324 ما هو البديل؟ .(1(« - « - .(2(والصلوات والطيبات « - .(3(ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي « - .(4(خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي {- بل هو مسلك حاضر في القرآن الكريم أيضاً، كما في قوله تعالى [ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا ، فصار هو الآخر جزءاً من خطابهم وهذا ملمح دعوي وعاه الصحابة عن نبيهم يأتيه رجل فقال: يا أبا عباس، إني إنسان إنما معيشتي الدعوي أيضاً، فهذا ابن عباس من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت يقول: سمعته يقولرسول الله الروح، وليس بنافخ فيها أبداً .(5(عباس: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح ثم سرى هذا المنهج الدعوي إلى العلماء الربانيين، يقول ابن القيم المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن أخرجه أبو داود، وأحمد. وصححه النووي، والألباني.(1( أخرجه البخاري(2( متفق عليه(3( أخرجه مسلم(4( متفق عليه(٥(
عدد الصفحات ٣٢٥325 ما البديل؟ يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا أنه قال (ما بعث الله من نبي شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم). وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى .(1(ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهراً فيها فالتفكير في البديل المباح يشجع الآخرين على ترك المحرم، ويخفف من الإقبال عليه، فهو أمر ضروري وهدف مهم يستحق الكثير من الجهد والتفكير والبذل والاجتهاد بحسب القدرة والطاقة. وهو من تمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن إيجاد البدائل هو صيانة من تمدد المنكرات، فوجود معاملات مصرفية توفر للناس التمويل المباح الذي يغطي حاجاتهم هو من أعظم ما يضيق وقوع الناس في منكر الربا، ووجود مجالات ترفيه مباحة توفر لهم بيئة مباحة للنزهة واللعب والمتعة هو من أعظم ما يحول بين الناس والوقوع في المنكرات بسببه، ووجود قنوات وبرامج إعلامية تغطي حاجة الناس من برامج الفائدة والمتعة والرياضة وغيرها هو مضيق للبرامج الهابطة، وهكذا في بقية المجالات. ولعل الساعين في هذا الباب بتقديم البدائل المشروعة أو المباحة يدخلون فيمن بقوله مدحهم النبي مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن .(2(جعل الله مفاتيح الشر على يديه (.122/4 أعلام الموقعين لابن القيم(1( أخرجه ابن ماجه. وحسنه الألباني(2(
عدد الصفحات ٣٢٦326 ما هو البديل؟ فالبحث عن البديل المناسب هو من أعظم ما تجب العناية به لتوسيع الخير وتضييق الشر في عصرنا، والتفريط فيه خطأ كبير لا يعوضه أي شيء آخر، وهو ناشئ عن قصور في الوعي بواقع الناس وأثر هذه البدائل في نشر الخير وكشف الشر، وقصور في فهم دلالة الشرع ومقصده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه لا يقتصر على طريقة أو مجالات معينة. ومن استقرأ واقع الشريعة وجدها تورد للناس بدائل عن الحرام، يقول ابن القيم مبيناً هذه الحقيقة الشرعية العظيمة عوضهم خيراً منه، كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرم عليهم الربا وعوضهم منه التجارة الرابحة، وحرم عليهم القمار وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم عليهم الزنا واللواط وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان، وحرم عليهم شرب المسكر وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرم عليهم سماع آلات اللهو من المعازف والمثاني وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني، .