المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب محي الدين ابن العربي

غير معروف

صفحة ٢ من ٤

17 ولم توالت على الأسرار وسطعت من جميع مسام نشأتى أشعة الأنوار اغتسلت بالماء القراح لسد المسام، فانعكست الأنوار إلى محل الإلهام فتفجرت جداولها وأنهارها. واشتد الريح الغربى فتموجت بحارها فدخل الموج بعضه على بعض وأسرع إلى ما أبرمه المبرم بالحل والنقص فلا تبصر إلا سحابا مركوما، وموجا مجنونا. "فِي بَحْرٍ لُجهِيهٍ يَغْشاهُ مَوْج مِنْ فَوْقِهِ مَوْج مِنْ فَوْقِهِ سَحاب ظُلُمات بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ " سورة النور 40. حتى ما بقي على ظهر هذا البحر فلك يجرى ولا ظهر في جو فلك يسرى إلى أن لطف المغيث سبحانه فسكن من الريح ما اشتد وكثر الموج بالساحل وامتد فرمى بزبده على سفينة زبد مخض لوضيع الوقت وشريفقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ «سورة البقرة الآية 60. » وحققوا طريقهم ومذهبهم، فذاك الزبد قدر ما خرج من بحر قلوب العارفين على ظواهرهم إلى الخلق ولا يعرف قدره إلا صاحب ذوق، وهذا الكتاب المحفوظ من طوارق العلل والمسمى في غيابات الأزل. عنقا مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب ونكتة سر الشفاء في القرن اللاحق بقرن المصطفى من ذلك الزبد الذي رماه الموج، يلوح للمنفرد به الفرد وللجامع عليه الزوج فمن شاء فليوتر، ومن شاء فليشفع ومن شاء فليكتم، ومن شاء فليشمع، وهذا القرن قد آن زمانه وقرب أوانه. فليتأهب المتأهب لحلوله، وليستغنم السعي لهذا النور الإلهى قبل أفوله، لا تحجب يا أخي فإن القرن اللاحق بقرن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لم يزل موجودا ما دام الإنسان مع ربه سبحانه شاهدا له والحق له مشهودا وإن كان الذي أشار إليه الشرع، وجاء به السمع في عبارة الهرج والقتل فذلك أو ان التقدم في الفضل فإن للعامل منهم ممن تقدم وإن كان الإمام المقدم فإنهم لا يجدون على الخير أعوانا كما وجدوا. ولا يشهدون لإمامهم عينا كما شهدوا، فلا شئ أقوى من إيمان غيب إذا لم يلحق بصاحبه ريب، وذلك زمان الفتن وحلول البلايا والمحن : "فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى " «سورة النجم آية29.» فتأمل هذه الإشارات في نفسك واجتمع عليها بقلبك وحسك فإن الزمان شديد جبار عنيد، وشيطان مريد، فانسلخ منهم انسلاخ النهار من الليل وإلا فقد لحقت بأصحاب الثبور والويل «الثبور بمعنى الويل والعذاب» وقد نصحتك فاعلم،وأرضحت لك فالزم السبيل ومن ذلك نكاح عقد، وعريس شهد ولما كان ما صدق من الرؤيا جزءا كبيرا نبويا، قطعنا بتصديق ما تهديه، وتنعم به من أيادي الحق وتبديه، فدخلت بيت الأنوار، وانسدلت الحجب والأستار. غيرة على الحرم والأبكار. فبينا أنا أناجيه بين يديه إذ جذبني جذبة عزيز إليه. فأقامني الحق في مقام

عدد الصفحات ١٧

18 البحر الذي على موجه وطمى ودخل بعضه في بعض ونما وأنار في حالة لا يعرفها إلا من كابدها، ولا يصفها إلا من شاهدها كما قيل: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ..... ولا الصبابة إلا من يعانيها فأقمت متكئا على اليمين وتركت قلبي في مقابلة عليين، إذ هو محل الصدق الحق. ومقعد الصدق وقد غمره الماء، وأحاطت به الأنواء، فلم تزل أمواجه تصطفق، ورياحه تنزعج وتستبق، إلى أن فتك في الورك الأيسر، الأعلى قدر خرم الإبرة فرشح منه قدر رأس الشعرة رأيت فيها عبرة فكونها الحق سبحانه شخصا ملكيا، وأنشأها إنشاء فلكيا فرأيته مسبحا، ومهللا، ومكبرا، وملبيا. فعرفت أن ذلك الشخص جسمانية هذا الكتاب الذي أنزله الحق على وأبززه للعبادة على يدي، وإنه قطرة من ذلك البحر المتموج، ورشحة من ذلك الموج الأهوج فالحمد للّه الذي صيرني له فلكا محيطا، وجعلني له روحا بسيطا، فانظر وتأمل أيها ال ولي الأكمل. إلى نبي قد فقدت جثته وبقيت عند الآحاد سنته فبعث ليلة من قبره، وسير به إلى حشره، والتحق الحي بالميت فحشر وحصل رب البيت في البيت فخطب حميرة من عتيقه وانتزعها من يدي صديقه، فاصدقها عددا غاب عنى، وطلب الشهادة على ذلك منى، فكتبت في خرقة حرير أحمر. كتاب زهر يزهر وكنت أول الشهود في مهر عن إذنه صلى اللّه عليه وسلم وأمره، وذلك بمنزله الأعلى ومقامه الأجل، فلما صح أمره ترك بيدي مهره ودخل منزله بعرسه وخلى بها وبنفسه، ويقى المهر بيدي إلى انقضاء أمدى، فلما لاح الصبح لذي عينين وجمع لي بين النورين لم أجد عرسا ولا بعلا غير ذاتي ولا صداقا غير خلقي وصفاتى فكنت البعل والعرس، وزوجة العقل بالنفس. فتطهرت الحميرة ببعلها وتأيدت بعزيمة عقلها، فعجبت من أمرى لما لم يكن غيرى وهكذا وقفت عند رفع الستور على مخبات الأمور، فمن ساحل ماله بحر يحتمى به موجه، ومن بحر لا ساحل له يكسر عليه موجه. ومن ناطق بحقائق بغير لسان ولا مخارق ومن صامت لا يبرح داعيا، وإلى اللّه هاديا، ومن كرة لامكان لها ما عرفها أحدا، ولا جهلها، ومن قبة ما لها عمد، ومن عمد مالها في الأرض مستند إلى أسرار تتدنس بالذكر ولا تخلص بالفكر إذ هي من حضرة ما خطر على قلب بشر ولا وعتها أذن واعية بخبر، ولا أدركتها حقيقة بشر: عجبت من بحر بلا ساحل ..... وساحل ليس له بحر وصحوة ليس لها ظلمة ..... وليلة ليس لها فجر وكرة ليس لها موضع ..... يعرفها الجاهل والحبر

