تسمية غيره به ، ولا بأي اسم خاص له . ومثله : ( الله ، والخالق ، والرزاق ، ونحو ذلك ) 2 -الرحيم: اسم وصفة لله تعالى ، وقد وصف به غيره : قال الله تعالى : {لَقَمدْ جَماءكُمْ رَسُمولٌ مِّمنْ أَنفُسِمكُمْ عَزِيمزح عَلَيْمهِ مَما عَنِمتُّمْ حَمرِيُح عَلَميْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُو ح رَّحِيمح} (التوبة: 128) . ومثل الرحيم: السميع والبصير ، قال الله تعـالى : {إِنَّما خَلَقْنَما الْإِنسَمانَ مِمن نُّطْفَمةٍ أَمْشَماْ نَّبْتَلِيمهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان: 2) . 3 -في الآية دليل على توحيد الأسماء والصفا: (الرحمن الرحيم) . مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ : 1 -قرأ بعض القراء: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. 2 -وقرأ خرون: مَلِك ) وكِلْتَا القراءتين صحيحة متواترة في السبع ، ولـيس تخصـيص المُلك بيوم الدين خاصاً بيوم الدين من غير الدنيا ، فهو مالك يومَ ي الدنيا والدين لأنـه تقدم الإخبار بأنه ربُ العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة ، إنما أضيف إلـى يـوم الدين لأنه لا يدَّ عِي هناك أحد شي اً غيره ولا يتكلم أحد إلاَّ بإذنه كما قال تعالى : {يَموْمَ
عدد الصفحات ٢٠(22) يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} (عم: 28) . 3 -وقال الضحاك عن ابن عباس{مَلِمكِ يَموْمِ المدِّينِ } يقول: لا يملك مِ ن أحد في ذلك اليـوم حكماً كملكهم في الدنيا . 4 -{يَوْمِ الدِّينِ } :يوم الحساب للخلا ق ، وهو يوم القيامة ، يُ دِينُ هُمْ بأعمـالهم إن خيـراً فخير وإن شراً فشر ، إلا من عفا عنه . اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا ("مختصر ابن كثير" للرفاعي) . من هداية الآية : 1 -المَ لِكُ في الحقيقة هو الله عز وجل ، وهو مأخوذ من المُلك (بضم المـيم ) ، قـال الله تعالى : {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَالملك القدوس السلام } (الحشر: 23) . وفي الحديث: ( أخنـع اسـم عند الله من تَ سمى بملك الأمـلاك ، ولا مالـك إلا الله ) (رواه البخاري) . - [أخنع : أذل وأقهر] - . قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} (البقرة:247) .[فتسمية طـالو بالملـك مجاز] . وفي الحديث: ( مثل المُ لًوكِ على الأسِ رة) (متفق عليه) . 2 -المالك في الحقيقة هو الله عز وجل ، وهو مأخوذ من المِلك (بكسر الميم) [وتسمية غيره فـي الدنيا مجاز] . قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْمرِ} [فالمساكين كان السفينة ملك لهم في الدنيا] . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ : 1 -{إِيَّاكَ} مفعول قُ دِّمَ للحصر ، ليحصر مراد المتكلم فيما يريد أن يفصح عنه . 2 -{إِيَّماكَ نَعْبُمدُ} أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة ، والعبادة في اللغة من الذلة ، يقال : طريق معبَّ د ، وبعير معبَّ د ، أي مذَ لَّلٌ ، وفي الشرع عبـارة
عدد الصفحات ٢١(23) عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ، وهي خاصة بالله سبحانه وتعالى. 3 -قال بعض السلف: الفاتحة سِ رُّ القر ن وسِ رُّها – أي الفاتحة – هذه الكلمة : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فالأول أي: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تبرؤ من الشرك. والثاني أي : {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تبرؤ مـن الحول والطول والقوة ، والتفـويض إلـى ا عز وجل . 4 -في هذه الآية: تحوَّ لَ الكلامُ من صيغة الغا ب إلى صيغة المخاطب بكاف الخطاب بقوله {إِيَّماكَ} وذلك مناسب ، لأن العبـد لما حمد الله وأثنى عليه ومجده وتبرَّ أ من عبـادة غيره ، ومن الاستعانة بسواه ، فكأنه اقترب من الله عز وجل ، وأصبح حاضراً بـين يديه تعالى ، فناسب أن يخاطبه بكاف الخطاب بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك . {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على طاعتك ، وعلى أمورنا كلها . وقدم : {إِيَّاكَ نَعْبُمدُ} على{وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لأن العبادة هي الغايـة ، والاسـتعانة هـي الوسيلة إليها (ابن كثير) . قال ابن القيم في مدارج السالكين : وسِ رُّ الخلق ، والكتب والشرا ع ، والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين ، وعليهما مدار العبودية والتوحيد ، حتى قيـل : أنـزل الله ما ة كتابة وأربعة : جمع معانيها في التوراة والإنجيل ، وجمع معـاني هـذه الكتـب الثلاثة في القر ن في الفاتحة في : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . من هداية اية : 1 -ذكر علماء اللغة العربية أن الله تعالى قدم المفعول به(إياك) علـى الفعـل (نعبـد ) و (نستعين) ليخص العبادة والاستعانة به وحده ، ويحصرها فيه دون سـواه ، فيكـون معناها : (نخصك بالعبادة والاستعانة وحدك) أو :
