100 هذا مخالف للعلم :- العجز عن الإثبات1 وهي أكثر إشكاليات هذه النزعة طرافةً، فهي نزعة معرفية عاجزة تماماً عن إثبات صحتها، فصحة المنهج التجريبي الذي تتأسس عليه النظرة العلموية إما أن يكون مدركاً بطريقه أو بطريق خارج عنه، فإن كان إدراكنا لصحة هذا المنهج هو بذات المنهج فهو دور باطل، يحمل في طياته تناقضاً داخلياً، إذ لا يصح أن تجعل الدعوى مورداً للاستدلال لها أو عليها. أما إن كانت صحة هذا المنهج مدركةً بأمر خارج عنه فقد حصل المقصود بإمكان تحصيل المعرفة بهذا الخارج، وهو ما يدخل في مجالنا المعرفي ضرورةً مورداً معرفياً آخر ليس من طبيعة ذلك المورد. - بطلان جذرها الفلسفي:2 إذ أصل فكرة العلموية قائم على أن مصادر المعرفة الإنسانية منحصرة في المدركات الحسية فحسب، وهذا الأساس غير صحيح، ودلائل بطلانه وخطئه كثيرة جداً، فالحس ناقل معرفي لا حاكم معرفياً، إذ الحاسة من حيث هي لا تصوب ولا تخطئ، وإنما تنقل الأمر للعقل الذي يؤدي هذا الدور، والعقل يشتمل على معارف ضرورية تنتهي إليها سلسلة المعارف النظرية. فإن المعرفة البشرية إما أن تكون معرفة نظرية وهي لون من المعارف تستدعي نظراً وتأملاً واستدلالاً، أو معارف ضرورية لا تتوقف على النظر والاستدلال كمبدأ السببية العامة، وعدم التناقض، وكون الجزء أصغر من الكل، ونحو ذلك من الضروريات العقلية. فلو كانت المعرفة البشرية نظرية كلها، للزم من ذلك التسلسل في المعرفة أو الدور، فكل معرفة تتطلب دليلاً، وهو ما يفضي إلى امتناع تحصيل معرفة ما، إذ كل معرفة مفتقرة إلى معرفة سابقة دون نهاية، أو أن دليل المعرفة هو ذاتها وهو دور باطل يجعل من الدعوى حجة، فلا بد من أن تنتهي المعرفة النظرية إلى معارف أولية
عدد الصفحات ١٠١101 هذا مخالف للعلم تمثل نقطة الانطلاق المعرفي، وهذه النقطة وإن دخل في تشكيلها الحس، لكن الأمر لا يقتصر عليه بطبيعة الحال، بل العقل والفطرة داخلة أيضاً. - منع إمكانية الوصول لفضاءات معرفية:3 فمع الإقرار بأن العلوم الطبيعية قادرةٌ على تزويدنا بمعلومات وفيرة عن الظواهر الطبيعية، فهذا لا يعني أنها قادرة على تزويدنا بمعلومات في كل المجالات الممكنة، فمن الخطأ الفادح قصر المورد المعرفي عليه وحده، فسبل التوصل إلى المعارف متنوعة بتنوع طبائع المعارف والعلوم، فلكل مجال معرفي أدواته المعرفية ومصادره، وبناءً عليه؛ فمحاولة تعميم المنهج التجريبي ليكون مصدر المعرفة في المجالات كافة، واعتقاد أنه وحده الصالح لتقديم الإجابات عن جميع التساؤلات؛ إشكالية منهجية وعلمية حقيقية، تفضي بصاحبها ولا بد إلى مشكلات علمية متعددة. وواقع المشهد العلمي والمعرفي بحد ذاته يكشف عن مثل هذه الإشكاليات، فالتاريخ مثلاً له موارده ومصادره المعرفية، وعلوم الرياضيات كذلك، وهكذا في كل المعارف والعلوم، فاعتقاد أن المنهج العلمي التجريبي هو وحده