المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ٨ من ٢٢

116 التمسك بروح الشريعة وقف في وجهه بأنوجد أحدهم نصاً مشكلاً عليه في كتاب الله أو سنة رسوله هذا مخالف لروح الشريعة، ومصادم لمقاصد الإسلام، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا؟ وما روح الشريعة؟ جاء بكلام فضفاض عام، وهو ما يكشف عن كسل معرفي في تأدية الواجبات البحثية المتعلقة بالدعوى، فإن الدعاوى مجرَّدةً عن الأدلة والحجج والبراهين مجرد عبث علمي لا قيمة له. والتعامل مع الأحكام الشرعية لا يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، بل يتطلب الأمر دقة علمية ومنهجاً بيّناً ونظراً موضوعياً حتى يتمكن المسلم من إثبات أن هذا الحكم يخالف المقصد الفلاني، ولا يكون إلا ببيان أمور: : تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بيّنة.الأمر الأول : بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي والمقصد الكلي.الأمر الثاني : بيان سبب ترجيح المقصد، وإلى ماذا استند.الأمر الثالث : بيان كيفية التعامل مع الفرع.الأمر الرابع وهذه الضوابط لا تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد وروح الشريعة؛ لأنها لا تنطلق من طريقة موضوعية، أو منهجية متماسكة، بل من رؤية تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئاً يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه. إن وجود ما يظهر للناظر تعارضاً بين أدلة الأحكام الشرعية أمر واقع وسائغ، وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، فكتب الفقهاء مليئة بالخلاف والجدال في أحكام ونصوص كثيرة، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، لكنها محكومة بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، فيجتهدون وفق معايير موضوعية في تطلب الحق، وهم فيها بين الأجر والأجرين.

عدد الصفحات ١١٧

117 التمسك بروح الشريعة وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثلاً إلى حديث مع أدلة أخرى تمنع من وجود (1( يقول فيهصحيح عن النبي حرية الردة عن الإسلام، فيردها بناءً على أن هذا يخالف مقصد الشريعة في الحرية. فيضع أولاً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحاً ، ثم لا تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، فكل شخص يفسر الحرية عن النبي وفق حدوده وضوابطه، ولا ينظر في وجه الجمع الذي يدفع التعارض، بأنه يمكن أن تجعل الحرية في الإسلام مقيدة بضوابط، منها: عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم لا يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، ولا يجيب عن الأدلة الأخرى التي تثبت أن الحرية التي يتحدثون عنها غير موجودة في الإسلام أصلاً. فالخلل هنا إذاً ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكماً آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه، فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر؛ وإنما حقيقة الأمر هدم أحكام وفروع ونصوص من خلال ضربها بالمقاصد بلا منهج موضوعي. ومما ينبغي التأكيد عليه أيضاً في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيراً ما يقع الاتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيراً في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج؛ فالناس مثلاً لا يتنازعون في حسن العدل، وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي لا تعني أخرجه البخاري.(1(

عدد الصفحات ١١٨

118 التمسك بروح الشريعة أن هناك توافقاً على مضامين العدل الداخلية، إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خلالها حقائق العدل التفصيلية، وهذه التفصيلات هي ما يُشكِّل إطار العدل في الواقع ويحدد ملامحه وصورته؛ فالليبرالية مثلاً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخلٍ للسلطات في منع أحد بسبب ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضرراً بالدين، وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة لا يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد محاكمة الشريعة إليها. التعامل مع ومن الإشكاليات المولدة من تصور القطيعة بين الفروع والمقاصد: الفروع والتشريعات الجزئية باعتبارها مجرد وسائل لمقاصد يمكن استبدالها بغيرها متى ما حققت تلك الوسائل المستحدثة المقاصد المطلوبة، إذ المقصد من الوسائل هو الذي يجب الاستمساك به، أما الوسائل فلا يصح أن تكون مقصودة لذاتها، فيُتشدد في التمسك بها، بل يُتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق المقاصد هنا دونها، فليس من العقل التشدد في شأن الوسائل. وهذه الإشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية الاطلاع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهْم أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط، تعاظمت المشكلة، وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس هذا الواهم.

