1 عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب محي الدين ابن العربي المحقق بهنساوى أحمد السيد الشريف مقدمة محقق كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب : بِسْمِ اللَّهِ الرهحْمنِ الرهحِيمِ وبه نستعين الحمد للّه رب العالمين حمدا يستوجب رضاه، وشكرا له يوافى نعمه ويكافئ عطاياه، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، لا حول ولا قوة إلا به، ولا أمل ولا رجاء إلا فيه، ولا توكل ولا اعتماد إلا عليه ولا سعادة ولا طمأنينة إلا في طاعته، هدانا للإسلام وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه. ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الرحمة المهداة والنعمة المسداه والمنة الكبرى من اللّه على عباده (لَقَدْ مَنَّ اللَُّّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاا مِنْ أَنْفُسِهِمْ * يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكهِيهِمْ وَيُعَلهِمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ). اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وعشيرته وحزبه الذين عاشوا على ما عاش عليه وقبضوا على ما رفع إليه فرضى اللّه عنهم ورضوا عنه. اللهم اجعلنا ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. أما بعد: فهذا كتاب من نوادر الكتب التي أنعم اللّه تبارك وتعالى به من فيوضات فتحه على عبده الرباني الذي استغرق في الحقيقة المحمدية فأبرز لنا وللأمة جمعاء هذه المنح من مشكاة الحضرة المحمدية التي جمعت كل العلوم والمعارف الإلهية. ذلِكَ فَضْلُ اللَِّّ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَُّّ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *. وهذا العبد الرباني هو العارف باللّه تعالى الإمام الأكبر والشيخ الكلى الكامل سيدي محى الدين أبو عبد اللّه محمد بن محمد علي بن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي رضوان اللّه تعالى عليه ونفعنا به وبعلومه آمين. ولقد سمى كتابه هذا (عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب) وهو كتاب يحاول فيه إبانة وإظهار التجلي الذاتي الإلهى في الحقيقة المحمدية برأسيها وشقيها النبوي والولائى. فعنده أن ذات النبوة واحدة والأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام رقائق هذه الذات الواحدة وهي ذات سيدنا محمد صلى اللّه عليه وآله وصحبه وسلم. وكل رقيقة نبوية بدءا من أبينا آدم عليه السلام حتى كلمة اللّه سيدنا عيسى عليه السلام ما هي إلا وجه نائب في الزمن المراد مما سبق عن حضرته صلى اللّه عليه وسلم ونفس هذه الذات المحمدية هي بعينها ذات الولاية فالأولياء جميعا في كل زمان ومكان
عدد الصفحات ١2 وجوه محمدية لأن النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم حوى في حقيقته مع ذات النبوة ذات الولاية وتتمثل هذه الولاية في ذات المهدي عليه السلام. والمهدي عليه السلام هو ختم الولاية والأولياء فكما كان سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ختما للنبوة والرسالة كان هو أيضا صلى اللّه عليه وسلم ختما للولاية في شقه الثاني من ذاته التي تمثلت حقيقة منفردة في الولي الخاتم الصديق الأعظم الإمام المهدى الذي يواطئ اسمه اسم النبي صلى اللّه عليه وسلم واسم أبيه يواطئ اسم والد سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف الصحيح: ولقد بينت ذلك في همزيتى الكبرى فقلت: إلهي حمدا يفوق الثناء ..... وشكرا يطاول نجم السماء وصل إلهي طوال المدى ..... على مصطفاك نبي الصفاء وآل وصحب بكل الرضا ..... ومن جاء بعد من الأولياء خصوصا ختما مهموا المجتبى ..... مليك الزمان بهى الرواء فكل ولى أتى باسمه ..... وعرفانه رشح هذا العطاء له كل دائرة تنتهى ..... بحكم قيادته الأتقياء هو المهدى صاحب سر العلا ..... عزيز القوى جوهري البهاء ولقد فصل الإمام الأكبر اابن العربي رضوان اللّه عليه تحقيقا وكشفا النشأة الوجودية التي عينها ومحتد ذاتها الحضرة الإنسانية ومركز دائرتها الحقيقة المحمدية فهي عين عيون أعيان تعينات الوجود الكلى فهي النسخة التي تجلت بها الذات الإلهية العلية المقدسة ثم ضربت عليها حجاب المقتضيات العبدية. فما الخلق إلا تجليات ذاته تبارك وتعالى إجمالا وتفصيلا انبثقت من ذات التجلي الكلى المحمدي وفي ذلك قلت: وما الخلق إلا علوم اصطفاك ..... لها عند ذاتك وجه التقاء وما هي إلا تجلى علاك ..... ضربت عليها حجاب اقتضاء تباركت يا أحسن الخالقين ..... عن الخلق طرا بكل علاء فلو تصورنا أن الحق الخالق جل وعز قد خلق الخلق من العدم لكان العدم مصاحبا له في قدمه وذلك محال ولو كان قد أوجد الوجود من العدم لكان مفتقرا لغيره، وهذا أيضا محال. لكنه لما أراد أن يخلق الخلق على مقتضى علمه وإرادته تجلى بنور ذاته وجعل التجلي هذا في المجلى الإنسانى محمدا صلى اللّه عليه وسلم ثم فتق رتق هذا التجلي الذي ضرب عليه حجاب المقتضيات وأسماه «حمدا»ومجلاه«محمدا»عليه الصلاة والسلام فأوجد من هذا الرتق جميع أنماط الوجود الكلى كثافة ولطافة حسا ومعنى . علويا وسفليا، نورانيا وظلمانيا، دنيويا وبرزخيا وأخرويا .