أداة تحصيل المعرفة، متناقض مع واقع التنوع في المجالات العلمية، والذي يستتبع تنوعاً في طرائق العلم والمعرفة. - ضريبة النزعة العلموية:4 الحقيقة أن ضريبة تبنّي هذه النظرة المغالية للعلم باهظة جداً معرفياً وخلقياً وإنسانياً، فطردها يدخلنا في ألوانٍ من السفسطة المعرفية، والنسبية الخلقية، بل هي تفضي إلى انتزاع كل قيمة للإنسان. فحصر المعرفة في إطار العلوم التجريبية يفضي - وهو الواقع - إلى إنكار المعقولات الضرورية، وإنكارها يُسبب انهيار المنظومات العلمية، إذ هي ما يمثل
عدد الصفحات ١٠٢102 هذا مخالف للعلم اللبنات المعرفية الأولية التي يبنى عليها معرفياً وبغيرها ندخل في دوامة السفسطة والمغالطة. كما أن العلم التجريبي غير قادر على تحديد ما هو أخلاقي وغير أخلاقي، وهو ما أفضى بكثيرٍ ممن يتبنّى هذه النظرة المغالية إلى ادعاء نسبية الأخلاق، وأن لكل شخص أو مجتمع أن يحدد ما يراه مناسباً من الأخلاق، وهو يجرنا إلى فوضى أخلاقية، ويخالف ما نجده في أنفسنا من إدراكٍ ضروري بأن العدل مثلاً قيمة أخلاقية حسنة، وأن الظلم قبيح، وأنت إذا نزعت عن الإنسان معرفته وخلقه فماذا يبقى معه؟! أن معارضة الوحي بالعلوم الطبيعية إنما تنشأ من والخلاصة التي ينبغي أن نعيها: سوء فهم للوحي، أو سوء فهم للعلم، وأن الحل هو في ضبط كل طرف، وإدراك المنهجية الشرعية الصحيحة في العلاقة بينهما، وأنها متى طبقت على نحو سليم، انزاحت جميع الإشكاليات المتعلقة بهذا الباب.
عدد الصفحات ١٠٣103 ) تقديم المصلحة على النص9( بعض الناس يتأمل في مصلحة معينة وتتضخم في نفسه حتى يقول: هذه مصلحة مهمة ولا غنى للناس عنها، فيجب أن تكون مشروعة، وإذا وُجِدَ نص معارض لها، فالواجب تقديمها على النص. وهذه المقولة تعبّر في الحقيقة عن رؤية مشوهة لعلاقة النصوص الشرعية بالمصالح، وهي تستبطن إمكان وقوع الانفكاك بينهما، وهو ما يفسر هذه الحماسة والعجلة عند من يتوهم تحقق مصلحةٍ في أمرٍ على خلاف ما تأمر به الشريعة، فيدّعي متحمساً بعد ذلك بلزوم تقديم المصلحة على النص. وربما صاغ إشكاليته هذه بطريقة أكثر لباقة ليقرر بأن الشريعة إنما جاءت بتحقيق المصالح ودفع المضار، فأي نص جاء معارضاً لأي مصلحة تحقق النفع للناس ينبغي أن لا يعتد به. وقد يسترسل صاحب المقولة هنا ليتحدث عن أهمية رعاية المصالح لإقامة الحياة الدنيا، والحاجة المعاصرة إلى تحقيق النهضة والتنمية والسعادة، وضرورة تحقيق الإنجاز في المجالات كافة. وهنا يأتي هذا السؤال: هذه المصلحة التي يراد تقديمها على النص، هل هي من المصالح المعتبرة شرعاً، أم هي مصلحة مخالفة معارضة للشرع، أم هي مما سكتت عنه الشريعة؟ فإن كانت مصلحة معتبرة شرعاً فلا يصح أن يقال إن المصلحة الشرعية هنا مقدمة على النص الشرعي؛ إذ إدراكنا للمصلحة مستفادٌ من نص الشرع، ولا يتصور تقديم الشيء على نفسه؟!
