36 تقديم القرآن على السنة فإن لزم الترجيح فالأمر عائد إلى خلل في أحد الدليلين ولا بد فإن قيل: إن هذه الممارسة في ردّ الأحاديث لمخالفتها ظواهر القرآن قد وقعت من الصحابة، فمن ذلك: - ما اشتهرت به أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الاستدراك على أحاديثِ غيرها من الصحابة، كما ردَّت حديث ابن عمر رضي الله عنه أهله عليه . وفي (1( جنازةُ يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنه ليعذبرسول الله قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه رواية قالت .(2([{وقالت في رد حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن رسول - وكما جاء عن عمر لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمرالله لقول امرأةٍ لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: .(3([{ فالجواب يتجلى ببيان أمور عدة الأمر الأول: أن هذه الشواهد لا تناقض ما تقدم تقريره من لزوم جمع الأدلة والموازنة بها، وإعمالها جميعاً في حال الإمكان، أو الترجيح بينها في حال العجز وفق قواعده المعتبرة، فهذه الشواهد تدل على هذا الأصل، وأن للمجتهد مجالاً في النظر في أخرجه مسلم.(1( متفق عليه(2( أخرجه مسلم(3(
عدد الصفحات ٣٧37 تقديم القرآن على السنة الأدلة والموازنة بها وتقديم ما يراه أقوى، ولا يجوز أن تحمل مثل هذه النماذج الناظر فيها إلى استسهال رد الأحاديث، بل ينبغي أن يراعي أن ثم مآخذ علمية دقيقة أوجبت مثل هذا الاجتهاد ممن كان مؤهلاً له، وهو اجتهاد قد يكون صحيحاً وقد لا يكون صحيحاً، والحَكَمُ فيه الأدلة والحجج والبراهين. الأمر الثاني: أن الذي أوجب حالة الاستدراك هنا هو ترجيح روايةٍ في مقابل روايةٍ أخرى، ، أو وقف من حاله على أمر يخالف ما نقل فيرى المستدرك أنه ضبط لفظ النبي إليه، فيستمسك بما يعرفه هو، ويتطرق إليه الشك في خطأ الناقل، وهذا ظاهر من استدراكَي عائشة وعمر السابقين، فليست هذه الشواهد متمحضة في مجرد توهم المعارضة بين الحديث والقرآن، وإنما ذُكر القرآن معضداً لظن الصحابي خطأ غيره في ضبط الرواية مع ظنه أنه قد ضبطها، كاستدلال عائشة مع روايتها بقوله تعالى: {[{ [ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَْرُجْنَ إلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ومع ذلك، فلو كان الأمر مجرد توهم لخطأ الرواية في مقابل الآية لما أشكل في ضوء ما تقدم من أصول تضبط مسالك النظر في الأدلة ممن كان مؤهلاً للنظر، ولا شك في أن عمر وعائشة رضي الله عنهما من سادات أهل العلم ممن يعتبر اجتهاده في هذا الباب، ودخوله فيه دخول العالم المؤهل، فلا يصح أن يقاس عليهما من لم يكن له من التأهيل العلمي ما كان لهما رضي الله عنهما. الأمر الثالث: التوقف أن هذه شواهد استثنائية تؤكد الأصل، فلم يكن من منهج الصحابة حتى يتأكدوا من عدم مخالفته، بل كان المنهج في قبول حديثٍ يصلهم عن النبي
