المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب محي الدين ابن العربي

غير معروف

صفحة ٣ من ٤

33 وهي أرواح السماوات نشأ السبع الطباق الطرائق والكواكب منه فلما كمل هذا الكرسي واستقر فيه الملأ الأمرى أحال أنوار السبعة الأعلام فكان عنها السبع الطرائق متماسة الإجرام جعلها سقفا مرفوعا لمهاد سيكون إذا توجه عليه الأمر بقوله تعالى: «كُنْ فَيَكُونُ » وكواكبها منتهى الأشعة في الخلاء على الاستيفاء فسقطت الأنوار، وتجارت وانتشأت الأفلاك، واستدارت وهي منتهى الأشعة، وبقي منتهى الأشعة على أصله نيرا في محله فالأفلاك اتصال أنوار أشعة الأنوار الحقيقية المحمدية والمقامات الأحدية ويرجع صغر حجم الكواكب وكبرها المسام ذاته المشرقة، وينابيعه المنفهقة، وعليه دور الأفلاك الإحاطة، التي اتصفت بها الوساطة وتحريكها بالتماس مشروط على عقد مربوط واختصت كواكب المنازل بالكرسى الكريم لما كان المقام الذي يفرق فيه كل أمر حكيم، فتنبه يا غافل وتدبر يا عاقل لهذا النشأ المصون والكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون، ولما استدارت هذه الأفلاك متجوفة، واستقرت بساحاتها عوالم الأملاك متخوفة وكملت البنية في النشأة العلوية، واستمرت الجرية وطلب التأثير يأتيه فلم يجد، فيرجع فقيرا إلى حجاب الأحدية فجئ عند قدميها راغبا ولمملكته منها طالبا وضجت ملائكة السماء وما بقي هنا لك من الأسماء إلا وجود الأرض والماء والنار والهواء. لؤلؤة نشأ العناصر الأول منه فنظر صلى اللّه عليه وسلم ذ اته بعين الاستقصاء، إذ قد أنشأه الحق محل الإحصاء ثم نظر ما وجد منه فوجد الملأ الأعلى والعالم الأدنى وفقد العالم الأوسط والأقصى فأخذ يدبر في إيجاد أصول الكون الأسفل، والنور الأنزل، إذ لا بد لكل علو من سفل ولكل طيب من تفل فقبض عليه الحق سبحانه عند هذه النظرة، ومرور هذه الخطوة وقبض الجلالة والهيبة ليخرج ما بقي من الأشعة في تلك الغيبة فعندما اشتد عليه الأمر وقوى عليه القهر، وظهر عليه العدل والأمر، ورشح لتلك النقطة فكان ذلك الرشح ما ثم نفس عنه سيرا فتنفس فكان ذلك النفس هواء، ثم أوقفه على سر الجهة التي قبضة منها فلاح له ميزان العدل قائما على نصف ذاته فزفر زفرة له، فكانت تلك الزفرة نارا، فسد عنه في ميزان العدل بحجاب الفضل، فوجد برد الرحمة، فيبس ما بقي من الرشح بعد نظره فكان ذلك اليبس والبرد أرضا قدارا، ثم ناداه من حضرة العين يا محمد هذه أصول الكون، فصيرها إليك ثم امزج بعضها ببعض فيكون منه عالم الهواء والأرض والجامع لهؤلاء العوامل الإنسان هو الذي أشار إليه العارف بقوله لا أبدع من هذا العالم في الإمكان،

عدد الصفحات ٣٣

34 فتكون الخلاف والمثل، فظهرت الصورة والشكل وكل خلق بالإضافة إلى ما خلق منه يسير، وإلى ما كون منه بعد الخلاء له يصير وستعلم أن فقه القديم في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ «سورة التين آية4» إلى ما خلق من الطين إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «سورة التين آية5» فعرف من أين جاء وزال الظل ثم أفافَلَهُمْ أَجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ «سورة التين آية6» مشاهدة تمكينفَما يُكَذهِبُكَ بَعْدُ بِالدهِينِ «سورة التين آية7» عن مكاشفة التعيينأَلَيْسَ اللَُّّ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ «سورة التين آية8» بين المتنازعين من أهل البرازخ بين الشمائلواليمين فصن هذه الدرر وتكتم بها واستتر، فلا يعرف ذلك إلا من طعم وشرب من مائدة الحق. فعاين الصدق. وتريح عنه أثواب الرق. لؤلؤة الدخان الذي فتقت فيه في السماوات العلى ولما خلق اللّه هذه العناصر الأول، على الخلق الذي قدره في الأزل، جعلها سبعا طباقا، وأسكنها أقواتا وأرزاقا، كما أسكن الطباق العلى معارف وأخلاقا، فتماست طباق الأرض، وحك بعضهما في بعض، فتولد بينهما لهب، ذو سبع شعب كل شعبة من جنس أرضها، ولذلك تميز بعضها من بعضها فعلى من كل لهيب دخان مختلط، ففتق ذلك الماء والهوى والنار. ومازج أفلاك الداررى والأنوار مرتوق الشعب منزوع اللهب، ففرقته الأفلاك والنيران بحقائقها فكان فتقا؛ وصعد هيولانيا فصيره الحق عند هذه الأسباب صورا وخلقا فأداره سبع طريق وجعل الأفلاك أروحا لهن وحقائق فقال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخان «1» وقال فَقَضاهُنَّ سَ بْعَ سَماواتٍ «سورة فصلت آية11،12 »، في يومين بعد ما خلق الأرض وقدر فيها القوت في أربعة أيام وذلك لكثافة الأجرام فإنها أربعة عناصر مختلفة الأواصر، ولما كان الدخان من نار السبع الطباق الترابية، فكانت مختلفة في اللونية، كذلك جاءت الطباق السماوية مختلفة في اللونية، فزرقه وصفرة وحمرة وبياض، وخضرة كل سماء من جنس أرضها إذ هي من بعضها، وكذلك لما كان أصل السماوات أرضيا عنصريا، زالت بزوالها في الآخرة، وبقيت الأفلاك العلوية في أوجها دائرة من غير جرم محسوس ولا جسم ملموس، وكذلك لا تظهر فيها النجوم فإن الفلك يبرز بذاته على العموم. إذ النجم عبارة عما ظهر من الفلك. فتأمل يا أخي هذا الخبر الذي شملك، فالأفلاك باقية بقاء الجنان. والإنسان والسماوات باقية ببقاء الأرض والحدثان، فتأمل لولا الحقائق المرتبطة والأفلاك الروحانية المتوسطة،