عدد الصفحات ١١٩

119 التمسك بروح الشريعة إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها، تتضمن جرعةً عاليةً من الغرور المعرفي بادّعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك الأحكام وحدودها، ثم ادّعاء أن ثمّ وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن الاستغناء بها عن الوسائل التي قررتها الشريعة. وهب أننا تنزلنا وقلنا: هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، فإننا جازمون بأن هذه الوسائل المنصوص عليها محققة لغاياتها؛ لأن الشارع الذي وضعها أراد بها تحقيق تلك الغايات مع كمال علمه سبحانه وحكمته، وادّعاء أنه بالإمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة والإثبات. وإذا تأملت في ممارسات هؤلاء في استحداث الوسائل ستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة لا يسلم من الاعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثلاً عن أن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة ويمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل لا يخلو من إخلال عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده، فليس المقصود هو تحقيق مطلق الردع، بل تحقيقه بالقدر الذي يتحقق من خلال تشريع القطع من غير زيادة أو نقصان، فالقتل يحقق الردع أيضاً، فهل يسوغ أن تستبدل شريعة القطع به لمجرد اشتراكهما في مطلق الردع؟ ومن جهة أخرى، فثمّ ملابسات تتصل بالعقوبة الشرعية (القطع) والعقوبة البديلة المقترحة (السجن) يجزم الناظر فيها أن استعمال هاتين العقوبتين وإن تقاطعتا في شيء من النتائج فثمّ قدر من الافتراق يوجب القول بأن الوسيلة الثانية لا توصل لعين ما توصل إليه النتيجة الأولى.

عدد الصفحات ١٢٠

120 التمسك بروح الشريعة فمجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع مثلاً يؤدي إلى الزجر عن السرقة بما لا يحققه الإعلان عن عقوبة السجن. كما أن السجن قد يشكل محضناً لبث ثقافة الإجرام والفساد بين السجناء، ففيه من المفاسد ما ليس في عقوبة القطع.. وغير ذلك من الفوارق الموضوعية بين ما يترتب على إقرار حد القطع وإقرار عقوبة السجن لمعالجة مشكلة السرقة. ثم إن كان الكل يوصل إلى نتيجة واحدة حقيقة والغرض تحقيق تلك النتيجة المعبر عنها بالمقاصد، فلِمَ هذا الإصرار على تعطيل الوسيلة التي اعتبرها الشارع واستبدالها بوسيلة أخرى؟! إن السبب في الحقيقة ينكشف بما سبق ذكره من استحضار بواعث هذا الخطاب في التعلق بنظرية المقاصد، فليس القصد هو الاستمساك الموضوعي بهذه النظرية، وإنما الأخذ منها بالقدر الذي يحقق هدر ما أرادوا هدره من أحكام الشريعة، ولذا فمتى ما أفضى التمسك بهذه النظرية إلى ما يتوهمونه تشدداً فقهياً رأيت أولئك ينقلبون على هذه النظرية ويصبحون حرفيين ظاهريين جداً، وبه ينكشف حضور الهوى كموجه للشخص في خياراته الدينية، لا أن تكون الشريعة ذاتها هي الموجه. إذاً، نخلص مما سبق إلى أن التمسك بمقاصد الشريعة يقتضي في الوقت نفسه التمسك بفروعها، وأن من يدعو إلى التمسك بمقاصدها لهدم بعض الفروع فهو لم يتمسك بالمقاصد من الأساس، فما يدعو إليه ليس روح الشريعة ولا مقاصدها ولا كلياتها، بل هو شيء أجنبي عنها يتخذه تكأةً لإسقاط بعض أحكام الشريعة بلا حق، وهو من جنس الهوى الذي يجب على المسلم الحذر منه عند التعامل مع الأحكام الشرعية .[{لأنه يصد عن الحق، والله يقول