(1(وحرم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات إذاً، فليس في هذه المقولة إلى هنا أي إشكال، ولا تتضمن من حيث هي أي أمر يؤدي إلى انحراف، خصوصاً إن تُلقّي الأمر باعتدال، واستحضر أن توسعة الشريعة في كثير من مواردها لإيجاد البدائل المباحة، لا ينفي أن ثم مساحة من المحرمات قد لا تكون لها بدائل مباشرة أو مساوية لها، فقد يكون من حكمة الشريعة الابتلاء بالتحريم طلباً لمرضاة الله تعالى وإثابته الأخروية، مع تيقن أن الخير والمصلحة كلها بتحريم شيء دون ذكر في اجتناب ما حرمه الله، كما قد تجيء الفتوى من النبي لأي بديل. (.113/2). وانظر: أعلام الموقعين له٨ روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم ((1(
عدد الصفحات ٣٢٧327 ما البديل؟ فمع ما سبق تقريره من الاحتفاء بتطلب البدائل والتأكيد على أنه من مسالك الشريعة الأصيلة، لكن ينبغي أن يتنبه إلى وجود تلك المساحات التي لا بديل فيها. فالإشكال يأتي من عدم مراعاة هذه المساحات، والمطالبة بإيجاد بديل في منطقة لا بديل فيها، وهنا تتجاوز المقولة دورها بالبحث الحقيقي الجاد عن البديل المباح الذي يصون أديان الناس عن المحرمات، لتعمل في مجالات أخرى ليس هذا الغرض من بينها، ومن تلك المجالات: فإذا رأى مخالفة ظاهرة - تسويغ الفعل المحرم بسبب عدم وجود البديل: 1 تعلل لها بأنه لا وجود لبديل، أو ماذا يمكن فعله غير هذا؟ وهذا ليس عذراً مقبولاً في الشريعة، فعدم وجود البديل ليس بعذرٍ في ارتكاب أي شيء مما نهى الله عنه، والبدائل هي معينة للكف عن المحرمات، لكن غيابها أو غياب العلم بها ليس عذراً لأحد في ارتكاب المحرم. فإذا رأى من ينهى عن منكرات معينة - التهوين من الأمر والنهي المباشر: 2 استخف به وبطريقته نظراً لأنه لم يقدم بدائل، وهذا غلط كبير، فواجب البحث عن البدائل لا يعني التزهيد في واجب الأمر والنهي المباشر، فكلها واجبات شرعية مكملة، ولا يلزم كل من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أن يوفر البدائل للناس، فإذا نصح فقد أدى ما عليه وهو محمود بفعله، ولا معنى لإثارة سؤال البدائل في وجهه بهذه الطريقة إلا التزهيد في أمرٍ حسن قام به. خصوصاً أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يملك بالضرورة القدرة على صناعة البدائل، فهو محكوم باستطاعته وقدرته، ولا يستطيع أن يتجاوز حدود معرفته وعلمه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعهاً، فإذا نصح بحسب طاقته فأنكر أمراً محرماً لا يصح أن يُعترض عليه بالمطالبة بتقديم بدائل لا يمكنه أن ينتجها أو يدل عليها، وهو
عدد الصفحات ٣٢٨328 ما هو البديل؟ ما يكشف وجه الخلل في مطالبة البعض كل محتسب بأن يقدم بدائلَ شرعيةً في جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية، وكل هذا من قبيل المناكفة التي لا علاقة لها بالمطالبة المشروعة. فالبديل هو بديل مباح، وليس بالضرورة أن يكون - المطالبة بالبديل المساوي:3 مساوياً للأصل الذي تريد أن يتركه الناس من كل وجه، فلا يلزم أن يكون البديل ممتعاً بنفس درجة الإمتاع التي يخلفها الأمر المحرم، لأن الواجب هو ترك هذا المحرم ، والبدائل هي معينة وميسرة لهم، لكن ليس بالضرورة أن تكون طاعة لله ورسوله كالمحرم، بل ثم من المحرمات ما لا يمكن إقامة بدائل مساوية لها، فمن يستمتع بمشاهدة المشاهد المحرمة في القنوات لا يمكن أن تأتي له ببديل في قناة تلتزم بحدود الشريعة فتعرض عليه ما يسد حاجته، والطرب الذي يجده من يستمع إلى الموسيقى قد لا يجده في ألوانٍ من السماع المباح، واللذة التي يجدها الشخص من الزنا ليست مساويةً من كل وجه للبديل الذي أقامه الله تعالى من النكاح المشروع، ففي الثاني من الالتزامات المتعددة ما ليس في الأول، فليس الثاني مشابهاً للأول من كل وجه، وإن كان متضمناً البديل الشرعي. وهذا يؤكد أن تُفهم حقيقة البدائل وتوضع في وضعها الطبيعي، ولا يبالغ في شأنها مبالغةً تضر بمبدأ التسليم والانقياد للشرع، إذ المسلم مطالب بأن يستحضر أن الخير والبركة هو فيما شرعه الله، وأن ما حرمه الله عليه فإنما هو لدفع مفسدة راجحة عنه، فيهون عليه ترك هذا المحرم، ويجد في البديل الذي هو أقل منه ما يغنيه، ولو عُدم فليس خضوعه للشرع بمرتهن لوجوده. فيقع بعض الناس في غلوٍ في أهمية وجود البدائل إلى - التهاون في البدائل:4 درجة القبول بأي بديل، وعدم التدقيق في تفاصيل الحلال والحرام المتعلقة به،
عدد الصفحات ٣٢٩329 ما البديل؟ فيوسع من دائرة الترخص هنا ويتخفف من الشروط والضوابط بحثاً عن أي بديل، وحين لا يجد إلا بديلاً معيناً يقبله على كل حال، متساهلاً في بعض ضوابطه طمعاً في حصول انتشار أكبر له، وهذا في الحقيقة تجاوز لوظيفة البديل، إذ المقصد المشروع هو البحث عن بديل شرعي مباح، وليس التفتيش عن أي بديل كان؛ فالبحث عن معاملات مصرفية مباحة لا يسوغ التهاون في ضوابط الشريعة في المعاملات بدعوى أن هذا خير من الربا، بل يجب أن يكون البحث عن البدائل المباحة، وهي التي قامت من أجلها جهود علمية كبيرة في عصرنا سعياً لضبط ما يمكن تقديمه من البدائل. ويقال في مجالات الإعلام والترفيه والفن ما قيل هنا، فإن طلب البدائل مشروع لكنه لا يعني الترخص أو التخفف من ضوابط الشريعة فيها. ومن طريف ما ذكره ابن تيمية في تسمح بعضهم في إقامة البدائل المحرمة حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ رآه قد جمع الناس على مثل هذا الاجتماع - يقصد مجالس السماع المحرم -: يا شيخ إن كان هذا هو طريق الجنة .(1(فأين طريق النار وبشكل عامٍ يجب على المسلم أن يستحضر أن تركه للحرام هو لله تعالى، لا أنه أمر مرتهن بوجود البديل، فيتركه إذا وجد البديل، أما إذا عُدم فلا يتزحزح عنه، فإن هذه إحدى مشكلات المبالغة في تعويد النفس على تطلب البدائل، وهي مشكلة مشابهة لمشكلة بعض النفوس في مغالاتها في تطلب معرفة حكمة الله تعالى من كل تشريع، بما يشكل مانعاً من قبول بعض التشريعات إذا لم يظهر له وجه الحكمة فيها، فكذلك حال بعض النفوس في البدائل. وليستيقن العبد أنه متى صدق في تركه محرماً طاعةً لله تعالى فهو موعودٌ بأن (.٧/1 الاستقامة لابن تيمية(1(
