20 المقدمة إدراج الكل في معالجة واحدة، ولا يناسبها طريقة واحدة، ولعله يتيسر مستقبلاً بعون الله طرق المقولات المؤسسة لإشكالات الغلو المعاصر. نسأل الله العون والتمام والتسديد، ونرحب كثيراً بآراء قرائنا الأعزاء واقتراحاتهم وتصويباتهم، والتي ستكون محل عناية وتقدير شديد. كما نشكر الإخوة الأفاضل من الأصدقاء الأعزاء الذين اطلعوا على مسودة هذا الكتاب، وأمدونا بملحوظاتهم ومقترحاتهم القيّمة، فشكر الله لهم صنيعهم، ولا حرمهم الأجر والذخر. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عدد الصفحات ٢١21 ) في القرآن كفاية1( تأتي هذه الشبهة في مقولة تُظهر صاحبها في صورة المكتفي بالقرآن مصدراً للحجة والاستدلال، فإذا استدللتَ لحكم شرعي بدليل من السنة النبوية قذف بهذه المقولة في وجهك، مدّعياً كفاية القرآن في إقامة الدين دون الحاجة إلى مصدر آخر، {وقد يُعضِّد صاحب هذه المقولة مقولته ببعض الأدلة القرآنية كمثل قوله تعالى { أو قوله سبحانه.[عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُِّ شَْءٍ [ شَۡءٖۚ وإذا دققتَ النظر يسيراً في طبيعة هذه المقولة، بل في ألفاظها، وجدتها مقولة جاء ، لكن في صورة نبوءة تكشف عن انحراف قائلها، فقد صح ذكرها على لسان النبي قال أن النبيمن حديث أبي رافع . وهي (1(مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه . ومع ما تحدثه هذه مقالة لئيمة تُظهر تعظيم القرآن، وباطنها الإزراء بمقام النبي المقولة من ألمٍ في نفس المسلم، إلا أنها تزيد من إيمانه بصدق نبيه إذ تنبّأ بوقوع هذا الانحراف. ومما يرفع إشكال هذه الشبهة إدراك ثلاث حقائق شرعية: أن القرآن الكريم حجة، والسنة النبوية حجة أيضاً، إذ الحقيقة الأولى: في روايةٍ أخرى للحديث السابق، حيث كلاهما وحي، وهو ما أشار إليه النبي أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه (1( الألباني
عدد الصفحات ٢٢22 في القرآن كفاية « :قال وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإنَّ مأخذ كون ما حرمه كما حرم . وقد بيَّن النبي(1(ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله الله، فقال في رواية معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانَ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه .(2(من حلالٍ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه هو كالمحرم بالقرآن، ومبعث هذا أن أقوال النبي فما حرمه رسول الله قد أوتي القرآن وأوتي السنة أيضاً.كالقرآن كلاهما وحيٌ منزل، فالنبي إنْ هُوَ إلاَّ وَحٌْ #!٣!#){ ومن دلائل هذا في القرآن قوله تعالى هو وحي، فهذه دلالة ظاهرة على أن كل ما يصدر عن النبي.[يُوحَ وهذا يعني حجيته ولزومه على الناس. من القرآن إن المقصود ما ينطق به النبيومن غريب الاعتراضات قول بعضهم: لا ما ينطق به هو، فالسنة لا يشملها الخطاب. عُرضةٌ فيقال: هذا الحمل من قائله ممتنع، إذ مقتضاه أن ما ينطق به النبي وعصمته.للهوى، وهو طعن ظاهر في مقام نبوته فإن قيل: فهو قول بعض المفسرين في تفسير الآية، فيلزمهم هنا ما يلزمنا. فالجواب: كلا، بل هو لازم لكم دونهم، لفرقين مهمين: فباعثكم على هذه الدعوى مخاصمة السنة، وأما هم الفرق الأول في الباعث، أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني.(1( أخرجه أبو داود، وأحمد. وصححه الألباني(2(