عدد الصفحات ٢3 ثم أقام كلا في تعينه الذي اقتضت حكمته تبارك وتعالى أن يقوم فيه(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) وعلى المتأمل الكامل اليقين المبصر بنور إيمانه أن يعايش هذه الأسرار الربانية المفاضة من حضرات الإلهام بصحة مفهوم ونقاء سريره فإن كلام الرجال لا يعرفه إلا الرجال.فافهم ترشد. ثم أطنب الإمام الأكبر محى الدين ابن العربي في سرد الحقائق على ذات الولاية الكلية التي عين ومركز دائرتها في النسخة المحمدية من حيث وجه ذات الولاية «الإمام المهدي عليه السلام»الذي يأتي آخر الزمان إذا ملئتالأرض جورا وظلما فيملأها عدلا وقسطا كما أخبر بذلك جده صلى اللّه عليه وآله وصحبه وسلم. وتناول بعد ذلك مواقف كل حقيقة على حدة في موضعها من الكتاب مرمزة في بعضها ومستورة في بعضها الآخر حتى لا يفشى السر أمام من لا يعقل فينكر والكلام في غير أهله عورة ولكن أوصى كل عبد وقع في يديه هذا الكتاب أن يكون سالكا محمديا موفور العلم شريعة وحقيقة كامل التربية وهنا أقول: من لي بذى حرفة في النظم يسجعه ..... وينضد الدر من لألاء عقيانى فالسر لا يستبين العقل حكمته ..... إلا بنور من العرفان رباني وما أردت من هذه المقدمة الموجودة في بسط محكم إلا لأسهل على القارئ المحمدي الوارث تناول حقائق هذا الكتاب الفذ النادر فلا يعرف تلك الحقائق العلية إلا من كان محمديا كاملا، أخلاقه قرآنية، لا تغطي سحب الهوى صفاء سماء إسلامه ولا تتراكم الفتن والعوارض القاطعة ببحار فلك إيمانه. واللَّه الموفق وهو يهدي السبيل. المحقق الشيخ بهنساوى أحمد السيد الشريف الشهير : عبد اللَّه البهنساوى مفتش عام الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف عضو هيئة العلماء وعضو رابطة الأدباء . مقدمة الشيخ ابن العربي كتاب عنقاء مغرب في ختم الأولياء بِسْمِ اللَّهِ الرهحْمنِ الرهحِيمِ وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قال سيدنا وأمامنا وقدوتنا الشيخ الإمام العالم العارف الكامل المحقق المدقق محيي الدين أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن علي بن محمد بن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي رضى اللّه عنه وأرضاه وحقق تابعيه بسلوك منهجه القويم أنه جواد كريم. الوعاء المختوم على السر المكتوم: حمدت إلهي والمقام عظيم ..... فابدى سرورا والفؤاد كظيم وما عجبي من فرحتى كيف قورنت ..... بتبريج قلب حل فيه عظيم
عدد الصفحات ٣4 ولكنني من كشف بحر وجوده ..... عجبت لقلبى والحقائق هيم «الهيم معناها في غاية العطش.» لذاك الذي أبدا من النور ظاهرا ..... على سدف الأجسام ليس يقيم وما عجبي من نور جسمي وإنما ..... عجبت لنور القلب كيف يريم فإن كان عن كشف ومشهد رؤية ..... فنور تجليه عليه مقيم تفطنت فاستر علة الأمر يا فتى ..... فهل عقل خلق بالعليم عليم تعالى وجود الذات عن نيل علمه ..... به عند فصل والفصال قديم فرافق ربى قد أتاني مخبرا ..... بتعين ختم الأولياء كريم فقلت وسر البيت صف لي مقامه ..... فقال حكيما يصطفيه حكيم فقلت يراه الختم فاشتد قائلا ..... إذا ما رآه الختم ليس يروم فقلت وهل يبقى له الوقت عندما ..... يراه نعم والأمر فيه جسيم وللختم سر لم يزل كل عارف ..... إليه إذا يسرى عليه يحوم أشار إليه الترمذي بختمه ..... ولم يبده والقلب منه سليم وما ناله الصديق في وقت كونه ..... وشمس سما المغرب منه عديم مذاقا ولكن العقول مشاهد ..... إلى كل ما يبديه وهو كتوم يغار على الأسرار أن تلحق الثرى ..... وأن تمتطيها الزهر وهي نجوم فإن أبدروا أو أشمسوا فوق حرثه ..... وكان لهم عند المقام لزوم «أبدروا أي شهر بدرهم، أشمسوا: أي ظهرت شمسهم وهي كفاية عن مقصوده أي زاد قربهم وعلمهم.» فربما يبدوا عليهم شهودها ..... فمنهم نجوم للهدى وزحوم فسبحان من أخفى عن العين ذاته ..... ونور تجليها عليه عميم «عميم أي شملهم النور «نور التجلي»بالعلوم، والمراد من أفاض اللّه عليهم أنوار العرفان.» لكن أهل الذم لا يدركواالسنا ..... وكيف يرى طيب الحياة سقيم «السنا مقصود ضوء البروق.» فاشخاصنا خمس وخمس وخمسة ..... عليهم ترى أمر الوجود يقوم ومن قال إن الأربعين نهاية ..... لهم فهو قول يرتضيه كليم وإن شئت أخبر عن ثمان ولا تزد ..... طريقة أفراد إليه قويم فسبعتهم في الأرض لا يجهلونها ..... وثامنهم عند النجوم لزيم فعذرا فلو جاء الزمان وجيمه ..... على فاء مدلول الكرور يقوم مع السبعة الأعلام والناس غفل ..... عليهم بتدبير الأمور حليم وفي الروضة الخضراء اسم عداته ..... وصاحبها بالمؤمنين رحيم تراه إذا ناواه في الأمر جاهل ..... كثير الدعاوى أو يكيد زنيم