عدد الصفحات ٣٣٠330 ما هو البديل؟ يؤتيه الله خيراً مما ترك أنه قال. وجاء عن أبي بن كعب( 1(منه الله بما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون عبدٌ أو أخذه من حيث لا يصلح .(2(له إلا آتاه الله بما هو أشد منه من حيث لا يحتسب بقي التنبيه إلى مسألة مهمة وهي ضرورة طلب البديل ممن يمكنه تقديمه، وعدم مطالبة كل ناقد أو محتسب بضرورة تقديمه، فقد يستبين للشخص خطأ ممارسة معينة، أو عدم جدوى منتج ما، فإذا سئل عن البديل، فقد لا يستحضره، أو يكون عاجزاً عن تقديمه، فلا يصح أن يشكل هذا ذريعة لرفض نصيحته وتخطئته، بل الواجب النظر في نقده من حيث هو، فإن كان حقاً قُبل، ثم ينظر في المسألة الأخرى وهي طلب البديل المشروع. ولذا، فمن النقد غير الموضوعي لوم العلماء والدعاة حين ينكرون بعض الأخطاء في الواقع بأنهم ينشغلون بالنقد عن تقديم البدائل والحلول، وقد لا تكون فضاءات هذه الحلول داخلة في اختصاصاتهم أصلاً، فليس واجباً على كل ناصح أن يقوم بتقديم جميع الحلول في مختلف المجالات العلمية في الطب والهندسة والعلوم بداهةً، ولا في المجالات الإنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع، وغيرها أيضاً، وهو ما يستدعي ضرورة استحضار الفرق بين الفقيه والخبير، ومجالات عمل كل منهما. فدور عالم الشريعة النظر في النصوص وتطلب معانيها وإدراك ما فيها من أحكام، ثم تنزيل تلك الأحكام على الواقع، وقد يحتاج لتمام العلم بطبيعة الواقع أن يستعين بالخبير الذي يكشف له تفاصيل الواقع ليدرك بعد ذلك مدى ملاءمة الحكم له أو عدم ملاءمته، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره. أخرجه أحمد. وصححه الألباني.(1( .(213/1 الزهد لابن المبارك(2(
عدد الصفحات ٣٣١331 ما البديل؟ فلا يطالب الفقيه بوضع الحلول لجميع مشكلات الواقع، فإنه غير مستطاع له، بل إن هذه المطالبة تحمل في طياتها قدراً عالياً من الاستهانة بالمعارف والعلوم، وعدم إدراكٍ لحجم التعقيدات المتعلقة بها، فمطالبة الفقيه بالتحرك في فضاءات علمية لا يحسنها هي دعوةٌ صريحة له لأن يسطوا على تخصصات غيره، ويتسور عليها، فإن فعل وأقدم فما أحسن بإقدامه إذ تكلم بغير علمٍ، ثم إن ما سينتجه سيكون مظنة الخطأ والوهم بطبيعة الحال. فافتراض مسؤولية الفقهاء أو الدعاة أو المحتسبين عن إنتاج البدائل في جميع المجالات خطأ، وهو تصور شمولي يغفل عن اتساع دائرة التخصصات وتنوع المعارف، وما يستدعيه توفير البدائل من تواصل معرفي بين الفقهاء والخبراء. كما يغفل أيضاً عن أن إنتاج البدائل فعلياً لا يقوم على مجرد التفكير النظري عند الحديث عنها، فالأمر في كثير من الأحيان لا يعتمد على مجرد تقرير معرفي، وإنما يحتاج إلى سلطة أو ملاءة مالية أو غير ذلك مما لا يملكه الفقيه أو الخبير، فحاجة الناس إلى إعلام هادف مثلاً كبديل عن الإعلام الهابط لا يقوم إلا عبر مؤسسات تقيم هذا المشروع، وهو ما يتطلب أموراً كثيرة جداً تخرج عن حدود تقديم الرأي المجرد، والناس يحتاجون أيضاً إلى بنوك إسلامية في مقابل البنوك الربوية، وهي الأخرى لا تتمثل في الواقع بمجرد التنبيه إلى أهميتها، أو تصوير كيفية إقامتها، فالتقصير في هذه البدائل لا يعود إلى تقصير الفقيه أو الخبير، وإنما يرجع إلى غيرهم. أنه مع الاعتراف بأهمية توفير البدائل الشرعية للتخفيف من جاذبية والخلاصة كثير من المنكرات، وأن له أثراً حقيقياً ملموساً في ذلك، لكن المسلم لا يجعل من توافرها ميزان التزامه بأوامر الشريعة، فإذا توافرت وقع منه الالتزام، وإن لم تتوافر مضى في ممارسة الحرام، وليتذكر دوماً أنه عبد لله، وأنه في دار ابتلاء واختبار، وأن الله كريم، وأن من كرمه سبحانه أن من ترك شيئاً له عوضه خيراً منه.