عدد الصفحات ٢٣23 في القرآن كفاية فمتفقون على وجوب الالتزام بالسنة وأنها وحي، وهو ما يظهر في تفسيرهم لحجج ، فاللازم لاحق بكم إذ هو حقيقة قولكم دونهم.وجوب طاعة النبي إذ عامة من ذكر القرآن في مقام التفسير هنا ذكره الفرق الثاني في طبيعة التفسير، للتنبيه على بعض ما تشتمل عليه الآية، لا أنه قصد انحصار الدلالة فيه، فالخلاف هنا ليس خلاف تضاد بل خلاف تنوع، كاختلاف الأئمة في تفسير الصراط من سورة الفاتحة. وما يحتمل أن يكون من رأي مفسر ترجيحاً فإنما هو ترجيح مبني على قرائن وبواعث مخالفة لبواعثكم، فمع مرجوحية هذا التخصيص، ومخالفته قول كثير من المفسرين، فهو غير نافعٍ في سلب السنة حجيتها، إذ جميع علماء الأمة من زمن النبوة حتى اليوم متفقون قطعاً على أن السنة وحي، وأنها حجة في تقرير الأحكام الشرعية، وهو ما سيظهر قطعياً فيما يلي. ليس القرآن أن الله تعالى أكد في القرآن أن المنزل على النبيالحقيقة الثانية: { وحده، بل أنزل معه شيئاً آخر جاءت تسميته فيه بالحكمة، قال تعالى .[الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَنَ فَضْلُ اللَِّ عَلَيْكَ عَظِيمًا { وقال سبحانه .[وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَنُوا مِن قَبْلُ لَفِ ضَلالٍ مُّبِينٍ [{وقال تعالى هو تعليم الناس الكتاب هو الكتاب والحكمة، ودوره فالمنزل على النبي والحكمة، والذي أُمر بذكره ما يتلى من الآيات والحكمة، وهذه الحكمة ليست هي ، فإن عين القرآن، إذ هي معطوفة عليه فاقتضى أن تغايره، وهي ليست إلا سنة النبي للناس لا يخلو أن يكون من كلام الله تعالى (الكتاب) أو شيئاً من ما بلَّغه النبي كلامه (الحكمة = السنة).
عدد الصفحات ٢٤24 في القرآن كفاية ، وشواهده في ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بلزوم سنتهالحقيقة الثالثة: ، كتاب الله كثيرة جداً، وهي تكشف عن دلالة قطعية مؤكدة على حجية سنة النبي ويمكن أن نجمل هذه الدلائل باختصار شديد فيما يلي: :) الأمر الصريح بوجوب طاعة النبي1 .[{قال تعالى [{وقال الله تبارك وتعالى وقال .[{ وقال الله سبحانه.٦٥ { الله عز وجل .[الْعِقَابِ من طاعة الله تعالى:بيان أن طاعة النبي (2 {قال الله تعالى [ من الأجر والثواب في الآخرة) بيان ما في طاعة الرسول3 {قال تعالى لا إلََ إلاَّ هُو يُْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَِّ وَرَسُولِِ الَّبِِّ الأُمِِّّ الَِّي يُؤْمِنُ بِاللَِّ وَكَِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ { وقال عز وجل .[تَهْتَدُونَ يَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصَْهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِ كَنَتْ عَلَيْهِمْ فَالَِّينَ آمَنُوا .[ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَُوهُ وَاتَّبَعُوا الُّورَ الَِّي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ {وقال سبحانه
