308 التوجس من كل جديد : أثر هذا الانطباع السيئ - بغض النظر عن حقيقته وكونه واقعاً أمالأمر الثاني - في الوقوع في بعض الأخطاء والانحرافات العلمية والعملية، وما يمكن أن يترتب على هذه الصورة النمطية السلبية من ممارسات وتصرفات وتجاوزات. فعلى أي حال كان هذا الانطباع، وسواءً سلمنا بصحته كاملاً أم لا، فإن الإشكال يكمن فيما يترتب عليه من أمور مخالفة تتسبب في وقوع انحرافات، منها: ) الإعراض عن الأحكام الشرعية:1 فبناءً على هذا الانطباع السيئ يلغي بعض الناس من تفكيره الاعتبار للحكم الشرعي رأساً، وتتشكل عنده نفسية نافرة من الخطاب الديني تجعله معرضاً عن أي نظر في الأحكام الشرعية، أو يكون نظره محكوماً بهذا الانطباع السلبي فلا يقبل من الأحكام إلا ما كان موافقاً له، وهذا في الحقيقة من جنس الهوى الذي يصد الإنسان عن الحق، والواجب على المسلم أن يجتهد في البحث عن مراد الله وأن يبذل غاية جهده في تتبعه، وإذا وجد في زمانه أشخاصاً أو جماعاتٍ أو مؤسساتٍ خالفت الحق، فينبغي أن يستفزه هذا لبذل مزيدٍ من الجهد في البحث عن الحق، لا أن يعرض عنه بسبب تلك المخالفات. إن حقيقة هذا الإعراض هي معاقبة للنفس بسبب أخطاء الآخرين، فكأنه يقول: بما أنكم تشددتم وحرمتم وفعلتم، فإنني سأرفض أي نظر في تحريم أو منع بعد ذلك. فهو يتوهم أن هذا موقفٌ رافض لهم، وهو في الحقيقة رفضٌ للنفس، وجرٌّ لها نحو [{ الهلاك فأخطاء الآخرين ليست مسوغاً لأحد أن يُفرِّط في الحكم الشرعي الواجب عليه.
عدد الصفحات ٣٠٩309 التوجس من كل جديد ثم هذا موقف نفسي وشعوري لا يقوم على تفكير عقلي ولا نظر مصلحي، فهو يتحرك بدافع كرهه لأقوام وغضبه من جماعات ونفوره من طوائف، والعاقل لا يقع ضحية لهذه المواقف النفسية ولا أسيراً لها، خصوصاً حين يتجاوز الموقف الفردي الخاص في مجلس معين مثلاً إلى أن يكون منهجاً مطرداً لا يبالي الشخص بأي نص ولا ينظر في أي مقولة ولا يسمع أي فتوى، لأنه متشبع بهذا الانطباع السيئ. هذه الانطباعات ليست عذراً لأحد في ترك حكم شرعي لأنها من جنس الأهواء، والأهواء ليست عذراً في ترك الحق، بل هي موضع المجاهدة سعياً إلى دفعها لمصادفة الحق. وأنت إذا تأملت واقع عامة المنحرفين والواقعين في شباك الباطل، وجدت عندهم انطباعات قبيحة عن أهل الحق، وبعض هذه الانطباعات قد تكون حقاً، لكن هذا لا يعفيهم عن وجوب اتباع الحق. وهذا الإعراض بطبيعة الحال سيفرض التساهل في فعل المحرمات وترك الواجبات عند قطاع من الناس بسبب رفضهم من يرون أنه شدد عليهم، فيقابل ما يراه من تشدد بتساهل مقابل! ) تقبل الأفكار الجديدة بلا تمييز:2 ومن مشكلات هذا الانطباع القبيح دفع بعض الناس للتساهل في قبول أي فكرة ما دامت مخالفة للسائد، فالحنق في النفس يدفع بعض الناس لتقبل أي أفكار أو مقولات تصادم التيار السائد الذي ينفر منه، وقد يتساهل في تمييز ما فيها من باطل أو يدافع عن تجاوزاتها أو يعرض عن ذلك، وكل هذا لأنه رافض صورة معينة، فأي صورة أخرى هي أجمل في نظره، وهذا أيضاً من الهوى، والمسلم مسؤول عن نفسه مسؤولية كاملة، فالجِدة أو القِدم ليست معايير يُدرَك بها الحق أو الباطل، بل يجب محاكمة الجديد والقديم لمعايير المحاكمة الصحيحة، فقد يكون الجديد صواباً