عدد الصفحات ٣٨38 تقديم القرآن على السنة ، ومبادرتهم بالطاعة مباشرة، ووجود المطرد المتواتر عنهم عملهم بسنة النبي مثل هذه الآثار اليسيرة في التوقف في قبول بعض الأحاديث لتوهم مخالفتها لبعض الآيات يؤكد أن هذا استثناء لعارض. وثَمّ فرق ظاهر بين التوقف في بعض الأحاديث لعارض راجح في حالات معينة، وبين القول بوجوب عرض السنة على القرآن مطلقاً، ومن ثم التوقف في قبول السنة ، حتى يتوثق من عدم مخالفتها القرآن؛ لأن حقيقة هذا الأمر إضعاف لسنة النبي وحطٌّ لها عن رتبتها اللائقة بها، وسيؤول إلى التهاون في رد الأحاديث بأدنى معارضة متوهمة، ولن يسلم من تبني أصول فكرية يبحث لها عن أي دلالة قرآنية حتى يرد بها أحاديث صحيحة. فجماع الأمر أن المسألة من قبيل (نقد المتون) ومسالك (الجمع والترجيح) بين الأدلة، وله منهجيته العلمية المنضبطة، والتي كانت محل عناية من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمة، فلم يكونوا يردون الأحاديث والآثار بالتشهي أو لمحض الاشتباه، وإنما لاعتبارات علميةٍ دقيقةٍ قد يكونون مصيبين فيها وقد يكونون مخطئين. وهو ما حمل عدداً من أهل العلم على تخطئة هذه الاستدراكات، وعدم إقرارها مع جلالة قدر من قالها، وانضباطها منهجياً، قال ابن تيمية: « الصحيح، وأن الذي غلَّط راويه برأيه كان هو الغالط، وإن كان عظيم القدر الخبر مغفوراً غلطه مثاباً على اجتهاده، فإذا كان هذا حال أكابر الصحابة والتابعين فكيف بمن يردُّ الأخبار بالتكذيب والتحريف من المتأخرين، أحسن أحوال المؤمن العالم منهم أن يكون هو الغالط في تغليطه لما رواه الثقات الأثبات عن رب السماوات،
عدد الصفحات ٣٩39 تقديم القرآن على السنة ويكون هذا الغلط مغفوراً له لاجتهاده، ويكون مثاباً على ما فعله من حسن نيته وقصده وعلمه وسعيه، أما أن يُرجَّح رأيه وتأويله على مقتضى النصوص فهذا ظلمٌ محرمٌ، .(1(وفيه رد ما جاء به الرسول لأجل رأي غيره وتأويله وقال في موضع آخر: « حديثاً صحيحاً وتأولوه على خلاف مقتضاه، لمخالفة ظاهر القرآن في فهمهم أو لمخالفة المعقول أو القياس، إلا كان الصواب مع الحديث ومن اتبعه، فكيف بمن .(2(بعدهم؟! وهذا من معجزات الرسول وآيات حفظ دينه وشرعه وسننه أن ما وقع من اجتهاداتٍ من بعض الصحابة والتابعين ومجتهدي وخلاصة الأمر: ، بحدودٍ معينة الأمة في رد بعض الأحاديث لمخالفتها ظواهر القرآن، هي متعلقة يتجلى فيها محل الإشكال الذي وقع فيه تقديم دلالة القرآن على بعض الأحاديث: أنها كانت منطلقة من منهج شرعي في البحث عن دفع التعارض، الأول: والترجيح بين الأدلة. تأهّل أصحابها وامتلاكهم أدوات الاجتهاد والنظر الشرعي. الثاني: أنها متعلقة بمواضع معينة محدودة، يمكن أن يقع فيها إشكال في ذهن الثالث: ، أو يُهدر كثيرٌ منها، أو يضيق المجتهد، وليست متعلقة بأصل كلي تُرد به سنة النبي الاستدلال بها في أبواب أو مجالات معينة. فليس هذا الباب إذاً كلأ مباحاً يستطيع كل أحد تخوّضه بلا قيود ولا ضوابط، (.٧٥ جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ((1( .(٦٧ جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ((2(
عدد الصفحات ٤٠40 تقديم القرآن على السنة بدعوى وجود مثل هذا عند الصحابة أو أهل العلم، فيردُّ ما شاء من سنة النبي بل المتهاون في هذا الباب متخوض في أمر عظيم ومتقحم لباب خطير، فقد يقع له بلا عذر، والنجاة من إثمه لا يحصل اعتراض على حديث ثابت صحيح على النبي إلا باجتهاد شرعي مقبول، يكون فيه المرء صادقاً في تطلّب الحق وبريئاً من الهوى، وهو ممتلك لآلة الاجتهاد التي تؤهله لهذا المقام، فمثل هذا إن أخطأ رُجي أن يُغفر له، أما غيره فيلحقه الوعيد والحوب الكبير.