عدد الصفحات ٢٥25 في القرآن كفاية { وقال تعالى .[خَالِِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .[ فَاتَّبِعُونِ يُْبِبْكُمُ اللَُّ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَُّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ :) بيان الوعيد على من خالف أمر النبي4 { قال تعالى { وقال سبحانه.[ { وقال عز وجل.[ { وقال سبحانه.[الْـمُؤْمِنِينَ نُوَلِِّ مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيًا .النساءيَوَدُّ الَِّينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللََّ حَدِيثًا .[{وقال تعالى :) نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكمٌ من رسول الله 5 {قال تعالى .[مِنْ أَمْرِهِمْ ) بيان أن المعرض عن سنته واقعٌ في النفاق: 6 {قال تعالى [صُدُودًا :) حرمة التقديم بين يدي سنته7 {قال تعالى [عَلِيمٌ
عدد الصفحات ٢٦26 في القرآن كفاية : عند التنازع) الأمر بالرد إلى الرسول8 {قال تعالى [الآخِرِ :) الأمر بالتأسي والاقتداء بالنبي9 {قال تعالى { وقال سبحانه. [ .[وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، فمن يؤمن بالقرآن حقاً فهذه حقائق قرآنية قطعية في وجوب الأخذ بسنته ، وبيان ، إذ تواتر فيه الأمر بوجوب طاعة النبيليس له مناص من اتباع سنة النبي أنها من طاعته سبحانه. فإن قيل: إنما المقصود طاعته بالأخذ بما جاء في القرآن، فإذا أمر بما فيه فتجب طاعته. فيقال: إذا كانت طاعته محصورة في المنصوص في القرآن، فلماذا يأمرنا الله من الأساس! إذ لا فرق بين الرسول وغيره في هذا، فكل من أمر بطاعة رسوله بالطاعة هنا؟ ويقال بشيء أوجبه القرآن وجبت طاعته، فما معنى تخصيص الرسول في الائتساء والاقتداء به ما قيل في الطاعة. الدلالة العقلية: لدينا هنا ثلاثة مسارات عقلية تدل بالضرورة على كون السنة وحي محتج به، وأنه لا يصح الاستغناء عنها بذريعة كفاية القرآن وحده:
عدد الصفحات ٢٧27 في القرآن كفاية المسار الأول :عدم إمكانية إقامة الدين قطعاً دون اعتبار سنة النبي ويمثّل هذا الاحتجاج العقلي أحد الاحتجاجات العلمية المبكرة المستعملة في دفع في مخاطبة شبهة مدّعي الاكتفاء بالنص القرآني، حيث جاء عن عمران بن حصين رجلٍ وقع في ذات هذا الإشكال، فقال له الظهرَ أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدّد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما، ثم قال: أتجد .(1(هذا في كتاب الله تعالى مفسراً؟ إن كتاب الله أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك سيكون عاجزاً عن وهو احتجاج بيّن ظاهر، يوضح أن من ينكر سنة النبي إثبات الدليل على مسردٍ طويل جداً من الأحكام الشرعية القطعية، والتي لا يختلف عليها مسلم، غير أن بيانها قد جاء في السنة. وربما يقول قائل هنا: إن هذه الأمور من قبيل المتواتر العملي عند الأمة فيجب الأخذ بها. فالجواب: أن هذا الاعتراض في الحقيقة نقضٌ لكلام مدّعيه، لأنه نسي أن دعواه هنا تقوم على حصر الحجية في القرآن وحده، فإذا احتج بالمتواتر العملي فقد تجاوز الاحتجاج بالقرآن، وإذا خرج عنه فقد أقرّ على نفسه بأن دعواه باطلة. ثم يقال له بعد ذلك: هذا المتواتر العملي على ماذا اتكأ في بنائه؟ ولن يجد هذا ، إذ الدين لا يتلقى من غير سبيله. المدّعي إلا أن يقول: هو شيء تُلقِّي من النبي إما أن يكون شيئاً من كلام الله وهو ما نقله للأمة من القرآن، أو فيقال: فالمتلقى عنه من كلامه وهو من سنته، وما دامت هذه الأحكام العملية المتواترة للأمة غير موجودة في القرآن فيلزم أن تكون من السنة، فحصل المطلوب. .٥/1، وابن بطة في الإبانة٦/1 أخرجه الآجري في الشريعة(1(