عدد الصفحات ١٨

19 وقبة خضرا منصوبة ..... جارية مركزها القهر وعمد ليس لها قبة ..... ولامكان خفى ولا سره جعلت سرا لم يعبره كمن ..... فقيل هل هيمك الفكر فقلت مالي قدرة فارفقو ..... عليه في الكون ولا صبر فإن بالفكر إذا ما استوى ..... في أجلدى يتقد الجمر فيصبح الكل حريقا فلا ..... شفع يرى فيه ولا وتر فقيل لي ما تجتنى زهرة ..... من قال رفقا إنني حر فالشمس قد أدرج في ضوئها ..... القمر الساطع والزهر كالدهر مذموم وقد قال من ..... صلى عليه ربك الدهر وإني أريد أن أظهر لك من هذه العجائب ما تيسر وأمهد لك منها ما توعر فو اللّه لو رأيت يا أخي حال العارفين إذا خرجوا من نفوسهم ودرجوا عن محسوسهم تطهرت قلوب وأظهرت غيوب، ورفعت أستار فطلعت أنوار، وكان التجليات على مقدار. فمن شاهد قدسا، ومن شاهد أنسا، ومن شاهد عظمة وجمالا، ومن شاهد ملطفة وجلالا، ومن بهت في أينيه، ومن خطف في هوية، فلو اطلعت عليهم غيبا لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا، لانعدامك عند تلك المشاهدة وتعذيبك وسقوط قولك وحل تركيبك فإن سلكت باب المناصحة، شهدت الحق منك مكافحة، فتنشد عند لك ما يسوق السالك: ولما أتاني الحق ليلا مكلما ..... كفاحا وأبداه لعيني التواضع وأرضعنى ثدي الوجود تحققا ..... فما أنا مفطوم ولا أنا راضع ولم أقتل القبطي لكن زجرته ..... بعلم فلم تعسر على المراضع وما ذبح الأبناء من أجل سطوتى ..... ولا جاء شرا يبطش رافع فكنت كموسى غير أنى رحمة ..... بقمى ولم تحرم على المراضع لغزت أسرارا إن تحققت سرها ..... بذلك علم عند ربك نافع فإن كان هذا الأمر العظيم في الملك فعند المواجبة والتوجيه الموسى، فما ظنك بالصراط السوى، والمسلك المحمدي وفي الصراط السوى إشارة تدبر العابرة وانظرها آية وأمارة، وأجعلها زفرا تقتبس ناره، فإن المزج والعقار بالامتزاج والحك تريك النار، وهوانا إن شاء اللّه أبدا لك من سرئر الكون والمكنون. ما شاهده المقام والعين، وما سبب البدء ومن كان أول النشئ، وكيف كان ذلك الأول مشرق الأنوار، وينبوع الأنهار وعنه كان العرش والعالم الأوسط والفرش والجماد والحيوان وهو أصل الأكوان وأريك ذلك كله قد أودعه الرحمن في ذاتك، وجعله صفاتك، فأنت ذلك المثلى المشبه.

عدد الصفحات ١٩

20 وذلك المثل المنزه، فإن قلت وأين حظى من التنريه، وأين حظه من التشبيه، فعند المواجهة والتوجيه يتردد كل واحد منكما بين التنزيه والتشبيه فإياك أن تغفل عن فتح هذا الباب المقفل واللّه يحسن عونك وإذا فتح لك أن يديم صونك وبدايتنا إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب بمعرفة المعبود، وإنه لا بعرف من ذاته سوى الوجود، ثم بعد ذلك أتكلم فيما ذكرته، وأسوق على ما شرطته، ومنه أملى وبه أستعين وعليه أتوكل، فأنا منه إليكم وإليه منكم من غير إلى ومن، وأنا الأمين الحافظ المؤتمن وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. والحمد للّه رب العالمين والصلاة على خاتم النبيين وسلم تسليما كثيرا. * * * بِسْمِ اللَّهِ الرهحْمنِ الرهحِيمِ وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما معرفة الذات : البحر المحيط الذي لا يسمع لموجه غطيط في معرفة الذات والصفات والأفعال بكر صهباء في لجة عمياء. وهي معرفة ذاته جلت عن الإدراك الكوني: والعلم الإحاطى غطس الغاطس، ليخرج ياقوتها الأحمر، في صدفه الأزهر، فخرج إلينا من قعر ذلك البحر صفر اليدين، مكسور الجناحين مكفوف العين، أخرس لا ينطق مبهوتا لا يعقل فسئل بعد ما رجع إليه النفس، وخرج من سدفة الغلس. فقيل له ما رأيك، وما هذا الأمر الذي أصابك؟ فقال: هيهات لما يطلبون، وبعد الماء يرومون واللّه لا أناله أحد. ولا تضمن معرفته روح ولا جسد، هو العزيز الذي لا يدرك، والموجود الذي يملك ولا يملك إذ حارت العقول، وطاشت الألباب، في تلقى صقاته، فكيف لها يدرك ذاته ألا ترى حكم تجليه، في ربوبية الأزل، كيف خر الكليم صعقا، وتدكدك الجيل، فكيف لو تجلى في هذه الربوبية من غير واسطة الجبل لنبيه موسى لكان صاحب موسى زمانه لا يوسى، بعد إندكاك وهلاك، وبعث في نشأة مثلة وأملاك وإذا كان تجلى الربوبية على هذا الحد، فأين أنت من تجلى الألوهية من بعد، وإذا كان هذا خط المتبوع الكليم، فكيف بخط التابع الحكيم، فقد رمزنا في الصفات أمرا يعجز عنه، ولا يصل أحد إلا إلى ما قدر له منه. وأما معرفة الذات فمتفقة بالنور الاضواقى عمى محتجبة بحجاب العزة الأحمى، مصون بالصفات والأسماء، فغاية من غاب في الغيب، الوصول إلى قرب، ونهاية الطلاب، الوقوف خلف ذلك الحجاب. هنا وفي الآخرة وفي نشأة الدنيا والحافرة.