عدد الصفحات ٢٢(24) (لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك يا ا) . وأركان العبادة : الإخلاص والمحبة والرجاء والخوف ، وعبادة الله وحده بما شـرعه الله ، حسب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . 2 -معنى العبادة والاستعانة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إياك نوحد ونخاف ونرجو . {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على طاعتك. قال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56. ) 3 -إن العبادة في هذه الآية تعم جميع العبادا كلها ، مثل الصلاة ، والذبح ، والنذر ، و سيما الدعاء ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (الدعاء هو العبادة) (رواه الترمذي وقال حسن صحيح) . فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لرسول ، ولا لولي ، فكذلك الدعاء عبـادة ، فهـو لله وحده لا لغيره . {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} (الجن:21) . ولقوله صلى ا عليه وسلم : ( إذا سأل فاسأل الله ، وإذا استعن فاستعن بالله) (رواه الترمذي وقال حسن صحيح) . يقول الإمام النووي في تفسير هذا الحديث ما خلاصته : إذا طلب الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة ، فاستعن بالله ، ولا سيما في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله : كشفاء المرض ، وطلب الرزق والهداية ، فهي مما اختص الله بها وحده ، قال تعالى : {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} (الأنعام:17) . 4- وأما الاستعانة بالأحياء الحاضرين فيما يقدرون عليه من مـداواة مـريض ، أو بنـاء مسجد ، وغير ذلك فهي جا زة لقوله تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة:2. ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (رواه مسلم) .
عدد الصفحات ٢٣(25) ومن أمثلة الاستعانة الجا زة قول الله في طلب ذي القرنين من قومه :{فَمأَعِينُونِي بِقُموَّةٍ } (الكهف:95. ) 5 -إن هذه الآية{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } التي يكررها المسـلم عشـرا المـرا فـي الصلاة هي خلاصة سورة الفاتحة ، وهي أعظم سورة في القر ن . 6 -في الآية توحيد العبادة لله الذي دع إليه جميع الرسل ، قال تعـالى: {وَلَقَمدْبَعَثْنَما فِمي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (النحل:36) .[ والطاغـو : كل ما عُ ـبد من دون الله برضاه ] . اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ : لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال : (فنصفها لعبدي ولعبدي ما سأل) وهذا أكمل أحوال السا ل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته ، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} وفي هذا دليل على الحـض علـى التوسُّ ل بالصفا العلى وبالأعمال الصالحة ، فقد حمد الله وأثنى عليه ومجَّ ده بصفاته . (ربِّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين) . ثم أفرده بالعبادة والاستعانة : فبعد أن قدم بين يدي ربه هذه الأعمال الصالحة تقدم منه سا لاً حاجته وهي أن يهديه وإخوانه المؤمنين صراطه المستقيم الذي هو الإسلام الصحيح الخـالي من الزيادة والنقصان ، النفي من كل بدعة وخرافة ، هذا الصراط الذي هـو أقـرب الطـرق للوصول إلى ما يحب الله ويرضى طِ بْقَ ما أمر ، وبلغ رسول الله ، وإذا أمعن المسلم في يا القر ن فإنه يرى جميع يا الدعاء ، لا بد أن يسبقها توسل إلى الله تعالى إما بدعا ـه ، أو بذا الله ـ أو بأسما ه الحسنى ، أو صفاته العلى ، أو بالأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى ربه ، أو أن يتوسل إليه بدعاء إخوانه المؤمنين له بدعا ه لهم ، قال الله تعالى علـى لسـان ذي النون عليه السلام : {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:87) . فإن ذا النون لما ابتلعه الحو لم يجد من التوسل إلى الله أقرب من توحيده تعالى وتنزيهـه (انظر مختصر ابن كثير للرفاعي) .