عدد الصفحات ٣٣٢332 ) الإيمان في القلب40( هذه المقولة لها استعمالان شهيران: استعمال علمي له حضوره في المدونة العقدية، واستعمال شعبي يشيع في كثير من الأوساط الاجتماعية. فهو إطلاق يتم تناوله عند معالجة أحد أهم مباحث الاستعمال الأول: ففيما يخص الأسماء والأحكام في البحث العقدي، وهو تحقيق ماهية الإيمان وتعريفه، حيث يقرر بعضهم تبعاً لمذهب الجهمية والمرجئة أن حقيقة الإيمان في القلب، وأن قول اللسان وعمل الأركان ليس من صميم الإيمان ولا ركناً فيه، فالإيمان ليس إلا المعرفة أو الإقرار أو التصديق المنعقد في القلب، وبزواله يزول الإيمان، وأما الأعمال فهي مكملة، ويجري عليها الثواب والعقاب، لكنها ليست من حقيقة الإيمان، ولا يخرج المسلم من الإيمان بسببها. وهذه مقولة عقدية شهيرة مخالفة لاعتقاد أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يقوم على ثلاثة أركان: تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح؛ فقول اللسان وعمل الجوارح كقول القلب وعمله داخلة جميعاً في صميم الإيمان، وقد يخرج المرء من الإيمان بسبب قول أو عمل. وهذا الخلاف العقدي الشهير قد بُيّنت أدلته، ونُقضت شبهات المخالفين فيه، وليس هذا مجال التعرض لذلك، لأنها ليست من المقولات المعاصرة التي نتحدث عنها. فيأتي في سياقٍ لا يستحضر المعنى العقدي السابق أصلاً، الاستعمال الثاني: أما ولا يعتمد فيه على أصل فكري معين، وإنما يجيء في سياق بيان مكانة الإيمان
عدد الصفحات ٣٣٣333 الإيمان في القلب القلبي، وأن الإيمان الحقيقي هو إيمان القلب، وأن بعض من يظهر الخير قد يكون فاسد الاعتقاد، سيئ النية، ذميم الباطن، وهذه المعاني الباطنة أهم من ذلك الخير الظاهر. فمن يردد هذه المقولة قد يستحضر أموراً عدة: - أهمية العناية بالجانب القلبي، والعمل الخفي، وفعل السر.1 - عدم الاكتفاء بفعل الظاهر، فقد يكون حال بعض من حسن أمره ظاهراً غير2 محمود الباطن - أن بعض من تظهر عليه مظاهر السوء والشر قد يكون في باطنه أحسن حالاً 3 من غيره والحقيقة أن هذه الأمور من حيث الجملة حق لا إشكال فيها، فشأن الإيمان القلبي عظيم جداً، والتذكير به وبأهميته من الأمور المهمة التي قد يتساهل فيها كثير من الناس، والتذكير بجانب السر، ومراقبة الله، وإصلاح حال الإنسان، كله من الأمور المهمة أيضاً. كما أن الحكم على الناس لا يكتفي فيه بالظاهر فقط، فقد يكون حال الإنسان في الحقيقة مخالفاً لظاهره، كما أن الظاهر فقط ليس معيار المفاضلة بين الناس. فهذه إذاً معانٍ صحيحة لا غبار عليها. إذاً، كيف تحولت هذه المقولة لتكون مقولة مؤسِّسَة للانحراف الفكري المعاصر؟ تأتي مشكلة هذه المقولة من طبيعة السياق الذي توضع فيه، حيث إن هذه المقولة حين تجري على ألسنة كثير من الناس لا تأتي في السياق الموضوعي الذي يتضمن بيان أهمية الباطن، أو ضرورة عدم الاكتفاء بالظاهر، وإنما تجيء في سياقات فاسدة، ومن هذه السياقات الفاسدة:
عدد الصفحات ٣٣٤334 الإيمان في القلب فتراه حين يرى بعض الناس متمسكاً حريصاً على- التزهيد في الأعمال الظاهرة: عمل ظاهر يذكره بهذه المقولة. فإذا نُصح بسبب مخالفة ظاهرة ردد هذه العبارة (الإيمان - التهوين من المعاصي: في القلب). وإذا شعر أنه في موضع نقد بسبب تقصيره في بعض الشعائر الظاهرة دفع هذا النقد بمثل هذه المقولة. ومن الطرائق الشهيرة في التزهيد في الطاعات والمعاصي، تلك المقارنات الساذجة التي تتنوع طرائق عرضها: بأن يقارن حال شخص يحافظ على الصلاة في المسجد مثلاً ويقوم الليل لكنه يرتكب محرمات، في مقابل شخص أقل منه تديناً في الظاهر لكنه أحسن منه في الصدقة والخير. أو أن ينقل صورة امرأة متحجبة لكنها ترتكب محظورات معينة، في مقابل أخرى متساهلة في الحجاب لكنها تفعل أموراً حسنة. والمقصد من هذه المقارنات هو بعث رسالة ضمنية عميقة للمتلقي: بأن الإيمان في القلب، فلا تغتر بمثل هذه المظاهر. ستعرف سذاجة هذه المقارنات وسخف ما تتوصل إليه من نتائج إذا استحضرت معنى واحداً فقط، وهو: أن التفضيل بين الناس لا يقوم على طاعة واحدة أو ترك معصية معينة، وإنما يكون بمجمل الحسنات والسيئات، فالدعوة إلى الحجاب وبيان فضله لا تعني أن كل محجبة هي خير من جميع النساء المفرطات في المحجبات، وإنما هي خير منهم في هذه العبادة، وأما بقية الأمور فتتعلق بحال كل امرأة وما تقوم به من حسنات وما تجتنبه من سيئات، ومن مجموع ذلك يتفاضل الناس. كمن يقول عن التقليل من أثر الطاعات في تحقيق المصالح ودفع المفاسد: الدعوة للحجاب وأثرها في الفضيلة إن الإيمان في القلب، فيزهد من أثر الطاعة في تحقيق هذه المقاصد، فيستغل هذه المقولة لنقض أثر الحجاب في العفة والفضيلة،
عدد الصفحات ٣٣٥335 الإيمان في القلب {وهذا معنى قطعي ]٥٣[وَقُلُوبِهِن وأثر الحجاب في العفة والطهارة، وكونه وسيلة مؤثرة في ذلك، لا يعني أن كل من تمسك به فهو كذلك، ولا أن كل من فرط فيه فقد نقض عفته، وإنما هو سبب مؤثر فلا معنى للتشغيب عليه بمثل هذا. وهذه في الحقيقة قضية يدركها الناس في جانبهم المعيشي ولا تخفى عليهم، فإذا قيل: إن استعمال الدخان مؤثر في الصحة فلا يعني هذا أن كل مدخن هو أسوء صحة من غير المدخن، ولا أن كل من لم يدخن هو معافى من أي أضرار قد يصاب بها المدخنون، فهذه قضية بدهية لا تخطر على ذهن الناس في مثل هذه السياقات لأنها متعلقة بمقدمات تفكير واضحة، لكنها إذا جاءت للقضايا الشرعية وقعت مثل هذه التوهمات الفاسدة، وصدقتها بعض النفوس، لأسباب منها: ضعف التقدير الواجب للأحكام الشرعية عند بعض الناس، فيقبلون بعض التصورات الهزيلة بسبب تمكن الهوى. مشكلة هذه السياقات أنها لا تعي طبيعة العلاقة