عدد الصفحات ٢٨28 في القرآن كفاية المسار الثاني أعلم البشر هي خير معين على فهم كتاب الله تعالى، فالنبيأن سنة النبي { بيان معاني القرآن، قال تعالىبكلام الله تعالى، ومن أدواره [ لتُِبَينَِّ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . وقال عبد الرحمن (1(، والسنة تفسر القرآنالسنة بن مهدي . ومن جميل الآثار المنقولة المؤكدة لهذا المعنى ما جاء عن أيوب (2(تفسير القرآن السختياني أن رجلاً قال لمطرف بن الشخير - وهو من كبار التابعين -: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف .(3(منَّا فالمتّبع للسنة الآخذ بها أولى أن يكون مصيباً لمراد الله تعالى من كتابه، إذ قد جاء الأمر من بابه، وطلبه من أعلم الناس به. المسار الثالث: ، بل الطعن في أن إنكار السنة النبوية يلزم منه لزوماً قطعياً الطعن في النبي القرآن، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه تحدث عن تناول بالذكر أموراً ليست في القرآن، فقد تواتر عنهأن النبي مغيبات ماضية ومستقبلية وآنيّة، كما سنَّ الكثير من التشريعات والأحكام، ويلزم من (.٥٧/1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي(1( .(٦ الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ((2( .(3/2 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(3(
عدد الصفحات ٢٩29 في القرآن كفاية قد تحدث فيها بسبب ذلك، لأنهقال بكفاية القرآن وحده أن يطعن في النبي بكلام كثير جداً وليس له مستند في القرآن، فعلى أي شيء يحمل كلامه عليه الصلاة والسلام في هذه الأمور ما دام أن قوله فيها ليس بحجة؟ وتأكيداً لهذه المسألة، نستعرض مثلاً واحداً فقط مما هو داخل في هذا الشأن مما جاءت الإشارة إليه في القرآن لئلا ينازعنا الخصم في وقوعه قطعاً، وهو ما تواتر من والمؤمنين معه أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس في صلواتهم في أول شأن النبي {الأمر حتى أمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة، فقال تعالى السَّمَاءِ فَلَنُوَلَِّنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ والصحابة معه بيت المقدس بأي شيء [ شَطْرَهُ كان، وليس في القرآن أمرٌ باستقبال قبلةٍ سابقة على الكعبة لتجيء هذه الآيات القرآنية ناسخة له؟ من تشريعات يجب الأخذ بها وهذا يدل على نحو صريح بأن ما جاء في سنته ، ومن أطاعه فقد أطاع الله.كالقرآن لأنها من طاعة الرسول الوجه الثاني: لو كانت السنة غير واجبة الاتباع، بل ضالّ من يتبعها، لوجب أن نجد في القرآن ما يوضح هذا الأمر المهم حتى يعرف الناس دينهم، لكننا لم نجد شيئاً من ذلك في ، وبيان فضل ذلك القرآن، بل وجدنا فيه ما يخالف ذلك من الأمر باتباع النبي وبركته، وما يترتب عليه من الخير في الدنيا والآخرة، وما يلحق التارك له من الوعيد الذين نقلوا لنا هذا الدين فاعتمدوا سنة النبي الشديد، وعلى هذا سار صحابة النبي في التشريع، واتفق عليه المسلمون من بعدهم، فالقول بأن السنة ليست بحجة يعني أن الشريعة كانت ملبسة على الناس ولم تبيّن لهم الحق، بل ضللتهم عنه
