المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ٦ من ٢٢

84 المسألة فيها خلاف - النظر في حال المنكَر عليه، ففرق بين الصادق المريد للحق، فمثله أولى أن يترفق به في حال الإنكار، بخلاف من ظهر عليه بالقرائن غلبة الهوى والإعراض عن طلب الحق، فمثله يُعامل بما يستحق من تغليظ الإنكار. - مراعاة نظر الناس وردود أفعالهم، ومدى تأثرهم سلباً بالمسألة نفسها، أو بالإنكار عليها، وأثره في تخفيف الشر أو زيادته. والمقصود أن الإنكار في المسائل القطعية والظنية على رُتَبٍ كما نبه إليه شيخ الإسلام، وهي حصيلة موازنات بين اعتبارات متعددة تكشف عن وجه المصالح والمفاسد، وليس هو أمراً جامداً قابلاً للتطبيق في كل حال ومع كل شخص وفي كل مسألة. وقد يستشكل بعضهم ويقول: كيف يصح الإنكار على شخص قد يكون جاهلاً، أو متأولاً، والإثم مرفوع عنهما؟ والجواب هو بإدراك الفرق بين باب الإنكار، وباب التأثيم، وعدم الخلط بينهما؛ فباب الإنكار والنصيحة أوسع بكثير من باب التأثيم والحرج، فكثير من المتأولين الذين يقعون في مخالفة نص ظاهر، فينكر عليهم، مع احتمال كونهم معذورين عند الله تعالى، فلا تلازم بين الإنكار والتأثيم، فالإنكار متعلق بالمسألة، والإعذار متعلق [{ باجتهاده وحسن نيته أن وقوع الخلاف في الشريعة أمر معتبر، وهو من السعة في الشريعة خلاصة الأمر بأن لا يكون في مواردها الاجتهادية قول ملزم لا يسع الخروج عنه، وإنما يحذر المسلم من بعض المسالك الخاطئة في التعامل مع الخلاف لئلا يكون مقصراً فيما يجب عليه شرعاً.

عدد الصفحات ٨٥

) لا يقبله العقل7( تعدُّ معارضة نصوص الوحي بالعقل من أعظم أبواب الانحراف، وأحد مسببات الضلال الكبرى، فإذا ما أورد نص شرعي على بعض الناس ولم يستوعبه عقله بادر قائلاً: هذا الكلام لا يقبله العقل. قاصداً رد دلالة ذلك النص، والطعن فيه. وقبل الخوض في رفع ما يتعلق بهذه المسألة من توهمات، لا بد من الانطلاق من رؤية تستصحب تكريم العقل ومعرفة قدره ومكانته، فليس القصد هنا التهوين منه، أو إلغاء اعتباره، فإن الوحي ذاته قد دل على أهمية العقل، وأظهر حفاوة بالغة به، عبر مسارات متنوعة، من ذلك: : فنقصه أو زواله مؤثر في ثبوت وصف ) جعل العقل مناطاً من مناطات التكليف1 « :التكليف الشرعي، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، قال النبي .(1(عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ) الحث على فعل التعقل والتفكر والتدبر في آيات الله وأمثاله، وفي تشريعاته، 2 { ، فما أكثر ما يرد في القرآن وفي مخلوقاته ؛ فكلها تشير إلى ضرورة إعمال العقل لاستلهام الهداية.و ) حصر الانتفاع بالمواعظ والذكر والقصص والتشريع والأمثال القرآنية على 3 ويقول.[ { ، يقول تعالىأصحاب العقول أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. وصححه النووي، والألباني. وقال شعيب الأرناؤوط: (1( إسناده جيد