عدد الصفحات ٣٤

35 ما بدلت الأرض غير الأرض، وصارت در مكة بيضاء تحت قدم الخفض فظهور الأفلاك النيرات. عبارة عن تبدل السماوات فتأمل هذه الإشارات، وابحث عما تضمنته هذه العبارات. فلا يعرف السر إلا من غمس في بحر البر. لؤلؤة نشأ منها أمثال رؤية الحق في عالم الخلق وتجلى الحق سبحانه وتعالى للناطق من الحيوان كتجلى السراب للظمآن، وليس في الكون كله شئ يشبه تجلى الحق إلى قلوب العابد من سماء المعرفة سوى هذه الصفة، ألا ترى التجلي لا يكون إلا (من أعلى إلى أدنى) وجعل القيعان دون الجبال مجلا للشراب الأسنى فانظرها حكمة ما أجلاها وقطرة مزن ما أعذبها وأحلاها، ثم حجب حقيقة هذا السراب نصبة تشبيها بعمل أهل الكفر. ثم نبه أهل الإشارة على عظمته عنده في آخر الأمر. فقال حين أنزل عهده، وخاطب عبده: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاا وَوَجَدَ اللََّّ عِنْدَهُ «سورة النور آية39» فستره أو لا بعمل الكفر وبتوفية الحساب بعده، إذلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «سورة الشورى آية11» ولا يدرك وصفه وهو اللطيف الخبير فارفع هذه الطنب، واخترق هذه الحجب تبصر العجب العجاب، واشكر القشر الذي صان هذا الباب، فالسر غال، والأمر عال، والمعرفة ملزمة فقف عند حد الأدب واترك الطلب وقل: «سبحان اللّه وسع كل شئ رحمة وعلما»وهنا يقول المحقق لهذا الكتاب «السر لا يستبين العقل حكمته ..... إلا بنور من العرفان رباني فارقب بقلبك ما تخفيه حكمته ..... واستمطر الخير من ذياكم الجاني» لؤلؤة التحام اليواقيت وانتظام المواقيت ولما تمهدت الخليقة وامتدت الدقيقة. إلى الحقيقة، وتجسد في أول النشأ الترابى الشخص الجسماني الإنسانى الآدمي المخلوق بيد لتنزيه والمكسو حلة التشريف والتنويه ويردد الجسد طورا بعد طور، وكورا بعد كور، في قوالب يكثر عددها ويكبر أمدها، حتى كانت تلك الأطوار في تلك الأدوار نشأة متحدة. وهيئة فردية متجسدة فلما كملت بنيتها، وتخلصت تصفيتها، تفخ فيه الشخص الروحاني. والكلمة الإلهية، والأمر الرباني، فقامت النشأة على ساقها تعتمد ويأمرها تستند. وتوارى الدور بالنشأة، على أصل البدء. إلى أن سلخ ذلك النهار من ليل أرضه، والتحق بعنصره الأعلى واختلط بعض ببعض وبقي في أوجه الأعلى رقيبا، وعلى تعاقب الأدوار حسيبا، ولتبصرنه على التعيين، في مقام التمكين ولتعلن نبأه بعد حين وهو إذ ذاك أحكم الحاكمين فلما ارتفع كما ذكرناه،

عدد الصفحات ٣٥

36 في الرد الذي به سترناه تحققت المهلكة بالفساد، وعم الهلاك جميع البلاد والعباد، إلى أن حلت الشمس في حملها ثبت شرفها وجذلها وسطع النور وتنزل الأمر فلم يبق أحدا أعلا إلا صعق لذلك التجلي ولا بقي رفرف أسنى إلا كان تجلى لذلك التدلي فتنزل نور «ليس كمثله شئ» في أنبوب ماله في مكتنفا بأردية الصون حتى وصل إلى عالم الكون، فحل الدري المشرق في برجه، وحصل الرقم المودع في درجه، فكان ياقوتة حمراء، تجوفت لها ياقوتة صفراء، فأودعها سبحانه فيها. وختم عليها بخاتم: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَة أَكادُ أُخْفِيها «سورة طه آية15.» فلما التحقت الحقيقتان والتفت الرفيقتان زهرت الأفلاك واعتصمت الأملاك، وظهرت الرجوم، لمن أراد الهجوم، وتنزل الروح الحق، والكلم الصدق، ثم اختلت الياقوتتان في الظلمات لتعاين الصغرا منهما. ما غاب عنها من الآيات، فعندما اجتمعت الصغرا بأختها كانت لها بيتا، ثم ارتقت إلى من كانت له بيتا، فأكرمت إلا موالها وحمدت مسوالها فتطلعت الحمراء من خلف حجاب الكتم، فإذا هي بنور الختم فخاطبه بلسان الاستنباء أنا خاتم الأولياء ومقدم جماعة الأصفياء، أنا مكنون حكمتك. وخاتم أمتك فقالت: له هل لك في أن تكون معي وزيرا صديقا. فقال قد استخلفت عتيقا وشال رداءه فإذا بالصديق إذاءه وشمس الغرب ورائه ثم فارقه وقد شاقه، فلما عدمت الأغيار وتقطعت الأنوار والتصقت الرقيقة المثلية بالحقيقة الكلية في أنبوب الزمردة الطينية، شمع صوت وزيره، وصاب سره وتدبيرة الذي استخلفه خاتم أوليائه، في الجرى على إنجائه، ثم كانت أمور في هذا التجلي، لا يسع الوقت إلى إنشائها، ولا يعطى الحال أيضا إذاعة أنبائها، فإن القصد في هذا الكتاب إنما هو معرفة الخليفة والختم وتنزل الأمر الحتم فنقول فرجع عوده على بدئه في ليله وأدرك صلاة الصبح مع أهله فنسود ذلك الجسد على أمثاله ممن تقدم أو تأخر من أشكاله. لما كانت مادة الحقيقة الأصلية والنشأة البدائية إليه اسمه من ذاتها وإلى غيره من صفاتها. لؤلؤة اعتراض لمن أصاب الصيد بالمعراض ولما كان هذا النشأ الحمدى بهذه المنزلة العلية، وكان الأصل الجامع لجميع البرية، وصح له المجد الذي لا ينبغي لغيره. وأقامه الحق سبحانه وتعالى صورة نفعة وضيره عدلا وفضلا. وجمعا وفصلا. وأراد الحق أن يتم مكرمته حسا، كما أتمها نفسا، فأنشأ لها في عالم الحس صورة مجسمة بعد القضاء الدورة التي تعطف آخرها على أولها. وكانت في أوسطها مكلمة