عدد الصفحات ٢٠

21 فمن رام رفعه أو تولى صدعه في أي مقام كان عدم من جبنه، وطويت سماؤه وأرضه بيمينه، ورجع خاسرا، وبقي حائرا وكان قاسطا جائرا، ورد إلى أسفل سافلين والحق بالطين فمن كان من أهل البصائر والألباب. وتأدب بما يجب عليه من الآداب، وصل إلى ذلك الحجاب، الذي لا يرفعه سبحانه عن وجهه وكان يوقف على كنهه والوقوف على كنهه محال، فلا سبيل إلى رفع ذلك الحجاب بحال، فإذا وصل إليه العاقل اللبيب، والفطن المصيب، وافرغ عليه رداء الغيرة . قال أغار عليه أن يعلمه غيره، فوقف خلف الحجاب وناداه باسم الوهاب، البعيد الأقرب إلينا من حبل الوريد فيجيبه الحق بالمريد. وحقائق الوجود وتقدس وتنزه. وتملك وتشبه. ودخل حيث شاء من جنة الصفات وارتاح في رياض الكمال وجال وصال بالمتجلى المتعال لا يرد له أمر ولا يحجب عنه سر. ونادى الحق من عرش التنزيه. خلف حجاب عزة التشويه. هذا عبدي حقا وكلمتي صدقا. عرف فأصاب وتأدب فطاب. فليقبل جميع ما تضمنه هذه الحضرة إليه. ولينصب ذلك كله بين يديه. ليأخذ ما شاء مختارا. ويترك ما يشاء إدخارا «فيؤتى الملك من شاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير وهو الحكيم الخبير» وهذا مقام الأدباء منزل الأمناء. وحضرة اللقاء. وكل واحد من الواصلين إليه على قدر علمه وقوة عزمه. وإن شملهم المقام وعم فمنهم التام والأتم ومن هذا المقام يرجع صاحب الجماعة. وفيه يبقى من قامت في حقه الساعة فهو المنتهى والختام. ومقام الجلال والإكرام. وفي هذا المقام قلت: مواقف الحق أدبتنى ..... وإنما يوقف الأديب أشهدنى ذاته كفاحا ..... فلم أجد شمسها تغيب «سُبْحانَ رَبهِكَ رَبهِ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلام عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للَِِّّ رَبهِ الْعالَمِينَسورة الصافات الآيات 180 - 182» واتخذت ذاتنا فلما ..... كنيت أنا العاشق الحبيب أرسلني بالصفات كيما ..... يعرفني العاقل المصيب فيأخذ السر من فؤادي ..... فتفتدى باسمه القلوب فإن قلت فأين معرفة الياقوت الأحمر المصون في الصدق الأزهر فأقول إن معرفة لياقوت الأحمر أن لا يعرف ولا يجد ولا يوصف، فإذا علمت أن ثم موجودا ألا يعرف،

عدد الصفحات ٢١

22 فقد عرفت وإذا أقررت بالعجز عن الوصول إلى كنهه فقد وصلت فقد صحت الحقيقة لديك واتضحت الطريقة بين يديك، فإنه من لم يقف على هذا العلم ولا قام به هذا الحكم يدوم ما لا يحصل له، وذلك لما ذهل عنه وجهله. فكفاك أن تعلم أن لا يعلم وهذا الحق قد انبلج صبحه فألزم. واقتد بالنبي والصديق إذ قال صلى اللّه عليه وسلم: «لا أحصى ثنا عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وهذا غاية الفجر، أو معرفة من وقف عند حجاب العز وقال الصديق الأكبر، العجز عن درك الإدراك إدراك فلا سبيل إلى الاشتراك، وليس بعد حجاب العزة الإلهية إلا الكيفية والماهية، فسبحان من بعد وقرب. وتعالى ونزل، وعرفه العارفون على قدر ما وهب، وحسب كل عارف به ما كسب فكسب وذلك من صفات السلب فغاية معرفتنا أنه موجود وأنه الخالق والمعبود. وأنه السيد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، وهذا كله راجع إلى التنزيه، وسلب التشبيه، فتعالى أن تعرف منه صفات الإثبات، وجل أن تدرك كنه جلاله المحدثات وإذا كانت صفات الجلال لا يحاط بها، فكيف من قامت به واتصف بها فجل الكبير المتعال. العزيز الذي لا ينال، فبحر الياقوت الأحمر هو المسمى بـ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " «سورة الشورى الآية11.» و"سُبْحانَ رَبهِكَ رَبهِ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ "«سورة الصافات الآية180.» فقد أشار إلى حجاب العزة الذي ذكرناه والسر الذي وصفناه الصفات لمحة بارق. وخيال طارق قل للباحث عما لا يصل إليه. والطالب فوق ما يكفيه هل عرف من الحق غير ما أوجده فيه وإلا فهل أثبت له ما لم يتصف به. وهل زلت في معرفته عن الأمر المشتبه إلا من طريق السلب والتنزيه. والتقديس ونفى التشبيه وإن قلت هو الحي المتكلم القدير المريد العليم السميع البصير؛ فأنت كذلك وإن قلت الرحيم القاهر حتى تستوفى أسماؤه فأنت هنالك. فما وصفته سبحانه بوصف إلا اتصفت به ذاتك ولا تسميه باسم إلا وقد حصلت منه تخلقا وتحققا مقاماتك وصفاتك فأين ما أثبت له دونك من جهة العين وغاية معرفتك به أن تسلب عنه نقائص الكون وسلب العبد عن ربه تعالى ما لا يجوز عليه راجع إليه وفي هذا المقام قال من قال سبحانى ما أعظم شأني دون شئونى هيهات كل يعرى من شئ إلا من لبسه أو يؤخذ شئ إلا ممن حبسه ومتى لبس الحق صفات النقص حتى تسلبه عنها أو تعريه. وواللّه ما هذه حالة التنزيه. وإنما الملحد الجاحد. حكم على الغائب بالشاهد. وظن أن ذلك نص فنسب إليه النقص. فإذا أثره نفسي أن ألبس ما لبسه هذا الملحد.

