52 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ عن كتابتها، بل: أن السنة ليست بحجة، إذ لو كانت كذلك لما نهى النبيالأول لأمر بذلك. وليس لنا غرض في رد هذه الشبهة فقد سبق بحث ما يتعلق بحجية السنة، لكن من الطريف أن يستدل المرء بدليل ليلغي حجيته، فهو يقول الدليل على أن السنة ليست بحجة هي السنة نفسها، فهل السنة المستدل بها أولاً حجة أم ليست بحجة؟! : أن السنة غير محفوظة، إذ إن كتابتها تأخرت كثيراً عن زمانه، بعد أن دخل الثاني في السنة ما دخل من الكذب. والذي يحل هذه الشبهة هو في تجنب القراءة الانتقائية للسنة، وجمع ما ورد عن أحاديث تفيد الترخيص بل الأمر بكتابة سنته، في شأنها، فقد ورد عن النبيالنبي ومن تلك الأحاديث مثلاً: أن رجلاً من أهل اليمن يقال له أبو شاه، قام في أثناء خطبةٍ .(1(« : فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول اللهللنبي قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أريد حفظه، فنهتني قريشٌ، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله رسول الله بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكتُ عن الكتاب. فذكرت ذلك لرسول الله .(2( فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال أمر بكتابة حديثه، فكيف فهذه أحاديث صحيحة صريحة تكشف أن النبي يجمع بينها وبين ما جاء من النهي عن الكتابة؟ اختلف أهل العلم في ذلك على اتجاهات، أهمها: حيث رجح طائفة من أهل العلم أحاديث الترخيص بالكتابة لكثرتها - الترجيح:1 وشهرتها وقوتها مقارنة بأحاديث النهي عن الكتابة متفق عليه.(1( أخرجه أبو داود، وأحمد. وصححه أحمد شاكر، والألباني(2(
عدد الصفحات ٥٣53 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ حيث حكم بعض أهل العلم على أحاديث النهي عن الكتابة- القول بالنسخ: 2 بأنها منسوخة بأحاديث الأمر بها، وإنما كان النهي في أول الأمر خشية من اختلاط السنة بالقرآن، فلما زال المحذور وانضبط نص القرآن رخص في كتابة السنة. كقول بعض أهل العلم: إن - أن النهي يتناول مواضع غير مواضع الرخصة، 3 النهي عن كتابة السنة والقرآن في صحيفة واحدة خشية من اختلاطهما، أو أن النهي عن كتابة السنة هو خاص في وقت نزول القرآن خشية من التباسه بالقرآن، أو أن النهي هو في حَقّ من يُوثق بحفظه، وَيُخَاف اتِّكَاله على الكتابة إذا كتب، وقيل غير ذلك. والذي يهمنا إدراك أنه قد استقر الإجماع على مشروعية كتابة السنة من غير خلاف بين أهل العلم، يقول الإمام المحدث الكبير أبو عمرو ابن الصلاح .(1(زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ومن الطريف جداً أن يستند من لا يؤمن بحفظ السنة إلى حديثٍ ليدلل من خلاله على عدم حفظها، فهل مثل هذا الحديث محفوظ أم لا؟! فإنه قد جاء من ذات الطرق التي يشك في قدرتها على حفظ الحديث، أم أنه قد تحصل عليها من طريق كشفٍ أو إلهام أو منام! نفضي الآن إلى معالجة شبهة تأخر تدوين السنة النبوية كذريعة للتشكيك في حفظها بما يؤثر سلباً بطبيعة الحال في مسألة الاحتجاج بها. وحقيقة هذه الشبهة مبنية على تصور ساذج متعجل لوجود انقطاع ممتد إلى قرنين حتى ظهور مدونات السنة الشهيرة كالبخاري ومسلم من الزمان، من زمن النبي والسنن وغيرها، وأنه في زمن هذا الانقطاع تراكمت المرويات الشفهية الباطلة التي وجدت طريقها إلى تلك المدونات الشهيرة. (.٨ علوم الحديث لابن الصلاح (ص (1(