عدد الصفحات ٣٠30 في القرآن كفاية الوجه الثالث من اللوازم الخطرة التي تكشف بشاعة هذه المقولة وشناعتها، أنها في الحقيقة نفسه من دائرة المخاطب بها، بمعنى أن صاحبها لو كان في لا تخرج إخراج النبي بالأمر مما ليس في القرآن نصاً، للزم صاحبها أن يقول: يا زمن النبوة وكافحه النبي رسول الله، حسبنا كتاب الله! وكفى بهذا المشهد قبحاً وضلالاً؛ إذ هو مع ما يتضمنه ، ومبادرته إلى العصيان، يتضمن تناقضاً كبيراً، إذ كيف من سوء الأدب مع النبي يصح أن يردّ أمرَ من يعترف له بالرسالة، وقد سبق بيان أن لازم رد أمره هو طعن في دعوى تكذبها هذه الممارسة.رسالته ونبوته، فاعتراف هذا المدعي برسالة النبي ، ولهذا وهذه اللوازم الشنيعة لا يمكن أن ينفك عنها من ينكر حجية سنة النبي تجد أن إنكار السنة يكون مدخلاً لكثير منهم إلى إنكار بعض أحكام القرآن أو ترك الإسلام بالكلية؛ لأن هذا القول في حقيقته منافٍ للقرآن، ويلزم منه الطعن في شريعة الإسلام ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهو ما يغذي النفاق والتمرد على الدين بالكلية. { بقي الكلام على إشكال الاستدلال بقوله تعالى [{[ شَْءٍ ، إذ يمكن الاكتفاء به عن على أنها تحصر الحجية في القرآن وحده دون سنة النبي السنة، لأنه جاء تبياناً لكل شيء. والجواب: أن ما سبق ذكره من دلائل لزوم الاحتجاج بالسنة النبوية معانٍ محكمة، وهو ما يوجب السعي لجمع دلائل الشريعة بعضها إلى بعض، لا أن يُضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، ولذا؛ فالمتعين هنا فهم مراد الله تعالى من كون القرآن تبياناً لكل شيء، وبإدراكه ينحل إشكال هذا الوهم الفاسد، فالآية الكريمة إنما جاءت بعموم أريد به الخصوص، فهي تقصد أن القرآن جاء تبياناً للأمور التي يحتاج إليها المسلم
عدد الصفحات ٣١31 في القرآن كفاية في دينه، وهذا بدهي لأي ناظر في القرآن وفي طبيعة القضايا التي جاء بها، ولا يمكن أن يفهم من الآية أن في القرآن ذكراً لكل شيء مما يتعلق بعلوم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء مثلاً، فهذا فهم باطل بداهة، فهذا مراد الله من كون القرآن تبياناً لكل شيء أو تبياناً لما يحتاج إليه المسلم من شأن دينه. ثم إن بيان القرآن للأمور الدينية أوسع دائرة مما يتوهمه من يريد حصر الحجية فيه دون غيره، فالقرآن قد يدل على الأحكام الشرعية إما بالنص المباشر عليها، أو بالدلالة عليها، من خلال ما أقامه من دلائل معتبرة كالسنة، فاتباع السنة في الحقيقة هي طاعة لله، فهذه من طرائق تبيان القرآن هو اتباع للقرآن كما سبق، وطاعة النبي .للأحكام، بالإشارة إلى ما يبيّنها من الأدلة المعتبرة، ومنها سنته [{أما قوله تعالى {معناها من خلال ملاحظة سياقها، حيث جاءت في سياق قوله تعالى فِ الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيُ بَِنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِ الْكِتَابِ مِن شَْءٍ ثُمَّ إلَ رَبِّهِمْ [يُْشَُونَ المحفوظ كما نص عليه عدد كبير من أهل التفسير. وبتقدير أن يكون المقصود به القرآن كما قاله بعض أهل التفسير، فيؤول معناها إلى المعنى المذكور للآية السابقة بأن في القرآن بياناً لكل شيء من أمور الدين، ولم يترك شيئاً لم يفصله بدلالة ظاهرة .أو بمجمل بيّنه النبي هي وحي مُنَزَّل، والخلاصة التي لا ينبغي لمسلم أن يتنازع فيها، أن سنة النبي ولأجل ذلك كانت حجة شرعية معتبرة، وقد انعقد إجماع أهل الإسلام كافةً على هذا، {فمن خالف في هذا ورده فهو المتوعد بمثل قوله تعالى [لَُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيَْ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ نُوَلِِّ مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيًا
عدد الصفحات ٣٢32 ) تقديم القرآن على السنة2( هذه المقولة لا تنطلق بالضرورة من موقف سلبي مطلق من السنة، وإنما تضع اشتراطاتٍ معينة لقبولها، ومن بين تلك الاشتراطات ضرورة عرضها على القرآن، والتأكد من عدم مخالفتها له، فإن كانت السنة موافقة للقرآن قُبلت، وإن كانت مخالفة رُدت. وقد يستند بعض من يتبنّى هذه النظرة إلى بعض الأحاديث من جنس سيفشوا عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني كتابه الحجة في القرآن، فإذا وقعت السنة موافقة له فهو من قبيل تحصيل الحاصل وتأكيد ما ثبتت حجيته، وإن خالفت كانت مردودةً غير مقبولة، وهي رؤية لسنا بصدد معالجتها هنا، وسبق بيان الموقف منها في المقولة السابقة، وإنما نناقش هنا من يرد من السنة ما يراه مخالفاً للقرآن الكريم. ، فالأمر فيها كما قاله العلامة فأما ما يتعلق بالأحاديث المذكورة في هذا الشأن أحمد شاكر كثيرة، كلها موضوع، أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج . فليس في هذا الباب شيء يستند إليه في بناء هذه الشبهة، بل كل ما (1(أو الاستشهاد نُقِلَ لا يصح من جهة الإسناد. (.224 الرسالة للشافعي بتحقيقه(1(
عدد الصفحات ٣٣33 تقديم القرآن على السنة ثم إن الأئمة لحظوا ما في متن هذه الأحاديث من إشكال، فقدموا نقداتهم المتنيّة له، فقد أورد الإمام ابن حزم أمارة لطيفة تدل على بطلان معنى هذه الأحاديث بعد أن فصَّل الكلام في بيان ضعفها وعدم صحة شيء منها، فقال القرآن الحديثَ الذي ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى: { السَّبِيلِ كَْ لا يَكُونَ دُولَةً بَينَْ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا { [وَاتَّقُوا اللََّ إنَّ اللََّ شَدِيدُ الْعِقَابِ { وقال تعالى.[وَمَن تَوَلَّ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا .(1([بِالحَقِّ لتَِحْكُمَ بَينَْ الَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَُّ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا في القرآن دون ذكر هذا الاشتراط على فاستدل بإطلاق الأمر بطاعة الرسول فساده وبطلانه، وهو ما أوضحه وعلى نحو أخصر وأوضح الإمام البيهقي، حيث قال: « . وهو(2(على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن أمر واضح تماماً. فلا يصح إذاً وجود أي حديث في هذا المعنى، ودلالة القرآن تأتي على نقيض معناه، واتباعه مطلقاً، من دون ذكر شرط كهذا الشرط.فهي تدل على لزوم طاعة الرسول وحين نفحص مقولة تقديم القرآن على السنة نجد أنها تحتمل أمرين: ردّ الحديث لعدم مجيء حكمه أو معناه في القرآن الكريم، وهو الأمر الأول: تفسير لمعنى المخالفة عند بعضهم، وهو معنى مردود باطل ولا يقبل؛ إذ لازمه في (.٩٧/2 الإحكام في أصول الأحكام(1( )، وأحاله على المدخل الصغير٠ مفتاح الجنة في الاحتجاج للسنة للسيوطي ((2(