عدد الصفحات ٢٢

23 وأعريها منه حتى أكون المحقق الموحد فنفسى إذا نزهت وذاتي قدست، والباري سبحانه منزه عن التنزيه. فكيف عن التشبيه، فالتنزيه راجع إلى تطهير محلك لا إلى ذاته. وهو من جملة منحه لك وهباته. فالحمد للّه الذي قدسك وعلى ثوب التنزيه الذي ألبسك. ولولانا ما لاح لعينك من ذلك لمحة بارق وطرقك عند هجعتك منه خيال طارق. ما صحت لك هذه العناية ولا ألبسك ثوب الخلافة والولاية وخرجت بها في وجودك كما كنت عليها في الصفة العملية، والمشيئة الاختيارية. سابقة قدم قبل خط القلم. فاعلم أنك متصل به في الصفات المعنوية. من جهة الظلال من غير اتصال منفصل عنه بالصفات النفيسية المجهولة في كل حال من غير انفصال. فلو لا ما وصفك بأوصافه واعتنى بك في سورة إعرافه. وأنزلك فيها منزلته في وقت القبضتين والتعالى وقوله «هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي« »عن عبد الرحمن بن قتادة السلمى، وكان من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: خلق اللّه آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي. قال قائل يا رسول اللّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر. . . الحديث رواه ابن حبان في صحيحه (1806 موارد الظمآن)» لما ارتفع عنه النفع والضرر وتنزه عن صفات البشر فقال تعالى: "وَعَلَى الأَْعْرافِ رِجال يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ " «سورة الأعراف آية 46 »وما كانوا له وفيه وما هم وذلك لما خلق سبحانه وتعالى هذا الشخص الإنسانى على صورته وخصه بسريرته فصفات الحق صفات العبد. فلا تعكس فتنكس. فانظر إلى ما أشرنا إليه في هذه الشذور وتأمل ما وراء هذه الستور. وتحقق ما حصل عندك من معرفة الصفات وإياك والالتفات. فما عرفت قط صفة على الحقيقة من معبودك وإنما عرفت ما تحصل من الأوصاف في أركان وجودك فما زلت عنك وما خرجت منك والتحقت صفاته بذاته فتنزهت عن تعلق علمك بماهيتها، واتصلت في ذلك معرفتك بذاتها. فأنت العاجز عنها. والواقف دونها. فعلى طريق التحقيق ما عرفت ربك من كل طريق. وما عرفت أيضا سواه. وما نزهت إلا إياه فإن قلت عرفته قلت الحق وأنت اللاحق. وإن قلت إنك لم تعرفه قلت الصدق وأنت السابق. فاختر النفي لنفسك أو الإثبات فقد تنزهت الصفات من تعلق العلم الحادث بها كما تنزهت الذات.

عدد الصفحات ٢٣

24 الأفعال موج ضرب في الساحل وانصرف وترك به اللؤلؤ والصدف فمنهم من زهد ومنهم اغترف ولما كانت نجوم السماء السيارة. تضاهى بعض الأسماء من باب الإشارة وهي باب في الأحكام. على صورة منها ما هو السلب النقائص والتشبيه ونفى المماثلة للتنزيه. وهو حظنا في هذا التركيب من علم الذات ومنها ما هو شرط الألوهية، ومنها ما لا ينقص بعدمه لو جاز على الماهية وهو علم الصفات ومنها ما هو لتعلق إيجاد العين، والتأثير في عالم الكون وهو صور الأفعال. فنقول على هذا الصراط السوى في اسمه تعالى القدوس العزيز الغنى صفات جلال ونقول في اسمه تعالى العليم السميع البصير صفات كمال. ونقول في اسمه تعالى الخالق الباري المصور صفات أفعال وما فيها والحمد للّه صفة إلا لنا فيها قدم، ولنا إليها طريق أمم فهذا الباب لصفات الفعل وهو باب الطول والفضل والإنعام والبذل، امتن سبحانه وتعالى أولا بالإيجاد من غير أن يجب ذلك عليه، أو يضطره أمر إليه، بل كان مختارا بين العدم والوجود، فاختار أحد الجائزين ترجيحا وسعادة للعبيد، فعلق بنا القدرة بين العدم والوجود ولا بعينه، فبرز للعين عن تعلقها دون كيفيته إذ كانت غير متعلقة بموجود، ولا أيضا متعلقة بمفقود، وهذا بحر ليس له قعر فرددناه للفضل المتقدم ولم أكن فيه بالجائر المتحكم. وذلك لو علمنا حقيقة القدرة الأزلية وماهيتها في العالمية لعرفنا كيف تحققت ومتى تعلفت ولم نقدر في هذا الكتاب على قياس الغائب على قياس الغائب على الشاهد لأنا ما اجتمعنا على معنى واحد. إذ ليس للقدرة الحادثة تعلق بإيجاد كون وإنما هو سبب عادى لإبراز العين وحجاب نصبه الحق في أول الإنشاء ليضل به من يشاء ويهدى به من يشاء والفعل قد يكون نفس المفعول بالتشبيه والاشتباه كقوله تعالى "هذا خَلْقُ اللَِّّ" «سورة لقمان آية11 » أي مخلوق اللّه، الذي أوجده بقدرته. وقد يكون عبارة عن الحالة عند تعلق الفاعل بالمفعول وكيفية تعلق القدرة الأزلية بالإيجاد الذي حارت فيه المشاهد والعقول وكل من رام الوقوف عليه نكص على عقبه ورجع عن مذهبه وهو قوله تعالى: "ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ" «سورة الكهف آية51.» وقال في حق أنفسهم وأقدسهم حين قال" رَبهِ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى" «سورة البقرة آية 260.» فأراه آثار القدرة لا تعلقها فعرف كيفية الإنشاء والتحام الأجزاء حتى قام شخصا سويا، وما رأى تعلق قدرة ولا تحققها. فقال له الخبير العليم "اعْلَمْ أَنَّ اللََّّ عَزِيز حَكِيم " «سورة البقرة آية260. » لما تقدمه من صورة الأطيار، وتفريقه الأطوار، وكما نفخ المسيح في صورة الطين