عدد الصفحات ٥٤54 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ والذي ينقض هذه الدعوى هو حُسن التصور لأمرين مهمين من زمانه حتى ظهور كتب السنة المعتمدة عند طبيعة نقل سنتهالأمر الأول: الأمة، حيث توافر لسنته طريقان من الحفظ: حفظ الصدور، وحفظ السطور. ، ومعرفة قواعد التحمل طرائق أهل العلم في التوثق من سنته الأمر الثاني: والأداء، وما عاناه أهل العلم من ضبط قواعد علوم الحديث والرجال. في حياة وتحقيق هذين الأمرين يكمن في استعراض تاريخي لواقع نقل سنته الأمة، وهو أمر يصعب استعراضه مفصلاً هنا، لكن سنقوم بتقسيم ذلك إلى حقب :(1(متوالية، ونضمّن كل حقبة إشارات مختصرة جداً تكشف عن المطلوب :واقع حفظ السنة في زمنه في أمور متعددة، من ذلك:تتجلى مظاهر العناية بالسنة النبوية في زمانه من جهة انتقاء ألفاظه، وطريقة أدائه، فقد صح عن عائشة أن - طبيعة كلامه . وقالت( 2( كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه النبي . (3(يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام يبيّنه، فصل، يحفظه من جلس إليه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم أنه قالوجاء عن أنس .(4(عنه ويمكن الاستفادة بشكل أوسع مما كتبه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات (1( في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، والدكتور محمد عجاج الخطيب في (السنة قبل التدوين)، والشيخ أحمد السيد في (تثبيت حجية السنة النبوية). متفق عليه.(2( أخرجه الترمذي، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث الزهري(3( وحسن الألباني وشعيب الأرناؤوط إسناده أخرجه البخاري.(4(
عدد الصفحات ٥٥55 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ وبلاغته، كان في ذلك سبباً مضاعفاًفإذا انضاف إلى ذلك ما علم من فصاحته لحفظ كلامه، كيف وهو مع بلاغته يتجنّب في كلامه وحشي كلام العرب وبعيده، « : بل يذم من يستعمله، قال .(1(بلسانه تخلل البقرة بلسانها . (2( ودعوته لنقل أحاديثه، والدعاء لمن فعل ذلك بنضرة الوجه - تشجيعه وحين وفد عليه بنو عبد القيس حدثهم بكلام ثم أمرهم بحفظه وإخبار من وراءهم .(3(به - إظهاره الحفاوة بمن كان معتنياً بحديثه من صحابته، كما جرى لأبي هريرة « :حين سأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة؟ فقال له النبي يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك، لما رأيت من حرصك . فقد كان يلاحظ أحوال صحابته، ومن كان حريصاً منهم على (4(على الحديث ضبط حديثه، وحفظه. لبعض صحابته بالحفظ المتقن، ومما اشتهر في هذا دعاء النبي - دعاء النبي أن رُزق حافظة عجيبة، فلم يستودعها شيئاً من لأبي هريرة، فكان من بركة دعائه ونسيهحديث رسول الله أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد. قال البخاري: أرجو أن يكون محفوظاً. وقال الترمذي: (1( حسن غريب من هذا الوجه. وجوّد إسناده ابن مفلح في الآداب الشرعية. وصححه أحمد شاكر، والألباني. أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه (2( الألباني متفق عليه.(3( أخرجه البخاري(4(
عدد الصفحات ٥٦56 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ بكتابة سنته، ومما يشهد له ما جاء في شأن أبي شاه، وأمره لعبد الله- عنايته بن عمرو بالكتابة بعدما امتنع عن ذلك، وغير ذلك. لسنته وصيانتها من الدخيل، وتحذيره من الكذب عليه كما جاء - تحوط النبي « : في أشهر خبر متواتر عنه .(1(متعمداً فليتبوأ مقعده من النار وبعد زمانه، وهو وتواتُر هذا الخبر يكشف عن شدة انتشار هذا الخبر في زمنه خشيةً من الوقوع في ما حمل كثيراً من الصحابة على عظيم التحوط في الرواية عنه الخطأ في الرواية فينالهم شيء من هذا الوعيد. بشأن التشريع، فهي مستودع للأحكام الشرعية، وأمر التدين - ارتباط سنته مرتبط ارتباطاً عضوياً بها، وهو ما يعد من أكبر المحفزات لحفظها وضبطها وفرز ما يصح منها وما لا يصح، إذ في حفظها حفظ الدين. الخاصة في بيته مكشوفةً لعدد ، وهو ما يجعل حياة النبي- تعدد زواجاته { كبير من النساء، وهو معنى يتضمنه قوله تعالى [وَالْـحِكْمَةِ إنَّ اللََّ كَنَ لَطِيفًا خَبِيًا يؤكد هذا.