عدد الصفحات ١٢١

121 ) التعلق بالقشور11( من الأمور الشائعة عند كثير من الناس تقسيم مسائل الدين إلى: لبٍّ وقشور، ثم تراه يبدي حفاوته بما يراه لباً مع حطه على ما يظنه هامشياً وثانوياً من أمر الدين ويصفها بالقشور تزهيداً فيها، وهذه الأمور قد تضيق وتتسع بحسب حال الناقد، وبحسب مقدار تعظيمه للشريعة.. فيصل الحال ببعض الناس إلى جعل الأحكام التشريعية التفصيلية قشوراً في مقابل تعظيم شأن مقاصد الشريعة، وبعضهم قد يطلقها بحسن نيّة قاصداً التأكيد على الاعتناء بما هو أهم في نظر الشريعة مما هو دونها في الرتبة. وهذه المقولة تتضمن إشكاليتين مركزيتين: إشكالية في اللفظ المستعمل، وإشكالية في المعنى. فهي في استعمال مفردة القشور في وصف بعض أحكام فأما مشكلتها اللفظية، الشريعة، وهي لفظة تعطي إيحاءً سلبياً حيال تلك الأحكام الموصوفة بها، بأنها أمرٌ يمكن تركه، بل والتخلص منه، إذ هذا إجراء طبيعي حيال القشور. وما من شك في أن أمر الدين بتفاصيل أحكامه أعز وأشرف من أن يوصف شيء منها بمثل هذا الوصف، فإن أحكامه وإن تفاوتت رتبها، فجميعها موضع تعظيم {وتقدير، فالمسلم مأمور أن يأخذ بالإسلام كاملاً، قال تعالى « :]٨٠: البقرة[فِ السِّلْمِ كَفَّةً .(1(بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجه البخاري.(1(

عدد الصفحات ١٢٢

122 التعلق بالقشور واللافت أن هذه التسمية التبخيسية للشريعة أو بعض أحكامها ليست حديثة، فلقد كان بعض المتصوفة في القديم يسمي علم الشريعة قشراً في مقابل علم الحقيقة، وقد تصدى أهل العلم لهذا الإطلاق، مظهرين تحفظهم على استعمال هذه اللفظة في توصيف الأحكام الشرعية، فحين سئل العز بن عبد السلام المكلف: إن الشرع قِشرٌ ظاهر علم الحقيقة لُبُّه، أم لا يجوز؟ التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشراً؟! وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء من أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطْلِق مثلَ هذه الألقاب إلا غَبيٌّ شَقيٌّ قليلُ الأدب! ولو قيل لأحدهم: إن كلام شيخك قشور، لأنكر ذلك غاية الإنكار، وَيُطْلِقُ لفظَ القشور على الشريعة؟! ، فَيُعَزَّرُ هذا الجاهل تعزيراً يليق بمثل وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله .(1(هذا الذنب وكذا جاء عن تقي الدين السبكي إنكار هذا الاستعمال ضمن جواب له في مسألة السماع فقال الأحكام فليس من القشور بل من اللُّبِّ، ومن قال عليه: إنه من القشور، استحقَّ .(2(الأدب، والشريعة كلُّها لُباب فهذا تحفّظ على استعمال اللفظ، فمع الإقرار بتفاوت رتب مسائل الشريعة، وأن بعضها يحفظ ما فوقها كحفظ القشر للب، فإنه لا يجوز إطلاق هذه اللفظة لما توهمه من معنى فاسد، خصوصاً أن كثيراً ممن يطلقها قد يطلقها على ما يمثل أمراً واجباً، أو ركائز شرعية كبرى. (.1 الفتاوى للإمام العز بن عبد السلام(1( الكلام على مسألة السماع لابن القيم، وكلام السبكي من ضمن الفتاوى الملحقة في آخر الكتاب(2( .(2(