عدد الصفحات ٤١41 ) ليست السنة كلها تشريعاً3( إلىيتكرّر على ألسنة بعض المعاصرين الحديث عن تقسيم ما يصدر عن النبي سنة تشريعية وسنة غير تشريعية، فالسنة التشريعية هي التي يجب الأخذ بها، أما السنة غير التشريعية فلا يجب الأخذ بها إذ لم يُقصد بها التشريع أصلاً. :وقبل معالجة إشكالات هذه المقولة يجب استحضار أمرين مهمين وأفعاله يجب أن يكون واضحاً ابتداءً أن الأصل في أقوال النبي الأمر الأول: وتقريراته أنها حجة، وأنها تشكّل بمجموعها مفهوم السنة النبوية، وأنها منبع يُصدر عنه في تقرير الأحكام وبيان التشريعات، حيث أمر الله تعالى بطاعة نبيه أمراً مطلقاً غير مقيَّد، فهذا أصلٌ يجب استحضاره عند مناقشة هذه المسألة. من تصرفات، فقد فَصّل ضرورة إدراك طبيعة ما يصدر عن النبيالأمر الثاني: أهل العلم أنواع التصرفات النبوية، وذكروا أنها على أنواع: كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، وكل ما النوع الأول: التصرفات الجبلية، { مع نبوته بشر باعتبارات جبلية محضة، فإن الرسولصدر عن النبي أَنَا بَشٌَ مِّثْلُكُمْ يُوحَ إلََّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلٌَ وَاحِدٌ فَمَن كَنَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحًا وَلا [يُشِْكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا بمقتضيات البشرية المحضة فليس مقصوداً به تجري على غيره، فما كان واقعاً منه تأكيد الإباحة.التشريع ابتداءً وليس محلاً للتعبد، وإن كان يُستفاد من تصرف النبي
عدد الصفحات ٤٢42 ليست السنة كلها تشريعا بمقتضى العادة، مماوهي ما جرى من النبيالنوع الثاني: التصرفات العادية، كان معروفاً مألوفاً في قومه، ولا تدل على قربة أو عبادة، كأحواله في مأكله ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته؛ وذلك مثل أكله للدباء، أو ربطه الحجر على بطنه من الجوع، أو لبسه للقطن، أو نومه على الحصير، أو إطالة شعره، ونحو ذلك؛ فهذه الأفعال ونحوها تدل على إباحة فعل الشيء لا استحبابه؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع، ولم يتعبد به. وأما إذا ورد الأمر بشيء من الأمور العادية أو جاء الترغيب فيه أو وجدت القرينة التي تدل على قصد التشريع، فتكون مشروعة حينئذٍ؛ لأن الشارع قصد إخراج هذه العادات من حد العادة إلى حد التعبد، كلبس البياض من الثياب، وإعفاء اللحية، وتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، وما يتعلق بأبواب الآداب كآداب النوم، وآداب الأكل والشرب، وآداب السلام والعطاس، وآداب التخلي، ونحو ذلك. وهي التي يقصد بها البيان والتشريع وإيضاح النوع الثالث: التصرفات التشريعية، كيفية امتثال الأحكام الشرعية، كأفعال الصلاة والحج، فهذا القسم هو الذي يطلب اتباعه فيه، وقد يكون واجباً أو مستحباً. وسيأتي الكلام حول هذا اللون من النوع الرابع: التصرفات الاجتهادية، التصرفات بشيء من التفصيل بعد قليل، إذ هو المجال الذي يتعلق به بعض الناس في تمرير الشبهة. وهي التي ثبت بالدليل اختصاصه بها، ، النوع الخامس: التصرفات الخاصة به في هذا القسم ليس كحكم كالجمع بين تسع نسوة، والتبرك بآثاره، فحكم الرسول غيره.