عدد الصفحات ٣١٠310 التوجس من كل جديد أو خطأ، وقد يكون القديم كذلك، فاليقظة عند التعامل مع الجديد مطلوبة، ليصون الإنسان نفسه من الوقوع في إحدى آفتين: تقبل الجديد مع ضرره، أو رده مع منفعته. ) تقبل أي اجتهاد جديد ينتسب إلى الفقه:3 هذا الانطباع السلبي يسهم في التهاون مع أي اجتهاد فقهي، فتجد المتأثرين به يَقبلون بأي فتوى أو اجتهاد أو رأي لمجرد أنه مخالف للاجتهاد الذي ينفرون منه، وهو ما سهل مهمة العبث بأحكام الشريعة، فبإمكان أي شخص مهما ضعفت مؤهلاته وتفكيره أن يخرج في أي قناة ليقدم حزمة من الاجتهادات الجديدة، وسيجد لها تأييداً ودعماً، لمجرد أنه قد خالف السائد. وهذا قصور كبير جداً في التفكير، فإذا كان هناك تقصير في الاجتهاد المطلوب، فالواجب هو تسديده باجتهاد أفضل منه، وإذا كان المشايخ قد تشددوا وخالفوا الحق، فالواجب تقديم خطاب فقهي يصحح الخطأ ويقوم الصواب، لا أن يتهاون المسلم في قبول أي أمر باسم هذا الاجتهاد. من ينتقد الاجتهاد المعاصر بأن فيه تشدداً ومخالفة للاجتهاد المعتبر، فإن عليه مهمة أعظم في البحث عن الاجتهاد الأكمل، وهذا يتطلب مزيد بحث وعناية وتدقيق، لا أن يكون سبباً لقبول أي اجتهاد! وليس من العقل أن يقبل المرء على خيارٍ لا يدري هل هو صوابٌ أم خطأ لمجرد أنه مخالف لما أبغضه من خيار سائد! ) الندم على فعل الطاعات:4 ومن غريب التأثيرات السلبية لهذا الانطباع حمله بعض الناس على الندم على ما قدموا في سنوات عمرهم من أعمال صالحة، فتجده يتأسف على عمرٍ أضاعه
عدد الصفحات ٣١١311 التوجس من كل جديد ممتنعاً عن محرمات أو مكروهات، أو فاعلاً لواجبات أو مستحبات، بسبب تأثره بهذا الخطاب المرفوض. فهب أنه كان ملتزماً بمستحب ظنّه واجباً متابعةً لقول فقهي سائغ، ثم استبان له أنه ليس بواجب، هل في هذا ما يستدعي أن يكون المسلم نادماً على أنه نشأ ملتزماً بخيرٍ يقربه إلى الله تعالى؟! وهب أن المسلم قد ترك أمراً ليس واجباً في نفس الأمر، أو تنزه عن فعلٍ ليس محرماً في ذات الأمر، فهل في هذا ما يستدعي أن يعود بنيته على ما مضى من أعمال صالحة، وكأنه حزين على ما قدم من خير وما جمع من حسنات؟! فحتى لو كان مخطئاً في ظنه أن ما كان ملتزماً به واجب من الواجبات، أو أنه تجنب ما ليس بمحرم، ففي النهاية قد فعل أمراً مشروعاً يريد به وجه الله تعالى، وترك ما ترك طاعة لله واتباعاً للشرع، فعلى ماذا هذا التأسف على الأعمار التي ذهبت في طاعة الله؟! ولو كان الأمر متعلقاً ببدعة، أو قولٍ مصادم للنصوص، لكان مثل هذا الفرح والندم متفهماً، مع طمع العبد أن يثيبه الله على حسن نيته، أما أن يفرح على ما آل إليه، ويندم على ما فات في مسائل اجتهادية سائغة، فأمر لا معنى له، بل يخشى على صاحبه، فإن للقلب أعمالاً يحاسب الله عليها. ) القصور في تقويم الواقع:5 هذا الأثر النفسي يفقد بعض الناس القدرة على الحكم على الواقع بموضوعية، أو تقويمه بعدل، فهو يتحدث في قضايا تتطلب من العلم والاتزان والإنصاف والتدقيق ما لا يمكن أن يجتمع مع حالة الاحتقان والغيظ الذي يسكن بعض هذه النفوس التي تكرر مثل هذه المقولات، فوجود شيء تكرهه قد يؤثر سلباً في حسن تعاطيك معه
عدد الصفحات ٣١٢312 التوجس من كل جديد والحكم عليه، كما أن الحب قد يؤثر كذلك، ولذا جاءت الشريعة بالتأكيد على أهمية [{العدل في مثل هذه المقامات، قال تعالى {2 [ التأكيد على هذا المعنى في هذه الآيات ) الموقف السلبي من التدين:6 وبه نختم الآثار السلبية لهذا الانطباع، بالتأكيد على خطورة شحن الناس ضد علماء الشريعة، ودعاتها، ومن عرفهم الناس بالخير والصلاح، والمبالغة في تشويههم والحط عليهم، فهذا في الحقيقة من أمضى الأدوات لعزل الناس عن مغذيات التدين، وهو من أنجح أساليب أهل الباطل في إضعاف تدين الناس، إذ في إسقاط الآمرين بالمعروف إضعافٌ للمعروف الذي يحملون، وفي إسقاط الناهين عن المنكر تجرئةٌ على المنكر الذي ينكرون، وفي