المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ٥ من ٢٢

68 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ وإذا تدبرت ما سبق استعراضه من تاريخ علمي مختصر يكشف عن عناية الأمة ، وجدت أنه لم يقم على ركيزة واحدة وهو النقل المكتوب، وإنما تعاضد بسنة النبي معه الأخذ من أفواه الرجال، فلم يكن الأمر قاصراً عندهم على مجرد الاطلاع على الكتب والاعتماد عليها، وإنما تزاوج النقل سماعاً مع الضبط كتابةً، وتعاضدَ ضبط .الصدور وضبط السطور لضمان حفظ سنة النبي بل من تأمل واقع الحياة الاجتماعية في تلك العصور، وكيف امتزجت كثير من الأحوال العلمية بحياة عامة الناس، حتى صار الأمهات والآباء يدفعون بصغارهم لتحصيل الحديث، وظهرت الحلقات العلمية التي يقصدها الآلاف في كل مكان، وبرزت الرحلة في طلب الحديث، وكيف أسهم هذا الجو العلمي والاجتماعي والتربوي إيجاباً في إشاعة الاهتمام بعلوم الحديث بمساراته كافة؛ فسيتأكد من حجم ، وهي قضية يصعب على من لم يقرأ شيئاً من عناية الأمة بجميع طبقاتها بسنة النبي تاريخ تلك الحقبة أن يتصورها، أما من قرأ طرفاً ولو يسيراً من ذلك فلن يجد في نفسه قبولاً للشبهات المشككة والطاعنة في جهود أئمة الإسلام في صيانة السنة النبوية. والخلاصة أن الطعن في حفظ السنة بدعوى عدم تدوينها مبكراً دعوى تكشف عن جهلٍ شديد بتاريخ الرواية وطبيعتها وما حظيت به من جوانب العناية المختلفة، فالتدوين كما رأينا وُجد مبكراً في زمن النبوة، وقد سار يداً بيد مع التلقي الشفهي عبر ، والتي بلغت الغاية في التثبت بوابة الإسناد، وفق مساعٍ عظيمة لضمان حفظ سنته والتحوط.

عدد الصفحات ٦٩

69 ) ليس هناك دليل قطعي5( من المقولات الغريبة في المشهد الفقهي المعاصر، المطالبة في مسائل الشريعة بالأدلة القطعية دون الأدلة الظنية، فإذا ما حكيت إيجاب مسألة أو تحريمها قال لك بعضهم: هل فيها دليل قطعي؟ وكأنَّ الأحكام الشرعية لا تنبني إلا على القطعيات، وأن ما لم يكن بهذه المثابة من الأدلة مُطرح الدلالة لا يؤخذ به. وما من شك في أن جعل مناط الالتزام بالنص كونه قطعي الثبوت قطعي الدلالة، قول باطلٌ، وما يلزم منه لوازم باطلة، إذ دائرة التعبد بمقتضيات النصوص أوسع دائرةً من هذا، فالعبد ليس مطالباً بالعمل بما جزم بمراد الله تبارك وتعالى فيه، وإنما هو مطالب بالعمل بما اعتقد أو غلب على ظنه أنه مراد له تبارك وتعالى، إن كان عالماً مجتهداً فبنظره في مصادر التلقي الشرعية، وإلا فباتباع أهل العلم عبر سؤالهم والاختيار من أقوالهم باجتهاد يصلح من مثله بما يرجو أن يبلغه مراد الله تبارك وتعالى. {وقد بيّن الله تبارك وتعالى مرجع الاحتكام في حال الخلاف فقال تعالى { وقال سبحانه.[اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَْءٍ فَحُكْمُهُ إلَ اللَِّ أَطِيعُوا اللََّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِ شَْءٍ فَرُدُّوهُ إلَ اللَِّ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ .[تُؤْمِنُونَ بِاللَِّ وَالَْوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيٌْ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ثم إن الله بيّن لنا أنه أنزل هذا الوحي المحتكم إليه على طبيعة ثنائية، فمن نصوصه { ما هو محكم، ومن نصوصه ما هو متشابه، قال تعالى .[ آيَاتٌ مُّْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ

عدد الصفحات ٧٠

70 ليس هناك دليل قطعي فالنص الشرعي إما أن يكون قطعياً يقينياً أو يكون ظنياً، والقطعية قد تكون في الثبوت والدلالة أو في واحد منهما، والظنية كذلك، والواجب الأخذ بالنص، فإذا كان: - النص قطعياً في الثبوت والدلالة، فالأخذ به متعينٌ واجبٌ والمخالف له مذمومٌ، فإن خالف مقتضى النص مع عدم اعتقاد قطعيّته فقد يُعذر بالتأول والجهل ونحوه بحسب حاله. أما إن اعتقد قطعية النص ورده ولم يُسلِّم لمقتضاه فكأنه كافح برد أمره وخبره فيترتب عليه أحكامه وآثاره من الكفر والإثم ونحوه.النبي - أما إن كان النص ظنياً فالأخذ به والإذعان لدلالته متعينٌ أيضاً، ولا يلغي وصف الظنية حجيته، وإنما يتعين الأخذ به بحسب ما ترجح لقارئه من المعنى، فمتى اعتقد المرء أن النص دالٌّ على كذا فواجب عليه العمل بحسب اعتقاده، فإن اعتقد من النص معنىً أو غلب على ظنه ثم تركه فقد أخل بأداء واجب التسليم ولحقه الذم. وينبغي ملاحظة أن ظنية النص تمنع من الحكم على من خالف في ثبوته أو فهمه بأنه تارك للتسليم ضرورةً، بل قد يكون مُسلِّماً للنص بمقتضى فهمه شريطة أن يؤدي الاشتراطات الشرعية الصحيحة الموصلة لفهم معتبر من النص، أو سالكاً سبيلاً صحيحاً في ترجيح ثبوت النص من عدمه. وفي مفهوم القطع والظن لا بد من إدراك أصلين مهمين: أن معيار القطعية والظنية الذي تترتب عليه أحكامهما، هو معيار أهل السنة الأول: والجماعة فيهما لا المعايير المبتدعة التي قد توسع دلالة الظنية لتدخل في طياتها بعض النصوص القطعية، كجعل السنة ظنية كلها، أو رد خبر الآحاد في مسائل العمل، أو الاعتقاد مطلقاً، أو ادعاء ظنية الدلالة النقلية بإطلاق أو نحو ذلك؛ فهذه أقوال باطلة قائمة على معايير غير صحيحة في تحديد ما هو قطعي وما هو الظني.

عدد الصفحات ٧١

71 ليس هناك دليل قطعي أن تقسيم القضايا والمسائل وتنويعها إلى قطعي وظني ليس حاسماً في الثاني: كل مسألة بحيث يمكن فرز المسائل جميعاً بضابط قطعي، وكأنَّ بين هذا القسم وذاك حدوداً فاصلة قاطعة، بل الأمر يتفاوت في بعضها من عالمٍ لآخر، ومن مسألة لأخرى، فمن المسائل ما يكاد أن يكون قطعياً، ومنها ما يتأرجح بين القطعية والظنية، فالاجتهاد كما قد يقع في حكم المسألة فقد يقع أيضاً في تصنيف المسألة وإعطائها الرتبة المناسبة لها، فلدينا إذاً ثلاث دوائر من المسائل: - مسائل قطعية بلا إشكال. - مسائل ظنية بلا إشكال أيضاً. - مسائل مشتبهة يختلف في تقدير وزنها الشرعي أهل العلم، ويتردد الناظر فيها هل هي ملتحقة بالقطعيات أو الظنيات. ووجود مثل هذا التردد في بعض المسائل هل هي قطعية أو ظنية، لا يلغي حقيقة هذه المراتب ذاتها، فإنه كثيراً ما يقع التردد في بعض مفاهيم الشريعة وتقسيماتها إلحاق بعض الأفراد بها، فلا يكون مثل هذا التردد مبطلاً لها، مثل التردد في تعيين أفراد (الضروريات والحاجيات والتحسينيات)، فلا يصح أن يكون التردد هذا سبباً للقول بأن لا وجود لأحكام ضرورية أو حاجية أو تحسينية! وكالتردد في اليسير المعفو عنه، وهو مستعمل بكثرة في عددٍ من المسائل الفقهية في الطهارات والأموال والأشربة وغيرها، فهل يقال: لا يوجد فرق دقيق بين اليسير والكثير، وبناءً عليه فلا وجود لفرقٍ بين القليل والكثير في أي حكمٍ مطلقاً؟! ومثل ذلك التردد في الذرائع الموصلة إلى الحرام، فلا يمكن الجزم في كل الأحوال بتفريق دقيق بين الغالب المؤثر وما ليس بمؤثر، فهل يعني أنه لا أثر للذرائع في الشريعة مطلقاً!