عدد الصفحات ٣٦

37 وسمى سبحانه وتعالى ذلك الجسمالمكرم المطهر محمدا وجعله إماما للناس كافة، وللعالم سيدا. ونطق على ظاهر ذلك الجسد لسان الأمر فقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ثم نزل لهم تعليما فاغتفر وردد فيهم البصر والنظر وقال"إِنَّما أَنَا بَشَر ". وذلك لما كنا له مثاله، وكان لنا تمثالا، فطورا تقدس وطورا تجنس فهو السابق ونحن اللاحقون وهو الصادق ونحن المصدقون ولما كانت أيضا صورته الجسدية جسما لمقام الأنباء لا لصورة الإنشاء، كما كان بدأ الوجود الكون وظهر العين فكانت دورة فلكة دورة ملك والدورة المتقدمة المذكورة، درة ملك، لعلك تقول كيف يتأخر وجود الملك عن وجود المملكة وهي قد حصلت في ميدان الهلكة. قال: من كان في ذلك الوقت استنادها وعلى من قام أمرها وعمادها فها أنا أشفى الغليل وأوضح السبيل، وأعرفك بامتداد الرقائق وتناسب الحقائق «والمحقق هنا يقول للإيضاح أظهر المملكة الوجودية سبحانه وتعالى أو لا إظهار بروز وأخفى الملك رغم بروزه الأولى حتى يتم أمر رعايته لمملكته فليس ثم ملك من غير مملكة فافهم ترشد وأبصر تزدد.» لؤلؤة امتداد الرقائق من الحقيقة المحمدية إلى جميع الحقائق ولما أوجد الحق سبحانه كما قدمنا الأفلاك سقفا مرفوعا لأهل السفل ونصب الأرض مهادا موضوعا لحثالة الثقل وانتشرت عنه صلى اللّه عليه وسلم من مستواه في الملأ الأعلى حقائقه، وتكونت من أنوار أشعة نوره طرائقه واتصلت بعالم الأرض الموضوع رقائقه، وظهرت فيهم شمائله صلى اللّه عليه وسلم وحقائقه، لكل حقيقة شرب معلوم ومع كل رقيقه رزق مقسوم ولحظنا تفاضل الرقائق . «والمراد من الحقائق ما تتنزل بها الملائكة مشافهة بالخطاب المنطوق، ومنها ما هو بإلهام عن طريق الكشف.» «فوجدناها راجعة إلى تفاوت الخلائق في الخلائق، فكشفنا من مقام المشاهدة والتعيين، على رقائق الأنبياء والمرسلين فرأيناها تنزل عليهم صلوات اللّه عليهم على قسمين منها ما ينزل بها ملائكة القدمين، ومنها ما ينزل عليهم من مستواه مكاشفة عين» ورأينا مشاركة أتباعهم لهم في هاتين التنزيلتين، ولكن بواسطتهم، لا بالعين، إلا هذه الأمة التي قيل فيها إنها خير أمة أخرجت للناس فإنها تأخذ عنه من غير واسطة ولا التباس. كما أخذ عنه من تقدم من رسول مرسل أو نبي منزل، غير أن تنزل الملك قد يفاجئهم وقتا ما كما يعمهم بالإلقاء في الأجل المسمى، وأما من خلق جاحدا، وطبع ملحدا، فإن النور المحمدي لما ضرب في الأرض شعاعة، وحميت قيعانه وبقاعه تولدت بينهما