عدد الصفحات ٤5 «الزنيم المستحلق في قوم ليس منهم لا يحتاج إليه فكأنه فيهم زنمة، وهي شئ يكون للمعز في أذنها كالقرط وهي أيضا شئ يقطع من أذن البعيد ويترك معلقا، وقوله تعالى: عُتُلهٍ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيم ٍس ورة القلم الآية 13». فظاهره الإعراض عنه وقلبه ..... غيور على الأمر العزيز زعيم إذا ما بقي من يومه نصف ساعة ..... إلى ساعة الأخرى وحل صريم «الصريم الليل المظلم، والصريم أيضا الصبح وهو من الأضداد، قال اللّه تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ سورة القلم الآية 20». فيهتز غصن العدل بعد سكونه ..... ويحيى نبات الأرض وهوهشيم «الهشم من النبات اليابس المنكسر والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف شاء، والمقصود المتهشم البالي» ويظهر عدل اللَّه شرقا ومغربا ..... وشخص إمام المؤمنين رميم «الرميم أي بالى» وثم صلاة الحقتترى على الذي ..... به لم أزل في حالتي أهيم أما بعد: حمدا للّه الذي تقدم ..... والصلاة التي ختم بها الحمد وتمم تدبر أيها الحبر اللبيب ..... أمورا قالها الفطن المصيب وحقق ما رمى لك من معان ..... حواها لفظه العذب العجيب ولا تنظره في الأكوان تشقى ..... ويتعب جسمك القد الغريب «القد الشق طولا به رد، والقد أيضا القامة» إذا ما كنت نسختها فمالى ..... أروم البعد والمغنى قريب تبيين الغرض من هذا الكتاب: كنا قد ألفنا كتابا روحانيا. وإنشاء ربانيا، سميناه «التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية» تكلمنا فيه على أن الإنسان عالم صغير، مسلوخ من العالم الكبير، فكل ما ظهر في الكون الأكبر، فهو في هذا العين الأصغر ولم أتكلم في تلك الأوراق على مضاهات الإنسان بالعالم على الإطلاق، ولكن على ما يقابله به من جهة الخلائق والتدبير، وبينت منه ما هو الكاتب والوزير، والقاضي العادل والأمناء والعاملون على الصدقات والسفر والسبب الذي جعل الحرب بين العقل والهوى، ورتبت فيه مقابلة الأعداء، ومتى يكون اللقاء ونصرته نصرا موزرا، وكونته أميرا مديرا، وأنشأت الملك وأقمت ببعض عالمه الحياة، وبعضهم الملك، وكمل الغرض، وأمن من كان في قلبه مرض. وكنت نويت أن أجعل فيه ما أوضحه تارة وأخفيه، أين يكون من هذه النسخة الإنسانية والنشأة الروحانية مقام الإمام المهدى المنسوب إلى بيت بنى بالماء والطين وأين يكون أيضا منها ختم الأولياء وطابع الأصفياء، وإذ الحاجة إلى معرفة هذين المقامين في
عدد الصفحات ٥6 الإنسان،آكد من كل مضاهات أكوان الحدثان، لكني خفت من نزعة العدو والشيطان أن يصرخ بي في حضرة السلطان فيقول علىه ما لا أنويه وأحصل من أجله في بيت التشويه فسترت الشاة بالعززان، صيانة لهذا الجسمان ثم رأيت ما أودع الحق من هذه الأسرار لديه، وتوكلت في إبرازه عليه. فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين ومتى تكلمت على هذا. فإنما أذكر العالمين لتتبين الأمر للسامع في الكبير الذي يعرفه ويعقله. ثم أضاهيه بسره المودع في الإنسان الذي ينكره ويجهله فليس غرضى في كل ما أصنف في هذا الفن معرفة ما ظهر في الكون وإنما الغرض تنبيه الغافل على ما وجد في هذا العين الإنسانى. والشخص الآدمي فحقق نظرك أيها العاقل وتنبه أيها الغافل هل ينفعى في الآخرة كون السلطان عادلا أو جائزا أو عالما أو حائرا. لا واللّه يا أخي حتى أنظر ذلك السلطان منى والى. وأجعل عقلي إماما على وأطلب منه الآداب الشرعية في باطني وظاهري وأبايعه على إصلاح أولى وأخرى. فمتى لم أجعل هذا نظري هلكت. ومتى أعرضت عن الاشتغال بالناس تمكنت من نجاتي وتملكت إذ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم يخاطب جميع أمته كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . «رواه البخاري وأبو داود والإمام أحمد في مسنده ». فقدأثبت صلى اللّه عليه وسلم الإمامة لكل إنسان في نفسه وجعله مطلوبا بالحق في عالم غيبه وحسه فإذا كان الأمر على هذا الحد. ولزمنا الوفا بالعهد فما لنا نفرط في سبيل النجاة. ونقنع بأحط الدرجات ما هذا فعل من قال أنى عاقل. ويتجنب هذه المعاقل فمتى ذكرت في كتابي هذا أو في غيره حادثا من حوادث الأكوان فإنما غرضى أن أثبته في سمع السامع وأقابله بمثله في الإنسان فتصدق النظر فيه إلى ذاتنا. الذي هو سبيل نجاتنا، فامشيه بكليته في هذه النشأة الإنسانية على حسب ما يعطه المقام إما جسمانية وإما روحانية، فإياك أن تتوهم أيها الأخ الشقيق أن غرضى من كتبي كلها الكلام فيما خرج عن ذاتي من غير أن تلحظ فيه سبيل نجاتي: فما أبالي إذا نفسي تساعدنى ..... على النجاة بمن قد فاز أو هلكا فانظر إلى ملكك الأدنى ..... إليك تجد في كل شخص على أجزائه ملكا وزنه بالعدل شرعا كل آونة ..... وأسلك به خلفه من كل ما سلكا ولا تكن ماردا تسعى لمفسدة ..... في ملك ذاتك لكن فيه تكن ملكا «والمقصود أن العبد الرباني يكون مهيمنا على نفسه وجوارحه بقوة عزيمة إيمانه واستغراقه في طاعة اللّه تعالى. »