عدد الصفحات ١٢٣

123 التعلق بالقشور ، فهي في قصد التزهيد ببعض شعائر الدين، فمن كان وأما مشكلتها المعنوية ملتزماً بأي أمر من أمور الدين فلا يصح أن يزهد فيه بتسميته قشراً، والتعامل معه « :بهذا الاعتبار، وهو أمر يفتح باب الانتقاص من شأن الدين، قال الإسلام عُرْوَةً عُرْوَةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها: فأولهن نقضاً .(1(الحُكْمُ، وآخِرُهُنَّ الصلاة وقد يقول بعضهم: إن اللب هو واجبات الشريعة وفرائضها، وأما القشور فهي ما كان من قبيل المستحبات والمندوبات. والجواب أن يقال: لا شك في أن المندوبات دون الواجبات في الرتبة، لكن ذلك لا يعني أن توصف بأنها قشور أو أن تكون موضع إهمال، فإنها من أعظم أبواب : التقرب إلى الله، ونيل محبته ورضاه، فعن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله « إليِّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا .(2(فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته وهي أيضاً تعدُّ سياجاً لحماية الواجبات، فإن من انتقص منها أوشك أن يتسرب الانتقاص إلى الواجبات، فالتزامها يعدُّ صيانة للواجبات، فعن النعمان بن بشير رضي يقول الله عنهما قال: سمعت رسول الله وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ أخرجه أحمد. وصححه الألباني.(1( أخرجه البخاري(2(

عدد الصفحات ١٢٤

124 التعلق بالقشور لدينه وعِرْضِه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتعَ فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حِمى، ألا وإن حمى الله محارمُه، ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صَلُحت صلَح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي .(1(القلب « :وهي أيضاً مكملة لما يقع في تلك الواجبات من نقص وتقصير، قال ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على .(2(ذلك بل الالتزام بمثل هذه المندوبات يدل على ظهور أمر الدين، وعلو شأنه، وهو أمر  أن النبيإيجابي مطلوب بلا شك، وشيء تتشوف إليه الشريعة، فعن أبي هريرة .(3(قال وقد تحتمل الحميّة بعضهم أحياناً إلى إطلاق هذه اللفظة نصيحة لمن وقع منه ، كمن حرص على قيام تفريط في بعض الواجبات، مع التزامه بشيء أقل منها في الرتبة الليل حتى فَوَّت صلاة الفجر، فيقول له لا تتمسك بالقشور وتترك اللب. فيقال لمثل هذا: إن علاج هذه الحالة إنما يكون في التحفيز للالتزام بالواجب، لا بإهدار المستحب بإطلاق، ولا بأس بأن يتوجه الإنكار ببيان رتبة ما فرط فيه في مقابل ما التزم به، دون استعمال لفظة تنزل برتبة المستحب عن الرتبة التي وضعها الشارع الحكيم. أخرجه مسلم.(1( أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد. حسَّن إسناده ابن حجر، وصححه الألباني (2( أخرجه أبو داود، وأحمد. صححه النووي، وحسن إسناده الألباني(3(

عدد الصفحات ١٢٥

125 التعلق بالقشور فنحن نقرّ جميعاً بأن مسائل الدين ليست كلها في رتبة واحدة، بل بينها تفاوت في شعب الإيمانكبير، كما ورد في حديث النبي بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، . لكن لا يعني ذلك أن إماطة الأذى عن الطريق شأن (1(والحياء شعبة من الإيمان تافه، بل ما دام شعبة من الإيمان فشأنه عظيم، لكنه لا يبلغ في عظمته رتبة ما فوقه من شعب الإيمان. وليس من المنهج الشرعي والموضوعي أن يزهد في بعض شعب الإيمان لمصلحة بعض، مع لزوم معرفة رتب المسائل الشرعية، والتعامل مع كل رتبة بالقدر اللائق بها، فلا تُعامل الصغائر معاملة الكبائر، لكن لا يقلل من شأن الحرص على تجنب الصغائر. لتدرك خطورة تحقير شأن بعض الذنوب والمعاصيوتأمل في قول النبي . وعن (2(الشيطان قد أيس أن يُعْبَدَ بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون قالأنس .(3( من الموبقاتعهد رسول الله أخرجه مسلم.(1( أخرجه أحمد. وصححه الألباني(2( أخرجه البخاري(3(