عدد الصفحات ٢٤

25 الروح وانتفض طيرا وأظهر في الوجود خيرا فكان النفخ له حجابا، وما فتح له من باب تعلق القدرة بابا. وكذلك يقول من سأل اللّه تعالى أن يقول للشئ كن فيكون، ذلك عنده أمرا وينفرد الحق بسر نشيئه ونشره فالتفاضل بين الخلق إنما هو في الأمر الحق، فشخص يكون أمرا ربانيا لتحققه فيكون عنه ما يشاء، وآخر غير متحقق ليس له ذلك. وإن كان قد ساواه في الإنشاء، فسبحان من انفرد بالاختراع والخلق وتسمى بالواحد الحق. (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) أوجد العالم كله من غير مثال في كافة كثافاته ولطافاته ظاهرا وباطنا دنيويا وبرزخيا وأخرويا ملكا وملكوتا وغيبا. . . فتعالى اللَّه علوا كبيرا. محاضرة أزلية على نشأة أبدية اجتمعت الأسماء بحضرة المسمى اجتماعا وتريا منزها عن العدد في غير مادة ولا أمد كالأسماء والصفات الإلهية تتخاطب كلها دون انفصال على مقتضيات الحكمة لتأخذ عن الذات الإلهية ما أرادته فلما أخذ كل اسم فيها مرتبته ولم يعد منزلته، فتنازعوا الحديث دون محاورة وأشار كل اسم إلى الذي بجانبه دون ملاصقة ولا مجاورة وقالوا يا ليت شعرنا هل يتضمن الوجود غيرنا. فأعرف واحد منهم ما يكون، إلا اسمان. أحدهما العلم المكنون فرجعت الأسماء وأشار إلى الاسم العليم الفاضل. وقالوا أنت لنا الحكم العادل فقال نعم بسم اللّه وأشار إلى الاسم الجامع الرحمن، وأشار إلى الاسم التابع الرحيم، وأشار إلى الاسم الأعظم العظيم وصلى اللّه ورجع إلى الجامع من جهة الرحمة على النبي وأشار إلى الاسم الخبير، والعلى محمد الكريم وأشار إلى الاسم الحميد، خاتم الأنبياء، وأول الأمة وصاحب لواء الحمد. «عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يفتح أبواب الجنة ولا فخر".رواه ابن ماجة في سننه (4308) في باب ذكر الشفاعة من كتاب الزهد.». والنعمة، فنظر من الأسماء من لم يكن له فيما ذكره العليم حظ، ولا جرى عليه من أسماء الكويم لفظ، وقال العليم من ذا الذي صليت عليه، وأشرت في كلامك إليه، وقرنته بحضرة جمعنا، وقرعت به باب معنا ثم خخصت بعضنا بالإشارة والتقييد إلى اسمه الرحيم والحميد فقال لهم عجبا وهذا هو الذي سألتموني عنه أن أبينه لكم تحقيقا وأوضح لكم إلى معرفته طريقا هو موجود يضاهيكم في حضرتكم،

عدد الصفحات ٢٥

26 وظهر عليه آثار نفحتكم، فلا يكون فلا يكون في هذه الحضرة شئ إلا ويكون فيه ويحصله ويستوفيه، ويشارككم في أسمائكم، ويعلم بي حقائق أنبائكم، وعن هذا الموجود المذكور، الصادر من حضرتكم، وأشار إلى بعض الأسماء منها الموجود والنور، يكون الكنه والكيف والابن وفيه يظهر بالاسم الظاهر حقائكم، وإليه بالاسم المنان وأصحابه يمتد فائقكم، فقالت نبهنا عن أمر لم نكن به عليما وكان هذا الاسم إشارته إلى المفضل علينا عظيما. فمتى يكون هذا الأمر، ويلوح هذا السر؟ فقال سألتم الخبير واهتديتم بالبصير، ولسنا في زمان فيكون بيننا وبين وجود هذا الكون مدة وأوان، فغاية الزمان في حقنا ملاحظة المشيئة حضرة القديم والنسبة، فتعالوا نسأل هذا الاسم الإحاطى في جنسه، المنزه في نفسه. وأشار إلى المريد فقيل له متى يكون علام التقييد في الوجود الذي يكون لنا فيه الحكم والصولة وتجول بظهور أثارنا عليه الكون على ما ذكره الاسم العليم حوله. فقال المريد: وكأن به قد كان، ويوجد في الأعيال، وقال الاسم العليم، ويسمى الإنسان، ويصطفيه الاسم الرحمن ويقبض عليه الاسم المحسن وأصحابه سوابغ الإحسان فأطلق اسم الرحمن محيا وحيا المحسن وبياه، وقال نعم الأخ ونعم الصاحب، وكذا الاسم الواهب فقال اسم الوهاب : فقال أنا المعطى بحساب وغير حساب فقال الاسم الحبيب أقيد عليكم ما تهبونه واحسب عليكم ما تعطونه بشهادة الاسم الشهيد فإني صاحب الضبط والتقييد غير أن الاسم العليم قد يعرف المعطى له ما يحصل له في وقت، ويبهم عليه الاسم المزيد في وقت أبهى ما يعلمه ولا يمضيه ويريد الشئ ويريد ضده، فلا يقضيه، فلا زوال لي عنكما ولا فراق لي متكما فأنا لكم لزيم ونعم الجار والحميم فوزعت الأسماء كلها مملكة العبد الإنسانى على هذا الحد الرباني ونفاخرت في الحضرة الإلهية الذاتية بحقائقها وبينت حكم مسالكها وطرائقها وعجلوا في وجود هذا الكون رغبة في أن يظهر لهم عين، فلجوا إلى الاسم المريد الموقوف عليه تخصيص الوجود وقالوا سألناك بهذه الحضرة التي جمعتنا والدار التي تسلمتنا إلا ما علقت نفسك بهذا الوجود المنتظر فاردته، فأنت يا قادر سألتك بذلك إلا ما أوجدته وأنت يا حكيم سألتك بذلك إلا ما أحكمته وأنت يا رحمن سألناك إلا ما رحمته ولم تزل كلها واحدا قائما قاعدا. فقال له القادر على المريد بالتعلق وعلى بالإيجاد وقال الحكيم على القادر بالوجود وعلى بالأحكام فقام الرحمن وقال على بصلة الأرحام فإنه سجنه منى فلا صبر له عنى فقال له القادر كل ذلك تحت حكمي وقهري فقال القاهر لا تفعل إن ذلك لي وأنت خديمى وإن كنت صاحبي وحميمى