عدد الصفحات ٦7 فليتأمل ولى هذا الكتاب فإني أذكر فيه الأمرين العالم الأكبر واجعله كالقشر واجعل ما يقابله من الإنسان كاللباب للسبب الذي ذكرته أن يتبين للسامع ما يجهله في الشئ الذي يعرفه ويعقله، ولو وصل فهمه إليه دون ذكرى إياه، ما لحظت ساعة الحياة، ولا عرجت لمحة بارق على معناه، فإنما أسوقه مثالا للتقريب ومجالا للتهذيب وسأورد ذلك إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب من لآلئ الأصداف ونواشئ الأعراف التي هي أمثال نصبها الحق للمؤمنين والعارفين حبالة صائد، وتحفة قاصد، وعبرة لبيب، وملاطفة حبيب. * * * بحر طامس وبحر غاطس:- فيه لآلئ إشارات في أصداف عبارات فمن ذلك مفتاح حجة وإيضاح لحجة ولما لم يتمكن القاصد إلى البيت العتيق أن يصل إليه حتى يقطع كل فج عميق ويترك الإلف والوطن ويهجر الخلة والفطن ويفارق الأهل والولد. ويستوحش في سيره من كل أحد، حتى إذا وصل الميقات خرج من رقّ الأوقات وتجدد من مخيطه وخرج من تركيبه إلى بسيطه وأخذ يلبى من دعاه، فنسى ما كان من قبل ذلك وعاه، وصعد كدّلاح له علم هدى ودخل الحرم وحرم ولثم الحجر وقبل، تذر ميثاق الأزل وطاف بكعبته وأحاط بنشأته، هكذا في جميع مناسكه يمشى على مسالكه فإن تجاوز المغنى ووقفه على حجة معنى ينشى . فذلك هو الحاج الذي يتهنأ ولولا السآمة من قارئه لعرفتكم به منسكا منسكا إلى آخره: وابتدأت في هذا الكتاب بنسكة الحج إذ معناه تكرار القصد إلى الواحد الفرد والقصد أول مقام لكل طالب سرا ومحلول أمرا وأنا أريد أن أوضح لك في هذا الكتاب أسرارا وأرسل سمائها عليك مدرارا، فأوضحت لك أو لا قصدي. وجعلته قصدا شرعيا، ومقاما جمعيا، فإنه إذا كان القصد بهذه المثابة وهو البداية، فما ظنك بالنهاية وأين من يقدر قدر قدر الغاية (وَما قَدَرُ وا اللََّّ حَقَّ قَدْرِهِ) «سورة الأنعام آية 91، سورة الحج آية74، سورة الزمر آية67» . وأما حمد نور شمس، وما يمد ذات نوره فالق السمع وأشهد أجمع : أقول وروح القدس تنفث في النفس ..... بأن وجود الحق في العدد الخمس أيا كعبة الأشهاد يا حرم الأنس ..... ويا زمزم الأمال زم على النفس سرى البيت نحو البيت يبغى وصاله ..... وطهر بالتحقيق من دنس اللبس فيا حسرتي يوما ببطن محسر ..... وقد دلني الوادي على سفر الرجس تجرعت بالجرعاء كأس ندامة ..... على مشهد قد كان منى بالأمس وما خفت بالخيف ارتحالى وإنما ..... أخاف على ذا النفس من ظلمة الرمس لمزدلفى الحجاج أعملت ناقتي ..... لأنعم بالزلفى والحق بالجنس جمعت بجمع بين صحبى وشاهدي ..... بوترين لم أشهد به رتبة النفس
عدد الصفحات ٧8 خللت الأماني عندما كنت في منى ..... وطوقتها فانظره بالطرد والعكس خفى الجمرات اللعن في رونق الضحى ..... حصيت عدو الجهل فارتد في نكس صغيت على حكم الصفا عن حقيقتي ..... فما أنا من عرب فصاح ولا فرس ركنت إلى الركن اليماني لأن في ..... استلام اليماني اليمن في جنة القدس أقمت أناجى بالمقام مهيمنا ..... تعالى عن التحديد بالفصل والجنس "قال تعالى : "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرا هِيمَ مُصَلًّىأي مقامه الولائى الذي وصل إليه"." فشاهدته في بيعة الحجر الذي ..... تسود من نكث العهود لدى اللمس وبالحجر حجرات الوجود ركونه ..... على فلا يغدوا الزمان ولا يمس وفي عرفات قال لي تعرف الذي ..... تشاهده بين المهابة والأنس فلما قضيت الحج اعلمتن منشدا ..... بسيرى بين الجهر للذات والهمس سفينة إحساسى ركبت فلم تزل ..... تسيرها أرواح أفكاره الخرس فلما غدت بحر الوجود وعاينت ..... بسيف النهى من جل عن رتبة الأنس دعاني به عبدي فلبيت طائعا ..... تأمل فهذا الفتح فوق جنى الغرس فعاينت موجودا بلا عين مبصر ..... وسرح عيني فانطلقت عن الحبس فكنت كموسى حين قال لربه ..... أريد أرى ذاتا تعالت عن الحس «قال اللّه سبحانه وتعالىوَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبهِ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِ نِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِي نَ " سورة الأعراف آية 143. رغم إشارته إلى الآية الكريمة إلا أنه أراد شهود التجلي الإلهى في مقام الربوبية عليه من حضرة اسمه تعالى الولي شهود قلب وامتلاء.» فدك الجبال الراسيات جلاله ..... وغيب موسى فاختفى العرش في الكرسي وكنت كخفاش أراد تمتعا ..... بشمس الضحى فانهرت من هيبة الشمس فلا ذاته أبقى ولا أدرك المنى ..... وعود في الأموات جسما بلا نفس ولكنني أدعى على القرب والنوى ..... بلا كيف بالبعل للكريم وبالعرس فمن لم يكن قصده على هذه المحجة ولم تصح له هذه الحجة، ويطلب العين فهو في حضرة الغين فاسلك يا أخي على هذه الطريق، وقل الرفيق الرفيق حتى تتصل به من غير انفصال، وتفصل عنه من غير اتصال، وتكون ظلالك تسجد له سبحانه بالغدو والآصال. ومن ذلك تنزل روح أمين باشراق صبح مبين، ولما هزم الصبح جيوش الليل، وأوجف عليه بسوابق الخيل وحصل الجسم والدسم في قبضة العين والاسم، واعتقه من رق كونه، وألبسه رجاء صوبه، ومنجه مساعدة عينه، في أي جهة كان من ابنه.