الجدلية بين صلاح الظاهر بصلاح الباطن، وأن كلاً منهما يؤثر في الآخر؛ فصلاح الباطن يحدث صلاح الظاهر، وصلاح الظاهر يزيد من صلاح الباطن، وأن الأمر كما قال الحسن البصري عليه رحمة الله: « فالظاهر وإن لم يدل بالضرورة على كمال صلاح الإنسان في باطنه، لكنه في الأصل انعكاس عنه للتلازم الواقع بين الظاهر والباطن، فمن صلح باطنه ظهر ذلك في صلاح ظاهره، ومن صلح ظاهره أثر ذلك في صلاح باطنه. ومن تمام صلاح الباطن وموجباته الالتزام بالواجبات الظاهرة، إذ الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ما يشعر به الإنسان من نفسه في مواسم
عدد الصفحات ٣٣٦336 الإيمان في القلب الخير كشهر رمضان، فإنه يحس بطمأنينة وسكينة إيمانية بالتزامه بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، كما يشعر إن كان في قلبه حياة بالنكد والوجع متى تكاسل عن أداء بعض الواجبات وفرط فيها. وهو ما يكشف عن ذلك الغلط الكبير بتوهم أن العلاقة بين الظاهر والباطن علاقة منفكة، والتعامل معهما كحقلين متباينين، فهذا جهل كبير بالشرع، وقصور كبير في فقه أحوال النفوس. وقد كشفت الشريعة عن طبيعة الملازمة بين الظاهر والباطن، ومن « : ذلك قول النبي . وفي التأكيد على أهمية الظاهر والباطن (1(فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب « :وأنه ميزان المفاضلة عند الله، يقول .(2(ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم متفق عليه.(1( أخرجه مسلم(2(
عدد الصفحات ٣٣٧337 ) الغلو نبتة سلفية41( الغلو هو نبتة سلفية، أو ظاهرة سلفية، أو منتج سلفي، أو غيرها من عبارات تصاغ للتعبير عن فكرة واحدة، وهي: أن السلفية سبب لظهور الغلو، وهي التي تتحمّل تبعاته وآثاره، وذلك أن الغلاة ينتسبون إلى السلفية، ويستدلون بأصول السلفية، ويستندون إلى رموزها ومقولاتها، وهذا يعني أن المشكلة في السلفية نفسها. هذه المقولة كما ترى تستند إلى وجود علاقة بين (الغلو) و(السلفية). وهذه العلاقة تتجلى في انتساب غلاة إلى السلفية، واستدلالهم بأدبيات سلفية. حسناً، دعونا نحدث تغييراً يسيراً في هذه المقارنة، فنضع الإسلام هنا بدلاً من السلفية، ونتأمل في طبيعة النتائج: إن الغلاة ينتسبون إلى الإسلام، ويستدلون بأصوله لغلوهم، فيبرهنون على صحة أفعالهم بأدلة الكتاب والسنة، وينسبون هذا كله إلى تراث المسلمين، وأقاويل الصحابة، فالغلو بناء على هذا نبتة إسلامية! والربط بين الإسلام والغلو ليس ربطاً حجاجياً إلزامياً فقط، بل له حضور كبير في الأوساط الإعلامية والثقافية المعاصرة، فكثير من وسائل الإعلام الغربية هي بين مصرح بهذا الربط، أو مضمر له، وهي تنطلق من التسليم بأن هناك علاقة بين الغلو والإسلام بناءً على ما يرونه من انتساب بعض الغلاة إلى الإسلام، واستنادهم إلى نصوصه وأحكامه.