عدد الصفحات ٤٣43 ليست السنة كلها تشريعا كخوارق العادات التي أجراها الله تبارك النوع السادس: التصرفات المعجزة، وتعالى على يد نبيه، سواء قصد بها التحدي أو لم يقصد، فوقوع مثل هذه الخوارق منه فيها؛ لأن الخارق نفسه ليس محلاً للتكليف، حاصل يقيناً، وليس ثم مدخل للاقتداء به وهو لم يكن إلا بإذن من الله تبارك وتعالى، وهو سبحانه من خرق العادة حقيقة. ، وهي كما ترى تعبر عن رؤية علمية دقيقة فهذه أنواع الأمور الصادرة عن النبي تضبط هذا الباب ضبطاً دقيقاً على خلاف كثير ممن يوظف تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية توظيفاً سلبياً يؤول إلى رد بعض السنة التشريعية. والحقيقة أن الخلل في توسيع مفهوم السنة غير التشريعية يستند إلى ركنين :أساسين، بينهما قدرٌ من التداخل من تصرفات : مفهوم الاجتهاد النبوي، وأن ما يصدر عن النبيالركن الأول ، وإذا كانت ليس صادراً بالضرورة عن وحي مباشر، بل قد يكون باجتهاد منه صادرة عن الاجتهاد لا الوحي فهي عرضةٌ للخطأ، وهو ما ثبت صريحاً في جملة من فيأتي الوحي ببيان خطئه، فرتبوا على ذلك أن من النصوص التي اجتهد فيها النبي ، فيسوغ فيها أن التصرفات النبوية ما ليس موضعاً للتشريع، لأنها اجتهادية من النبي ، ولو أدى هذا الاجتهاد إلى خلاف ثمرة الاجتهاد النبوي.يجتهد غيره كما اجتهد كان يمارس في حياته أدواراً : حقيقة التصرفات النبوية، وأن النبيالركن الثاني متعددة، فلم تكن كل تصرفاته تنطلق باعتبار كونه نبياً، بل قد يتصرف بمقتضى بشريته، أو بمقتضى أدوار حياتية معينة ككونه قائداً سياسياً أو قاضياً أو أباً أو زوجاً، وهكذا، فما كان صادراً منه بمقتضى النبوة هو وحي يجب الأخذ منه بخلاف غيره من الأدوار الحياتية فليست كذلك، فلئن تجوّز في إدخالها في مفهوم السنة باعتبار صدورها عن فليست تشريعية بالضرورة باعتبار عدم صدورها عن مقام النبوة.النبي
عدد الصفحات ٤٤44 ليست السنة كلها تشريعا وكما ترى أن أصل الإشكالية في الحقيقة يؤول إلى تحقيق الموقف من طبيعة الاجتهادات النبوية، وطبيعة توظيفات المخالف لها. ، والحقيقة أن المشكلة هنا ليست في أصل القول بجواز وقوع الاجتهاد منه ولا حتى في تلك القسمة الاصطلاحية (سنة تشريعية وغير تشريعية)، إذ هي قسمةٌ يحتمل أن يراد بها معنىً صحيحاً بكون بعض السنة موضوعة للتشريع ابتداءً وبعضها بمقتضى الجبلة والعادة.ليس كذلك كالأفعال الصادرة عنه إنما المشكلة في الاتكاء على هذه القسمة لإخراج جملة تقلّ وتكثر من السنة التشريعية وإدخالها في إطار السنة غير التشريعية، من غير انضباط علمي ولا معرفة صحيحة بطبيعة الاجتهاد النبوي وما يتصل به من مظاهر العصمة. وإذا تأمل المرء في كلام بعض المعاصرين في موقفهم من هذه القسمة، فسيلحظ حجم الجناية التي مورست على السنة النبوية تحت ذريعة (السنة غير التشريعية)، وهي جناية اتسمت بالتمدد مع تمدد الأيام، فبدأ الكلام في بعض الجوانب المتعلقة بالهدي