عدد الصفحات ٨9 عند ذلك سألني رجل من أهل تبريز وممن يقول بدولة العزيز، وينكر سقوظ التمييز، عن أسرار أشراط الساعة، وأماراتها وحقائقها وإشاراتها من طلوع شمس من مغربها، وروحانية مقصدها ومذهبها وإغلاق باب توبة، وإبقاء زلة وحوية، ونفخ دابة ونزول مسيح وخسف جيش تهامة فيح وملحمة عظمى وفتح. مدينة كبرى بتكبير وتهليل على مقتضى السنة لا بالمراهفات البيض ولا بزرق الأسنة وختم ولاية وروضة خضراء، وسر نبوة ومحجة بيضاء ومن خرج من مقامه إلى مقام الذل، فصح له به المشرق الأكمل، وخروج دجال لا يعى، وقتيل له يموت ويحى، وقال لي أريد منكم أن تبينوا لي إلى أين أسرار هذه الأكوان في نشأة الإنسان، فإني أريد أن أجعلك لشيطانى شهابا رصدا، واتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا. فقلت له وأبن فتاك وقوتك، وهل اتخذ إلى البحر سربا حوتك فقال لولا ما اتخذ حوتى سربا ما وجدت لك سببا، ولولا قتائى ما حملت غذائى فقلت له ستلحق بمقامك وتتأخر وإذا وقع ذلك حينئذ تعثر. ثم قلت له وهل نسيت الحوت فارتددت قصصا على أثرك لتعرف حقيقة خبرك فقال كل ذلك قد كان فلقد تعب من أخذ علمه من الأكوان قلت له وبشرك الحق بأنى صاحب الرحمة والعلم فأبشر بأنك صاحب الغلظة والدم، لأن في العين وأنت في الكم، فأنت في ملكك رئيس، وفي سجن عالم شهادتك حبيس، وأنا في ملكوت علق نفيس وصاحب صنعة لبوس، فقال له إني أتيتك قاصدا فعلمني مما علمت رشدا فقلت: "قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَ لى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراا * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَُّّ صابِراا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراا «سورة الكهف»فقلت: قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراا " «سورة الكهف» وصف حال بعد حل وترحال ثم قلت له يا سيدي صان اللّه أنوار شيبتك وحفظ متاع غيبتك أريد أن أعرفك قصتي تكون لك سلما إلى منصتى عسى يقل إنكارك ويحسن إن وقع منك اعتذارك فإن الذي سألت عنه من هذه الأسرار المصونة من ملاحظة الأنوار فكيف بعالم الأفكار لا يصلح في كل وقت إفشاؤها، ولا يصح بأي نفخ كان بعثها وأحياؤها فإن نباؤها عظيم، وشبطان منكرها أليم وإن كان بعض ما سألتني عنه لم أعرج عليه ولا طلبته منه، فإن الطريق الذي سلكت عليه والمقام الذي طلبته وانفردت إليه الذي هو مقام فردانية ونفى الكثرة والعدد لا يصلح معه التعريج على كون ولا يقبل منه إلا تحققه عين ولما لم تتعلق بحوادث الكون همتي ولا تشوقت إليها كلمتي كان الحق سبحانه وتعالى وجهتي وتزهتى عن ملاحظة جهتي فكنت لا أشهد أينا فكيف أبصر كونا. حكمة تعليم من عالم حكيم، ثم لما رأيت السائل عن تلك الأسرار، تحركه دواعي الأفكار أعرضت عنه أعراض متعلم ناصح، وصرفت وجهي وجهة الحق الذي بيده
عدد الصفحات ٩10 المفاتح من جهة المقام الذي يعقله وسددت الباب الذي ينكره ويجهله حتى يتمكن في مقام السمع ويتحقق بحقيقة من حقائق الجمع، وقمت إلى الحق ملبيا وله مناجيا أعد على سوابغ نعمه واسمع السائل سرائر حكمة وكأني لا أقصده بذلك تعظيما وهكذا يفعل من صيره الحق حكيما . فإن البيوت لا تؤتى إلا من أبوابها والملك على أرجائها ولا يدخل عليها إلا بإذن حجابها وذلك إني أن بديت له الأسرار كفاحا وجعل قلبه لذلك سرا خاص، فسرح في عالم التجسيم سر فكره، واستوى على قلبه سلطان فكره فصير نوره نارا وقراره بوارا فالحكيم المطلق إذا أخذ من هذه صفته في مناشدة الحق، وأعرض عن جميع الخلق بهره المقام، فقطع الأوهام، وغاب عن الأجسام، واستسلم أي لاستسلام، ووقعت النكتة في قلبه، فقادته إلى معرفة ذاته وربه، فاعرضت عنه لهذه الحكمة وأنشدت وبحثت ببعض ما وجدت تعلمه فيه، أن السلوك يجذب الحق ودواعيه، ويرد سبحانه بالعبد ويحفيه، فاعله يتنبه ويعيه: قلبي بذكرك مسرور ومحزون ..... لما تملكة لمح وتلوين فلو ارتقت لسماء الكشف همته ..... لما تملكه وجد وتكوين لكنه حاد عن قصد السبيل فلم ..... يظفر به فهو بين الخلق مسكين حتى دعته من الأشواق داعية ..... أضحى بها وهو مغبوط ومفتون وأبرقت في نواحي الجو بارقة ..... همت لها نحو قلبي سحبها الجون «الجون الكثيفة غزيرة الأمطار» فالسجب سارية والريح دارية ..... والبرق مخطتف والماء مسئون وأخرجت كل ما تحويه من حسن ..... أرض الجسوم وفاح الهند والصين فلما سمع السائل وصف حالته وسجت بدر سره في إدارة هالته وتنبه لما أخفى فيه، وأبرزت له نبذة من معانيه، ورأيته قد أصغى إلى بكليته وخرج من ملاحظة نفيسته صرفت وجهي إليه وهو فإن فيما أوردته متعطش للزيادة مما أنشدته وطلب منى الزيادة بحله فزدته: فما ترى فوق أرض الجسم مرقبة ..... إلا وفيها من النور تزيين فكلما لاح في الأجسام من بدع ..... وفي السرائر معلوم وموزون والقلب يلتذ في تقليب مشهده ..... نكل وجه من التزيين ضنين والجسم فلك ببحر الجود تزعجه ..... ريح من الغرب بالأسرار مشحون وراكب الفلك ما دامت تسيره ..... ريح الشريعة محفوظ وميمون ألقى الرئيس إلى التوحيد مقدمه ..... وله عليه من الأملاء تأمين فلو تراه وريح الشوق تزعجه ..... تجرى وما فيه تحريك وتسكين إن الأوائل في الإنسان مودعة ..... نور ونار وطين فيه مسنون