عدد الصفحات ١٢٦

126 ) الانشغال عما هو أهم12( من المقولات الدارجة التي توجَّه لمن يأمر ببعض الأحكام الشرعية أو ينهى عنها بأن ما تفعله هو انشغالٌ عما هو أهم، وهو إغراق في الجزئيات على حساب الكليات، ودوران في الهوامش على حساب المركز، ونحو ذلك. هذه المقولة تنكر العناية أو الاهتمام بموضوعات معينة، كالأمر بالحجاب، والنهي عن الاختلاط المحرم، والحث على الصلوات في المساجد، والمحافظة على السنن، والإنكار على بعض المحرمات؛ بأن هذا كله انشغال بالجزئيات، مع ضرورة العناية بالكليات والأصول الكبرى. ونحن هنا يجب أن نميّز بين موقفين: أن يكون الإنكار متعلقاً بذات الأحكام، بمعنى أنها أحكام غير الموقف الأول: صحيحة، فقائل هذه المقولة لا يعترف أصلاً بأنها أحكام شرعية، وبناءً عليه فالواجب على مثله أن لا يحوّل النقاش إلى الجزئي والكلي، والهامشي والأصلي، بل أن يصمد إلى الموضوع ويبيّن وجه كون تلك الأحكام غير معتبرة ولا يعتد بها، حتى يكون محل البحث في موضعه فيكون التباحث في اعتبارها أو عدمه، وصواب رأيه من خطئه. أن لا يتجه بالإنكار إلى هذه الأحكام، وإنما يتحدث عن أوزانها الموقف الثاني: النسبية، فينكر الحرص على بعض الجزئيات والتفصيلات والهوامش، ويؤكد ضرورة التركيز على الأصول والكليات.

عدد الصفحات ١٢٧

127 الانشغال عما هو أهم والموقف الثاني هو المعبّر الأظهر عند أصحاب هذه المقولة. وفرق كبير بين من يطلق هذه المقولة غير معتدٍّ بهذه الأحكام من الأساس ولا يرى لها أي اعتبار، وبين من يعتدُّ بها ويعتقد أنها أحكام شرعية لكنه يطالب بعدم الإغراق فيها، إذ هي من الجزئيات في مقابل وجوب العناية والتركيز أكثر على الأصول والكليات. وقد يكون بعضهم في الحقيقة غافلاً عن تحديد موقف واضح من تلك الأحكام، وإنما يعبر عن رفضه للعناية بالجزئيات عبر هذه المقولة. وعند التدقيق في هذه المقولة (الانشغال عما هو أهم)، نجد أنها تؤثر سلباً في التزهيد في أي حكم شرعي غير مرغوب فيه عند قائلها؛ لأن أي عنايةٍ به أو دعوة إليه أو إنكار بسببه سيكون محل تذمر ورفض من هذا القائل بسبب أنه هامشي، ويجر إلى التفريط في العناية بالأصول، وهذه المقولة في الحقيقة تتضمن مغالطات كبيرة سيتجلى أمرها عند إدراك الحقائق التالية: الحقيقة الأولى: أن تقسيم الأحكام هنا إلى جزئيات وكليات، وهوامش وأصول، لا يستند إلى سبب موضوعي، ولم يرجع فيه إلى اعتبارات شرعية، فهذا التقسيم لا ينطلق من الشريعة نفسها ليعرف أصول الشريعة من فروعها، وكلياتها من جزئياتها، وإنما هي تقسيمات ذوقية مزاجية، فالدعوة إلى التوحيد مثلاً هي عند بعض الناس دعوة لجزئيات وهوامش، مع أنه في الميزان الشرعي يمثل أصل الأصول، والعناية بالعبادات وأعمال القلوب وما ينجي الإنسان في آخرته هي أمور مهمشة في نظرهم، بينما تبقى الأصول والكليات في جزءٍ من المصالح المهمة وهي الجانب المادي الدنيوي الذي يمس مصالحهم الدنيوية المباشرة.