الظاهر كإعفاء اللحية وتقصير الشارب فأخرجت تحت ذريعة السنة غير التشريعية، في أبواب الطب جميعاً لتخرج من السنة التشريعية وتكون ثم امتد إلى أقوال النبي محض تجربة بشرية محكومة بسياقها التاريخي، ثم ازداد الأمر لتخرج تصرفات النبي السياسية من السنة التشريعية، ثم بلغ الأمر حدّ إخراج السنن المتعلقة بالشأن الدنيوي كله من السنة التشريعية بناءً على أنها داخلة تحت قاعدة الشارع ولتوضيح وجه الخلل في هذه القسمة سنناقش الركنين الأساسين اللذين اعتُمِدَ عليهما في هذه القسمة، وفق الأسس التالية: الأساس الأول: الاجتهادات النبوية لا تنافي التشريع: مسألة خلافية طويلة الذيل، ينبغي إدراك أن قضية وقوع الاجتهاد من النبي
عدد الصفحات ٤٥45 ليست السنة كلها تشريعا عالجها العلماء في كتبهم الأصولية بشيء من الطول، وخلاصة اتجاهاتهم في هذه المسألة ترجع إلى اتجاهين رئيسين: الاتجاه الأول: من منع وقوعه مطلقاً. الاتجاه الثاني: من أجاز وقوعه، وهؤلاء اختلفوا على رأيين: منهم من قصره في الشأن الدنيوي فقط دون الشأن الديني. ومنهم من أجازه في الشأنين الدنيوي والديني، وهم الأكثر. ، منهم من أدخل اجتهاده وهذا الاتجاه الثاني الذي يجيز الاجتهاد في حق النبي في باب العصمة فجعل الاجتهاد منزهاً ابتداءً عن وقوع الخطأ، ومنهم من أخرجه عن حد العصمة فجوز وقوع الخطأ فيه لكن منع من الإقرار عليه، فيكون معصوماً من فيها باعتبار المآل، وهو ما عبر عنه بعض الحنفية بالوحي الباطن، فما كان منه الذي وقع تصرفات بمقتضى الوحي ابتداءً هو عمل بالوحي الظاهر، واجتهاده إقراره عمل بالوحي الباطن. لا يفيد في توسيع فعلى كل حال، الخلاف في جواز الاجتهاد من الرسول مفهوم السنة غير التشريعية وإخراج هذا اللون من التصرفات جملةً وتفصيلاً من إطار الوحي، إذ أوسع الأقوال الأصولية فيها يمنع من الإقرار على الخطأ، ويؤكد أن الوحي سيعقب ذلك بإقرار أو تخطئة فيؤول الأمر إلى معرفة الحق في المسألة بالوحي إما بالإقرار أو التخطئة والتصويب، ففي النهاية الحكم الشرعي قد استقر سواءً قيل إن كان متبعاً للوحي ولم يجتهد، اجتهد فيه ثم أقره الوحي، أو إن النبي النبي فمحصلة الخلاف هنا غير مؤثرة بتاتاً. وكان فيه خطأ في نفس الأمر فلا بد والمقصود أن كل اجتهاد صدر عن النبي أن يأتي من الوحي ما يكشف عن وقوع هذا الخطأ، فلا يصح تعكير مبدأ الخضوع
عدد الصفحات ٤٦46 ليست السنة كلها تشريعا باجتهاد عرضة للخطأ والصواب، إذللوحي ومنه السنة بذريعة أن ما كان واقعاً منه التصرفات الاجتهادية في الأصل باب مضيق، والخطأ في هذا الباب المضيق مضيق، ومتى قُدِّر وقوع شيء منه فسيعقبه بيانٌ يكشف عن وجه الخطأ، فيكون في هذا البيان بيانٌ لمراد الشريعة. الأساس الثاني: الأصل في التصرف النبوي صدوره عنه باعتبارات النبوة: ما سبق تقريره من حجية السنة النبوية دال على أن الأصل فيما يصدر من الجناب إنْ هُوَ #!٣!