عدد الصفحات ٨٦

86 لا يقبله العقل ويقول عز وجل. [{سبحانه { ويقول تعالى.[ { .[ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِـمُونَ قال عز وجل: ) ذم من أطفأ نور العقل وعطله فحرم نفسه الهداية واتباع الحق،4 { وَمَثَلُ الَِّينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَِّي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلاَّ دُعَءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ #٠٧١#)وَلا يَهْتَدُونَ ][عُمٌْ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ في الأدلة، وكلما كان العقل ) بيان وظيفة العقل في استنباط الأحكام والنظر5 أكبر وأوفر كان المرء أقدر على أداء واجبات الاجتهاد، وبضعفه تضعف ملكة { الاجتهاد والاستنباط، يقول الله تعالى .[أُوْلُوا الأَلَْابِ ، ) جعل العقل إحدى الضروريات الخمس التي جاء الإسلام للمحافظة عليها6 فنهى عن الاعتداء عليه، ومنع من الإضرار به بتعاطي الخمور والمسكرات وغيرها، { يقول تعالى .[الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فهذه بعض الدلائل الشرعية التي تدل على ما للعقل من مقام سامٍ في التصور الإسلامي، وأنه لا غنى للمسلم عن إعمال العقل طلباً للهداية والخير، غير أن المسلم يجب عليه أيضاً أن يستحضر محدودية العقل، وعدم تمكنه من الخوض في كل شيء، وهو ما يتجلى باستحضار الأمور التالية:

عدد الصفحات ٨٧

87 لا يقبله العقل الأمر الأول: أن العقل لا يدرك كل شيء ولهذا أرشدت الشريعة إلى ما يضبط فعله ببيان ما يمكن للعقل أن يتحرك فيه من مجالات وما يكون فيه عاجزاً عن خوض غماره، فلا غلو في العقل ليكون هو الحجة المهيمنة على جميع الأدلة، ولا جفوة تلغي من مكانته ووظيفته في الاستدلال الشرعي. وأنت إذا تأملتَ في ضبط الشريعة لحركة العقل بتحديد ما يمكن أن يتحرك فيه من مساحات وما يعجز عن التحرك فيه، وجدت في هذا تكريماً للعقل أيضاً، لأنه يمنع من تبديد طاقة العقل فيما لا فائدة فيه، فمهما اتسعت الملكات العقلية سيظل محدوداً في قدراته وطاقته وملكاته، ولن يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة على الاستيعاب والإدراك، وإذا ما حاول الخوض فيما لا طاقة له للخوض فيه، سيعرض صاحبه للالتباس والتخبط، وربما قاده إلى الضلال والتيه. فالعقل مهما بلغ من القوة والذكاء هو أداة تربطنا بالعالم من حولنا، فكما أن للعين مدى تنتهي عنده مقدرتها على الإبصار فلا تدرك ما وراء هذا المدى من مرئيات، فكذلك الشأن في العقل، فهو أداة الإدراك، له مجاله المحدود الذي يعمل فيه، ويدرك حقائق الأشياء في محيطه. فإذا استحضرتَ مدى محدودية القدرة العقلية استطعت أن تفهم معنى منع الإسلام العقلَ من الخوض فيما لا يدركه، ولا يكون في متناول إدراكه. فالغيبيات التي لا تقع تحت مدارك العقول لا مجال لها أن تخوض فيها، وليس لها أن تخرج فيها عمّا دلت عليه النصوص الشرعية، وذلك مثل معرفة حقيقة صفات الله تعالى، وتفاصيل أمور الملائكة والجن والروح والقيامة والجنة والنار ونحو ذلك؛ فالعقل البشري لقصوره لا يهتدي إلى تفاصيل تلك الغيبيات إلا بالرسالة والوحي.