عدد الصفحات ١٠٤104 تقديم المصلحة على النص وإن كانت المصلحة معارضة للشرع فكيف يستجيز مسلم أن يقول إنني أقدم ما أراه مصلحة وإن كانت معارضة للشرع، فهذه محادة لله ورسوله، لا يمكن أن تصدر ممن استقر الإيمان في قلبه. وأما إن كانت المصلحة مما سكتت عنه الشريعة فهي معتبرة في الحقيقة لما سيأتي، فلا يتصور أن تكون مقدمة على النص أيضاً، لامتناع تقديم الشيء على نفسه. ، حين يقرع سمعك عبارة من جنس هذه العبارة (يجب أن نقدم المصلحة هنا إذاً على النص)، فيجب أن تكون واعياً بأن النص الشرعي ليس لفظاً جامداً لا يتضمن أي معنى أو أنه لا يراعي مقتضى الحكمة برعاية المصالح والمفاسد، ومن ثم يتصور أن تقدم المصلحة عليه، بل يجب أن تعتقد جازماً أن هذه النصوص إنما جاءت لجلب المصالح ودفع المضار. فالبحث يجب أن يتجه للنظر في حقيقة هذه المصلحة المدعاة، والتي يطمع صاحبنا في تقديمها على النص الشرعي، أو بعبارة أدق تقديمها على المصلحة الشرعية المتضمنة في هذا النص. فالشريعة في أصولها وفروعها مبنية على مراعاة المصالح ودفع المفاسد، فإنك: « شاهدة بذلك، ناطقة به، ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة بادياً على .(1(صفحاتها، منادياً عليها، يدعو العقول والألباب إليها ومن هنا استنبط العلماء قاعدة كلية عامة تستغرق تفاصيل أحكام الشريعة كلها، وهي أن (.23/2 مفتاح دار السعادة لابن القيم(1(
عدد الصفحات ١٠٥105 تقديم المصلحة على النص .(1(ورجحت خير الخيرين بتفويت أدناهما فجميع أحكام العبادات والمبايعات والجنايات والأنكحة والتبرعات والعقوبات، وغيرها؛ كلها مبنية على ما يحقق النفع والمصلحة للناس، وليس في الشرع مطلقاً أي حُكم بلا مصلحة، إذ الشارع لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مضرة، وهذا فرع كون واضع الشريعة وهو الله تعالى متصفاً بكمال العلم والعدل والرحمة والحكمة، وهو ما يبعث على الاطمئنان إلى صحة ذلك الأصل وتلك القاعدة، أن الشريعة موضوعة لتحقيق المنفعة ودفع المضرة. وإذا اختلطت المنافع والمضار في الشيء الواحد علَّق الشارع الحكم بالأغلب، فما كانت مفسدته راجحة مُنع منه، وما كانت منفعته أرجح فالحكم له طلباً لتحصيله وتحقيقه. وبقدر مصلحة الشيء تزيد منزلته ويقوى حكمه، وبهذا يقع التفاوت في الواجبات والمستحبات الشرعية، وذلك بحسب ما يترتب عليها من المصالح والمنافع. كما تتفاوت الذنوب أيضاً إلى كبائر وصغائر، وتتفاوت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب ما يترتب عليها من المفاسد. ومما ينبغي التنبه إليه: أن الشريعة حين راعت المصلحة طلباً لها ودفعاً للمفسدة، ، فليس الأمر مقتصراً على فإن هذه الرعاية مشتملة على المصالح الدنيوية والأخروية المصالح الدنيوية فقط، ومن هنا تدرك أحد المداخل التي تُحدث اللبس عند بعض من يتناول صلة النصوص بالمصالح، فتحملهم على القول بتقديم المصلحة على النص، حيث يتوهم أن المصلحة التي يجب رعايتها هي المصالح الدنيوية فقط، وحين رأى أن في الالتزام ببعض المقررات الشرعية تفويتاً لها سعى إلى تحصيلها عبر تقديمها (.٦/٠ مجموع الفتاوى لابن تيمية ((1(