عدد الصفحات ٢٤(26) والهداية هاهنا: الإرشاد والتوفيق ، وقد تُ عَدَّى الهداية بنفسها كمـا هنـا {اهـدِنَا الصِّـرَاطَ المُستَقِيمَ } فتضمن معنى: ألهمنا ، أو وفقنا ، أو أرزقنا ، أو أعطنا . {وَهَمدَيْنَاهُ النَّجْمدَيْنِ} (البلمد:11. ) أي بينا له الخير والشر وقد تُ عَدَّى بِإِلَى كقوله تعالى : {اجْتَبَماهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم } (النحل:121) . {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِمرَاطِ الْجَحِميمِ} (الصمافات:23. ) وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة ، كذلك قولـه : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} (الشورى:52. ) وقد تُعَ دَّى باللام ، كقول أهل الجنة : {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} (الأعرا:13. ) [أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلاً ] . وأما(الصراط المستقيم) فقال الإمام الطبري : أجمع الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن : (الصراط المستقيم) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ، وذلك في لغة جميع العرب . ولهذا قال الإمام الطبري رحمه الله : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي ، أعني {اهمدِنَا الصِّمرَاطَ المُسمتَقِي مَ} أن يكون معنيّ اً به ، وفِّ قْنا للثبا على ما ارتضيته ووفق َ له مـن أنعمـ عليه من عبادك ، من قول وعمل ، وذلك هو الصراط المستقيم ، لأنَّ من وُفِّ ق لما وُفق لــه من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء ، فقد وُفق للإسـلام وتصـديق الرسـل ، والتمسك بالكتاب ، والعمل بما أمره الله به والانزجار عمّا زجره عنه ، واتباع منهاج النبـي صلى الله عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة ، وكلّ عبد صالح ، وكـلُّ ذلـك مـن الصـراط المستقيم (انظر تفسير ابن كثير) . من هداية الآية : 1 -الترغيب في دعاء الله وحده ، ولا سيما الهداية إلىالصراط المستقيم ، لأن الله تعالى يقــول : {وَأَنَّ هَممذَا صِممرَاطِي مُسْممتَقِيمًا فَمماتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُممواْ السُّممبُلَ فَتَفَممرَّقَ بِكُمممْ عَممن سَممبِيلِهِ ذَلِكُمممْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:153. ) وقال جماعة من الصحابة: (الصراط : الإسلام ) 2 -علمنا الله أن نسأله الصراط المستقيم خالياً من أهله وأصحابه ، فإذا عرفنـا الصـراط
عدد الصفحات ٢٥(27) ومعالمه عرفنا أهله ، وحين ذ يقول القارئ{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} . فاعرف الحق تعرف أهله ، فالحق: هو الصراط ، وأهله : الذين أنعم الله عليهم مـن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أول ك رفيقا . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَم َ عَلَيهِمْ : 1 -{صِرَاطَ الَّمذِينَ أَنعَممتَ عَلَميهِمْ} مُفَسِّر للصراط المستقيم ، والذين أنعـم الله علـيهم هـم المذكورون في قوله الله تعالى : {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا} (النساء:69-71) . 2 -وقال الضحاك عن ابن عباس : صراط ا لذين أنعم عليهم بطاعتك وعبادتك من ملا كتك وأنبيا ك والصديقين والشهداء والصالحين ، وذلك نظير ما قال ربنا في الآية السابقة (انظر تفسير ابن كثير) . من هداية الآية : 1 -الترغيب في طلب الهداية إلى الصراط المستقيم: صراط الذين أنعمـ علـيهم مـن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . 2 -الترغيب في سلوك سبيل الصالحين– الذين مدحهم الله وأثنى عليهم – ومـوالاتهم ، والسير على طريقهم . غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ : 1 -قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} :أي غير صِـ راط المغضـوب علـيهم : المغضوب عليهم : هم الذين فسد إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه . 2 -وغير صراط الضالين: وهم الذين فقدوا العلم ها مون في الضلالة ، لا يهتـدون إلـى الحـق وأكد الكلام بـ (لا) ليدل أن ثَ مَّ مَسْلَكَيْنِ فاسدين وهما : طريقة اليهود وطريقة