عدد الصفحات ٨٨

88 لا يقبله العقل الأمر الثاني: أن إدراك العقل للقضايا قد يكون إدراكاً مجملاً وكذلك ينبغي التنبه إلى أن إدراك العقل لكثيرٍ من القضايا إدراك مجمل لا مفصل، وقد يكون إدراكاً بعضياً لا شمولياً؛ فالعقل يدرك حسن العدل وقبح الظلم، وقد يدرك في بعض التصرفات أنها من قبيل العدل أو الظلم، لكنه قد يعجز عن تقييم كل فعل: هل هو عدل أو ظلم؟ حسن أو قبيح؟ وهو ما يفسر ذلك التفاوت الهائل الذي يعرض للناس في تقييم كثير من المسائل متى كان المرجع للعقل وحده، وهو ما يفضي بنا إلى الأمر الثالث. الأمر الثالث: تفاوت الناس في الإدراك العقلي: ومن مشكلات العقل أيضاً التي ينبغي ملاحظتها أنه ليس شيئاً واحداً يقع لكل الناس على وجهٍ يتفقون فيه، بل هم يتفاوتون فيه تفاوتاً هائلاً، وهذه قضية واضحةٌ عند النظر في مقولات أصحاب الملل والنحل والعقائد، بل هي واضحة عند التأمل في سائر أحوال بني آدم، فالعقل وإن كان مشتركاً بين الناس في أمور، فإنهم في أمور كثيرة أخرى لا يظهرون الاتفاق ذاته، فما يعلمه زيد بعقله قد يجهله عمرو، بل الإنسان نفسه قد يعلم بعقله شيئاً في وقت ثم يجهله في وقت آخر. (محدودية إدراك العقل، وأنه قد لا يدرك إذا استحضرت هذه الأمور الثلاثة: توصلت إلى رؤية معتدلة في تفصيلات الأمور، وأن الناس يتفاوتون فيه تفاوتاً كبيراً)؛ النظر إلى العقل وظهر لك الإشكال الذي يمكن أن يكمن في مقولة (لا يقبله العقل). فالإشكال هنا ليس مع العقل، بل مع توهم ما ليس بعقلٍ أنه هو العقل، وهو خطأ يمكن أن يقع لكثير من الناس، لكن المشكلة تتعاظم حين يكون الأمر ناشئاً من غلو زائدٍ في العقل، وتحميل له فوق طاقته بما يؤدي به إلى الوقوع في انحرافات وضلالات بدعوى العقل، والعقل منها براء.

عدد الصفحات ٨٩

89 لا يقبله العقل فبسبب الغفلة عن محدودية العقل في الإدراك يتورط بعض الناس فيستند إلى ما يتوهمه عقلاً لينفي حقائق شرعية غيبية. وبسبب الغفلة عن قصور العقل عن الإدراك التفصيلي لكل القضايا يقوم بالتنكر لبعض القضايا الشرعية التفصيلية المحكمة. وبسبب الغفلة عن التفاوت والاختلاف في تحقيق العقل يجعل بعض الناس ما تعوّد عليه أو شاع في مجتمعه أو زمانه هو العقل الذي لا يمكن أن تأتي الشريعة بخلافه! ولهذا، فالتعامل مع الأحكام الشرعية بطريقة (لا يقبله العقل) فيه قصور ظاهر، فهو يجهل حقيقة العقل، ويحيل إلى عقل متوهم يرد به من الأحكام الشرعية ما لا يستقيم مع مزاجه. وربما يتوهم أن بإمكانه الإحالة للعقل في تحقيق جميع المسائل الفكرية والعقدية، وهي إحالةٌ على ما لا ينضبط، فكيف يصح أن يعترض على الشرع بما لا ينضبط، ولهذا فهذه الطريقة في الحقيقة طريقة ذوقية مزاجية. إذاً، ما هو المنهج الشرعي الصحيح في التعامل بين ما يبدو من تعارضٍ بين العقل والنقل؟ المنهج هنا يقوم على إدراك أن العقل الصحيح لا يمكن أن يعارض النقل الصريح، فما ثبت في الشريعة قطعاً لا يمكن أن يخالف العقل قطعاً، وما يحدث من توهم مخالفة فهو إما بسبب خطأ في فهم العقل، أو خطأ في فهم الشريعة. وبناءً عليه، فالواجب هو النظر في طبيعة المخالفة هنا هل هي مخالفة حقيقية أم لا؟ فإن كانت مخالفة حقيقية لا يمكن أن يجمع بين الطرفين بجامع، فأحد طرفي المعادلة لا يثبت قطعاً، فينظر فيهما ويقدم ما كان سالماً من الخادش، فإن كان العقل صحيحاً والنقل لا يثبت كان التقديم له، وإن كان العقل فاسداً مع ثبوت النقل فالنقل مقدم.