عدد الصفحات ٧٢

72 ليس هناك دليل قطعي والمراد: أن وجود إشكال في تعيين بعض أفراد المفاهيم والمعايير والضوابط الشرعية، لا يلغي أصل هذه المعايير والضوابط، بل الواجب استفراغ الوسع في بلوغ المراد الشرعي منها. وبعد إدراك ما سبق، وأن سلب وصف القطعية لا يلغي حجية الدليل بإطلاق، وإلغاء حجيته واشتراط القطعية له لوازم وآثار بل الدليل الظني الثابت حجة أيضاً، فاسدة، منها: إذ إن النص الظني مظنة - عدم إلزامية الوحي إلا في محال الإجماع القطعي، 1 وقوع الخلاف غالباً، وجعل هذا الشرط لإلزامية الوحي قول باطل ما قال به عالمٌ قط، يقول ابن حزم . ويقول: (1(ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقاً بإجماع الأمة « يوافقه الإجماع، بل قد أصبح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقداً له كافرٌ ب .(2(خلاف، لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها ، فإن دائرة الأحكام الظنية من أحكام الشريعة - هدر كثيرٍ من أحكام الشريعة 2 واسعة جداً، فإذا جعلت من شرط الاحتجاج بالدليل قطعيته لزمك عدم إعمال الأدلة الظنية، وعدم إعمالها مفضٍ لاطراح العمل بهذه الدائرة الواسعة من الظنيات. ؛ لأنه حين يتعامل - أنه قد يفضي بصاحبه إلى التهاون في الأحكام القطعية أيضاً3 مع نصوص الشريعة وأدلتها وهو يشترط عليها أن تكون قطعية، ويطرح من الوحي ما لم يكن بمثل هذه المثابة؛ سيضمحل من قلبه التعظيم الواجب للوحي، والشعور (.٨٠/2 الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم(1( .(٧٦/3 الإحكام في أصول الأحكام(2(

عدد الصفحات ٧٣

73 ليس هناك دليل قطعي بواجب العمل به، ثم لا يلبث أن يقع أسير الهوى، فإذا أقبل على نص سَهَّلَ على نفسه ادعاء بأنه لم يُحصِّل القطع بعد، لأن القطع تابع للإيمان، وقد يكون النص مفيداً للقطع فعلاً، لكن لم تنشط نفسه لبذل النظر الذي يكشف له عن قطعية هذا النص، وهذه حال يدركها من تدبر في حال كثير من مشترطي القطعية في الأدلة، فتجدهم إن كوشفوا بدليل قطعي على خلاف آرائهم ادعوا متعجلين بأن الدليل ظني وليس محلاً للإلزام الشرعي. وقد تزداد المشكلة عند بعض الناس حين يُضيق من دائرة القطعيات فيجعل أي مخالفة ولو كانت شاذة قادحةً في القطعية، وأي احتمال ولو كان ضعيفاً جارحاً لها، بل قد لا يتورع بعضهم عن التعلق بأدنى شبهة لنزع وصف القطعية عمّا خالف هواه من الأدلة. وترى بعض من ابتلع هذا التصور المنحرف من المسلمين يشاهد تحريف دين الله وشريعته ولا يتحرك فيه ساكن؛ لأنه بزعمه لم ينكر قطعياً! فكل ما يقوله له شبهة في ثبوت أو دلالة! فيؤول الأمر إلى إسباغ الاحترام على ما كان قطعياً عنده فقط، أما ما خرج عن هذه الدائرة فلا حرمة له ولا كرامة. وإن سألت: لماذا لم تكن أحكام الشريعة كلها على طبيعة واحدة في القطعية؟ فالجواب: أن كمال حكمة الله تعالى اقتضت ذلك لأمورٍ منها: ، وهو ما يظهر من آية الإحكام والتشابه، حيث قال تعالى: - الفتنة والابتلاء { قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَُّ وَالرَّاسِخُونَ .[ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كٌُّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلَْابِ

عدد الصفحات ٧٤

74 ليس هناك دليل قطعي بعد ذكره لهذه الآية وقال .(1(سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ ، فإن العالم إذا أفرغ وسعه في تطلب - استخراج عبودية الاجتهاد من أهل العلم مراد الله تعالى، كان في جهده هذا عبودية مطلوبة يثيب الله عليها، وفي ذلك يقول « :النبي .(2(فله أجر ، فأحكام - تفاوت الأحكام بحسب أهميتها وتحقيقها للمصالح ودفعها للمفاسد الشريعة ليست على درجة واحدة، فمن يشترط القطع يريد أن تكون الأحكام كلها على درجة واحدة، وهذا ينافي عموم الشريعة وشمولها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ومراعاتها مصالح المكلفين في الدنيا والآخرة. والمقصود أن من المقولات الباطلة الرائجة توهم وجوب بناء الأحكام الشرعية على الأدلة القطعية، وهو وهم فاسد تكذبه طبيعة الأدلة الشرعية ذاتها، وممارسات علماء الأمة في القديم والحديث. ونظرة عجلى في المدونة الفقهية تكشف عن حجم الفروع الفقهية المبنية على الظنيات، بل مثار الخلاف بين الفقهاء إنما وقع في جمهور عريض منه على الطبيعة الظنية لكثير من أدلة الشريعة. أخرجه البخاري.(1( متفق عليه(2(

عدد الصفحات ٧٥

75 ) المسألة فيها خلاف6( هذه مقولة تتكرر بين الناس، وهي تعبّر عن معنى شرعي صحيح، فالأحكام الفقهية ليست كلها محل اتفاق بين أهل العلم، بل منها ما هو محل لإجماعهم، ومنها ما ليس كذلك؛ إذ النصوص الشرعية ليست كلها قطعية لا تحتمل الخلاف، بل منها القطعي المحكم ومنها ما هو دون ذلك، وهذا التفاوت الواقع في الأدلة هو من أهم أسباب وقوع الاختلاف بين الفقهاء، وتعددت بسببه المدارس والمذاهب الفقهية، وكلها تبحث في ثبوت الأدلة وصحتها، وتنظر في دلالة تلك الأدلة، ولهم قواعد ومرجحات في ذلك. وهذا الخلاف الفقهي معروف بين المسلمين من قرون، فهو ليس شيئاً جديداً، كما أنه ليس شيئاً غريباً، فعامة المسلمين يدركون أن العلماء يختلفون، وأن الأحكام الشرعية ليست كلها في مرتبة واحدة من جهة القطعية والاتفاق، ولهذا نشأت المذاهب الفقهية وانتشرت في العالم الإسلامي على امتداد تاريخه، وأصبح من العرف السائد أن يكون لأهل كل بلد مذهب معين شائع بينهم وتكون فتاواه هي المنتشرة، وعلى وفقه يحكم القضاء ويفصل بين خصومات الناس، وربما يشاركه في بعض الأحيان مذهب أو أكثر، ولكل بلد أوضاعه في ذلك. فليس القصد من إطلاق هذه المقولة (في المسألة خلاف) إخبارنا بهذه الحقيقة البدهية، وإنما يقع التذكير بها للإشارة إلى نمط معين يراه المُذكِّر لكيفية التعامل مع الأحكام المختلف فيها، فمطلقها يريد أن يقرر من خلالها عدم جواز فرض اختيار فقهي أو رؤية مذهبية وجعله من قبيل الدين اللازم الذي لا يجوز لأحد الخروج

عدد الصفحات ٧٦

76 المسألة فيها خلاف عنه متى كان ذلك الخيار أو تلك الرؤية في مسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، فثم ، فليس مذاهب واجتهادات معتبرة، والواجب البحث عن مراد الله ومراد رسوله ترجيح هذا الملزم باختياره بأولى من ترجيح من خالفه، وليس له أن يجزم بأن ترجيحه .هو عين مراد الله ومراد رسوله وهذا المعنى كما ترى في الجملة صحيح، وهو رد صحيح على من يغلو في تعطيل الخلاف الفقهي وعدم الاعتداد به، ويحكم بلزوم الأخذ برأيه وترجيحه فيما كان موضعاً للاجتهاد. لكن هذه المقولة قد تتمدد فيتجاوز بها قائلها حدودها المعتبرة، ويقع في أخطاء غير سائغة، ومن ذلك: ) تتبع الرخص:1 إذ يصبح همُّ الشخص في البحث عن الأيسر والأسهل في كل مسألة، فلا يكون قصده معرفة الحكم الشرعي، ولا سؤال من يثق بعلمه ودينه، وإنما يريد من يفتي له بالرخصة، وإذا وجد أي فتوى بالرخصة تمسك بها في كل مسألة بغض النظر عن قائلها ومستندها، ولذا فهو حين يقول: في المسألة خلاف، فإنما يريد أن يتخذ من هذه المقولة تكأة في فتح باب التخيير في الأقوال الفقهية فينتقي منها ما يناسبه، وهذا لا شك مخالف لمنهجية النظر الفقهي في الخلاف، فإن العلماء مع وقوع الخلاف بينهم إلا أنهم متفقون على تحريم تتبع الرخص بهذه الطريقة، لسبب ظاهر قطعي، وهو أن الترخص بهذه الطريقة يخالف روح الاجتهاد الفقهي الذي هو بحث عن المراد الشرعي إلى تتبع مرادات الهوى والبحث عن حظوظ النفس، وهذا مناقضٌ لقصد الشارع في إنزال الشريعة، يوضح ذلك الإمام الشاطبي بقوله