عدد الصفحات ١٢٨

128 الانشغال عما هو أهم فالتقسيم في الأصل مبني على غير أساس، ويزيده سوءاً واضطراباً حين يسمي بعض أحكام الشريعة المعتبرة بالهوامش، فهو لم يكتفِ باضطراب التسمية بين الجزئيات والكليات، بل تجاوزه إلى الإساءة والتنقص من بعض الأحكام والتقليل من قدرها بلا سبب. الحقيقة الثانية: أن الانشغال بالجزئيات لا يضر في العناية بالكليات، فمن ينشغل بتفصيلات الأحكام الشرعية لا يعني أنه مفرط بكلياتها، بل إن من يفرط في الجزئيات هو الذي سيضيع الكليات وليس العكس، فمن يحرص على نوافل العبادات، ويتورع عن ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، المحرمات، ويحرص على تتبّع سنة النبي فهو الحقيقة محافظ على الكليات الشرعية ومقوٍّ لها، وليس بمنشغل عنها. الحقيقة الثالثة: أن التفريط في الأصول والكليات ليس له علاقة بالانشغال بجزئيات معينة على النحو الذي يصوره صاحب هذه المقولة، فإذا كان صاحبها يرى في الناس تقصيراً في جانب مهم كالإصلاح الإداري أو المالي، أو منع الظلم، أو محاربة الفساد والرشوة، وحل مشكلة الفقر والبطالة، أو تعزيز الأخلاق الفاضلة، ونحو ذلك؛ فإن الحل هو في ابتعاث الهمم للاهتمام في هذه القضايا المهمة، وليس في التزهيد في قضايا أخرى، فمن يرى عليك منكراً فينصحك بسببه ليس منشغلاً بسبب ذلك عن مشكلة الفقر، ومن السذاجة أن تتصور أن دعوته للتوقف عن الإنكار ستسهم في دفعه لحل مشكلة الفقر! ومن الظريف هنا أن دعاوى الانشغال بالجزئيات إنما ترمى في وجه كل ناصح يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، فيُذكَّرُ حينها بالأصول والكليات وبجميع المشكلات

عدد الصفحات ١٢٩

129 الانشغال عما هو أهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بهدف صرفه عما يقوم به، ولو أنه التزم الصمت فلم يأمر بمعروفٍ ولم ينهَ عن منكرٍ لما قال له أحدٌ من هؤلاء الناس شيئاً! فهي للأسف أصبحت ملفاتٍ توظف للتزهيد ببعض الأحكام الشرعية، وليست دعوةً جادةً حقيقيةً للإصلاح في ملفات كبرى مهمة، فمن يريد الإصلاح فليس طريقه أن يزهد في مثل هذه الموضوعات. ولهذا، فالتفكير الموضوعي المستقيم لمن يرغب في تعزيز الاهتمام بموضوع يراه من المهمات والأصول الكبرى أن يحث الناس على العناية به، وينشر الأفكار المعينة لذلك، ويفتح المشاريع المعززة، فليس ضعف العناية بموضوعٍ ما ناشئاً بالضرورة من انشغال الناس بموضوعات أخرى، فالإنسان حارث همّام لا يتوقف عن العمل والنظر، فهو يقوم بأعمال كثيرة، ويهتم بقضايا متفرقة، ولا يتوقف تفكيره عن هذه الأصول بسبب أنه يفكر في أمور أخرى. ويزيد هذا الأمر بياناً: الحقيقة الرابعة: أن الناس في الحقيقة ينشغلون باهتمامات كثيرة هي دون هذه القضايا بكثير، فهم ينشغلون بالمباحات، ويقضون أوقاتاً كثيرة في السفر والترفيه والنزهة والرياضة واللقاءات الطويلة. كما يقضي كثير من الناس أوقاتاً طويلة في متابعة التلفاز ومشاهدة الأفلام وملاحقة تفصيلات الأخبار الاجتماعية في شبكات التواصل وغيرها، ولا تجد أحداً يذكر لهم مقولة (الانشغال عما هو أهم). وهذا شيء لافت عجيب، فهذه المقولة التي تنفجر في وجه كلِّ من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو ينصح بخير، لا تكاد أن تجد لها ذكراً متى نظر صاحبنا في انشغالات الناس التفصيلية المستهلكة للوقت والجهد، لكنه إن صادف داعية أو ناصحاً أو محتسباً تحركت توربيناته النقدية النفاثة، وهجم بالتبكيت والتقريع