لشأن النبي في مدة لا بأس بها من دعوته، وتكاثر الأصحاب حوله، - استقرار أمر النبي وظهور أمره في آخر حياته على جزيرة العرب؛ كله سيسهم إيجاباً في معرفة كثير من أحواله وأقواله وأفعاله، فشتان بين نقل أحوال رجل مطارد، يتنقل سرّاً هنا وهناك، .وبين رجل أمره ظاهر، ودعوته مستقرة، وحوله آلافٌ من الرجال، وهو ما تحقق له متفق عليه.(1(
عدد الصفحات ٥٧57 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ واقع حفظ السنة في زمن الصحابة زمن الصحابة في جملة من الأمور، من ذلك:تتجلى مظاهر العناية بسنة النبي ، وشأن المحب أن - معرفة ما كان عليه الصحابة من شديد المحبة للنبي ، حتى يعتني بأحوال محبوبه، وهو ما تجلى في كمّ المروي من دقائق أحوال النبي ، بجميع تفاصيلها موضعاً للرواية والنقل، فنقلوا حتى سكتاتهصارت شخصيته . وكانوا يلحظون اضطراب لحيته (1(بل فصّلوا في وصفها فقالوا: فسكت هنية . بل تأمل رصدهم لدقيق شأنه( 3( من الشيب. وأحصوا ما في لحيته( 2(بالقراءة .. فتأمل كيف (4(في حجه مثلاً حتى نقل أحد الرواة عنه أنه بال ثم توضأ وضوءاً خفيفاً حينئذ. مع عدم اتصال حكم ظاهر به، ثم وصفه لطبيعة وضوئهنقل شأن بوله حتى صارت سنته وسيرته وهكذا نقلت لنا صورة شديدة التفصيل عن النبي محطّة مطولةً من محطات التاريخ على نحو لم يقربه فيها رجل آخر. ، وشدة حرصهم على الخير، سيشكّل باعثاً من أعظم - عظم ديانة الصحابة وحفظها؛ لارتباط مصالحهم الدنيوية البواعث على الحرص لتتبع سنة النبي ونجاتهم الأخروية بها. في دعوتهم واحتسابهم، وحرصهم على - استعمال الصحابة حديث النبي صيانةً لها، وإنكاراً إشاعته بين الناس، وتشددهم مع من يبدي أدنى معارضة لحديثه للمنكر، فمن ذلك ما جاء عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت يقولرسول الله أخرجه البخاري.(1( أخرجه البخاري(2( أخرجه مسلم(3( متفق عليه(4(
عدد الصفحات ٥٨58 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً، ما سمعته سبه .(1( وتقول والله لنمنعهنمثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله وعن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهطٍ منا وفينا بشير بن كعب، « :فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله خيرٌ لله، ومنه ضعفٌ. قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن وتعارض فيه! قال: فأعاد عمران الحديث. قال: فأعاد بشيرٌ. فغضب رسول الله .(2(عمران. قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيدٍ إنه لا بأس به وعن سعيد بن جبير أن قريباً لعبد الله بن مغفلٍ خذف، فنهاه وقال: إن رسول نهى عن الخذف وقال الله نهى عنه ثم تخذف، لا السن وتفقأ العين .(3(أكلمك أبداً ، خصوصاً ما جرى من صغار - سعي الصحابة لتحصيل ما فاتهم من حديثه ، مع أن ما مثلاً، فإنه كان من المكثرين من الرواية عن النبيالصحابة كابن عباس وهو صغير، ومع ذلك فقد مباشرة كان شيئاً قليلاً، إذ توفي النبيسمعه من النبي حرص على تتبّع الروايات عن الصحابة حتى صار من أكثر الصحابة رواية للحديث. طلباً لحديثه، كما قال - تناوبهم في الجلوس عند رسولِ الله « : عمر بن الخطاب أخرجه مسلم.(1( أخرجه مسلم(2( أخرجه مسلم(3(