عدد الصفحات ٢٦(28) النصارى. 3 -وإنطريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم والعمـل بـه ، واليهـود فقـدوا العمـل ، والنصارى فقدوا العلم ، ولهذا كان الغضب لليهود ، والضلالة للنصارى ، لأن من عَلِم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم . 4 -والنصارى كما كانوا قاصدين شي اً لكنهم لا يهتدون إليه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابـه وهو اتباع الحق فضلُّ وا ، وكل من اليهود والنصارى ضالٌّ مغضوب عليهم . لكن أخص أوصاف اليهود الغضب عليهم : قال تعالى عنهم : {مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِـبَ عَلَيْهِ } (الما دة:61) . 5 -وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى: {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَمن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة:77) . 6 -روى حماد بن سلمة عن عدي بن حاتم قال: ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : {غَيْرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ} قال اليهود. {وَلاَ الضَّالِّينَ} : قال: النصارى هم الضالون ) . 7 -وروى ابن مردويه عن أبي ذر قال: ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسـلم عـن {المَغضُوبِ عَلَيهِمْ} قال: اليهود ، قل :و {الضَّالِّينَ} قال: النصارى ) (انظر مختصر ابـن كثير للرفاعي) . من هداية الآية : 1 -التحذير من صراط المغضوب عليهم ، وهماليهود الذين فسد إرادتهم فعرفوا الحـق وعدلوا عنه ، ولـم يعملوا به ، لأن من علم الحق وتركه اسـتحق الغضـب مـن الله تعالى . 2 -التحذير من صراط الضالين: وهم النصارى الذين فقدوا العلم ، فهاموا في الضلال ، لا يهتدون إلى الحق ، فعلى المسلمين ألا يتركوا العلم والعمل ، حتـى لا يكونـوا مثـل النصارى واليهود .
عدد الصفحات ٢٧(29) 3 -التحذير من طريقة اليهود والنصارى ، والترهيب من سلوك سبيل الغـاوين والبـراءةِ منهم . 4 -التحذير من ترك العمل الذي وقع فيه اليهود ، والتحذير من ترك العلم الذي وقع فيـه النصارى . 5 -لا بُد من العلم والعمل معاً ، وهذ ا هو سبيل المؤمنين ، قال الله تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر:28) . قال ابن كثير: كلما كان العلم بالله أكمل ، كان الخشية لله أعظم وأكثر . 6 -على المسلمين أن يدعوا الناس جميعاً إلى العلم والعمل معاً لهـدايتهم إلـى ال صـراط المستقيم . التحذير من صفا المنحرفين : 1 -قال الله تعالى: {اهدِنَا الصِّمرَاطَ المُسمتَقِيمَ * صِمرَاطَ الَّمذِينَ أَنعَممتَ عَلَميهِمْ غَميرِ المَغضُموبِ عَلَميهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} (الفاتحة) . قال رسول الله صلى الله عليـه وسـلام : {المَغضُموبِ عَلَميهِمْ} اليهـود ، و{الضَّمالِّينَ} النصارى (رواه الترمذي وغيره وحسنه محقق جامع الأصول) . 2 -قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَمنَزِيدُ الْمُحْسِمنِينَ } (البقرة:58 ). [الرغد: سِعَةُ العيش ، حِ طَّة : حُط عنا ذنوبنا واغفرها] . أ- عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( قيل لبني إسرا يل : {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} فبدلوا ، فدخلوا الباب يزحفون على أسـتاهِ هِم ، وقـالوا : حبـة فـي شـعرة ) (متفـق عليـه ) . [أستاهِ هِم : أدبارهم] . ب- وفي رواية الترمذي في قول الله تعالى : {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} (البقرة:58. ) قال: ( دخلوا متزحفين على أوراكهم) (وإسنادها صحيح) .