عدد الصفحات ٢٦

27 فقال العليمأما الذي قال تحت حكمي فليقدم علمي فتوقف الأمر على جميع الأسماء وإن بجملتها وجود عالم الأرض والسماء وما بينهما إلى مقام الاستواء. ولو فتحنا عليك باب توقفها والتجأ بعضها لرأيت أمرا يهولك منظره ويطلب لك خبره ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما سكتنا عنه وتركناه فلنرجع ونقول: وَاللَُّّ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . «سورة الأحزاب آية4.». فعندها وقع هذا الكلام الأنفس في هذا الجمع الكريم الأقدس تعطشت الأسماء إلى ظهور آثارها في الوجود ولا سيما الاسم المعبود ولذلك خلقهم سبحانه وتعالى ليعرفوه بما عرفهم ويصفوه لما وصفهم فقال: "وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ" .«سورة الذاريات آية56». فلجأت الأسماء كلها إلى اسم اللَّه الأعم والركن القوى الأعظم ، فقال ما هذا اللجأ ولأي شئ هذا الالتجاء؟ فقالت: أيها الإمام الجامع لما نحن عليه من الحقائق والمنافع ألست العالم أن كل واحد منا في نفسه على حقيقته وعلى سنه وطريقه وقد علمت يقينا إن المانع من إدراك الشئ مع وجود النظر كونك فيه لا أكثر. فلو تجرد عنك بمعزل لرأيته وتنزهت بظهوره. وعرفته ونحن بحقائقنا متحدون لا نسمع لها خبرا، ولا نرى لها أثرا. فلو برز هذا الوجود الكوني وظهر هذا العالم الذي يقال له العلوي والسفلى، لامتدت إليه رقائقنا وظهرت فيه حقائقنا، فكنا نراه مشاهد عين، لما كان منا في أين، وفي حال فصل بين ونحن باقون على تقديسنا من الأبنية وتنزيهنا عن إحاطتهم بنا من جهة الماهية الكيفية فغايتهم أن يستدلوا برقائقنا على حقائقنا استدلال مثال وطروق ببال، وقد لجأنا إليك مضطرين، ووصلنا إليك قاصدين فلجأ الاسم الأعظم إلى الذات كما لجأت الأسماء والصفات، وذكر الأمر وأخبر السر فأجاب نفسه المتكلم بنفسه العليم، إن ذلك قد كان بالرحمن فقل للاسم المريد يقول للقائل يأمر يكن، والقادر يتعلق بإيجاد الأعيان، فيظهر ما تمنيتم. ويبرز لعيانكم ما أشتهيتم فتعلقت بالإرادة والعلم والقبول والقدرة، فظهر أصل العدد والكثرة وذلك من حضرة الرحمة وفيض النعمة، أصل البنا. وأول النشئ نشأ سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم على أكمل وجه وأبدع نظام بحر اللؤلؤ والمرجان المودع في العالم الأكبر والإنسان ولما تعلقت إرادة الحق سبحانه بإيجاد خلقه وتقدير رزقه برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، في الحضرة الأحدية وذلك عندما تجلى لنفسه بنفسه من السماء الأوصاف وسأل ذاته بذاته موارد الألفاف في إيجاد الجهات والأكناف فتلقى ذلك السؤال منه إليه بالقبول والإسعاف فكان المسؤول والسائل والداعي والمجيب والمنيل والنائل فكمن فيه كمون تنزيه ودخل جوده في حضرة علمه فوجد الحقيقة المحمدية، على صورة حكمه فسلخها

عدد الصفحات ٢٧

28 من ليل غيبه فكانت نهارا وفجر ماء عيونا وأنهارا، ثم سلخ العالم منها فكانت سماء عليهم مدرارا وذلك أنه سبحانه اقتطع من نور غيبه قطعة لم تكن متصلة فتكون عنه عند التقاطع منفصلة. ولكن لما نظره سبحانه وتعالى الصورة فصار كان ثم جنسا يجمعها ضرورة فكان قطع هذا النور المنزل والممثل من ذلك الجنس التخيل، والبارئ منزه في نفسه عن قيام الفصل به والوصل والإضافة بالإنسان إلى جنسه فهو قطع مثلي أبدى أحدى عن معنى أزلي فكان لحضرة ذلك المعنى باب وعلى وجهها حجابا. ثم أن الحق صيره حجابا لا يرفع وباب لا يقرع ومن خلق ذلك الحجاب، يكون التجلي ومن وراء ذلك الباب يكون التديلى كما إليه ينتهى التدانى والتوالي وعلى باطن ذلك الحجاب يكون التجلي في الدنيا للعارفين ولو بلغوا أعلى مقامات التمكين وليس بين الدنيا والآخرة فروق العارف في التجلي عن غير الإحاطة بالحجاب الكلى وهو في حقنا حجاب العزة، إن شئت رداء الكبرياء. «قال اللّه تعالى في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي، العظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذمته في النار ولا أبالي" الحديث رواه أحمد في مسنده.» كما أن ذلك الحجاب يكون تجلى الحق له خلف حجاب البهاء وإن شئت رد الثناء، وما ذكرناه زبدة الحق اليقين، وتحفة الواصلين فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من حسن النشئ، وقيله فنقول على ما قدمنا في حق الحق من التنزيه ونفى المماثل من التشبيه أنه سبحانه ولما اقتطع القطعة المذكورة مضاهية للصورة أنشأ منها محمدا صلى اللّه عليه وسلم على النشأة التي لا تنجلى أعلامها ولا يظهر من صفاته إلا أحكامها ثم اقتطع العالم كله تفصيلا على تلك الصورة وأقامه متفرقا على غير تلك النشأة المذكورة إلا الصورة الآدمية الإنسانية فإنها كانت ثوبا على تلك الحقيقة المحمدية النورانية ثوبا يشبه الماء والهواء في حكم الدقة والصفاء فتشكل بشكله فلذلك لم يخرج في العالم غيره على مثله، فصار حضرة الأجناس إليه يرجع الجماد والناطق والحساس وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم نسخة من الحق بالأعلام، وكان آدم نسخة منه على التمام وكنا نحن نسخة منهما عليهما السلام، وكان العالم أسفله وأعلاه نسخة منا وانتهت الأقلام غير إن في نسختنا من كتابي آدم ومحمد سر شريف ومعنى لطيف، أما النبيون المرسلون وغير المرسلين والعارفون والوارثون منا فنسخا منهما على الكمال. وأما العارفون والوارثون من سائر الأمم، والمؤمنون منا فنسخة من آدم وواسط محمد عليهما السلام في حضرة الجلال، وإما أهل الشقاوة والشمال فنسخة من طين آدم لا غير، فلا سبيل لهم إلا خير،