عدد الصفحات ١٠11 وأودع الوصل ما بيني على كثب ..... وبين زلى مفروض ومسنون "كثب : المقصود القرب" فالسر باللّه من خلفي ومن خلفي ..... إذا تحققت موصول وممنون يقول في القلب روح الحق فاعتبروا ..... فإن قلب كتاب اللَّه ياسين "روى الترمذي في صحيحه عن أنس رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إن لكل شئ قلبا وقلب القرآن يس» من بعد ما قد أتى من قبل نفخته..... علىه من دهره في نشأتى حين لا يعرف الملك المعصوم ما سببي ..... ولا العيون الذي تبكيه تبيين لما تسترت عن صلصال مملكتي ..... أخفانى عن علمه في عينه الطين فكان يحجبه عنى وعن صفتي ..... غيم العمى وأنا في الغيب مخزون فعند ما قمت فيه صار مفتخرا ..... يمشى الهوينا وفي أعطافه لين لما سرى القلب للأعلى وجاز على ..... عدن وغازله حوراتها العين غض الجفون ولم يثنى العنان لها ..... لما مضى عن هواه الفرض والدين «المعنى: أبعد نظره عن رؤيتهن» فعند ما قام فوق العرش بايعه ..... اللوح والقلم العلام والنون فلو تراه وقد أخفى حقيقته ..... فإن فوق استواء الحق تمكين فإن تجلى إلى كون بحكمته ..... له على ظهر ذات الكون تعيين فلا يزال لمزج الملقيات به ..... يقول للكائنات في وجه الورى كونوا فكل قلب سهى عن سر حكمته ..... في كل كون فذاك القلب مغبون فاعلم بأنك لا تدرى الإله إذا ..... ما لم يكن قبل يرموك وصفين فاعرف إلهك من قبل الممات فإن ..... تمت أنت على التقليد مسجون وإن تجليت في شرقي مشهده ..... علما تنزل فيك العال والدون ولاح في كل ما يخفى ويظهره ..... من التكاليف تقبيح وتحسين فافهم فديتك سر اللَّه فيك ولا ..... تظهره فهو عن الأغي ار مكنون وغر عليه وصنه ما حييت به ..... فالسر ميت بقلب الحرة مدفون فلما سمع منتهى القلوب، ووقف على شرف الغيوب ورأى ما حوته هذه المملكة الإنسانية من الصفات الربانية والأسرار الروحانية، جثى على ركبته وانسلخ عن ظلمته، وقال إني اكتم للسر فأوضح الأمر فقد زال النكران، وطرد الشيطان بعناية الرحمن. (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطان ) «سورة الحجر آية42» وصف الخير فإني أسلم وعلمني فإني أتعلم، قلت فلم أزل بهذا المشهد السنى والمقام العلى، أغدو وأروح، في غيوق وصهوح إلى أن تمكن الأمر لدى وحصلت المفاتيح التوفى بين يدي، فلما أن اتصفت بهذا التحصيل،
عدد الصفحات ١١12 وهيأتى الحق للتقديم، ورشحنى للتفصيل، علمت أنه تعالى يريد رجوع إلى عالم الشهادة، فقبلته على شرط الإبقاء لحال وزيادة، إذ لا دليل قاطع بوجود نهاية، ولا تحقق لأحد بغاية، إذ هو القائل سبحانه قول تنزيه وتمجيد: (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيد ) «سورة ق الآية35» فحصل للمتصف بهذا المقام نفوذ إرادته في ملكه، وزيادة ما لم تتصف الهمة بدركه فتعود إرادته في قوله: (فَعَسَى اللَُّّ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) «سورة المائدة الآية52» لكان شرط الوفاء بعهده والزيادة في تتميم الآية بقوله سبحانه (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) «سورة المائدة الآية52» فعند انصرافه من غير مفارقة الرفيق إلى عالم الترفيع والتلفيق؛ تلقتنى حوادث الأكوان في الطريق فعند ذلك عرفت من الحادثات الآنية والآتية ما شهدته وعلمت من الكائنات العلوية والصفلية ما وجدته وأنا الآن من ذلك الوقت إلى حين هلكتى وافتراق ملكتى في تلك الرجعة المشهدية بتلك الصفة الأحدية، ومن ذلك هدهد أمين جاء بنبأ يقين. وقد تحسد بثلاثة أنوار وأغطيته أسرار وممن سلم على ممن أفقه، واظهر لي بعض خلقه كوكب الأفوال في رد إلفه وقمر بازغا في حلة الهداية المشرقة، فاعطى كل نور حقيقته، وأوضح لنا طريقته، ثم تلاهما الشمس الأكبر والنور الأزهر، الذي يجلوا السدف وينير الغرف ويزيل الكلف وهو التجلي المثالي «والنور الإرسالى، فسلم إلى في مغرب الغمى حتى يصل الأجل المسمى. فإذا دنا الأجل واقترب من طلع هاديا من حيث غرب، وهذا هو شمس التوجيه، ومقام التنزيه، بأقواله يزول الإشراك، وتنحل عقد الإشراك، فيفلت صيدها ويرتفع كيدها، وهذا لأقول كله على قسمين لذي عينين فإن جعل أفوالها في قلبه، فهو على نور من ربه في عالم غيبه، فبقى له نور قربه، ويكون له نور على نور وسرور وارد على سرور، وأن أظلم المحل الأضواء عند أفوالها، فهو معرهى من صفات مقيلها، قد غرق في بحر الذات الأقدسية متجردا عن أثواب صفاتها المعنوية. فانظر إلى هذا السر السنى ما أعجبه، وإلى هذا الذوق الشهى ما أعجبه وأعذبه وبقيت مع هذا النور الشمسي في مقامه الأقدسى أناجيه أعواما وليالي قمرية؛ وأياما. وقد أضح اللّه لنا العلامة، بأنه خاتم الإمامة أعنى الإمامة المحمدية الجزئية؛ لا الإمامة المطلقة الكلية، فمن فهم فليعلم، ومن جهل فليقرع الباب وليلزم، ما دام هذا النور ثابتا في أفقه قبل أفوله في حقه، فحققت ما لديه، وعلمت ما جعل الحق من الأسرار في يديه ومن ذلك رحيق مختوم مزاجه تسنيم، إلى أن دخل عام خمسة وتسعين نصف اليوم.