عدد الصفحات ١٣٠

130 الانشغال عما هو أهم والتهكم، مذكراً بضرورة الاشتغال بالكليات والأصول، ومحذراً من مغبة التفريط فيها! وربما تجد هذا الناقد غارقاً حتى أذنيه فيما غرق فيه غيره من هذه المباحات والمفضولات، بل المحرمات، ثم لا تجده يرمي بهذه النفثة الغاضبة إلا في وجه من ينصحه ببعض الأحكام الشرعية! وهذا يؤكد لك أن هذه المقولة ليست علمية موضوعية صحيحة، وأن الموضوع ليس له علاقة بأي انشغال حقيقي، ولا بجزئيات وكليات؛ وإنما هو توظيف لقيمة الأصول الكبرى ومكانتها للتزهيد في بعض الأحكام والحط من قدرها. الحقيقة الخامسة: أن من ينتقد الانشغال بالجزئيات عما هو أهم تجده ينشغل بنفس الجزئيات لكن في الجهة المقابلة لها، فحين يجد من يتحدث عن حكم شرعي تفصيلي معين كحرمة المعازف مثلاً تجده يقول: هذا انشغال بجزئيات، وتضييع للأعمار، وانصراف بالوقت عن الأصول الكبرى. ولو أن القول في المعازف كان هو الإباحة لفرح به ونصره، وبيَّن أهمية انتشار هذا الرأي ومسيس الحاجة إلى مثل هذا الاجتهاد. فالجزئيات المهمشة في الحقيقة لم تعد هي المسألة ذاتها، وإنما الحكم غير المرغوب، فلا إشكال في العناية بهذه الجزئيات، وإنما المرفوض هو قول معين فيها. إذا استحضرت هذه الحقائق أدركت أن مقولة (الانشغال عما هو أهم) هي حالة توظيف في خصومة فكرية، تستغل مكانة ملفات وقضايا معينة لأجل التزهيد في بعض الأحكام غير المرغوب فيها، وأنها لا تقوم على حجة صحيحة.

عدد الصفحات ١٣١

131 الانشغال عما هو أهم فالموضوع محل الخلاف هنا ليس له علاقة بالتأثير على العناية بأصول كبرى؛ فتقديم الأصول الكبرى على ما هو دونها، والعناية بالكليات أكثر من الجزئيات، هي مقدمة صحيحة لا غبار عليها، فلا شك في أن الضروري أهم من الحاجي، وأن المصلحة العامة أولى من المصلحة الخاصة، وأن ما يمس عموم الناس أهم مما يمس بعضهم، وأن القطعيات أولى من الخلافيات، لكن هذه المقدمات كلها لا علاقة لها بالسياق الذي تأتي فيه هذه المقولة، فهي تسعى إلى توظيف هذه المعاني، وليس توظيف الطاقات لتحقيق هذه المعاني، وهو أمر ينكشف كثيراً بملاحظة أثر السياق الذي تأتي فيه هذه المقولة.

عدد الصفحات ١٣٢