عدد الصفحات ٣٧

38 حرارة وتجسدت بالنبات فتكون منها شرارة، ففتق في تلك الشرارة الجن على قسمين، رفع وخفض لما كانت تلك الحرارة نتاجا بين النور والأرض، ولذلك قال تعالى: "وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ" «.سورة الرحمن آية15.» إشارة إلى اختلاط الأرض بالأنوار، فمن غلب عليه النور في ذلك النتاج كان من الجن اللاحق بالبوار فتنزل الرقائق على من طبع كافرا في أنابيب ذلك النار الشيطاني. وإن كان أصله من النور السلطاني وأما العصاة فتنزل رقائقهم بواسطة ما قدمناه من الحرارة لا بواسطة الشرارة. فكانت رقيقته صلى اللّه عليه وسلم في دورة الملك المالك إلى هلم جرى إلى الأ بد أصلا لجميع الحقائق فهو الممد صلى اللّه عليه وسلم فجميع العوالم من أول منشأة إلى أبد لا يتناهى مادة شريفة مكملة لا تضاهى. . مرجانة اللؤلؤة الأولى إلى مرجانة اللؤلؤة العاشرة .كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي مرجانة اللؤلؤة الأولى حظ الإنسان منها انسلاخه عن الحقيقة المجردة بمشاهدة حقيقة من كان أوجده نفى عن نفسه حين أحاط به نور شمسه في حضرة قدسه فحصل له الإحاطة بالعلم الكلى تقديرا، وبقي له تأثيرا الحكم تكويرا. فصاحب هذا المقام لا يعجز عما يسأله عنه سائل وكيف يعجز من أحاط بالعلم الكامل وتحصل العلم عنده السؤال، وهل الفرق بينه وبين المتعال كما أن الفرق بينه وبين عالم الذل والعز عدم الحصد والعجز وقد يسأل نفسه أو يرى فيعرف ما سكن في الليل والنهار أو تحرك في الورى، فهذا نعت من حصل في هذا الكشف الأجلى والمقام السنى الأعلى، لا تخدع نفسك بنفسك، ولا تترك الغمائم على شمسك إلا أن استسقاك من جذبت أرضه، وتعطل عليه فرضه وهلك بعضه فأروه من مزنك حتى يستصحبك فيعلم أن جميع مطالبه فيك فعند ذلك أرخى العنان واطلق سبيل العيان، وقل المريح تزرؤها ذروا حتى تبدو الشمى للعيان، فإذا أحاط الإنسان بهذا الوصف وتحقق بهذا الكشف فليس وراءه عدم ولا وجود، ولا عابد ولا معبود، إذ لا ورى ولا أرى إذ قد حصل الموجودين، وتحقق بالعدمين، وفصل العدم الثالث فصلين، ولم يسبق له من العلم سوى حرف العين وانفردت المادة بالميم. واللام بلطف القديم، فليس في ذلك المقام سوى علم مجرد وتحقيق قديم ومجدد .

عدد الصفحات ٣٨

39 «أي علوم لا تبتدأ وإنما هي قديمة من حيث تعلق الإرادة الإلهية بما انكشف في علمها القديم لكن إظهارها في الزمن المراد والمكان المراد حسب تخصيص مشيئته تبارك وتعالى اعتبرت علوما مجددة «أمور يبديها ولا يبتديها»» مرجانة اللؤلؤة الثانية كذلك بعض الخواطر الأول اللاحقة بالأزل لا تتصف لا بالوجود ولا بالعدم ولا تضمنها لوح ولا خطها قلم، ولا كانت مجملة في الدواة كالقمر في النواة لم تتصف بالأين ولا زلات تكر من العين إلى العين فمن هنا وقع الشبه والاشتراك بين هذه الخواطر وعيون الأملاك وذلك قبل خلق العرش وفتق الفرش، فقد صحت له المقابلة وعوينت المماثلة. مرجانة اللؤلؤة الثالثة كذلك إذا خلع الرجل نعليه وتجرد عن ثوبيه وزهد في كونيه حل هذه المحل الأسنى وكان منه بقلب قوسين أو أدنى، ورثا نبويا من دنى كل قوس على حسب واميها وعلى حسب اختلافها في مراميها، هذا هو مقام الاستواء وحضرة وتر الأنبياء فيه ترد عليه مخاطبات التأنيس، وقواعد التأسيس بعين الاتحاد، من غير إلحاد، فتمايل ذاته في ذلك النور تمايل السراج من وارد السرور، والابتهاج، فكأنه نشوان أخذ منه الراح فرام الارتياح، لم يجد السراج فسمع منه إليه فتواجد بعضه عليه، فكان عشاقا لنفسه تواقا لشمسه فطلعت عليه من فؤاده، وأشرقت أرض بلاده فتعم بعضه في بعض لما جادت سماؤه على أرضه . «وللتوضيح يقول المحقق«أن المقصود أن العبد الرباني إذا عاش مقام التفريد بفناءه عن الأشياء واستغراق حاله في اللّه تعالى يشئ الأشياء كانت ذاته عرش استواء التجلي الإلهى تتوافد عليه جميع أسرار العوارف بالحقائق»» مرجانة اللؤلؤةالرابعة كذلك إذا حصل الإنسان من ذاته في برزخ البرازخ مقام المجد الشامخ والعز البازخ فيه تكون ليلة قدره، وكمال بدره يميز فيه بين الأشياء، ويفصل بين الأموات والأحياء، ويطلع على أهل البلا والنعماء فيه يبرز على صحابته بالكتابين بالشمال واليمين، وهؤلاء بأسمائهم وأنسابهم في عليين وهؤلاء كذلك في سجين، بعد ما يحصل له فيه التجلي العلى من حضرة المتعالى بهؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي، منه أنزل الفرقان، وإليه أنزل القرآن، وفيه يعلق الميزان وتتطاير صحائف الشمائل والإيمان في هذا المقام تقوم قيامته، الخاصة بذاته، وتقع مسائل العدل في أسمائه وصفاته، فتنطق الجوارح لبعض العارفين، وتبدو الفضائح لأهل التلوين،