عدد الصفحات ٩٠

90 لا يقبله العقل أما إن كانت المخالفة متوهمةً في عين الناظر مع ثبوت الأمرين، فينظر في الدلالة ويقدم ما كان أقوى، ويرد الثاني إليه بوجه من التأويل المقبول، فإذا كانت دلالة العقل قطعية قدمت دلالته على الدلالة النقلية الظنية، وفسر النقل بما هو مقبول في العقل، وإن كان العقل هو الظني قدمت الدلالة النقلية القطعية عليه، وإن كانا ظنيين تطلب لهما القرائن المرجحة، فمن رجحت القرائن كفته كان له التقديم. فاعتبار التقديم كما ترى ليس عائداً إلى جنس الدليل من جهة كونه عقلياً أو نقلياً، بل إلى نوعه قطعاً وظناً، فالمقدم هو ما كان أقوى، وأما تساويهما في القوة بحيث يكونان قطعيين، فأمر ممتنع مستحيل. وكما ترى، فعندنا هنا مسلك في النظر يتسم بالعمق والعلمية، يغوص في ذات المسألة، ويجرد الأدلة، ويفحص أوجه الإشكال حتى يصل إلى الحق، فهذا هو النظر العقلي الصحيح الذي يحترم العقل ويقدره، ولا يقوم على حالة مزاجية غير منضبطة تتذرع بالعقل. بقيت قضية واحدة نود الإشارة إليها، وهي التفريق بين مقامين يشتبهان عند كثير من الناس، ووقوع الاشتباه بينهما هو ما يدفع بعض الناس إلى تصور وقوع المعارضة ضرورة التفريق بين محارات العقول ومحالات بين نصوص الوحي والعقل، وهو: ؛ فمحارات العقول هي العقول، وبين المستحيلات العادية والمستحيلات العقلية القضايا التي يحتار العقل في تصورها، لكنه لا يملك ما يوجب ردها ورفضها، فيقف حائراً متردداً، وهذا التوقف والتردد لا يبيح رد النقل كما هو ظاهر، إذ النقل مثبت والعقل متوقف والواجب تقديم المثبت على المتوقف. أما محالات العقول فهي ما يجزم العقل بنفيه واستحالته، وهو ما يوجب إدراك الفرق بين المستحيل العادي والمستحيل العقلي؛ فالمستحيل العادي هو ما يقع

عدد الصفحات ٩١

91 لا يقبله العقل مخالفاً لما جعله الله في الطبيعة من سنن وقوانين، أما المستحيل العقلي فهو الأمور الممتنعة لذاتها كاجتماع النقيضين، كأن يوجد شخص حي وميت في الوقت نفسه، أو سيارة واقفة ومتحركة في اللحظة نفسها، وهكذا... فإذا أخبرت الشريعة بأمر يستحيل أن يجيء على خلاف المستحيلات العقلية، لكن يمكن أن تخبر بما يخالف المستحيلات العادية، كشأن إخبار الوحي بمعجزات الأنبياء مثلاً، وبعض ما يخالف أحوال الدنيا من أحوال أخروية.