عدد الصفحات ٥٩59 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ ، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي .(1(جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ، فعن محمد بن علي بن الحسين - ضبط الصحابة الدقيق لما أخذوه عن النبي « : قال: قال رسول اللهقال: حدث عبيدُ بن عمير عبدَ الله بن عمر الشاة بين الربضين أو بين الغنمين .(2( لم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنهابن عمر إذا سمع النبي أحياناً ليطمئنوا السامع إلى ضبطهم لما وكانوا يؤكدون ما سمعوه من النبي . وهذا أبو (3(سمعوه، فيقول جابر بن عبد الله: بَصَرُ عينيَّ، وسمع أذنيَّ رسول الله .(4( يقول: أحَدِّثك بما سَمِعَت أذناي، ورأت عيناي برزة : فأشهد بصر عيني هاتين - ووضع إصبعيه على عينيه - وسمع وقال أبو اليسر ، وهو يقول: أذني هاتين، ووعاه قلبي هذا - وأشار إلى مناط قلبه - رسول الله .(5(وساق حديثاً ؟ قال: إيْ ورب : أنت سمعتَه من محمد وحين سُئِلَ علي بن أبي طالب . وقيل له: يا أمير المؤمنين، آللهِ الذي لا إله إلا هو، (6(الكعبة، إيْ ورب الكعبة ؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو، حتى لَسَمِعتَ هذا الحديثَ من رسول الله .(7(استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف له أخرجه البخاري.(1( أخرجه الدارمي(2( أخرجه أحمد(3( أخرجه أحمد(4( أخرجه مسلم(٥( أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة.(٦( أخرجه مسلم.(٧(
عدد الصفحات ٦٠60 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ وكذا قيل لأبي أمامة: أبرأيك قلتَ: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعتَه من رسول غيرَ مرة ولا اثنتين ولا ثلاثاً. ؟ قال: إني لجريءٌ! بل سمعتُه من رسول الله الله .(1(قال: فعَدَّ مراراً وقال عمرو بن ميمون، قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، ، فلما كان ذات عشية قال: قال قال: فما سمعته يقول لشيءٍ قط قال رسول الله . قال: فنكس. قال: فنظرت إليه، فهو قائم، محللة أزرار قميصه، قد رسول الله اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه. قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من .(2(ذلك، أو شبيهاً بذلك .(3( حديثاً، قال: أو كما قال رسول الله إذا حدث عن رسول اللهوكان أنس كتابة، ولذا فإن مشروع كتابة السنة ابتدأ في - الحرص على ضبط حديثه حتى توهم الحقيقة على أيديهم، وممن اشتهر بالعناية بذلك عبد الله بن عمرو . وهو خبر يكشف عن روح المنافسة بين الصحابة في (4(أبو هريرة أنه أكثر حديثاً منه .حفظ سنته وقد كان لعبد الله بن عمرو صندوق ذو حلق يجمع فيها ما كتبه من حديث .(6(. كما كان له صحيفة يعتز بها يلقبها بالصادقة(5(النبي أخرجه أحمد. وصححه شعيب الأرناؤوط.(1( أخرجه ابن ماجه. وصححه البوصيري، والألباني(2( أخرجه الدارمي في سننه(3( أخرجه البخاري(4( أخرجه أحمد(٥( (.3/2 أخرجه ابن سعد في الطبقات(٦(
عدد الصفحات ٦١61 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ ما كان يجري بينهم من كُتب ومراسلات - يؤكد شأن كتابة الصحابة لحديثه يكتب كتاباً فيه مقادير الزكاة، ، فهذا أبو بكر الصديقتتضمن ذكر بعض حديثه .(1(وتفاصيل أحكامها عن رسول الله إلى . وكتب جابر بن سمرة(2(وكتب عمر إلى أميره بأذربيجان وذكر له حديثاً لعمر بن عبيد . وكتب عبد الله بن أبي أوفى(3(عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً .(4( الله بل كان بعضهم يرسل إلى بعض في طلب الحديث، فهذا معاوية يرسل لعائشة ، فترسل له بحديثيطلبها شيئاً سمعته من النبي .