عدد الصفحات ٣٩

40 والمصالح لأهل التمكين فيه تبدل سيئاتهم حسنات وكراماتهم آيات فيه يحصل لهم بعد قيام قيامته، واستواء إقامته الوارث الإنبائى والمقام الاختصاصى، فنادى في ذلك الانباء الخاص، ألا فانزل إلى القصاص وعجل بالأوبه "وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" . «سورة «ص»آية3. » فمبادر ومتملك فمتملك من تملك ومن هذه الحضرة ينقلب الولي نبيا والنبي وليا، هي حضرة الخليفة والختم وحل الإفشاء والكتم، وإن رغم أنف المنكر، فإنه القائل المستكبر أخذ بقضاء اللّه، إلى أن حصل في «مضمار الانتباه»فينقلب عينه ويتصل بينه فيا حضرة فرق ويا مقعد صدق ما أعطاه بحق. مرجانة اللؤلؤة الخامسة كذلك إذا طلعت نجوم العلوم من سماوات الفهوم اقتقر إليه كل شئ ولم يفتقر هو إلى شئ وسبحت درارى صفاته في أفلاك ذواته على برج مقاماته ومنازل كراماته فخلق الأيام بدورتها، وتثبت الأحكام بكرتها، فسبعة سابح في سبعة كإقبال في ثمانية وعشرين ورجعة مقسمة على أثنى عشر محلا، لتصح أثنى عشر شهرا حراما ما وحلالا فليس إلا أربعة أعلام، أيام وجمع وشهور وأعوام، فالأيام داخلة في الجمع والجمع والأيام روى أبو داود الطيالسي عن أبي إسحاق التميمي قال: سألت ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما عن قول اللّه تبارك وتعالىفَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍقال: ليس بحين نداء ولا نزو. . . وقال علي بن أبى طلحة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما : ليس بحين مغاث. . . وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس:نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: «تذكر ليلى لات حين تذكر» وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم. وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء. ولزيادة الإيضاح نقول استجاروا واستغاثوا حين لا تنفعهم استجارتهم واستغاثتهم فقد فات الأوان ولا ينفع الندم. داخلة في الشهور والأيام والجمع والشهور داخلة في الأعوام، ثم يرجع الكور فيتوالى الدور فلدرارى جمعة تمام والمنازل شهر والبروج عام، فإن كان يومك الأحد، فإدريس جليسك فلا تلوى على أحد، وإن كان يومك الاثنين فآدم جليسك في برج النشأتين وإن كان يومك الاثنين والثلاثاء نهارون جليسك فالزم الاهتداء. ويحيى أنيسك فالزم العفاف والاكتفاء، وإن كان يومك الأربعاء فعيسى جليسك فالزم الحياة القدسية والبيداؤ إن كان يومك الخميس فموسى جليسك فقد ارتفع التلبيس وكملت على كشف ولا أنيس وقد استبشر الملك وخنس إبليس وإن كان يومك العروبة .

عدد الصفحات ٤٠

41 «اسم من أسماء يوم الجمعة، والعروبة بالفتح ومعناها الحبيبة، والعروب من النساء المتحببة لزوجها ومنها قوله تعالىعُرُباا أَتْرابااأي الحور المتحببات لأصحابهن، وعرب جمع عروب.» فيوسف جليسك صاحب الصفات المعشوقة المحبوبة وإن كان يومك السبت فإبراهيم جليسك فبادر بكرامة ضيفك قبل الفوت فهذه أيام العارفين، وهو لا دارارى أفلاك السائرين وأما شهودهم فأربع جمع فاستمع أيها السالك واتبع فكشف جمعتهم : الأولى لوحيه، والثانية قلمية والثالثة يمنية والرابعة علمية، وعلمهم: اثْنا عَشَرَ شَهْراا فِي كِتابِ اللَِّّ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ «سورة التوبة آية 36.» فعليكبالانتباه: فمحرم التحريم والتبري، وصفر التجلي والتحري وربيع العرف، وربيع الكشف وجمادى الأولى، وجماد الآخر، ورجب المشهد الأشمخ وشعبان البرزخ، ورمضان الصمدانية،وسؤال عين الماهية، وذي القعدة البساط وذي الحجة الانبساط . فهذه شهورهم وهذه دهورهم، فشمسهم حياتهم، وزهرتهم نظرهم، وكتابتهم كلامهم وقمرهم علمهم، والمقاتل قدرتهم، والمشترى إرادتهم وكيوان سمعهم فشمسهم روحهم، وقمرهم نفسهم، والخنس حواسهم. وترحيلهم سيرهم في المقامات وتأثيرهم ما ظهر عنهم من الكرامات ورجوع دورانهم نزولهم إليا لبدايات، بعد النهايات لكن نشأة أخرى، في يوم طامة كبرى، فيمانية وشمالية في الترحيل، بالترقى بأسماء حق الخلق، وأسماء حق الحق، على التحريم والتحليل وكسوف يعترى، الكمل قد برى. وأدنى يكشف أعلا. لغلب الشهادة على ما خفى، وزيادة في قمر النفس، ونقص وذلك لتعويج القوس فخروج من حضرة الحق ودخول ومحاق وأقوال ولا يكسف إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب، ويكسف القمر الشمس في أوجها إذ دخل برجها، ولولا طلب الاختصار لأوضحنا هنا من الأسرار، ما فيه عبرة لأولى الأبصار فانظر على هذا الأنموذج، في نفسك واجتهد في ترحيل قمرك في شمسك، واللّه يهدى إلى الطريق الأقوم والسبيل الأقوم. «تحذير وتنبيه يقول المحقق أيها المريد حتى تستفيد وتفيد إلى التثبت والفهم حتى لا تقع في خيالات الوهم والجموح في المغالاة والشطط وأسأل ربك الشرح حتى لا تقع في الشطح، فهذه