عدد الصفحات ٩٢

92 ) هذا مخالف للعلم8( هي من المقولات التي شاع استعمالها في العصر الحديث، والتي أدَّت بكثيرٍ من الناس إلى معارضة جملة من الأخبار الشرعية، دعوى مخالفتها العلم المعاصر، فهي مقولة تشابه إلى حدٍّ ما مقولة: (لا يقبله العقل)، لكن الفرق أن طرف المعارضة هنا هو العلم بدلاً من العقل. وعند تدقيق النظر في طبيعة من يطلق هذه المقولة، وطبيعة البواعث التي حملتهم على البوح بها، سنجد أنهم ليسوا جميعاً على طبقة واحدة، بل هذه المقولة قد تكون تعبيراً عن نسخة مخففة من توهم المعارضة بين الدين والعلم، وقد تكون تعبيراً عن نسخة أكثر عمقاً وخطورة من الإشكال. فبعض الناس ليس لديه موقف إشكالي من الدين ولا من أخباره، فهو يراها مصدراً لا غنى عنه في تحصيل العلم والمعرفة، لكن وقع في حسه التعارض بين نصٍّ معين وحقيقة علمية معينة، فرأى لزوم تقديم الحقيقة العلمية، ثم قد يدَّعي ضعف النص إن كان قادراً عليه، أو يتأوله على وجه يسعى من خلاله إلى التوفيق بين النص والعلم. وهذا الموقف يحتاج إلى قدر من التحليل والتفكيك؛ فإجمال القول هنا مظنة الوقوع في الخطأ، بل قد يجر إلى مشكلات خطيرة في إدراك موقع الدين أو موقع العلم من المعرفة، فليس من نصرة الدين السعي لإبطال العلوم مطلقاً، إذ الشرع ممن ينصره لا بطريقه، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه، وهو كما قيل: .(1(عدو عاقل خير من صديق جاهل (.٠٨ تهافت الفلاسفة للغزالي ((1(

عدد الصفحات ٩٣

93 هذا مخالف للعلم وليس هذا أيضاً من إنصاف الدين أو العلم، وقد أمرنا بالإنصاف والعدل، فلا بد المنهج الشرعي في علاقة العلم والدين، وهو ما يمكن تحصيله من خلال من ضبط :إدراك المعطيات التالية المعطى الأول: لا بد من تحرير مفهوم النقل والعلم الذي وقع توهم المعارضة بينهما، فالنقل المقصود هو الوحي كتاباً وسنة، وأما العلم فليس المقصود به مطلق العلم في مدلوله اللغوي، أو حتى في استعماله القرآني أو العرفي في كتب التراث والفلسفة، وإنما يراد به مدلول أكثر ضيقاً من هذه بكثير، والذي يمثل الترجمة العربية التي شاعت للفظة ) الإنجليزية، فالعلم وفق هذا الاصطلاح يدل على نمطٍ معين للمعرفة Science( الإنسانية، والتي يمكن تحصيلها عبر منهجيات خاصة تسعى لاستكشاف الطبيعة بمختلف ظواهرها وخصائصها والقوانين الحاكمة لها. فالعلم وفق هذا المفهوم قاصر على المجال المادي المدرك للحواس، وهو قائم على المنهج التجريبي المعتمد على التجربة الحسية، وهدفه التعرف إلى الطبيعة وقوانينها. وقد مُيّزَ هذا النمط من العلم عن مطلق العلم بإضافة كلمة الطبيعي أو التجريبي إليه تمييزاً له لئلا يقع الخلط، فقالوا: العلم الطبيعي أو العلم التجريبي. المعطى الثاني: أن كُلاًّ من النقل والعلوم الطبيعية يتضمن جزئيات ليست على درجة واحدة من الإحكام والقوة، بل هي متفاوتة في ذلك؛ فالنقل من جنس الأخبار التي يجب أن يراعى فيها التأكد من ثبوتها، والاطمئنان إلى صحة دلالتها، وبناءً عليه فمن النقل ما هو قطعي في ثبوته أو دلالته، ومنه ما هو دون ذلك، فالقرآن الكريم ثابت كله بطريق القطع، لكن دلالة آياته تتفاوت، فمنها ما هو قطعي لا يتنازع في فهمه، ومنها الظني