#) {النبوي أنه صادر بمقتضى النبوة، كقول الله تعالى لعبد الله بن عمرو[إلاَّ وَحٌْ يُوحَ . فلا يصح الخروج عن هذا الأصل إلا مع القرائن (1(نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق المرجحة للخروج عنه، فيأخذ التصرف النبوي بعد ذلك ما يليق به من الأحكام. وجدت هذا ظاهراً في تعاطيهم مع ما وإذا تدبرت أحوال الصحابة مع النبي من التصرفات، فالأصل أنها موضع للتسليم والانقياد، فإذا كان يصدر عن النبي اشتبه عليهم طبيعة تصرفٍ معين بادروا إلى السؤال عنه للتحقق، بما يؤكد أو ينفي الطبيعة التي صدر عنها هذا التصرف، بعد وجود قرينةٍ دفعت لحالة الاشتباه، ولو كان مستقراً عندهم أن ما كان من السنة متصلاً بالشؤون الدنيوية أو السياسية أو العسكرية خارج عن التشريع، لما كان ثمَّ حاجة لهذا التحفظ والسؤال والاستفصال، وإنما كان سؤالهم واستشكالهم ناشئاً عن قضية طارئة على تصرف مخصوص مع استصحاب الأصل الذي تصدر عنه التصرفات النبوية. ، ففي قصة خبر تأبير النخل مثلاً، لما ترك الصحابة التأبيرَ متابعةً لظنِّ النبي إنما قاله من عنده ظناً وليس عن الوحي، دلَّ هذا ثم استبان لهم بعد ذلك أنَّ النبي أخرجه أبو داود، وأحمد. وصححه أحمد شاكر، والألباني.(1(
عدد الصفحات ٤٧47 ليست السنة كلها تشريعا على أن الأصل عندهم في الخطاب النبوي المتعلق بشأن الدنيا أن يكون موضوعاً للتشريع. في مقامات أخرى من السؤال يزيد هذا المعنى تأكيداً: ما جرى منهم والاستفصال لطبيعة القول أو التصرف لمعرفة هل هو محض اجتهاد نبوي قابل للمناقشة أم هو صادر بمقتضى الوحي، ومن أمثلته: يوم بدر: أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه للنبي- سؤال الحباب بن المنذر الله، ليس لنا أن نقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال .(1(الرأي والحرب والمكيدة حين فكر في مشاطرة غطفان تمر المدينة في غزوة - ما قالته الأنصار للنبي الأحزاب، فقالوا له: يا رسول الله، أوحيٌ من السماء، فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك، أو هواك، فرأينا تبعٌ لهواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد .(2(رأيتنا وإياهم على سواءٍ ما ينالون منا تمرةً إلا بشرىً، أو قرىً في زوجها أن تعود إليه، - ما جرى من بريرة رضي الله عنها حين شفع النبي .(3(فقالت له: يا رسول الله تأمرني؟ قال فهذه التساؤلات جميعاً حول بعض التصرفات النبوية المتصلة بشأن دنيوي إذا تأملتها وجدت مبعثها احتمال أن تكون هذه التصرفات صادرة عن الوحي وموضوعة للتشريع، فلما حصل الاشتباه لوجود قرينة وقع التساؤل، فلو قُدّر أن الصحابة فهموا أخرجه ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام. قال ابن العربي في أحكام القرآن: ثابت. وضعفه (1( الألباني أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. وقال الهيثمي في المجمع: فيه محمد بن عمرو وحديثه (2( حسن، وبقية رجاله ثقات أخرجه البخاري في صحيحه.(3(