عدد الصفحات ٣٣٨338 الغلو نبتة سلفية فحقيقة الأمر أن من يجعل انتساب الغلاة إلى السلفية، واستدلالهم بها وبأدبياتها، دليل على أن الغلو نبتة سلفية، فهو يمارس ذات الدور الذي يقوم به من ينسب الغلو إلى الإسلام، ويقع في ذات الخلل العلمي والغلط المنهجي وتجاوز العدل والإنصاف الذي يقع فيه من ينسب الغلو إلى الإسلام. ولهذا، لو جرب من يربط بين الغلو والسلفية أن يرد على من يربط بين الإسلام والغلو سيجد أنه يقدم أدلة ترد على مقارنته الساذجة والسطحية بين الغلو والسلفية. فهو يقول: وجود غلاة ينتمون إلى الإسلام لا يعني أن الغلو متعلق بالإسلام نفسه. وأن استدلال الغلاة بالإسلام لا يعني أن هذه الأفعال يقرها الإسلام فعلاً. فهذه الردود تسير كما ترى على طريقة موضوعية صحيحة في بيان فساد ربط الغلو بالإسلام، وأنه ربط جاهل ساذج قاصر، مبني على تحيز وظلم وبغي، لكنها في الحقيقة تمثل ذات الطريقة التي تكشف أن ربط الغلو بالسلفية هو كذلك ربط جاهل وساذج ومبني على تحيز وظلم وبغي. إذاً، فربط الغلو بالسلفية بناءً على وجود غلاة ينتمون إلى السلفية، ويستدلون بمقولاتها، ويقرؤون كتبها، ويثنون على علمائها؛ طريقة ساذجة سطحية هزيلة، لا يليق بمن يحترم البحث الموضوعي ويعظم الحكم العلمي العادل أن يتفوه بها، لأن فسادها ظاهر بأدنى نظر عقلي. فمشكلة من يربط بين الغلو والسلفية أنه عاجز عن التمييز بين المقولات والأفكار والأشخاص، فإذا رأى أن الغلاة يستدلون بمنهج سلفي، ويكررون مقولات ابن تيمية، ويستندون إلى قواعد سلفية معروفة، قال مباشرة: إذاً هذه فكرة سلفية، ويجب أن نعيد تصحيح السلفية حتى لا تنتج الغلو!
عدد الصفحات ٣٣٩339 الغلو نبتة سلفية فمنشأ الخلل دخل عليهم من عدم قدرتهم على التمييز بين الأصول نفسها، وحدود عملها، وبين توظيف الغلاة لها. وكان الواجب عليهم أن يرجعوا لأهل العلم حتى يميزوا لهم الحد الشرعي المعتبر، والتجاوز الغالي الذي وقع، لكنهم بدلاً من ذلك استندوا إلى قصورهم العلمي، فانطلقوا منه للطعن في السلفية ذاتها. ولهذا، فإذا أردت أن تثبت أن الغلو نبتة سلفية فالطريقة الصحيحة أن تثبت وجود مقولات سلفية صحيحة هي من الغلو نفسه، فإن كانت محل إجماع تكون دليلاً على وجود غلو متفق عليه، وإن كانت محل خلاف تنسب المقولة الغالية إلى أصحابها، ثم ينظر في هذه المقولة: هل هو غلو قطعي، أم مخالفة اجتهادية؟ وهل هي من قبيل الزلة والغلط الفردي، أم هي تمثل منهجاً عاماً؟ ثم تنظر فيما يمكن أن يساء فهمه من مقولات ومدى حضورها عندهم، وهل وجدت عندهم ضمانات تدفع هذا الوهم الفاسد. هذه هي الطريقة الصحيحة لإثبات وجود غلو في المنهج السلفي أو في أي جماعة معينة، فهل من يقول إن الغلو نبتة سلفية قدم شيئاً من ذلك؟ نعم، بعض القائلين بهذا قدموا شيئاً من ذلك، فحكموا - ولو بلا وعي - على بعض النصوص الشرعية بأنها من قبيل الغلو، كما حاربوا جملة من الأحكام الشرعية بذريعة الغلو، وحكموا على اجتهادات فقهية معتبرة بالغلو، وهكذا وقعوا في مصادمة مع أحكام ونصوص لإثبات وجود الغلو، ففي سبيل إثبات وجود غلو في المنهج السلفي أظهروا أن مشكلتهم ليست مع الغلو، بل مع النصوص ذاتها! وأما أكثر القائلين فإنهم لا يقدمون شيئاً من ذلك أصلاً، وإنما يكتفون بذكر العلاقة الساذجة بين الغلاة والسلفية.
عدد الصفحات ٣٤٠