عدد الصفحات ٢٨(31) قال: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم : {فَبَمدَّلَ الَّمذِينَ لَلَمُمواْ قَموْلاً غَيْمرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} (البقرة:59) . قال: قالوا : حبة في شعرة ، وفي رواية : حبة في شعيرة ! . ج- قال الحافظ في (الفتح) : والحاصل أنهم خالفوا ما أُمروا به من الفعل والقول ، فإنهم أُمروا بالسجود عند انتها هم شكراً لله تعالى ، وبقولهم (حِطَّـ ة) فبـدلوا السجود بالزحف وقالوا حنطة (جاء في رواية عن ابن مسعود أنهم قالوا:حنطة) بدل (حِطة) أو قالوا : حطة ، وزادوا فيها حبة في شعيرة . ويستنبط منه أن الأقوال المنصوص إذا تُعبد بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافق المعنى (ج8/314) . من فوا د الآيا والأحاديث: 1 -الترغيب في سلوك سبيل المؤمنين ، والترهيب من سلوك اليهود المغضـوب علـيهم لكفرهم وإفسادهم وقد تركوا العمل ، ومن النصارى الضالين الذين فقدوا العلـ م ، أمـا المؤمنون فقد جمعوا العلم مع العمل . 2 -التحذيـر من تحريف النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشـارع كمـا فعلـ اليهود : لقد أمر الله اليهود أن يقولوا (حطة) فقالوا (حنطة) تحريفاً ، وأخبرنا الله أنه (استوى) على العرش ، فقال المتأولون : (استولى) فانظر ما أشبه لامهم التي زادوها بنون اليهود التي زادوها : [في حطة: فقالوا حنطة] (انظر نونية ابن القيم ، "منهج ودراسـا " لمحمـد الأمين الشنقيطي) . 3 -لقد تجرأ بعض المفسرين كالصابوني في"صفوة التفاسير" والقاضي أحمد كنعان فـي كتابه "قرة العينين على تفسير الجلالين" فقد قالا عند تفسير قـول الله تعـالى : {يَـوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } (القلم:42) . فقا: وفي الحديث : ( يسجد لله كل مؤمن ومؤمنة) ، الحديث رواه البخـاري ، فقـد بَتَرَا أوَّ لَ الحديث : (يكشف ربنا عن ساقه) : ولم يلتزما نص الحديث :
عدد الصفحات ٢٩(31) (فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة) ، لأن الفاء للعطف ، و (له) يعود على الله . ولما سأل الصابوني عن سبب بَ تْرِهِ لأول الحديث : وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( يكشف ربنا عن ساقه ....) الحديث ، أجاب بقوله : كل المفسرين أولوا الآية ! ثم قال : الذي أريده من الحديث أخذته ! أ- وهذا خطأ كبير إذ أن المفسرين جُلّ هم لم يتأولوا الآية : كالطبري وابن كثيـر ، وذكروا الحديث بتمامه ، حتى قال العلامة صديق حسن خان ، والشوكاني أيضاً عند تفسير {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } الآية: "إذا جاء نهر الله بطل نهـر معقـل " ويقصدان الحديث الذي فسر الآية ، وهو خير مفسر لكلام الله تعالى ، وذلـك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شئ ، ثم ذكرا قول الشاعر : دعوا كل قَ ول عند قول محمد فما من في دِ ينه كَ مُخَاطِ ر ب- أما قوله : أخذ من الحديث ما أريده ، لا يجوز لمفسر أن يقوله ، لأنه غَ يَّـ ر معنى الآية التي تثب الساق لله تعالى على ما يليق به ، فظهر من حذفـه لأول الحديث ل لا يثب الساق ، ولأنه لو ذكره لبطل مراده وهو التأويل ، وهذا نـوع من التحريف والتبديل والتلاعب بالنصوص الذي حذر منه الآيا السـابقة ، وسيأتي تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم لمثل هذا العمل الذي وقعـ فيـه اليهود والنصارى . ج- وقد فسر الصابوني ية {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} (القلم) : أي تدعوهم الشدة إلى السجود لله ، وخالف تفسير الطبري الذي اختصره حينما قال الطبري : ( ويدعوهم الكشف عن الساق إلى السجودِ لله) . 4 -ومن هذا التحريف ما سمعته من أحد الخطباء يوم الجمعةحيث قال : جاء رجل أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يرد له بصره ، فرد لـه بصـره ، ولما انتهى لحقته ، وقل له : هذا الذي ذكرته نص الحديث ؟ إن نص الحديث يقول : جاء أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسـلم وقـال : يـا رسـول الله أُ دْعُ الله أن يعافيني ، فقال : ( إن ش صبر َ ، وإن شـ َ دَعَـ وْ ُ) ، فقال : بَلِ ادْعُه ، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو ..."صححه الترمذي" .