عدد الصفحات ٣٤34 تقديم القرآن على السنة ، وعدم اعتدادٍ بها، فما استقلت به السنة من الأحكام لا يكونالحقيقة ردٌّ لسنة النبي مقبولاً لعدم مجيئها في القرآن، وما جاء في السنة من أحكام القرآن المنصوصة فقد تحقق التشريع بورودها في القرآن فلم يكن لذكرها في السنة من فائدة، وهو لازم دلت أدلة الوحي على فساده مفصلاً، وقد سبق استعراضها في المقولة السابقة. ردّ الحديث لمعارضته ما جاء في القرآن، فيقدم القرآن على السنة الأمر الثاني: في حال وجود تعارض، فالمخالفة هي في تحقق وقوع المعارضة لا مجرد سكوت القرآن عن الحكم. فهذا التعارض إن تحقق فهو من الأمارات الدالة على عدم صحة الحديث كما نص عليه المحدثون، فمن أوجه نقد المتون عندهم وقوع مخالفة الحديث للقرآن الكريم أو الأحاديث الصحيحة أو العقل الصريح أو الواقع على وجهٍ لا يمكن فيها الجمع، أما إن أمكن الجمع فالواجب المصير إليه جمعاً بين الأدلة وإعمالاً لها، فإذا لم يمكن كان التقديم لأقوى الأدلة. والأمر هنا كما ترى يعود إلى نوعٍ من الموازنة بين الأدلة طلباً لأقواها، وهو مسلك علمي منضبط؛ فالعلماء لا يعمدون إلى الترجيح مباشرة، بل يسعون إلى الجمع بين النصوص بأوجه مقبولة يتحقق بها إعمال النصوص كافة، فإذا لزم الترجيح تدرجوا في ذلك بحسب قوة النصوص وثبوتها، وبحسب معرفة المتقدم والمتأخر، فإذا كان الأمر متعلقاً بحكم شرعي وعلم المتقدم والمتأخر، جعلوا المتقدم منسوخاً والمتأخر ناسخاً، وقد يقدمون هذا الوجه على الجمع إن دلت عليه القرائن، وهو عند التحقيق لون من الجمع يحفظ صحة المروي ويقدم الناسخ في العمل. وإن كان النص صحيحاً والآخر ضعيفاً رجحوا الصحيح على الضعيف، وإن تفاوتا قوة قدموا الأقوى، فإن تساويا طُلِبت القرائن المرجحة لأحدهما على الآخر،
عدد الصفحات ٣٥35 تقديم القرآن على السنة فإن لم يتمكن العالم من الترجيح لعدمها عنده أو لاشتباه، توقف والأمر بكل حال يخضع لمنهجية علمية دقيقة في هذا الباب فصَّلها أهل العلم في كتب الحديث والأصول، تضع يد الناظر على مسالك الجمع بين النصوص، والقواعد التي توجب ترجيح حديث على آخر من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة. فيستحيل ومما يجب اعتقاده أن الحديث إن كان صحيحاً ثابتاً محكماً عن النبي وقوع تعارض حقيقي بينه وبين القرآن؛ إذ الكل وحي من الله تعالى، وما كان وحياً من عنده سبحانه فيستحيل أن يكون فيه اختلاف، وما يتوهم من تعارض فيدفع ببيان وجه دلالة محكمة الجمع بينهما، ولا يصح وجود مثالٍ يعارض فيه حديث ثابت عن النبي في كتاب الله، ورحم الله ابن تيمية إذ يقول بعد جهد استقرائي مضنٍ في هذا الباب: « برفع أو تفسيراً أو مبيناً غلط راويه، فلم أجد الغلط إلا من الراد وإن كان قد تأول لرده ظاهر القرآن، ويكون غلطه من أحد وجهين: إما لأنه اعتقد ظاهر الحديث ما ليس ظاهره ثم رده، ولا يكون ظاهر الحديث هو المعنى المردود، أو لأنَّ ظاهره الذي .(1(اعتقده الظاهرَ حقٌ، والدليل الذي يعارضه ليست معارضته له حقاً وهذا المعنى السابق إن تدبرته وجدت الأمر غير مختص بالموقف من مخالفة السنة للقرآن، بل هو تحرير للموقف من تعارضات الأدلة عموماً؛ فالأدلة الصحيحة يستحيل أن تكون متخالفة في الحقيقة والباطن، وإنما تقع المخالفة في وهم الناظر، والواجب عليه دفع هذا التعارض بالمنهجية الشرعية الصحيحة، التي تراعي ثبوت الدليل، ودلالته، فلا تقيم معارضة بين ما هو معتبر من الأدلة وما ليس بمعتبر، ولا بين ما يثبت منها وما لا يثبت، كما لا تقيم معارضة مع إمكان الجمع بين الثابت من الأدلة، (.٨٥ جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ((1(
عدد الصفحات ٣٦