عدد الصفحات ٢٨

29 فتحقق بها الطالب هذه النسخة تعش سعيدا وتكون في زمانك فردا وحيدا فالحقيقة المحمدية المنبة عليها بليس كمثله شئ وما نزل عليها من النسخ فعدم دليل وظل وفي أربعة الأربعة والحقيقة المنزه مرتفعة، ثم خلق الخلق وفتق الرتق وقدر الرزق رمهد الأرض وأنزل الرفع والخفض وأقام النشأة الآدمية والصورة الإبهامية، وجعلها تتناسل وتتفاضل وتترافع وتتنازل إلى أن وصل أو انه وجاء زمانه فصير العالم كله في قبضته ومحضته فكان جسم محمد صلى اللّه عليه وسلم زبدة محصنة، كما كانت حقيقة أصل نشأته فله الفضل بالإحاطة وهو المتبوع بالوساطة إذ كان البداية والختم ومحل الإفشاء والكتم فهذا هو بحد اللآلئ دليل النواشئ، وقد تمهد فاستره وتجسد فأخبره، فقد حصل في علمك شئ أول موجود وأين مرتبته من الوجود ومنزلته من الوجود ثم علق العالم به تعلق اختيار الحق، لأنه استوجبه بحق حتى يصح أنه تعالى المنعم المفضل ابتداء على من شاء بما شاء لاحقة. ولما كان من العالم دوريا ونشأة فلكيا رجع العود على البدء، واستوى الكل في النشأ وصار اللابس ملبوسا والمعقول محسوسا فوجود أسرار الكون الأكبر في العالم الأصغر إعادة وهو لها إشارة: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ «سورة الأعراف من الآية29.» وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الن شْأَةَ الأُْولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ «سورة الواقعة الآية62.» ولهذا جعلها المحجوبون، بعقولهم كرة خاسرة فقالواأَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ «سورة النازعات الآية10.» فليس هناك في النشأة حقيقة زائدة سوى أعراض واردة إشارة وإن كان قد تبين فيما تقدم معناها ولكن هنا منتهاها هل الإنسان معدوم في العالم الأكبر وهو منفصل عنه بمقامه الأزهر، فإنه آخر موجود حسا وأول موجود نفسا. فإن كان من جملة العالم الأكبر فأين نسخته وإن لم يكن من جملته فعلى أي نسبة يخبر به عند فحد البصر وردد النظر، وخلص الذكر والمقالبة واستعن بالفكر والمراقبة، وتهيأ للقبول بما يرد عليك به الرسول صلى اللّه عليه وسلم فستقف من ذلك على جلاء، وسيكشف عن عينك غطاء العمى. وهذه نكتة فاعرف قدرها وحقق أمرها، فهي زبدة الأمر وخفى السر، وإن شئت أن أنيئك فاسمع وحصل ما أشير به إليك وأجمع العالم في الأين والإنسان في العين فإن كنت في الأين فأنت منه وإن كنت في العين، فلا نخبر بك عنه، ولست يحق في عدم الأين، ولكنك برزخ الأمرين. صاحب لقاء وإلقاء وسيد نزول والتقاء برزخ فانظر أينك وحقق عينك وأنا المبرأ من تأويلك والمقدس عن تفضيلك إلا أن وافقت أمر الحق وألحقتني بالخلق وهذا لب لمن كان له قلب قشر عليه لئلا يتوصل من ليس من أهله إليه وذلك أن العالم بما فيه من جميع أجناسه ومبانيه، وأسافله وأعاليه، ليس الإنسان لينبأ بشئ زائدا على جميع تلك

عدد الصفحات ٢٩

30 المعاني عند افتراقها، وشمل تلك الأجناس والعيون عند اتفاقها فعلى هذا الوجه صح للعارف سلخه فكان له أكبر نسخة. حظ الإنسان من العالم، واعلم أن على ما اقتضاه الكشف والعلم روح العالم والعالم روح العالم والعالم الجسم فهو الآن روح لعالم الدنيا به بقاؤه، وبه فتق أرضه وسماؤه وعالم الأخروى إلى أن ينفتح فيه الأمر الرباني هذا الروح الإنسانى فهو الآن كصورة آدم قبل نفخ الروح، أو الأرض قبل إشراق بوح . فإذا أخذ هذا النشأ الإنسانى من هذا العالم الدنياوى، تهدمت بنيته، وتخربت أفنيته، ونفخ في العالم الأخراوى، فحييت به الجثة، وكانت لك الدنيا ستر وجنة للروح المضاف إلى الحق الذي نفخ منه في عالم الحق هي الحقيقة المحمدية القائمة بالأحدية، فعلى هذا الحد هو الإنسان في الدارين، وظهوره في العالمين نشأ العالم من الحقيقة المحمدية نشأ ما العرش منها لؤلؤ كان الغرض أن أجعل إلى جانب كل لؤلؤة في هذا الباب مرجانتها ومع كل بداية نهايتها. غير أن الفصل لما كان لبيان ما تعددت عن ذات واحدة، وظهر عنها من أجناس متباعدة أردت أن أكمل لآلئه على نسق، واجعلها طبقا تحت طبق حتى تأتى على آخو الكون، رغبة أن لا يتحير الناظر فيه فتذهب عنه أكثر معانيه، فإن استوفيت إن شاء اللّه لإلهية، ورتبت نواشيه، وعرف الطالب مقراه وتبين معناه، أخذنا في سياق مرجانه على ترتيب لآلئه. المرجانة الأولى أحسن نظم وأبدع صنع وأحكم وصل .كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي المرجانة الأولى: للؤلؤة الأولى من هذا الفصل على أحسن نظم وأبدع صنع وأحكم وصل فأقول أن محمد صلى اللَّه عليه وسلم لما أبدعه الحق سبحانه وتعالى حقيقة مثلية وجعله نشأة كلية حيث لا أين ولا بين . وقال له أنا الملك وأنت الملك وأنا المدبر، وأنت الفلك وسأقيمك فيما يتكون عنك من مملكة عظما، وطامة كبرى، سايسا ومدبرا، وناهيك وآمرا تعطيها على ما قد أعطيتك وتكون فيهم كما أنا فيك، فليس سواك كما لست سواي فأنت صفاتى فيهم وأسمائي، فحد الحد وأنزل العهد، وسألك بعد التنزيل والتدبير عن النقير والقطمير. «القطمير الفوقة التي في النواة وهي القشرة الرقيقة وقيل هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة.»