عدد الصفحات ٤١

42 علوم رجال أفذاذ، لهم عند ربهم ملاذ، اجتباهم وعلى عينه رباهم وجعلهم أوعية لعلومه وأسراره ومصابيح لإظهار جمال بوارق أنواره.» مرجانة اللؤلؤة السادسة كذلك إذا كان الإنسان في مقام المجاهدة وعدم القرار فعنصره النار فإن تلطفت ذاته بكشف الإيماء، وفنى عن تأثير الإرادات، وسلطان الهواء فعنصره الهواء فإن كان في مقام الحق بالأسماء بعد الأسرار، والنزول من السماء فعنصره الماء فإن صمت وهو متكلم وتبرأ من العلم وهو معلم وساوى بين الأقارب والأتراب . «الأتراب جمع ترب وهو الصاحب والقرين وأتراب معناها أصحاب.» وعم بخطاب الهداية الأعداء والأحباب فعنصره التراب مرجانة اللؤلؤة السابعة كذلك إذا علم الإنسان أن وجوده سراب إلى جانب وجود الوهاب يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءا حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاا «سورة النور الآية39.» فلولا نفحة الدعوى، ما تشبه بالماء، فإن ارتقى على كل هذا الشكلفسرابه عبارة عن المثل. وذلك إذا تجلى الحق إلى قلبه في مكنون غيبه، فسطعت أنواره عند التجلي، فنحيل الظفر به في ذلك التدلي فوجد الأين لحصره، والعين تبصره والكيف ينعته، والعقل في التشبيه يمقته، فيرجع بعد الغنا إلى العجز، ويعرف أنه خلف حجاب العز، يجد اللّه عنده، فيوفيه عهده، فتحقق رشده. «يشير بذلك إلى الآية الشريفة «فوجد اللّه عنده فوفاه حسابه »والمقصود أن العبد الرباني إذا انزاحت عنه الحجب في حضرات التجلي شاهد المتجلى». مرجانة اللؤلؤة الثامنة كذلك من وسع الحق قلبه فقد استوى شهادته وغيبه، والتحمت يواقيته وانعدمت مواقيته، وكان الحق هنا الساري إلى عبده رحمة من عنده، وهذا الفرق بين النبي والولي والتهامي والنجدي، فإن النبي يسرى إلى الحق العلى والحق يسرى إلى الولي، إذ لا طاقة له على التسري لقوة امتزاجه بالورى وتثبته في الثرى، فمن غلبت عليه روحانيته واستولت عليه ربانيته سرى إليه سير النبي على البراق العلى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيهِبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ «سورة فاطر آية10.» والحق يفرقه ويجمعه فمن أراد بسط هذه المرجانة، ولؤلؤتها على الاستيفاد فليطالع من كتبنا كتاب الأسرار هنالك يعرف منزلته، ويكشف مرتبته. مرجانة اللؤلؤة التاسعة كذلك عالم الشهادة تمام العوالم ونكتة العالم هو مجتمع الأسرار ومطالع الأنوار، به يصح المجدولة يحصل الجد، فإن قال أنا سيد العالم فله أن يقول لأن العقل لا يصح له

عدد الصفحات ٤٢

43 علم إلا بعد المغيب في هذا الجسد والأقول وإن قال أنا بشر مثلكم دون زيادة ف إشتراك في العبادة والإنسان في نفسه نسختان، ولذلك له إذا صام له فرحتان . «روى ابن ماجة في سننه كتاب الصيام : عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء اللّه، قال اللّه تعالى: وَاللَُّّ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ. يقول اللّه تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به ترك شهوته وطعامه من أجلى»رواه أبو هريرة رضى اللّه عنه »، فنسخة إحساسه تفرح بفطرها، ونسخة عقله تفرح بلقاء ربها، فكان الواحد مثالا والآخر له تمثالا، وقد كان ملك الروح موجودا، وعالم الملك مفقودا، ولكن يلاحظه في أطوار تنقله من الأصلاب إلى أو ان إنسلاخه منها والإنسلاب، فمن انسلخ عن صلبه فقد فاز بلذة قربه ومن تقدم روحه على حسبه حاز حضرة قدسه ومن دبر ملكه في عالم الغيب برأه عند وجوده من الغيب والريب ومن كان آدمي الوضع محمدي السر فقد حصل المقامات على الاستيفاء وكلمه الجبار بوساطة الافتقار إلى النار في حق الأغيار كذلك من مشى في حق غيره فقد باء بجميع خيره فإن مشى في حق الحق فهو في مقعد الصدق فتحقق ترشد . «يقول المحقق ولا يقطع هذه المقامات، مترقيا إلى أعلى الحضرات إلا من أهلك الأغيار وولى عن الإدبار في جمع لشتات حاله عن السوى، ومفارقته لحجاب الهوى وترك جميع الخلق، واصطلم مستغرقا في الحق فإن كان كذلك مدح هنالك وصار عبد حق في مقعد صدق.» مرجانة اللؤلؤة العاشرة وإن كان العارف أمره متبوعا وكلاما مسموعا وحصل المشاهدة الغيبية وحاز المرتبة القطبية، وساقت إليه الأسرار، واطلع الأنوار من خلف الأستار، وكانت مادته كالشمس في مادتها وقبلت كل ذات على حسب حقيقتها، فإذا حصل في النور تغيير، فذلك راجع إلى محل التكوير، فكما لا يساوى قبول الجسم الصقيل قبول الدرن للنور والفيض هو واحد كذلك منازل القلوب عنه فيض الشاهد فالقطب يرسل نوره، والكون منه ما يكشف حجابه ومنه ما يرخى ستوره، فالغيب من كون النفس أمر عين الشمس فالأمداد وترى والقبول وترى شععى. فنور المعرفة كالسراج في الصفة فكما أن نور السراج ما قرب منه إلى الفتيل أظلم وعاه وما بعد منه وارتفع سطع وأنار كذلك نور المعرفة ما امتزج منه بعالم الشهادة قل ضؤءه وتراكم غمامه ونوءه،