عدد الصفحات ١٢13 واتجلى عن الشمس ظلام الغيم وأنا على حالتي في رجوعي المذكور بعلمى المشهور وعلمي المستور، في غلائل النور وإنما كان هذا الرحيق بالمسك مختوما، وكان مزاجه تسنيما لأنه تابع متبوع وسامع مسموع، وستأتي الإشارة إليه من بعد. ويكون له الوعد والوعيد فلما دخل العام المذكور، ومضت منه ثلاثة شهور، تلقاني عند فراقي لهذه الشمس المغربية، وتركى لها في العصابة اليثربية، الختم برحيقه، وأوضح لي التسنيم مزاج طريقه، فرأيت ختم أولياء اللّه حق. في مقعد الإمامة الإحاطية والصدق فكشف لي عن سر محتدة وأمرات بتقبيل يده ورأيته متدليا على الصديق والفاروق متدانيا من الصادق المصدوق، محاذيا له من جهة الأذن قد ألقى السمع لتلقى الأذن ولو تقدمه منشور، وخاتماه نور على نور، فكان له في ذلك الجمع الطهور ومن عداه فيه كلابس ثوبي زور، والشمس اليقينية قد قبلت يده مثلي ولحظتها. فقال : الختم هي من أهل، ثم نازعني الحديث، وتقتيا بالقديم والحديث والساقي يحب المدامة، ويبدأ بساق عرش الإمامة وهو ينعطف على عطفه نشوان ويغازلنى مغازلة هيمان ويقول ردني برداء الكتم، فإني أنا الختم الأولى بعدى ولا حامل لعهدى، بفقدى تذهب الدول، وتلتحق الأخريات بالأول: وكان ما كان مما لست أذكره ..... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ولما تناجت القلوب بأسرارها وطلعت شموس الغيوب من سماء أنوارها، وأخذ المجلس حده ودخل أبو العباس وصاحبه عنده انصرفت متحققا بما عرفت ولم تبق نكتة نادرة إلا على باب حضرتي واردة وصادرة، ولولا عهد الغيرة ما أخذ، ودخيل إلا فشا الذي نبذ لأبرزناه لكم في حلته وبيته ولكن سأجعله لكم وراء كنيته، فمن اجترى ورفع ستره، رأى سيره. وهكذا فعله في شمس غربنا، أظهرها لكم من وراء قلبنا في حجاب غيبنا. فمن كان ذا كشف علوي، وحزم قوى شق عن قلبي حتى يرى فيه شمس زلى، فمن امتطا عتيق الإفشاء طلب ولحق، ومن نزل عن متنه إلى ذلول الكتم نجا والتحق إلا أن كان كما أفعله وفعله من قبلي من خفى رمز، ودرج معنى في معمى ولغز. ومن ذلك البحر المتقدم المذكور أرخا الستور على البدور، ولما دخل شهر ميلاد النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى سبحانه رسول الإلهام وهو الوحي الذي أبقاه علينا، والخطاب الذي جعل منه إلينا ثم أردفه بميسرة ساطعة في روضة يانعة. يأمرني فيها بوضع هذا الكتاب المكنون، والسر المصون المخزون وسلماه لي بكتاب الكشف والكتم، في معرفة الخليفة والختم، فراجعت الملك في هذه العلامة، فقال أيها الفتى، ثم عاد إلى وما رحل وفرش المحل الأقدس ونزل. وقال الحضرة قد وسميته بكتاب سدرة المنتهى وسر الأنبياء في معرفة الخليفة وختم الأولياء. فقلت إني لا أجد في نفسي لهذه السمة نكتة، فلا تعجل على ولا تأخذنى بغته
عدد الصفحات ١٣14 فقال إني استحى، فقلت ربى الذي يميت ويحيى فلما كان يوم الجمعة والخطيب على أعواده يدعو قلوب أولياء اللّه وعباده إذ وجدت برد كف الجذب من حضرة القرب فتلقيت في الغفلة الكلمات، وتوفرت دواعي القثب لما يرد عليه من النسمات، فإذا الخطاب الأنفس من المقام الأقدس هل تقنع أيها الخطيب المغرب والمنتقد المعجب. (بعنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب) ونكتة سر الشفا في القرن اللاحق بقرن المصطفى. وصل وهذه الإشارات كلها راجعة إلى النسخة الصغرى لا إلى النسخة الكبرى فقد بينت لك آنفا إنه لا فائدة في معرفة ما خرج عن ذاتك إلا أن يتعلق به سبيل نجاتك، فشمس المغرب ما طلع في عالم عيبك من أقوال العلوم. وتجلى إلى قلبك من أسرار الخصوص والعموم. كما أن الختم ما ختم به على مقامك. عند منتهى مقامك وكذلك إذا كنت في زمانك الخاص بك بين إخوانك على ما كان عليه من تقدم من صحابه النبي صلى اللّه عليه وسلم من العمل السنى والتجلي العلى فقد لحق زمانك بزمانها وصرت من جملة أقرانهم. ومن ذلك رفع ستر. ومجاهدة فكر. لما نص ما ذكرته. وورد على بما سطرته قال هل رأيت يا محمد هذه الإشارة. في تأخر الوزارة عن الأمير في وقت الإمارة. لولا خلافة الصديق. لرجع الناس عن الطريق. لعدم الكشف ومعرفة الصرف. وهل الخليفة إلا بعد ثبوت المستخلف. ولهذا توقف المجادل المتعسف. قل له يا محمد هيهات يا إنسان لا بد من كونه فكأنه قد كان ولكنه غير موجود في عالم التغيير والحدثان. وإنما الحكمة أخرته لسر أضمرته. سيظهر ذلك السر في أو انه وحول زماناه، فشمس المغرب دون رتبة للصديق فعليك بالكتم كما إن صلوا من دون تمت لواء الختم. وذلك إن أنوار الغيوب الساطعة في القلوب. التي كنينا عنها قد ينالها من ليس بصديق أكبر. ولا له ذلك الأخطر الأزهر بل قد ينالها الممكور به المستدرج المغبون، وسر هذا في قوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «سورة الأعراف الآية182» والصديقية لا ينالها إلا أهل الولاية. ومن كان له عند اللّه أزلا شابق عناية. وهي السبيل في نجاة من اتصف بها. وتذهب بمذهبها فلهذا جعلنا الشمس دونها وإليها ركونها كما أن الحتم فوق رتبة الصديق إذا كان الممهد للطريق. الذي مشى عليه عتيق «عتيق لقب من ألقاب الصديق الأكبر سيدنا أبو بكر لأنه بشر يعتقه من النار، ولو سامة وجهه الطلق السمح وضاءة الخلق والخلق والإيمان»