عدد الصفحات ١٠٦106 تقديم المصلحة على النص على تلك المقررات دون مراعاة لأن الشريعة تسعى لتحقيق مصالح العباد في العاجل (الدنيا) والآجل (الآخرة). وهذا أحد مكامن الخلط العميقة ومواطن الافتراق بين رؤية الشريعة لباب المصالح، ورؤى كثيرٍ من الناس، فهو ينطلق في بحثه وتفتيشه في باب المصالح مضيقاً دلالتها ليختزلها في قائمة قصيرة من المتطلبات والمكاسب المادية الدنيوية، كسياسة المصالح العامة، أو تحقيق الرفاه المادي، أو تهذيب الأخلاق الاجتماعية. أما المصالح العائدة إلى احتياجات الروح، ووظائف التعبد، ومتطلبات الآخرة، فليس لها حضور عنده، مع أنها أصلية في نظر الشريعة الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة .(1(وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة برعايتها للمصالح تراعي ثنائية الدنيا والآخرة، وتسعى لتحقيق النفع للعباد فيهما، وقصورُ النظر على أحد الجانبين دون الآخر سيتسبب بطبيعة الحال في توهم معارضة بعض المصالح لنصوص الشريعة، والذي سيلزم منه تفويت مصالح لم تكن محل مراعاة عند من توهم المعارضة. إذا تبين هذا، فنقول: إن صلة المصلحة بالنصوص الشرعية من جهة الاعتبار وعدمه على ثلاثة أقسام: المصالح التي جاءت الشريعة بتقريرها في النصوص، وشهدت لها القسم الأول: بالاعتبار، كمثل النهي عن قتل النفس بغير حق حفظاً للأنفس، وتحريم المسكرات (.3/3 أعلام الموقعين لابن القيم(1(
عدد الصفحات ١٠٧107 تقديم المصلحة على النص حفظاً للعقول، وإقامة حد الزنا والقذف صيانة للأعراض، وحد السرقة حفظاً للمال، وكذا الأمر بالعدل والإحسان وبر الوالدين، وغير ذلك من المصالح الشرعية المعروفة. المصالح التي جاءت الشريعة بإبطالها، ونزع وصف الاعتبار عنها، القسم الثاني: فهي وإن كانت داخلة في إطار المصالح إجمالاً، فإن الشريعة ألغت اعتبارها رعايةً لمصالح أكبر وأعظم، ودفعاً لمفاسد أظهر من هذه المصلحة، كالمصلحة الحاصلة من بيع الخمر؛ ففيها مصلحة للبائع، وتنشيط للسياحة، وتحريك للاقتصاد، إضافة إلى ما يلقاه شاربها من النشوة وغير ذلك، لكن هذه المصالح لا تقاوم المفاسد المترتبة على بيعها وتعاطيها. ومثل ذلك الربا؛ ففيه مصلحة للمقرض، ولكثيرٍ ممن يرغب في تحصيل سيولة مالية لافتتاح مشاريع، وهذه يمكن أن توظف عمالاً وتفتح بيوتاً وتسد حاجات، وهذه مصالح بلا شك، لكننا سنجد ما يزيد عليها من المفاسد المترتبة على الربا، بما يرجح إلغاء تلك المصالح، وقل مثل هذا في تحريم الزنا وأكل أموال الناس بالباطل، والمعاملات المحرمة من جهالة وقمار، ومصلحة الراحة من التكاليف الشرعية من عبادات وأمر بمعروف ونهي عن منكر. فهذه المحرمات وإن قُدِّر تضمنها منافع جزئية لبعض الناس لكن مفسدتها أعظم، وفي الأخذ بها تفويت لمصالح أكبر، ولذا نزع الشارع عنها حكم المصلحة المعتبرة، إذ الشريعة تنظر نظراً كلياً شمولياً لهذا الباب، ولا يقتصر نظرها على جانب معين دون {بقية الجوانب .[مِن نَّفْعِهِمَا
عدد الصفحات ١٠٨108 تقديم المصلحة على النص المصالح التي لم تصرح النصوص الشرعية باعتبارها أو نزع القسم الثالث: وصف الاعتبار عنها، فلم يأتِ فيها إقرار صريحٌ لها ولا منع صريح، وإنما هي مصالح مسكوت عنها في النصوص، مع كونها تحقق منافع للناس وتدفع عنهم المفاسد، كمثل كثير من التنظيمات الموضوعة في إدارة الشؤون العامة في الأسواق والطرق والبناء وغير ذلك، فهذه المصالح وإن لم تأتِ في دليل مخصوص ينص عليها فهي في الحقيقة مصالح شهدت لها كليات الشريعة وقواعدها العامة بالاعتبار. كل ما كان فيه وبناء على هذا التفصيل يمكننا أن نؤصل قاعدة مهمةً وهي: وهذه القاعدة تكشف سعة مصلحة للناس فهو معتبر شرعاً ما لم يخالف دليلاً شرعياً، الشريعة ويسرها وجمالها وكمال رحمتها، فليست المصلحة الشرعية إذاً مقصورة على ما شهد له نصٌ تفصيلي بالاعتبار، بل الشرط هنا عدم مخالفة النصوص فقط، فالأصل رعاية المصالح واعتبارها، وعدم رعايتها استثناء من الأصل لتنبيه الشارع إلى عدم كونها مصلحة تستحق الرعاية في الحقيقة. وإذا ما اتضح التفصيل السابق فقول القائل: (سأقدم المصلحة على النص) لا يمكن أن يتناول إلا النوع الثاني: وهو المصالح التي تعارض الشريعة؛ لأن النوع الأول متعلق بمصالح جاءت