عدد الصفحات ٤٨48 ليست السنة كلها تشريعا أن ما كان متصلاً بشأن الدنيا مطلقاً خارج عن إطار التشريع لما تساءلوا ولا استشكلوا، ولعرفوا أنهم مخيرون فيه مطلقاً، فلما لم يقع فَهِمْنَا أنهم إنما كانوا يلتزمون بسائر أمره وهو الأصل، والاستشكال طارئ على جزئيات معينة، لوجود قرينته الباعثة على الاستشكال. الأساس الثالث: حقيقة التمييز بين مقامات التصرفات النبوية: من المفيد في البحث الفقهي التمييز في التصرفات النبوية بين ما كان واقعاً باعتباره إماماً، أو قاضياً، وبين تصرفه باعتباره مبلغاً، ولهذا آثار عدة، وقد نبه له العلماء، ومن أشهر من قرره الإمام القرافي. وقد استند بعض المعاصرين إلى هذا التنوع في المقامات لإثبات أن السنة التشريعية هي المتعلقة بجانب التبليغ والفتوى، وأما ما يتعلق بجانب الحكم والسياسة والقضاء فليس من الجانب التشريعي. وهذا التمييز بين التصرفات النبوية صحيح من جهة الأصل، فبعض التصرفات باعتباره إماماً للمسلمين، كإقامة الحدود، وتجهيز النبوية صدرت من النبي الجيوش، وتوزيع الغنائم، كما أن بعض التصرفات صدرت منه باعتباره قاضياً يفصل بين الخصوم، وينظر في البيّنات، فما صدر باعتباره إماماً يكون من الأحكام المتعلقة بالأئمة، وما صدر منه باعتباره قاضياً يكون من الأحكام المتعلقة بالقضاة، فهذا المعنى حق لا شك فيه، لكن هذا ليس له علاقة بإخراج هذه الأبواب من السنة التشريعية، فهي سنة تشريعية لكنها خاصة بالأئمة والقضاة، فهي أحكام شرعية لكنها مخولة للسلطة وليست لآحاد الناس، ثم هي تتفاوت رتبة فمنها الواجب والمستحب والمباح.
عدد الصفحات ٤٩49 ليست السنة كلها تشريعا الخلل هنا دخل من جهتين : أنهم نفوا التشريع عن هذه الأحكام، فحكموا أنها من قبيل السنة الجهة الأولى غير التشريعية، وهذا غلط، فهي تشريع، لكنها مختصة بذوي الولاية، فإقامة الحدود من الواجبات الشرعية لكنها مختصة بالحكام وليست لآحاد الناس، ولا يصح أن يقال إن إقامة الحدود ليست من السنة التشريعية. : أنهم عمّموا الحكم على جميع أحكام السياسة والقضاء، وقاعدة الجهة الثانية باعتباره إماماً أو قاضياً، وليست متعلقة التصرفات متعلقة ببعض ما تصرف به النبي بكل باب السياسة والقضاء، وفرق كبير بين الأمرين، فبعض الأحكام الشرعية السياسية هي أحكام ثابتة للجميع وليست من قبيل التصرفات الخاصة بالأئمة أو القضاة. والخلاصة أن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية يمكن قبوله كإجراء فني اصطلاحي لفرز طبائع التصرفات النبوية وما يتصل بها من أحكام، لكن المشكلة هي في تحقيق طبيعة الحدود الفاصلة بينهما، وتحريك تلك الحدود ليخرج بعض ما كان من محلاً للتشريع عن أن يكون كذلك، فليس صحيحاً أن تخرج تصرفات النبي ، أو بتعدد أدواره الحياتية، وإنما المحكم إطار الشريعة بذريعة صدور الاجتهاد منه في تحديد ما يدخل في إطار التشريع منها وما يخرج هو الشريعة نفسها، والتي كشفت عن هذه المسألة بدقة ووضوح.