عدد الصفحات ٩٤

94 هذا مخالف للعلم الذي يمكن أن يقع الاختلاف في دلالته. أما السنة فمنها ما هو قطعي الثبوت عن ، ومنها ما هو دون ذلك، كما أنها تتفاوت أيضاً في دلالتها كذلك.النبي ومثل هذا التفاوت واقع في العلوم الطبيعية التجريبية، فما يدخل في إطارها متفاوت أيضاً تفاوتاً كبيراً، فهناك فرضيات، ونظريات، وحقائق علمية، وهناك ما يخضع للتجربة الحسية المباشرة، وما يكون من قبيل النماذج التفسيرية للظواهر الطبيعية، فالقطع في العلوم التجريبية إنما يصح فيما كان قائماً على المعطى الحسي القطعي، ككروية الأرض، وسقوط الأجرام إليها، ووجود الكواكب والنجوم، ونحو ذلك. وأما سعي الإنسان لتقديم نماذج تفسيرية لما يراه من ظواهر، فهو دون ذلك في الرتبة، والعلم الطبيعي يصحح نفسه في هذه المجالات باستمرار، ويطور هذه النماذج لتكون أكثر وفاءً لهذه الظواهر. وهذه التفسيرات مع صعوبة القطع فيها إلا أنها تتفاوت قوة، فمنها ما هو أقوى من غيره، ومنها ما لا يتنازع فيه حتى تأتي نظرية أقوى منها لتحتل موضعها. هل يمكن أن يقع التعارض بين بعد اتضاح ما سبق، نأتي للسؤال المحوري: النقل والعلوم الطبيعية أم لا؟ والجواب: - أما التعارض بين قطعيات النقل وقطعيات العلوم الطبيعية التجريبية فلا يمكن أن يقع، فإن النقل وحي من الله الذي خلق الكون بما فيه، وهو العليم سبحانه بتفاصيل أحوال العالم وسننه، فلا يمكن أن يأتي الوحي بما يخالف شيئاً من قطعيات العلم، {وذلك لكمال علم الله وحكمته وصدقه ورحمته، قال تعالى فمن دلائل كون هذا القرآن .[كَنَ مِنْ عِندِ غَيِْ اللَِّ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيًا

عدد الصفحات ٩٥

95 هذا مخالف للعلم من عنده تعالى تنزّهه عن الاختلاف الداخلي، فلا يوجد في نصوصه تعارض، وتنزهه أيضاً عن الاختلاف الخارجي، فلا تأتي نصوصه بما يخالف قطعيات الواقع. - أما إن وجد ما يوهم التعارض بينهما، فإنما هو لخللٍ في تصور طبيعة النقل أو طبيعة العلم، وهو ما يستدعي تدقيقاً فيهما للتعرف إلى ما كان أقوى في الدلالة فيكون مقدماً، فالنقل قد لا يكون صحيحاً من جهة الثبوت، أو محكماً من جهة الدلالة، فإذا كانت المعرفة العلمية قطعية هنا كانت مقدمةً على هذا النقل ولا إشكال، والعكس بالعكس، فإذا كان النقل قطعي الثبوت والدلالة فلا بد من أن الإشكال فيما يدعى أنه حقيقة علمية، أما إن كانت دلالة هذا وهذا ظنية فيتطلب ما يرجح كفة أحدهما على الآخر. ولنضرب بعض الأمثلة التي توضح هذه القاعدة: المثال الأول: مرفوعاً جاء من حديث أبي هريرة . فهذا الحديث يدل على أن ما عُطس عنده من الكلام فهو حق وصدق، فهل (1(حَق هذا يصح في ميزان التجربة والحس؟! قال ابن القيم نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن . فتأمل (2( لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدقالنبي كيف جعل ابن القيم مخالفة الحديث للحس والواقع أمارة على بطلان الحديث، وهو (.2 أخرجه أبو يعلى في المسند(1( .(1 المنار المنيف لابن القيم(2(