(5(حامده من الناس ذاماً ، حتى إن بعضهم قد يُحدث ينشئون الأسفار في تتبع حديث النبي- بل كانوا وسفره لعبد الله سفرة في طلب حديثٍ واحد، كما جرى من جابر بن عبد الله . وسفره أيضاً لمسلمة بن مخلد بمصر (6( بن أنيس إلى الشام في طلب حديث واحد . وقد وقع ذات الأمر من أبي أيوب الأنصاري( 7(ليسأله عن حديث واحد ويرجع حيث سافر لعقبة بن عامر بمصر فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله أخرجه البخاري.(1( أخرجه مسلم(2( أخرجه مسلم(3( أخرجه البخاري(4( أخرجه الحميدي في مسنده. وقال البوصيري: رجاله ثقات. وقال شعيب الأرناؤوط: سنده رجاله(٥( ثقات. أخرجه الطبراني في معجمه الكبير.(٦( (.223 أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل(٧(
عدد الصفحات ٦٢62 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ في ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته . فمبادئ الرحلة في طلب الحديث ابتدأ (1(وانصرف عائداً إلى المدينة وما حل رحله .من جيل صحابة النبي - تحوط الصحابة في شأن الرواية وتثبّتهم من صحة الروايات، وهو ما يكشف ، وانتقلت لمن أن أصول التثبت من صحة الرواية وجدت في زمن صحابة النبي ، في حديث الاستئذان. وكقول عليبعدهم، كما جرى من عمر بن الخطاب حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حدثني، وصدق أبو بكر، ثم غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر .(2(ذكر حديثاً عن النبي - حرص الصحابة على أداء أمانة الرواية لمن بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بماءٍ . والآخر يصلي أمامهم مريداً تعليمَهم صلاة (3(في إناء ليعلّم التابعين وضوء النبي .(4(رسول الله ، كما في مقام عام على منبر رسول اللهوكان بعضهم يبلِّغ أحاديث النبي .(5( حين روى حديثفعل عمر واقع حفظ السنة في زمن التابعين: حرص التابعون على ملازمة الصحابة وجمع أحاديثهم وكتابتها، ومن ذلك أن (.2/1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(1( أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. قال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحاً. وحسن إسناده ابن (2( كثير، وابن حجر أخرجه البخاري.(3( أخرجه البخاري(4( أخرجه البخاري(٥(
عدد الصفحات ٦٣63 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب كان يقول: كنت أنطلق أنا، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية، إلى جابر بن عبد الله الأنصاري فنسأله عن سنن رسول .(1( وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منهالله وهذا أحد سادة التابعين علماً وفقهاً وعبادة عروة بن الزبير يقول قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها .(2(إلا وقد وعيته فهذا يكشف عن شدة عناية هذه الطبقة بالاستفادة من الطبقة السابقة، وهي استفادة تكشف عن حيوية الإسناد في هذه الأمة، وعدم وقوع انقطاع فيه. - وقد حرص التابعون على توثيق السنة كتابة، وهو أمر يمكن استكشافه بنماذجه وصوره تفصيلاً في رسالة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الشهيرة: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، والتي نال بها درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بامتياز؛ فقد تتبّع فيها أسماء الذين كتبوا الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل إلى نتائج مذهلة: ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثةً وخمسين ممن كتبوا الحديث، أو كتب عنهم، وفي طبقة تابعي القرن الثاني تتبع تسعةً وتسعين تابعياً ممن كتبوا، أو كتب عنهم، وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، على خلاف ما يدعيه المنكرون. وقد تولى الخليفة الاهتمام بقضية تدوين السنة وشجع أهل العلم على التابعي عمر بن عبد العزيز .(3(القيام بأدوارهم في هذا (.٦٠/٥ الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ((1( .(424/4 سير أعلام النبلاء للذهبي(2( أخرجه البخاري(3(