عدد الصفحات ١٤15 فالختم نبوي المحتد علوي المشهدفلهذا جعلناه فوق الصديق كما جعله الحق فإنه أخذ نوره من مشكاة النبوة أكبر ممن أخذه من مشكاة العديقية فيين التابع والصاحب ما بين الشاهد والغائب ولما صح أن الختم متقدم الجماعة يوم قيام الساعة ثبت أن له حشرين وإنه صاحب الختمين ويشركه ذو الأجنحة في حشرته. وينفرد الختم بخاتميه، وذوا الأجنحة في الإنسان من غلبت على الروحانية، والتحق بتطهير نفسه بالرتبة الملكية ولا دفاع عندنا في هذا المقام ولا نزاع، وعلى قدر ارتقائه فيها يكون مع صاحب مثنى أو رباع فإن كان أمين الأرواح فيكون له ستمائة جناح . « قال تعالى "الْحَمْدُ للَِِّّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللََّّ عَلى كُلهِ شَيْءٍ قَدِير " . وقوله تعالى : "أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ " أي يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعا ومنهم من له جناحات ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة ومنهم من له أكثر من ذلك كما جاء في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، روى في كثير من المسانيد والحديث صحيح.» ولا حرج عليه في ذلك ولا جناح، وإنما سميناه خاتما، وجعلناه على الأولياء حاكما لأنه يأتي يوم القيامة وفي يده اليمنى، محل الملك الأسنى. خاتم مثالي جسماني وفي يده اليسرى محل الإمام الأسرى بخاتم نزالى روحاني، وقد انتشر باليسار باليمين في زمرة أهل التعيين. وقد انتشر باليسار مع أهل التمكين، خصص بعلمين، وخوطب باسمين، فتفطن أيها اللبيب لهذه الأسرار واسعى لضياء هذه الأنوار، ومن ذلك رهن إغلاق أخذ ميثاق، ولما سمعت ما ذكره وأظهر لعيني ما كان قبل ذلك عزم على في تقييد هذه النبذ الأقدسية وأخذ على العهد أن أخذها من غلائلها السندسية «.الغلائل جمع غلالة، وهو ما يغلق به الشئ والشئ المكنون والمراد من مكنون سر اللّه تبارك وتعالى. » حتى لا تنبسم عن اغريض ولا يظهر تبرقبها وميض وقال أهو رهن يبدك وقد علق فلا تبتئس فامسك عليه ولا تخرجه فتعتلس فتوجه الأمر عند ذلك في إفشاء هذا السر المكتوم والكتاب المختوم بالتعريض لا تصريح وإعلام تنبيه وتلويح، ولما تلقيت منه الأمر على هذا الحدود دخلت تحت هذا العقد لزمني الوفاء بالعهد فأنا الآن أبدى وأعرض تارة وإياك أعنى فاسمعي يا جارة وكيف أبوح بسره وأبدى مكنون أمر وأنا الموصى به غيرى في غير ما وضع من نظمى ونثرى نبه على السر ولا تفشه فالبوح بالسر له مقت على الذي بيديه، فاصبر له واكتمه حتى يصل الوقت، فمن كان ذا قلب وفطنه، شغله طلب الحكمة عن البطنة فوقف على ما رمزناه «بالأصل«المعمى». وفك المعنى الذي لغزناه ولولا الأمر الإلهى لشافهنا به الوارد والصادر، وجعلنا قوة المقيم وزاد المسافر ولكن قد جف القلم بما سبق في القدم فما أشرف الإنسان حيث
عدد الصفحات ١٥16 جعله اللّه محل روحانية هذه الأكوان، فلقد أبدع اللّه سلخه حين أوجده وأكمل نسخة، واللّه الكفيل. "وَعَلَى اللَِّّ قَصْدُ السَّبِ يلِ "، " وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ". ومن ذلك موقف اختصاص ونتيجة إخلاص ولما كان هذا الأمر يدخله الصدق والمين، ولو كان عند قائله عن مشهدة عين، لما كان يقطع بصدق السامع إلا أن تأيد ذلك الخبر بإعجاز قاطع أو نور حسن ظن بقلبه ساطع ولهذا قال الإمام أبو يزيد «البسطامي» لموسى الديبلى«الدينيلي» أن المؤمن بكلام أهل هذه الطريقة مجاب الدعوة عند العلى فقد حصل للمؤمن الصديق الاشتراك مع الصادق بطريق حسن الظن لا بالدلائل الخوارق ولما كان الأمر عند الخلق بهذه النسبة، وحجبوا عن ماله عند اللّه من عظيم النصبة، أخفيناه عنهم رحمة بهم. وجزينا معهم على مذهبهم فما أظهرت النبوة للجمهور إلا قدر حمل عقولهم خوفا من نفورهم عنه وذهولهم فيقعوا في تكذيب المخبر الصادق فتحل بهم لذلك مثلاث العوائق ثم جرى على هذا المهيع السلف الصالح من الصحابة ونزلوا من مقام الهيبة إلى مقام المزاح والدعابة اقتداء بمن مازح الشيخة وذاته التغير بما ظاهره موهم وباطنه خير وتستروا بالمعاملات في الظواهر وتكتموا بما حصل لهم من العلم المصون والسرائر وإن كان قد نبهوا رضوان اللّه عليهم على أمور ليست عند الجمهور وخوطبوا بها من وراء الستور. فقال أبو هريرة: لو تشته لقطع منى هذا البلعوم. وقال ابن عباس: لو فسرته لكنت فيكم الكافر المرجوم، لما رأوا أن حقائق الغيوب، فوق مراتب بعض القلوب فأخذوا الأمر من فوق معرفة مشاهدة وذوق ورثاء نبويا محفوظا ومقاما علويا ملحوظا ، إذا سار في أبنائه، لما لقاه في ليلة إسرائه من تحصيل علم أخذ عليه كتمه لما عسر على غيره فهمه، ولما كانت هذه العلوم التي أنا واضعها في هذا المجموع وأشاهد من هذا القبيل. ومتلقاه من مشكات هذا الجيل ومما لا يصح إلا بعد مفارقة جبريل، وكل صنف من الملأ الأعلى وقبيل لم يصح عندنا إذاعتها، ولا أن نرفع حجابها فتكشف سريرتها فكلما أبرزناه لعين الناقد البصير إنما هو من تلقيات الروح الأمين ومن سدرة المنتهى للسالكين. وبعض تلقيات التعين والتمكين من حضرة المناجاة بلغة الإنس لإزالة سطوة الهيبة ونزول رحمة الإنس، فأظهر منها على قدر أبصار الناظرين، فمنهم من فهم وسلم ومنهم من جال بها في ميدان المناظرين، ومن ذلك موج مجرد مجنون تجرد عنه لؤلؤ مكنون.
عدد الصفحات ١٦