عدد الصفحات ٩٦

96 هذا مخالف للعلم .(1(الواقع، فالحديث ضعيف جداً أو موضوع كما نبه إليه غير واحد من أهل العلم فالتعارض هنا إنما وقع بين الحس القطعي والنقل الضعيف، فالمقدم الحس. المثال الثاني: من الحقائق العلمية المقطوع بها أن الشمس أكبر من الأرض، وأنها لا تزال تشرق {وتغرب على أناس، فكيف يوفق بين هذه الحقيقة العلمية وبين قوله تعالى [بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَينٍْ حَِئَةٍ ذات الطين، فالآية قد توهم بعض قرائها بأن الشمس تغرب في نهاية النهار في عينٍ من الماء، وهو ما يخالف المحسوس من شأنها. فالإشكال هنا إنما وقع لتوهم أن الآية دلت على أن الشمس تغطس في هذه العين فتغرب فيها، فيقال لمن وقع له هذا التوهم: هل هذه الدلالة من الآية دلالة قطعية محكمة؟ والجواب قطعاً: لا، ولهذا اتفق المفسرون على أن المقصود أنها تغرب في عين الرائي، بمعنى أن من يشاهد الشمس في نهاية النهار يراها كما لو أنها تغرب في عين حمئة، وهذا من سعة اللغة العربية. فتوهم التعارض هنا نشأ من سوء فهم دلالة الآية ومقصودها، وإلا فإذا فهمت الآية على وجهها ارتفع الإشكال. المثال الثالث: حديث . ظن بعضهم أن هذا الحديث ينفي العدوى مطلقاً، ثم قالوا: وما من شك (2(الأسد انظر مثلاً: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، وتعليق العلامة المعلمي عليه (1( .(٦)؛ وأيضاً: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (224(ص متفق عليه.(2(

عدد الصفحات ٩٧

97 هذا مخالف للعلم في أن المرض ينتقل في ضوء أسباب طبيعية من المريض إلى الصحيح، فيلزم رد هذا الحديث وتكذيبه، والحق أنهم لم يدركوا دلالة هذا الحديث فحملهم سوء الفهم له على رده وتكذيبه. فليس مقصود الحديث نفي هذه الحقيقة الطبيعية المشاهدة بانتقال العدوى من المرضى للأصحاء، كيف وقد جاء في ذات هذا الحديث تَفِرُّ من الأسد نفي تصورٍ جاهلي للعدوى، لا نفي كل عدوى، حيث كان بعضهم مقصود النبي يعتقد أن هناك كائنات خرافية هي المتسببة في العدوى، أو أن يكون مقصود النبي نفي ما كان يعتقده بعضهم من أن المرض ينتقل بذاته استقلالاً من المريض إلى  الصحيح دون تقدير الله تعالى، أو غير ذلك من المعاني الباطلة، فردُّ الحديث قبل استيفاء النظر فيه وفهمه على وجهه سيوقع في إشكالية توهم التعارض. المثال الرابع: . فقد يتذرع بعضهم بالعلوم التجريبية لرد هذا الحديث، (1(حديث فيقول: إن الاعتقاد بالعين لا يصح في ضوء العلوم الطبيعية المعاصرة، فيُقْدِمُ على رد الحديث أو التشكيك في شأن العين، وهو موقف غير صحيح يكشف عن إشكال في إدراك المنهجية الشرعية الصحيحة في الجمع بين مقتضيات العلم والشرع، فنحن هنا لسنا بصدد تعارض إيجابي بين طرفين يثبت كل منهما معنى يعارض الآخر، بل الوحي مثبت هنا، والعلوم الطبيعية في الحقيقة ساكتة، فعدم إثبات العلم لشيءٍ لا يعني نفيه بالضرورة، وهو أمر مبني على مبدأ عقلي صحيح وهو أن عدم الدليل المعين لا يلزم منه نفي المدلول، وأن عدم العلم ليس علماً بالعدم، ففرق كبير بين أن تثبت العلوم متفق عليه.(1(