عدد الصفحات ٧٧

77 المسألة فيها خلاف وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو .(1(عبد لله اضطراراً ومن هنا قال سليمان التيمي عبارته الشهيرة .(2(فيك الشر كله وهو معنى متواتر في كلام أهل العلم، فقد قال الأوزاعي . وقال إبراهيم بن أدهم( 3(خرج من الإسلام . وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي(4(كثيراً نظرت فيه وكان قد جمع فيه الرخص من زَلَلِ العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مؤلف هذا الكتاب زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب .(5(دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب لكن بقي التنبيه على قضية مهمة لئلا يقع التباس، فمصطلح الرخصة يتناول أمرين: الرخصة الشرعية، ورخص الفقهاء، والفرق بينهما ظاهر؛ فرخص الشريعة هي أحكام الشريعة التي جاءت بالتيسير والتخفيف عما فيه حرج ومشقة، كجواز قصر الصلاة وجمعها للمسافر، وجواز الفطر في رمضان للمريض، والأكل من الميتة عند الضرورة، ورفع الحرج عن المكره، فهي أحكام شرعية مأخوذة من الشارع قطعاً أو (.٩٨/2 الموافقات للشاطبي(1( .(٥٨/2 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(2( .(٥/٧ سير أعلام النبلاء للذهبي ((3( .(٠٦/2 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي(4( .(21 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى(٥(

عدد الصفحات ٧٨

78 المسألة فيها خلاف ظناً. وأما تتبّع رخص الفقهاء فهو البحث عن اختيارات الفقهاء واجتهاداتهم في فهم النص، وهو يقوم على عملية انتقائية عبثية يُلَفَّقُ من خلالها بين مذاهب الفقهاء وأقوالهم للخروج بمزيج مضطرب متناقض وفق معيار تطلب الأسهل، فلا تكون الهمة منصرفة إلى البحث عن الدليل، وإنما تكون منصرفة للبحث عن الفتوى المناسبة، بل الزلة أحياناً، فيؤخذ بها إن كانت رخصةً. وهي في الحقيقة عملية متناقضة علمياً؛ فالرخصة التي أُخِذَت من هذا الفقيه مبنية على دليل عنده، وقد يكون هذا الدليل مناقضاً للرخصة المأخوذة من الفقيه الآخر، لكن هذا غير مستحضر، لأن السعي لم يكن بحثاً عن الأدلة أصلاً وما تفضي إليه، بل الغاية تحصيل الأيسر والأسهل فقط، وهو ما يفسر لك شدة أهل العلم في التشديد على هذا الصنيع. ) اعتبار كل خلاف:2 فقد يندفع آخرون بدعوى قولهم: (في المسألة خلاف) إلى القبول بأي خلاف من دون مراجعةٍ لأهل العلم وسؤالهم، وهذا يوقع في غلطين ظاهرين: الغلط الأول: إسباغ الاعتبار للخلاف غير المعتبر، فليس كل ما يحكى من خلاف يكون معتبراً، بل كل قولٍ مخالفٍ للإجماع أو النص الظاهر الذي لا معارض له فليس بخلاف معتبر، وبناء عليه فلا يجوز رد الحكم الشرعي البيّن بدعوى وجود مثل هذا الخلاف، فالخلاف عند العلماء على قسمين: - خلافٌ معتبر: وهو الذي تتسع له الدلائل، ويحتمله الحكم، بحيث لا يكون ثم نص قاطع في محل النزاع، أو إجماع معتبر متقدم على وقوع الخلاف.