عدد الصفحات ٣٠(32) فقال لي: الذي أريده من الحديث أخذته ، فقل : هذا تدليس !! لأنه أوهم النـاس أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي ردَّ بصره ، بينما الحديث ينُ صُّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له حينما طلب منه الأعمى الدعاء ، وهي معجـزة للرسـول صلى الله عليه وسلم ، فرد الله له بصره ، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يملـك رد البصر ولا غيره . 5 -هذا التحريف الذي ذكره ابن القيم في تبديل النصوص ، وهذا البتر لأول الأحاديث الذي غير المعنى هو من عمل أهل الكتاب ، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسـلم بـأن أمته سيقعون فيه ، فقال محذراً : (لتَ تَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين مَ نْ قَبْلَكُمْ شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو سلكوا جحر ضـب لسلكتموه ، قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن؟) [أي: فمن غيرهم]متفق عليه) . معنى مين : ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها : مين ، ومعناه : اللهم استجب ، والصحيح : أنه يستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة ، ويتأكد في حق المصلي سواء كان منفـرداً أو إمامـاً أو مأموماً وفي جميع أحوال الصلاة . 1 -عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال: ( إذا أمّـن الإمام فأمِّ نوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملا كة غُفر له ما تقدم من ذنبه )(متفق عليه) . 2 -ولمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال أحدكم في الصلاة مـين والملا كة في السماء مين فوافق إحداهما الأخرى غفرَ له ما تقدم مـن ذنبـه ) (رواه مسلم). 3 -وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أُعطي " مين" فـي الصـلاة وعند الدعاء لم يُعط أحد قبلي إلاَّ أن يكون موسى ، كان موسى يدعو وهارون يـؤمن فاختموا الدعاء بـ " مين" فإن الله يستجيبه لكم) (ذكره ابن كثير وضعفه الوادعي) . 4 -ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قول الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى يَمرَوُاْ الْعَمذَابَ الأَلِميمَ * قَمالَ قَمدْ أُجِيبَمت دَّعْوَتُكُمَمما أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُمواْ حَتَّمى
عدد الصفحات ٣١(33) فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (يونس:88-89 . ) فذكر الدعاء عن موسى وحده ومن سياق الكلام ما يدل على أن هـارون أمَّـ ن فنـزل منزلة من دَعَا ، لقوله تعالى : {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} فدل ذلك على أن مـن أمّـن على دعاء فكأنما قاله : فلهذا قال من قال : إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قـراءة الفاتحة بمنزل قراءتها ، فدل هذا المنزع أيضاً على أن المأموم لا قـراءة عليـه فـي الجهرية ، والله أعلم (انظر تفسير ابن كثير) . 5 -قل: وهذا هو الحق الموافق لما جاء في القر ن : {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فاستماع والإنصا أمـر مـن الله تعالى حتى نُرحم ، فإذا استمعنا وأنصتنا تفرغ القلب للفهم ، وإذا فهمنا مراده تعالى ، عملنا بمقتضاه ، فيرحمنا الله جزاء ما عملنا بما فهمنا . أما إذا قرأ الإمام جهراً ونحن قرأنا معه فلا نستطيع في ن واحد فَ هْمَ ما نقرأ وفَ هْمَ ما نسمع ، وإذا لم يحصل الفهم لا يحصل العمل ، وإذا لم يحصل العمل فلا نُرحم . وكذلك فإنه موافق لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إنما جُعِل الإمام ليؤتم به فإذا كبَّ رَ ، فكبِّ روا ، وإذا قرأ فأنصـتوا ...) الحـديث (رواه مسلم) . هذا في الصلاة الجهرية أما في الصلاة السرية فتجب قراءة الفاتحة وراء الإمام وهاهنا يأتي دور الحديث : ( لا صلاة لِ مَنْ لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب) . والله تعالى أعلم (من تعليق محمد نسيب الرفاعي علـى مختصر تفسير ابن كثير) . خلاصة تفسير الفاتحة : قد اشتمل هذه السورة الكريمة على حمد الله ، وتمجيده ، والثناء عليه بذكر أسما ه الحسنى المستلزمة لصفاته العلى وعلى ذكر المَ عَادِ وهو يوم الدين وعلى إرشاد عبـاده إلـى سـؤاله والتضرع إليه ، والتبرؤ من حولهم وقوتهم إلى إخلاص العبادة له وتوحيده ، توحيد الألوهية تبارك وتعالى ، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل .
عدد الصفحات ٣٢