عدد الصفحات ٤٣

44 فإن الحل كشيف ونور المعرفة لطيف وما تعلق منه بالعقل والروح أنار كذلك يوح وبقي على أصله من الجلاء لما انسلخ من العماء وكما أن القتيلة إذا كان في رأسها دخان مسامت لنور السراج لاصق به جرى نور السراج في أنبوب الدخان حتى يستقر برأس الفتبلة فبقد على بعد فما ظنك بنور المعرفة من بعد كذلك للعارف إذا احترق قلبه بالشوق وصعدت همته إلى فوق، واتصلت بنور معرفة المعروف ردها إلى قلب العارف باسى معروف فعاش بها زمانا وأنا ربها أكوانا وكما أن السراج إذا طلعت الشمس لم يتغير ضوء نفسه كذلك نور المعرفة في المعارف إذا تجلى الحق للأعيان وأظهر قدسه أنار الوجود بتجليه، وأنار العارف بذلك التجلي وزاد على الغير بما أودعه فيه، فهو بنورين، ويشهد الحق من الجانبين وكما أن نور السراج أبدا إلى جهة فوق كذلك نور المعرفة متعلق بالحق، فإن مر على السراج هواء تمايل تمايل النشوان فإن اشتد عليه الهواء عدم من العيان. وكذلك نور معرفة العارف أن داخله تعلق بالأكوان، تمايل النشوان عن الشمائل والإيمان فإن تعلق بها تعشقا عدم من عين المشاهدة تحققا، وكما أن السراج يطفى منه الهوا بالحق ويبقى منه ثيرا ما لم يلحق كذلك نور المعرفة ليس يذهب ذهابا كليا ولكن يذهب منه ما تعلق بالخلق ويبقى منه ما تعلق بالحق وكما يفجأ النفخ للسراج بغتة فيطفيه كذلك الخطوة المستفرقة تطفئ نور المعرفة ولا يكلؤه. فإن بقي منه دخان؛ فتلك الهمة، فسيعود إليه نوره وهو جالس وإن لم يبق له دخان فسيكون الفرانق الفارس، وكما أن السراج إذا لم يمده الدهن طغى كذلك نور المعرفة إذا لم يمده التقوى عدم. وكما أن السراج إذا لم يتعلق بجسم لم بق له عين كذلك نور المعرفة مع الكون وكما إن نور السراج لا يكون ضوءه كاشفا إلا حيث الظلام، كذلك نور المعرفة في الأجسام، وكما أن السراج لا يستضئ به إلا من يليه. كذلك نور معرفة العارف لا يستضئ به إلا من يصطفيه ويدنيه، وكما أن السراج لا يستضئ به من بعد كذلك نور المعرفة لا يستضئ به من جحد، وكما إن السراج يكشفه البعيد والقريب كذلك نور المعرفة يشهد له البعيد في الأفعال والقريب، في وصفه العجيب وكما أن من حصل في ضوئه السراج لا يكشف ما بعد عنه وأعماه، كذلك نور المعرفة من قرب منه لا يعرف سواه، وكما أن السراج يقدمنه أهل الأرض ولا ينقص ذاته، كذلك نور المعرفة إذا حققت صفاته وكما أن السراج ما اتصل منه بالفتيلة اتسع، وما بعد عنها خرج مخروط الشكل وسطع كذلك نور المعرفة إذا تعلق بالأفعال اتسع باتساعها، وإذا تعلق بالحق ضاق ورق لعجزه بمكانها وفي السراج من الأغيار ما

عدد الصفحات ٤٤

45 يضيق الديوان عنه و يبلغ لدكنه فكيف لو أخذنا في اعتبار الشمس في هذا المقام والقمر في حال نقص والتمام. أو في كون من الأكوان لضاق الزمان من إبراز سرائره للعيان، فلكيف من ذلك ما ذكرناه، وليستدل بهذا على ما تركناه، وهذا هو حظ الإنسان من اللؤلؤة العاشرة قد ذكرنا بعضه، وأجمل معناه لما قصر عنه لفظه واللّه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم. . إثبات الإمامة على الإطلاق من غير اختلاف إعلم أن الإمامة هي المنزلة التي يكون النازل فيها متبوعا وكلامه مسموعا وعقده لا يحل، وضرب مهندلا لا يفل فإذا هم أمضى، ولا راد لما به قضى حسامه مصلت وكلامه ممصمت، لا يجد الغرض مدخلا إليه، وإن رام اعتراضا عوقب عليه، وقد أثبتها سبحانه وتعالى كبرى وأكبر صغرى وأصغر، فأي منزلة كانت صغرت أم كبرت جلت أم قلت، فإن الطاعة فيها من المأموم واحدة والمخالفة لها فاسدة إذ قد وقع التساوي في الطريقة والاشتراك في الحد والحقيقة. وحكم الإمام على قسمين: لما كان الإمام إمامين ناطق ومضمن نطقا وصادق ومودع صدقا كالإمام الذي هو الكتاب الصحيح الذي يشهد عليه بالتصريح فيحكم عليه الكتاب بما شاء كيف شاء ولذلك قال الصادق المختار فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار . "" أضاف المحقق : الحديث : قال ابن مسعود حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إنه يجمع خلق أحدكم من بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقول: اكتب عمله وأجله ورزقه وشقى أم سعيد، فو الذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها والحديث، رواه ابن ماجة في سننه. ""