عدد الصفحات ٦٤64 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ ، ظهور العناية- ومن أهم ما يكشف عن عناية التابعين على ضبط سنة النبي الكبيرة بشأن الإسناد ومعرفة أحوال الرواة، وفي ذلك قال محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة . وكان يقول: إن هذا العلم (1(فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم .(2(دين فانظروا عمن تأخذون دينكم وقد كان محمد بن سيرين نفسه شديد الحرص والعناية بشأن الإسناد والتفتيش في أحوال الرواة، قال علي ابن المديني: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحداً أولَ منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان .(3( شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن حفظ السنة في زمن أتباع التابعين: قائماً، واستمر احتفاء الأئمة بالإسناد لم استمرت العناية برواية حديث النبي ينقطع، ورحم الله ابن المبارك الذي قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وتميزت هذه الحقبة بكتابة المصنفات في جمع السنة، فمع وجود الكتابة في زمن ، إلا أنها لم تكن على نحو مصنف مرتب، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة النبي فقط، أما في هذه الطبقة فصار الاهتمام بالتصنيف المرتب والمبوب، وهو مظهر يؤكد ، وأنه أمر مبكر، ويدفع توهمات من يظن أن الأمر ابتدأ شدة العناية بسنة النبي بالبخاري أو مسلم، فممن صنف من أئمة الحديث: ابن جريج، والأوزاعي، ومحمد أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح.(1( أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح(2( .(٥٥/1 شرح علل الترمذي لابن رجب(3(
عدد الصفحات ٦٥65 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ بن إسحاق، ومَعْمر بن راشد الأزدي، وسعيد بن أبي عَرَوبة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، والربيع بن صبيح، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، .(1(ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهم رحمهم الله جميعاً زمن اتساع دائرة التأليف والتصنيف: تعدُّ هذه المرحلة والممتدة من القرن الثاني حتى القرن الثالث الهجري مرحلةً ذهبيةً في جمع السنة النبوية، حيث ظهر علماء أفذاذ عندهم من التمكن والدراية بالحديث والأسانيد والعلل والرجال ما تفاخر به هذه المرحلة. فقد اجتمع في هذه المرحلة أئمة كبار: كيحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة جداً من المحدثين. وتطورت عملية التصنيف لتظهر أنواع جديدة من التأليف، فالبخاري مثلاً سعى إلى جمع الأحاديث التي هي في الذروة العليا من الصحة، ليتبعه غيره كالإمام مسلم عليه رحمة الله، ثم ظهرت كتب السنن وغيرها، والتي قصد أصحابها جمع الأحاديث وفق تبويبات لها منهجيتها الخاصة. والحقيقة التي ينبغي إدراكها هنا أن الأحاديث المضمنة في هذه الكتب لم تظهر في هذه الحقبة فجأة كما قد يتوهمه بعض الناس، بل وقعت لأصحابها متصلة الإسناد بمن فوقهم حتى تصل إلى الجناب النبوي، في جهد علمي تراكمي، يعتمد فيه المتأخر جهد المتقدم ويبني عليه، في سلسلة علمية لم تنقطع، بل إن كثيراً من الأحاديث الموجودة في هذه الكتب هي في الحقيقة انتخابٌ من كتب من فوقهم، حيث وقعت هذه الكتب لهم متصلة الإسناد مشافهةً، فسمعوا أحاديثها حديثاً حديثاً ممن حدثهم (.343-341 /1 انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب(1(