عدد الصفحات ٧٩

79 المسألة فيها خلاف - خلافٌ غير المعتبر: وهو الذي قد خالف نصاً أو إجماعاً فلا يجوز اتباعه قال الشافعي فهل يسعهم ذلك؟ قال: فقلت له: الاختلاف على وجهين: أحدهما محرم، ولا أقول .(1(ذلك في الآخر فالقول: بأن في المسألة خلاف قد يكون عند بعض الناس شاملاً للخلاف غير المعتبر، فتجده يذكر أقوالاً شاذة أو مهجورة أو ضعيفة في مقابل نصوص صريحة، ، وليس وجود وهذا خلل، فالواجب على المسلم هو اتباع كلام الله وكلام رسوله الخلاف بموجب للحيلولة دون تحقيق هذا الواجب، فضلاً عن التعلق بشاذ الأقوال وضعيفها. الغلط الثاني: الحكم على ما ليس فيه خلاف بأن فيه خلاف، بسبب عدم معرفة طبيعة الخلاف المذكور وما يحتف به من شروط أو موانع؛ فبعض الأقوال تكون متعلقة بشروط أو أحوال أو موانع لا يحسنها كل أحد، بل تتطلب عالماً بطبيعة المسألة، فمن يتمسك بأي خلاف قد يتهاون في توظيف أي قول في سياق مخالفٍ له. ) توهم أن الخلاف بحد ذاته حجة:3 يتوهم من يستدل بقاعدة (فيه خلاف) أن الخلاف حجة بذاته في ترك الدليل ، وكأن من شرط اتباع الدليل هو الاتفاق عليه، وهذا من كتاب الله وسنة رسوله باطل بالإجماع، فلا أحد من العلماء يشترط للعمل بالدليل وقوع الاتفاق عليه، بل كلهم متفقون على وجوب العمل بالدليل متى ما لاح للإنسان أنه هو المراد الشرعي، (.٠٦٥ الرسالة للشافعي ((1(

عدد الصفحات ٨٠

80 المسألة فيها خلاف وخلافهم في البحث عن هذا المراد، لا أن يتوقف العمل بأي دليل حتى يتفق عليه، فهذا قلبٌ للميزان، إذ الواجب هو اتباع الدليل ومحاكمة الأقوال إليه وليس العكس. يقول الإمام ابن حزم يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد أصبح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقداً له كافر بلا خلاف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في .(1(وجوب طاعتها ولهذا، اختلف العلماء في كيفية التعامل مع الخلاف المعتبر، سواء بالنسبة إلى المجتهد أو المقلد، وذلك أنهم متفقون على وجوب اتباع الدليل، فإذا وقع خلاف فماذا يفعل العامي والمجتهد؟ وهذا الخلاف ناشئ من اتفاقهم على وجوب اتباع الدليل ورفض جعل الخلاف بذاته حجة، وإنما البحث عن الطريقة الأقرب في كيفية التعامل مع الخلاف، وهو بالنسبة للعالم المجتهد يحصل باستفراغ وسعه وبذل الجهد الواجب في تطلب الحق من خلال نظره في الأدلة الشرعية، ويكون مأجوراً بكل حال إن فعل ذلك أصاب الحق أو أخطأه؛ فإن كانت الإصابة فقد أصاب أجرين « : وإلا كان له أجر واحد وخطؤه مغفور، يقول النبي .(2(أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر أما العامي فالواجب عليه استفراغ وسعه في تطلب العالم الصالح لأن يفتي، وأن يحسن السؤال، ويتجرد من دواعي الأهواء أن تحرفه عن تطلب الحق، ويسلك في ذلك طريقاً شرعياً يناسبه للتعرف إليه في حال وقوفه على الخلاف، وهو ما نبه إليه الإمام ابن القيم حيث يقول (.٧٦/3 الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم(1( متفق عليه(2(