الشريعة باعتبارها نصاً فلا يمكن أن يقال: إن المصلحة تقدم على النص هنا. والنوع الثالث، وهو المصالح التي لم تأتِ الشريعة فيها بنص مخصوص، لا يمكن أن يكون مقصوداً أيضاً؛ لأنه من جهة لا يوجد نص أصلاً يكون محلاً للمعارضة، ومن جهة أخرى فهذه المصلحة مرعية بأصول الشريعة وقواعدها الكلية، فلم يبقَ لهذا القائل إلا النوع الثاني: وهي المصالح التي جاءت الشريعة بردها وعدم اعتبارها، فيقول المسلم: بل سأقدمها على الشريعة! وهذا كما ترى قول شنيع، وتصريح فظيع، لا يجرؤ مسلم أن يقوله أو يتفوه به، وأكثر من يطلق هذه العبارة لا يقصد هذا المعنى، وإنما أوقعه فيها سوء فهم وقصور
عدد الصفحات ١٠٩109 تقديم المصلحة على النص في التعبير، ولهذا نهدف هنا لبيان حقيقة العبارة؛ حتى يتحوط المسلم لدينه عند التعامل معها، ويدرك حقيقتها وما يترتب عليها. وإذا اتفقنا على أن جملة (تقديم المصلحة على النص) لا وجه لإطلاقها من حيث هي، بل يجب التحفظ على إجرائها على اللسان، فلربما قصد من يقول بتقديم المصلحة على النص أن الواقع قد تحتف به ضرورة معينة يعسر معها تطبيق حكم شرعي معين، فيقول نقدم المصلحة حينئذٍ. والحقيقة أن الشريعة قد راعت المتغيرات التي تصاحب تطبيق الحكم، فتطبيق النصوص الشرعية لا يقوم بمعزلٍ عن الواقع وما يحتف به من متغيرات أو مآلات، بل هي مؤثرة في الحكم، فالعمل بالنص يقتضي أن تراعى هذه المتغيرات، فمراعاتها ليس من قبيل تقديم المصلحة على النص، بل هو من قبيل إعمال النص نفسه، فالنص كما سبق ليس أمراً جامداً لا يتضمن أي شيء، بل هو متضمن للمصالح، وإنما الخلل في قصور الوعي بالتفصيلات التي يجب مراعاتها هنا. ويمكن أن نشرح وجه المراعاة للمصالح في تطبيق النصوص في العناصر التالية: {فأصل الأحكام الشرعية مبنية على الي - قيام الشريعة على السعة: 1 { .[اللَُّ بِكُمُ الْيُسَْ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسَْ { فما لا يطيقه الإنسان فهو غير مكلف به.[حَرَجٍ .[{ .[ ولهذا وسَّعت الشريعة دائرة الإباحة فأصبحت هي الدائرة الكبرى من أحكام الشريعة، وضيقت حدود الإيجاب والتحريم. ومن مجموع الدلائل أخذ العلماء قاعدة: أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة.
عدد الصفحات ١١٠110 تقديم المصلحة على النص وهذه السعة تعني أن الأصل في تطبيق النصوص أن لا يتضمن أي حرج أو مشقة خارجة عن المعتاد، فإن وقع تغيُّر في الواقع استوجب مثل هذا الحرج، فقد راعته الشريعة وأمرت برفعه. فما قد يطرأ على واقع شخص أو جماعة من - مراعاة الشريعة أحوال الضرورة: 2 ضرورة تحول بينهم وبين تطبيق بعض الأحكام، فهو أمر مستحضر في أصل التشريع ومنه أخذ العلماء .[{ القاعدة الفقهية الشهيرة: (الضرورات تبيح المحظورات)، فإن حدث ضرر فمراعاته هي من مراعاة النص نفسه. - مراعاة المشقة والحرج والحاجة التي قد تعتري بعض الأحكام بالنسبة لبعض 3 فالحاجة أيضاً معتبرة شرعاً، ودرجتها وإن كانت أقل الأشخاص أو بعض الأحوال: في الرتبة من درجة الضرورة وهي ما يمس أصل حياة الإنسان أو يتسبب في هلاكه أو تلف أحد أعضائه أو إلحاق الضرر به، فإن الحاجة تسبب شدة ومشقة وحرجاً شديداً، فهي محل رعاية في الشريعة، ولرعايتها شروط وتفصيلات ليس هذا موضع بسطها. فحين يترتب على الفعل مفسدة تخالف الشريعة فإن - مراعاة مآلات الأفعال:4 الشريعة تراعي ذلك، ويدخل في هذا: قاعدة سد الذرائع، وقاعدة الحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان، وليس هذا محل عرضها، إنما المقصد أن يُعرف أن تطبيق الحكم الشرعي إن آل إلى أمرٍ فيه مفسدة راجحة، أو أوقع المكلف في حرج وشدة، فإنه يُراعى. فإذا وجدت مصالح ومفاسد - مراعاة التعارض بين المصالح والمفاسد: 5 متعارضة في واقعةٍ ما فالواجب ملاحظة هذه وهذه جميعاً، والنظر في الجانب الأرجح هل هو في كفة المصالح أم المفاسد، فإن لم يكن هناك ترجيح فالأصل أن درء