عدد الصفحات ٦٦66 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ بهذا الكتاب، والذي بدوره سمعها ممن فوقه، فوقعت لهم هذه الكتب سماعاً وكتابةً، وهو ما يزيدنا اطمئناناً ووثوقاً بصحة ما نقلوا ودقته، فإذا عقدنا المقارنة بين الفرع (الكتاب الناقل) والأصل (الكتاب المنقول) ونظرنا في تلك الأحاديث، تضاعف اطمئناننا إلى عظيم الدقة العلمية التي أحكمها أئمة الإسلام في الرواية، وتبدد كل مظهر لذاك الوهم السخيف الكاذب: وهو أن عمل أئمة الحديث مستأنف في هذه الحقبة، وأنه منقطع الصلة عمن فوقه. فهذا الإمام البخاري مثلاً يروي بإسناده حديثاً فيقول: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر « بيت لنا، فرأيت رسول الله لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله. قال مالك: يعني الذي .(1(يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض فهذا حديث كما تراه يرويه البخاري من أحاديث الموطأ متصل الإسناد إلى ، بل ينقل البخاري كلام مالك، وهو متصل من طريق مالك في الموطأ إلى النبي مالك من الموطأ لنطمئن تماماً على أن الحديث المنقول هو من الموطأ حقاً، وهو الواقع بمراجعة الموطأ، فيظهر لنا الحديث بالتعليق حرفاً بحرف. والمقصود أننا أمام ظاهرة علمية تراكمية اندمج فيها الجهد العلمي السابق في اللاحق عبر أداة الإسناد، وحدثت فيه عملية ابتلاع علمي ممنهج لصُحُفِ الصحابة، ونُسُخِ التابعين، ومُصَنّفَات تابعي التابعين، لتأخذ أحاديثهم مواضعها من مصنفات أخرجه البخاري.(1(
عدد الصفحات ٦٧67 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ الأئمة المتأخرين عنهم، فما تضمنته هذه المصنفات من الحديث ليست أحاديث جديدة اكتشفت في لحظة علمية متأخرة، وإنما هي انتخاب دقيق من مدونات حديثية سابقة، ساعد على تشكّلها وتضمينها تقاليد رواية الكتب بالأسانيد. ثم إنه تشكلت أيضاً على ضفاف الإسناد والمتن علوم مساندة، تسعى إلى ضبط كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهما، فانتشر التأليف في تواريخ الرجال، ورواة الحديث، والجرح والتعديل، وعلوم المصطلح، والعلل والسؤالات، إضافة إلى غريب الحديث، وشروح كتب السنة، والتخريج، والمستخرجات، والمستدركات، وغير ذلك. فقد جمع البخاري كتاباً كبيراً في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح. ودوّن أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب متعددة سميت بالمسائل. وصنف ابن أبي حاتم كتابَ الجرح والتعديل، ومسلمٌ كتابَ التمييز ومقدمة الصحيح، والترمذيُّ العللَ، وأبو داود رسالةً إلى أهل مكة، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه. وهذه حقيقة يصعب على من لم يقرأ في علوم الحديث المتنوعة أن يتصورها، فمن أعظم جوانب العبقرية في تاريخ هذه الأمة العلمي تلك العلوم الكثيرة التي أسست لضبط شأن الرواية والتحقق منها والتمكن من فرز صحيح السنة من ضعيفها. ويكفي لتذوق طرفٍ من هذا الشأن أن تطالع بعض مختصرات كتب المصطلح ، لتطلع بنفسك على حجم التقسيمات الفنية الدقيقة لفرز مراتب الرواية عن النبي ولتتأكد بنفسك على عبقرية هذا المنهج واتكائه على معطيات عقلانية تحقق أكبر قدر ، وتدرك كمية الجهل والعبثية في دعاوى من الضمانة الممكنة لحفظ سنة النبي الطاعنين في هذه المنهجية، وأن جمهور ما قالوه إنما نشأ من جهل حقيقي بتفاصيل هذه العلوم، لا عن شبهات تشكيكية حقيقية ناشئة من بحث وتدقيق وتحرٍّ.
عدد الصفحات ٦٨