عدد الصفحات ٤٥

46 وكل ملك لا يكون فيه إمام متبع، فعن ما قريب ينخرب ذلك الملك ويتصدع ولهذا توفرت دواعي كل أمة إلى اتخاذ الأئمة وهكذا جرت الحكمة الإلهية والنشأة الربانية فقال الحكيم الخبير "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِير " كل أمة على حسب ما تعطى حقيقتها وتقبل رقيقتها فإن اللّه تعالى يقول: "وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَم أَمْثالُكُمْ " فالحق البهائم بالأمم وحكم بذلك وعم ، وكل أمة في أفقها ناطقة وفي أوجها عاشقة فليس في الوجود جماد ولا حيوان إلا ناطق بلسان، لسان ذات لا لسان حال والقائل بخلاف هذا قائل محال فلا حجب كثيفة والمعاني لطيفة فلو كشف الغطاء، وزال الاستبطاء لرأيت كل ذات مسبحة في جنسها، ناطقة في نفسها "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبهِحُ بِحَمْدِهِ " موف بعهده، ألا ترى أن المؤذن يشهد له مدى صوته . "" أضاف المحقق : الحديث لفظه: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة ويكفر عنه ما بينهما، الحديث رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم وابن حبان في صحيحه كلهم من حديث أبي هريرة. "" فهذا قد عرفنا بحقيقته لغته وكلام الميت يسمعه كل حيوان ما عدا الإنس والجان، وفي كل أمة من هذه الأمم نذير من جنسها على حسب نفسها، ولا بد من اتخاذ الإمام المتبع في الشئ الذي قدم له واتبع فإن نازعه آخر هلك، وبقي الأول على ما ملك إلا أن ظهر منه نقص في شروط الإمامة ولم يثبت فيه العلامة فليعذر من وقته مقته، وليقدم في تلك المنزلة من كانت فيه الشروط على العقد المربوط، فإمام الأئمة كلها هاديها ومضلها. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَة إِلاَّ اللَُّّ لَفَسَدَتا . فقد قرن الفساد بالاشتراك وقال إن بها يقع الهلاك فلا بد من اتحاده في حكم بلاده، فلا سبيل إلى منازعته ولا مدخل إلى مطالبته إلا كما ذكرت لك من كمال الشروط واستيفائها، والوفاء بحققها وآدائها وإمام الصلاة إمام فيها، على أركانها ومبانيها فإذا ركع فاركعوا فإذا سجد فاسجدوا ، "" أضاف المحقق : بعض حديث البخاري: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " .""

عدد الصفحات ٤٦

47 ومن رفع قبل الإمام فناصيته بيد الشيطان، وكذلك القاضي إمام فيما نصب إليه، والقائم إمام فيما قدم عليه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فكلكم إنسان إمام في بيته وبنيته والإمام الأكبر المتبع الذي إليه النهاية والمرجع وتنعقد عليه أمور الأمة أجمع فكل إمام لا يخالف في إمامته إذا ظهر بعلامته، وكل إمام تحت أمر هذا الإمام الكبير. كما أنه تحت قهر القاهر القدير، فهو الأخذ عن الحق، والمعطى بحق في حق فلا تخربوه وانصروه ووقروه وعززوه فإنه إلى هذه المنزلة الشريفة الإشارة بقوله سبحانه: إِنهِي جاعِل فِي الأَْرْضِ خَلِيفَ ةا. ولما وقع الاعتراض عليه جعل المعترضين سجدا بين يديه فاختص بخزى الأبد من أبى عن السجود حين بادر. امتثل الأمر وسجد، وكفى بهذا للإنسان فكيف إذا انضاف إلى هذا كونه على صورة الرحمن فله الفضل على جميع الوجود بالصورة والسجود فبالصورة صحت له الإمامة. وبالسجود صحت له العلامة، حين يشهد الحق له إنه علامة. ولما كان الأمر على هذا الترتيب وأعطت الحكمة على هذا التقريب كذلك هذه النشأة الإنسانية، والنكتة الربانية فيها أئمة كما فيها أمم أمة فوق أمة إذ كان أم الكتاب وحضرة اللباب. والروح الفكري إمام والروح العقلي إمام والروح المصور والروح الخيالي والروح الوهمي أمام الحواس أئمة ولكل إمام من هذه الأئمة أمة والإمام الأكبر، والنور الأزهر، والقلب المقدم على عالم الشهادة والغيب وهو القدسي، والإمام القدسي وإليه أشار صلى اللّه عليه وسلم يقول: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد إلا وهي القلب» رواه البخاري فإن كان صالحا فروح قدسي وإن كان غير طلك فشيطان غوى، فالرغبة على دين الإمام سواء في عالم البسائط أو عالم الأجسام فأمام الإنسان هو الذي قال فيه الرحمن: (ما وسعني أرضى ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي) حين ضاق عن حمل تجليه الأرض والسماء واستحال عليهما الاتصاف بالأسماء فصار قلب العارف بيت الحق ومقعد صدق فقد ثبت الإمام جمعا وأتى الناس إليهما كرها وطوعا واعلموا أن المبايعة لا تقع الأعلى الشرط المشروط والعقد الوثيق المربوط كل مبايع على قدر عزمه ومبلغ علمه فقد يبايع شخص على الإمامة وفي غيره تكون العلامة، فتصبح المبايعة على الصفات المعقولة أعلى هذه النشأة المجهولة فيمد عند تلك المبايعة الخليفة الناقص في ظاهر الجنس الخليفة المطلوب يده، من حضرة القدس، فتقع المبايعة عليها من غير أن ينظر ببصره إليها، ولذلك يقع الاختلاف في الإمام المعين لا في الوصف المتبين

عدد الصفحات ٤٧

48 فقل الخليفة تجمع القلوب عليه ولا سيما إن اختل ما بين يديه فقد صحت المبايعة لخليفة وفاز بالرتبة الشريفة وإن توجه اعتراض فلا سبيل إلى القلوب المنعوتة بالمراض، ولما كان الحق تعالى الإمام الأعلى والمتبع الأولى قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللََّّ يَدُ اللَِّّ فَوْقَ أَيْدِ يهِمْ. ولا ينال هذا المقام الأجسم بعد النبي المصطفى الأعظم إلا ختم الأولياء الأطول الأكرم وإن لم يكن من بيت النبي فقد شاركه في النسب العلوي، فهو راجع إلى بيته الأعلى لا إلى بيته الأدنى.

عدد الصفحات ٤٨