عدد الصفحات ١١١111 تقديم المصلحة على النص المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإن ترجح أحد الجانبين فالحكم يكون لصالحه، فإن كان التعارض بين مصالح متعددة لا يمكن تحصيلها جميعاً، أو مفاسد متعددة لا يمكن درؤها جميعاً؛ فالواجب .(1(ودفع شَرِّ الشرين إذا لم يندفعا جميعاً وهو ما يستدعي نظراً فقهياً دقيقاً، وإحاطة واسعة بتفاصيل الشريعة ومقاصدها، وقدرة عالية على الموازنة في هذا الباب، ولذا قيل .(2(الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين وكما ترى، فوجود مصلحة معينة أو حالة عارضة متأثرة بتغير الواقع أمر واقع صحيح، والفرق هنا أنَّ بعض الناس ليس لديه سوى معرفة بوجود متغيرات تؤثر على الواقع، فبنى على هذا الإدراك الكلي ما جعله ينقض أحكام الشريعة، بينما البحث الفقهي يتجاوز مجرد الوعي بوجود مثل هذا الإشكال إلى التفاعل معه وفق منهجية متكاملة ومنظومة محكمة تستوعب مختلف جوانب الموضوع لتفرز حكماً يناسب هذا الواقع. ومما يدخل في هذه المنهجية مراعاة هذه المتغيرات، فلا يبقى ثمَّ حاجة لطرح إشكالية تقديم المصلحة على النص، بل إلى ضرورة أن يفقه الشخص حقيقة المصلحة في الشريعة وكيف يتعامل معها وفق منهج شرعي مؤصل، والذي إن أدركه الشخص تجلى له مدى سذاجة مقولة تقديم المصلحة على النص وسطحيتها، فهي لا تدرك عمق البحث الفقهي للمصالح وأنه يتجاوز سجن التفكير في ثنائية: هل نقدم النص أو نقدم المصلحة؟ إلى الغوص في فحص المصالح نفسها، ومعرفة ما يصلح أن يكون (.343/23 مجموع الفتاوى لابن تيمية(1( .(4/٠ مجموع الفتاوى لابن تيمية ((2(
عدد الصفحات ١١٢112 تقديم المصلحة على النص مصلحة مما لا يصلح، ثم دراسة حجم كل مصلحة وهل هي مصلحة ضرورية أم حاجية أم تحسينية، ثم هل التعارض كلي أم جزئي، ثم استعراض أوجه التعارض بين المصالح والمفاسد، ورتب المصالح والمفاسد نفسها، ومراعاة الأحوال المتغيرة وما تؤول إليه الأحكام، إلى أبحاث تفصيلية كثيرة يدركها الباحث في المجال الفقهي. وهو ما يوجب على المسلم أن يكون واعياً بخطورة تكرار مقولات عائمة تتضمن انحرافات فكرية تستغل قصور الوعي عند كثير من الناس بالتفصيلات الفقهية لتمرير مفاهيم فكرية منحرفة، وهي مفاهيم تدفع المسلم إلى معارضة الشرع ورفض أحكامه بدلاً من أن يسلم لها ويوقن بأن الخير كله في التزامها، وأنها في الحقيقة طريق تحقيق { المصلحة .[أَمْرِهِمْ
عدد الصفحات ١١٣113 ) التمسك بروح الشريعة10( تمسَّكْ بروح الشريعة، وخذ بمقاصدها، وراعِ الكليات الكبرى فيها، وحافظ على الأصول، ونحو هذه العبارات التي تسعى لتقرير قضية واضحة ومباشرة، وهي: أن الشريعة الإسلامية لها روحٌ مستلهمٌ من مقاصد وكليات كبرى، يجب الحرص عليها، والتمسك بها، وتفسير كل حكم جزئي تفصيلي في ضوئها، بل تقييده أو رده وفقاً لذلك، إذ المقاصد تعبّر عن هدف الشريعة، وغايتها، وما تسعى لتحقيقه من مصالح كبرى التي تقررها، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فلا يمكن أن يكون حكماً شرعياً صحيحاً. وهنا نتساءل: من أين يأتي الإشكال في مثل هذا؟ يأتي الإشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يُتحدث عنها، وفي كيفية التعرف إليها، فمقاصد الشريعة تُعرف من خلال تصريح الشارع بأن تقرر الشريعة على أن هذا الأمر { من مقاصدها، فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق { ومن مقاصدها حفظ الأنفس.[لَِعْبُدُونِ [ كَنَ بِكُمْ رَحِيمًا ، أو تعرف من خلال استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة وكلياتها الكبرى. فالمقاصد لا تدرك معزولة عن الشريعة، وإنما تعرف من خلال نصوصها وفروعها. ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد
عدد الصفحات ١١٤114 التمسك بروح الشريعة الشريعة: حفظ النفس مثلاً، وأن من مقاصدها أيضاً: التشديد في حقوق الناس، ومنع أي تعدٍّ أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا. فهذه المقاصد هي في الحقيقة خلاصة نظرٍ في الأحكام الشرعية التفصيلية، فهي التي توصلك لإدراك القواعد الكلية التي تقوم عليها هذه الشريعة. وبناءً على هذه المقدمة التي ينبغي أن تكون بدهية، لا يصح أن يقال في مواجهة حكم شرعي تفصيلي: دعونا نتمسك بالمقاصد؛ لأن المقاصد إنما تعرف أصلا ًمن خلال تتبع هذه الأحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذتَ من المقاصد ذريعةً لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة، وهي أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمتَ إليها نصوص الشريعة، بل أسبغت على مقاصدك هذه وصف الشرعية! وهو مزلق خطر، إذ فيه تقصيد للشارع، وادعاء أن الله حين أنزل الشريعة أراد منها ما أردتَ، فإذا لم يكن الأمر كذلك وقعت في الكذب المركب على الله تعالى، فكذبت عليه حين ادعيت أن من مقاصده في إنزال الشريعة كذا وكذا، وكذبت عليه بعد ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتََى عََ اللَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِـمُونَ { وهذه الإشكالية تمثل ثغرةً منهجية هائلة نتجت عن الفقر الشديد في استقراء نصوص الشريعة، أو - وهو الأسوأ - توهم أنه لا داعي لهذا أصلاً. فعلم مقاصد الشريعة علمٌ كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، أو ما يمكن تحصيله منها عن طريق النظر والاستقراء لجزئياتها، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر، والاستقراء التام، والورع الشديد، خوفاً من أن يقول العبد على الله وشريعته بلا علم.
عدد الصفحات ١١٥115 التمسك بروح الشريعة وقد كان الشاطبي مدركاً خطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، فأكد أهمية التحلي بهذه الخصائص والمؤهلات، فقال في مقدمة أشهر كتابٍ مؤلفٍ في شأن المقاصد، وهو الموافقات نظرَ مفيدٍ أو مستفيد؛ حتى يكون ريانَ من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه .(1(أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وإن كان حكمة بالذات فحين يأتي أحدٌ فيرد حكماً شرعياً متعلقاً بالمرأة أو بالتعامل مع الكفار أو بالعقوبات بدعوى معارضتها مقاصد الشرعية، فهو يرد الحكم لأنه خالف مقصدًا وضعه هو، وليس لأنه خالف المقصد الشرعي فعلاً؛ لأن المقصد الشرعي إنما يعرف من خلال فروع الشريعة كما مرّ، وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثلاً إلى ويقول: هذا [{قسمة الميراث الذي قال الله فيه مخالف لمقصد الشريعة في المساواة! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من الكفار والنهي عن توليهم فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة من الانفتاح على الآخر! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك الأموال! فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، بل مقاصد جديدة للأهواء والأذواق أصبحت حاكمة على الشريعة. وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيراً من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريراً علمياً، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا (.124/1 الموافقات للشاطبي(1(
عدد الصفحات ١١٦