عدد الصفحات ٥٠50 ) كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟4( يبدي البعض تشككاً في حفظ السنة النبوية بذريعة أنها لم تدون إلا متأخراً بعد زمنه بقرون على يد البخاري وغيره، وقد يُعظّم بعضهم من هذه الشبهة باستحضار نهي النبي ، وهو ما يفتح الباب واسعاً - بحسب عن كتابة سنته، ليؤكد تأخر تدوينها عن زمنه أن يدخلوا في سنته ما شاؤوا، وحين جاءت لحظة التدوين كاندعواه - للكَذَبَة عليه كثير من تلك الأحاديث المختلقة قد دخلت على النقلة، بلا فحص أو تمحيص. والحق أن هذا التصور يحمل ركاماً من المغالطات العلمية، خصوصاً في تصور تاريخ تدوين السنة النبوية، ومعرفة حال علوم الحديث والرجال، إذ يتوهم كثير من الناس أن تدوين السنة إنما ابتدأ مع البخاري مثلاً، وقد يرتفع بعضهم فيزعم أنه ابتدأ قبله مع مالك في موطئه، وهذه مشكلة عميقة تكشف عن حجم سطحية النقد الذي يحمل كثيراً من الناس للتشكّك في حقيقة حفظ السنة النبوية. وقبل الخوض تفصيلاً في بعض جوانب هذا الموضوع، يجب الانطلاق من تقرير محفوظ، إذ ما تحتاج إليه عقدي يصطحب الإيمان بأن ما تحتاج إليه الأمة من سنته الأمة في إقامة دينها يجب أن يكون محفوظاً، وهو ما تفضل الله على هذه الأمة به، .[{ومن أدلته القرآنية قوله تعالى فالذكر هنا أشمل من أن يكون مختصاً بالقرآن وحده، بل يشتمل على كل ما أنزله الله تعالى على عبده من الذكر. ولو سلمنا أن الآية لا تشتمل على السنة، وأن الذكر فيها مختص بالقرآن فيكون الحفظ منصرفاً إليه، فهذا لا ينفي حفظ السنة هنا، إذ السنة مبيّنة للقرآن، ومن كرم الله
عدد الصفحات ٥١51 كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟ ولطفه بعباده أن حفظ لهم ما به بيان القرآن، فما يُحتاج إليه في فهم القرآن من لغةٍ وحديثٍ محفوظ؛ لأن المقصود بحفظ القرآن قيام الحجة، ولا تقوم الحجة على من بلغه القرآن وهو غير متمكن من فهمه ومعرفة معانيه، وهذه المعرفة لن تكمل من دون ، فالتكفل بحفظ القرآن يتضمن حفظ ما يبيّن القرآن وهو السنة.معرفة سنة النبي فإذا كان الله قد أمرنا بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت مثلاً، وجاءت مجملة في القرآن، وتفصيلها إنما وردنا عن طريق السنة؛ فلازم حفظ القرآن أن تحفظ تفصيلات السنة مما يتصل بها، وهو أمر بيّن واضح يغني عن الاستطراد في شرحه وتفصيله. وسينكشف تفصيلاً بإذن الله ما يسَّره الله تعالى من أسباب حفظ السنة على يد علماء الحديث، الذين قاموا بتوفيق الله لهم بأداء واجب رواية الحديث وضبطها، وصيانتها، وحفظها، بل تجاوز الأمر إلى ضبط الكذب والخطأ في الرواية، سعياً إلى . ومن تأمل في تاريخ النقل عند الأمم والشعوب مزيد من التحوط لصحيح حديثه ، لن يجد جهداً يقارب أو يداني الجهد الموجود في هذه الأمة في حفظ سنة نبيها فمفخرة العلوم الإسلامية هي علوم الرواية والنقل، وهو ما يمكن أن يدركه من عايش هذه العلوم وخبرها، فالأمر يرجع إلى ذوق متحصل من المعرفة والعلم، فمن لم يقف على هذه المعارف والعلوم سيكون عاجزاً عن تمام إدراك هذه المعاني فضلاً عن تذوق لذتها، وهو ما سنحاول أن نشير إلى طرف منه إن شاء الله. لكن قبل بيان شيء من هذا التفاصيل يحسن استعراض ما يتعلق بشبهة نهي النبي قال: أن رسول اللهعن كتابة حديثه، حيث صح من حديث أبي سعيد الخدري . وهي (1(« شبهة يُتعلق بها لتقرير أمرين أخرجه مسلم.(1(
عدد الصفحات ٥٢