عدد الصفحات ٨١

81 المسألة فيها خلاف الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع، فيعمل كما .(1(يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين ومن آثار الظن بأن الخلاف بحد ذاته حجة أن يعتقد بعض الناس أن وجود الخلاف ، فإذا سمع بوجود خلافٍ في أي مسألة ظنَّ أن هذا مساوٍ للإباحة، وهو يعني الإباحة أمر اشتكى منه الشاطبي قديماً فقال الخلاف في المسائل معدوداً من حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم بأن هذا .(2(حجة ويكشف ابن تيمية عن مصادمة هذه الطريقة للشرع والإجماع، فيقول التحريم إما أن يكون ثابتاً في محل خلاف، أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتاً في محل خلاف قط لزم أن لا يكون حراماً إلا ما أجمع على تحريمه، فكل ما اختلف في تحريمه يكون حلالاً، وهذا مخالف لإجماع الأمة، وهو معلوم البطلان بالاضطرار .(3(من دين الإسلام ) التهاون في أداء الاجتهاد الواجب عليه:4 إذا تعود المسلم على مواجهة أي حديث فقهي يسمعه بأن فيه خلافاً، سيؤول (.٥٠/٦ أعلام الموقعين لابن القيم ((1( .(3-2/٥ الموافقات للشاطبي ((2( .(3 رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية(3(

عدد الصفحات ٨٢

82 المسألة فيها خلاف به الحال إلى ضعف اتباعه للحكم، وغلبة التقصير عليه، بما يؤدي إلى الوقوع في المحرمات والتهاون فيها؛ لأنه عوَّد نفسه الاحتجاج بالخلاف وهو مقصر في معرفة طبيعة الخلاف، ومقصر في معرفة الدليل، فالاحتجاج بالخلاف مع التقصير في هذين الأمرين يؤول به في النهاية إلى تضييع الواجب الشرعي عليه، وهو يتعلق بـ: - بواعث تبني الرأي في هذا اللون من الخلاف، فالواجب تطلب الحق وإرادة تحقيق مراد الله لا تلمس هوى النفس وما يناسب الإنسان، وتغليف ذلك بادعاء وجود الخلاف. - سلوك الطريق الشرعي الصحيح للترجيح في هذا اللون من الخلاف بحسب طبيعة الناظر ومعرفته وعلمه على ما تقدم. يقال: لكن لا إنكار في مسائل الخلاف. وهذه في الحقيقة قاعدة شرعية معتبرة، لكن مجال تفعيلها في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، وأما ما فيه دليل صريح لا معارض له أو كان موضع إجماع فإنه يتعين الإنكار على صاحبه. وللإمام ابن تيمية تفصيل حسن جداً فيما يتعلق بهذه القاعدة يحسن إيراده هنا، إذ يشرح فيه طبيعة ما لا إنكار فيه، وطبيعة الإنكار المقصود، وهو تفصيل يغفل عنه كثير ممن يتناول هذه القاعدة، يقول عليه رحمة الله: « إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب

عدد الصفحات ٨٣

83 المسألة فيها خلاف النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، لم ينكر على من عمل بها مجتهداً، أو مقلداً، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس - والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه، فيسوغ له - إذا عدم ذلك فيها - الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية .(1(طعنٌ على من خالفها من المجتهدين، كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف فهذا منه - رحمه الله - تحقيق علمي عالٍ يحل إشكالاً يطرأ عند بعض الناس، بتوهم أن الإنكار معنى صلب جامد لا يقبل التفاوت، والحق أن الإنكار يتفاوت قوةً وضعفاً لاعتبارات متعددة: فالإنكار تبع للعلم، فكلما قوي جانب العلم بحقيقة المسألة والراجح فيها، - قوي فيها جانب الإنكار، وكلما ضعف ضعف الإنكار أيضاً، وإدراك هذا يفسر لك سبباً من أسباب تشدد بعض أئمة السلف في مسائل قد تبدو في عين المتأخر مسألة خلافية معتبرة، لكن لا يلزم أن تكون كذلك في حس ذلك الإمام، وقد سبق بيان أن مساحة من النسبية تدخل على توصيف المسائل وإعطائها درجة القطع أو الظن. ثم إن الإنكار نفسه يتفاوت قوةً وضعفاً بحسب العلم، فقد يكون بالإزالة والتعنيف والزجر، وذلك فيما كان قطعياً، وقد يضعف فيما دونه من المسائل حتى يكون مجرد تذكير ونصيحة ومناقشة في العلم وبيان للأصوب والأرجح ونحو ذلك. (.٦٩/٦ الفتاوى الكبرى لابن تيمية ((1(

عدد الصفحات ٨٤