عدد الصفحات ٩٨

98 هذا مخالف للعلم الطبيعية عدم صحة ما جاء في هذا الحديث، وبين عجزها عن إثبات صحته أو نفيه، فلا يصح والحالة هذه رد الحديث بدعوى المعارضة إذ لا معارضة في الحقيقة. ومن خلال هذا المثال الأخير ينكشف لك حجم جناية بعضهم حين يتنكر لجملة من الأخبار الشرعية المتعلقة بالجن أو السحر أو المعجزات أو غيرها، بذريعة مخالفتها العلم، وحقيقة الأمر عند التدقيق أنها معارضة بين ما نجهل ثبوته بالعلم وبين النقل، لا ما نعلم عدمه قطعاً في ضوء العلم. ثم إن العلم المادي يتحرك في مساحة الجانب المادي المحسوس، فكيف يحق له أن يثبت أو ينفي أمراً يتعلق بغير المجال المادي؟ فتأثير الأرواح الشيطانية في السحر والعين هو متعلق بجانب غير مادي، لا يمكن إثباته بالعلم التجريبي ولا يمكن نفيه؛ لأنه متعلق بجانب خارج عن اختصاصه، وبناءً عليه؛ فلا يصح الاعتماد على دليل مادي لنفي هذا، ومن ينفي بناءً على هذا الدليل فهو في الحقيقة يعتمد على اعتقاد مسبق عنده، وتصورات مستقرة عنده لا تؤمن بهذه الأمور، وليس للعلم التجريبي علاقة بذلك. النزعة العلموية: وهذا يدعونا إلى بحث نزعة أشد مغالاة في العلوم التجريبية، وتتخذ مواقف أكثر حدة من النقل في مثل هذه المجالات، وتتأكد أهمية الكلام على هذه النزعة المغالية في العلوم التجريبية مع انتشار عدد من البرامج الشعبية العلمية التي تستبطن هذه النزعة بوعي أو بغير وعي. فمن أخطر مظاهر الغلو المعاصر في العلوم التجريبية حصر المعرفة الإنسانية البشرية في إطارها، وادعاء قدرتها على الوفاء بما يطلب منها كأداة تفسيرية لكل

عدد الصفحات ٩٩

99 هذا مخالف للعلم شيء، فما كان داخلاً في قدرتها فهو المقدور على إدراكه، وما عجزت عنه فلا سبيل إلى تحصيله وإدراكه. وتزداد المشكلة باستحضار أن العلوم التجريبية إنما تنحصر في الإطار المادي الطبيعي، وبناءً عليه؛ فكل ما كان خارجاً عن هذا الإطار سيكون تلقائياً محلاً للرفض والتكذيب، إذ لا سبيل للعلم إلى دركه، وما كان كذلك فيستحيل أن يكون علماً، وما ليس بعلم فإنما هو خرافة ودجل. وقد أطلق بعض المهتمين على هذا النمط المغالي في إمكانيات العلوم التجريبية لفظة )، وهو مصطلح منحوت من كلمة (ساينس) أي علم، مضافاً Scientism(ساينتزم إليها ما يدل على الطبيعة الأيديولوجية لهذا الإيمان الشديد بإمكانيات العلوم التجريبية وحصر مصدرية المعرفة فيها، وقد تُرجمت هذه اللفظة في الفضاء العربي بـ (العلموية). وظاهرة الغلو هذه ليست جديدة تماماً، بل هي ظاهرة قديمة نسبياً، لكن يبدو أن الأيام لا تزيد ظاهرة الغلو هذه إلا غلواً. وليس بخافٍ أن جزءاً من مبررات هذا الغلو يعود للمكتسبات العلمية والمنجزات التقنية الهائلة التي تحققت بسبب المنهج العلمي الذي أحدث تحولاً ضخماً جداً في حياة البشر على المستويات كافة، وبما لا يمكن قياسه. لكن المشكلة هي في هذا التعاطي التحقيري مع الموارد المعرفية الأخرى ومحاولة حصر المجال المعرفي بتفاصيله وتعقيداته وتبايناته في هذا المورد وحده دون ما سواه. ونكتفي هنا بالكشف عن أهم مشكلات هذه النزعة، بما يدل على انحرافها :(1(وضلالها يمكن الرجوع لأجل نقد مفصل إلى كتاب الدكتور سلطان العميري (ظاهرة نقد الدين في الفكر (1( الغربي الحديث

عدد الصفحات ١٠٠