عدد الصفحات ٣٠

31 لهذا الخطاب عرقا حيا، فكان ذلك العرق الظاهر ماء، وهو الماء الذي نبابه الحق تعالى في صحيح الأنباء فقال سبحانه وكان عرشه على الماء، وهو منتهى الخلا إلا ما كان هنالك من زعزع مستطر، حامل لهواء مستقر، ليس وراء ولا يكون فيه خلاء أو ملاء. لؤلؤة نشأت الملأ الأعلى ثم انبجست منه صلى اللّه عليه وسلم عيون الأرواح، فظهر الملأ الأعلى وهو بالنظر الأجلى فكان لهم المورد الأجل فكان صلى اللّه عليه وسلم الجنس العالي إلى جميع الأجناس والأب الأكبر إلى جميع الموجودات والناس، وإن تأخرت طينته فقد عرفت قيمته. فلما وقع الاشتراك مع الأملاك في عدم الأين، حتى كأنهم في العين أراد صلى اللّه عليه وسلم التفرد بالعين وتحصيل الملأ الأعلى في الأين. لؤلؤة نشأ العرش منه قلما علم الحق سبحانه وتعالى إرادته، وأجرى في إمضائها عادته نظر إلى ما أوجد في قلبه من مكنون الأنوار رفع عنها ما اكتنفها من الأستار، فتجلى له من جهة القلب والعين، حتى تكاثف النور من الجهتين فخلق سبحانه وتعالى من ذلك النور المنفهق عنه صلى اللّه عليه وسلم العرش وجعله مستواه وجعل الملأ الأعلى وغيره مما ذكره ما احتواه لكنهم منه صلى اللّه عليه وسلم بالموضع الأدنى ومن مستواه بالتجلي الأسنى فحصلوا في نيته الحصر، وتمكنوا من قبضته الأسر وانفرد صلى اللّه عليه وسلم في مستواه بمن اجتباه ومن اصطفاه، وصيره الحق تعالى خزانة سره وموضع نفوذ أمره، فهو المعبر عنه يكن لما لم يكن فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خبر إلا عنه، وهو حجاب تجليه وصياغة وصياغة تجليه، وترقى تدانيه وتلقى تدليه. «سبحان من تعالى في دنوه وتدانى في علوه» لؤلؤة نشأة الكرسي منه ثم نظر صالبا أين يضع قميه وأين موضع نعليه فانبعث من تلك الطرقة أشعة في الخلاء استدارت أنوارها كاستدارة المرأة لطيفة الكيف فارغة الجوف، معلومة المنازل عند السالك والراحل، فجعل ذلك الكور وأنشأ ذلك الدور كرسيا لقدميه وحضرة لنفوذ ما يصدر من الأمر بين يديه، فيخرج الأمر منه متجه العين حتى إذا وصل الكرسي انقسم قسمين إذ كان المخاطب من ذلك الموضع إلى أقصى الأسفل موجود بين اثنين،

عدد الصفحات ٣١

32 وإن كان واحدا فمن جهة أخرى وعلى ذلك الواحد، تتابع الرسل تترى، فإن المخاطب بجميع الأشياء إنما هو الإنسان ليس ملك ولا جان فإن الملك والجان جزء منه، وأنموذج خرج عنه فله بعض الخطاب والإنسان كلى الكتاب المنبه عليه بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «سورة الأنعام الآية38» ثم عمبقولهثُمَّ إِلى رَبهِهِمْ يُحْشَرُونَ «سورة الرعد الآية39» كما نبه على الحقيقةالمحمدية التي هي أصل الإنشاء وأول الابتداء فهو الأصل والأم والعالم فروعه فقال: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ «3.» فنحن الكتاب الأجلى وهو الأم الأعلى فالإنسان الكتاب الجامع، والليل المظلم والنهار المشرق الساطع فمن علو مرتبته. وسمو منزلته، وإنه واحد بالنظر إلى معناه. وأثناك بالنظر إلى حاله وثلاثة بالنظر إلى عالمه وأربعة بالنظر إلى قواعده. وخمسة بالنظر إلى مملكته. وستة بالنظر إلى جهاته، وسبعة بالنظر إلى صفاته، وثمانية بالنظر إلى نسخته، وتسعة بالنظر إلى مراتبه. وعشرة بالنظر إلى إحاطته وأحد عشر بالنظر إلى ولايته وهو روح القدس فإن أمده هذا الروح من غير كشف ملكي وهو تابع لغيره فهو صديق. وهي المنزلة الحادية عشرة في الإنسان . وإن أمده على الكشف المكي وهو أيضا تابع أو لا تابع ولا متبوع فهو نبي وهي المنزلة الثانية عشرة في الإنسان وإن أمده على الكشف الملكي وهو أيضا تابع أو لا تابع ولا متبوع فهو نبي وهي المنزلة الثانية لبشر في الإنسان وإن أمده على الكشف الملكي وهو تابع لا نابغ فهو الرسول وتلك الرسالة وهي المنزلة الثانية عشر في الإنسان بتمام وجود الإنسان وجرد الإنسان وتم الوجود. وتم الوجود في العشرة. ثم جاء الحادي عشر نظير لأول إذ تأملت ومنعطف عليه ونظير الثانية عشر والثالث عشر نظير الثاني والثالث من البسائط وتبين ذلك في الوسائط فاعتكفت ملائكة التقيد على قدميه لاحظه ولما يصدر عنه من المعلوم فيها حافظة فإن قيل هذا الكرسي الأحلى فأين اللوح المحفوظ والقلم الأعلم وأين الدواة واليمين. وكيفية كتاب التعيين. فنقول تركنا تعيين ما ذكرته موقوفا على نفسك حتى تطلع على ذلك ببصرك الرباني حتى صحت وصلتك باللّه عند شروق شمسك وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب بالتضمين لا بالتعيين فاشحذ فؤادك وقوى اجتهادك عسى اللّه أن يفتح لك بابا من عنده عند مواظبتك على الوفاء بعهده والتصديق بوعيده ووعده. لؤلؤة الأفلاك

عدد الصفحات ٣٢