إسقاط العلماء والدعاة كافة تأثير على ما يحملون من علم وخير. فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يتعمد بعض الناس أن يشوه الحامل ليضعف المحمول، وهذا ما يفسر الحرص والولع الشديد على هذا التشويه عند بعض الناس، ومحاولة إلصاق جميع المعايب والمهامز بهم، والذي له أثر نافذ في توهين التدين في النفوس. والقصد هنا ليس تصويب الواقع كله، ولا إضفاء قداسة على أحد، أو منع أي نقد أو تقويم عادل، وإنما الوعي بمثل هذا المعنى الشرعي المهم الذي يحتم أمرين أساسين:
عدد الصفحات ٣١٣313 التوجس من كل جديد ضرورة التدقيق في كثير مما يروى من قصص وأخبار تسهم في الأمر الأول: هذا التشويه، إذ كثير منها يخلق انطباعاً مشوهاً للواقع، يتضمن كثيراً من الأكاذيب والشائعات، ويشارك فيه أشخاص لا يتسمون بالنزاهة العلمية الكافية. إن الأمر شبيه بإستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاباً نزيهاً يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو. ولذلك تجيء كثير من هذه الصور المشاعة في صورة كرتونية، تشعر وأنت تتأملها أنك أمام فبركةٍ غريبة تمت معالجتها بتقنيات الفوتوشوب الخادعة. وليس القصد دفع كل ما يتناقل من أخطاء وهفوات في هذا الموضوع، وادعاء أنه كذب محض، فالأخطاء موجودة فعلاً، وإنما القصد التنبيه إلى جسد عريض من الكذب والافتراء يبعث على التوجس وأخذ الحيطة عند ذكر أي مثال في هذا الشأن فلعله قطعة من هذا الجسد. ضرورة مراعاة حدود النقد والتقويم بأن تسير بعلم وعدل، ومراعاة الأمر الثاني: توظيف بعض الناس لمثل هذا السياقات، لئلا يؤول الأمر إلى تشويهٍ يتسبب في إضعاف التدين في نفوس بعض الناس، فباب النقد ليس مغلقاً، بل هو مفتوح مشروع، شريطة الالتزام بشروطه، ومراعاة أوجه الحكمة فيه. إذاً، هذه المقولة تشحن النفوس بحالة سلبية شديدة ضد الخطاب الديني، والعلماء، والفتاوى، والتدين، فتترتب على ذلك مخالفات شائعة في التساهل في فعل المحرمات، أو ترك الواجبات، أو الإعراض عن الأحكام الشرعية، وتقبّل أي أفكار أو اجتهادات مخالفة للسائد الموجود؛ وكل ذلك من جنس الهوى الذي يجب أن يكون المسلم واعياً به، فالكره ليس دليلاً على حق، وليس مبرراً للتفريط في واجب، ولا لتضييع شيء من العدل.
عدد الصفحات ٣١٤314 ) رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه38( هذه المقولة من المقولات الرائجة على ألسنة الناس، وهي في الأصل لا إشكال فيها، فرحمة الله تعالى ليست في يد أحدٍ من خلقه، وليس لأحد أن يتألى على الله « :تعالى فيها، بل هو مقام خطر جداً صح فيه قول النبي الله لفلان. وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد . فهي إذاً مقولة صحيحة لا غبار عليها.(1(غفرت لفلان، وأحبطت عملك إنما الإشكال في بعض السياقات المعينة التي يستعان فيها بهذه المقولة، وتتكرر بتكرارها، وكم من سياق جعل كلمة حقٍ توهم باطلاً، ورضي الله عن علي حين قال في جنس هذا: كلمة حقٍ أريد بها باطل. فالسياق الذي تُذكر فيه هذه المقولة أحياناً، والتي تجر إلى اعتقاد الباطل والترويج له، هو سياق الترحم على موتى الكفار. وهذه قضية جدلية تتكرر مع موت أي عَلَمٍ مشهور من غير المسلمين، فإذا مات عالم أو ناشط أو مخترع أو رجل أعمال وهو كافر، فإن شرارة الجدل حول حكم الترحم عليه تنطلق في المشهد، وتشتغل شبكات التواصل الاجتماعي بإثارة هذه القضية، ما بين مؤيد للترحم، يرى في ذلك وفاءً وحسن خلق، ويمارسه فعلياً، فيقول: رحمه الله، وغفر له. وقد يدعو له بالجنة ونحو ذلك، كما يفعل تماماً مع موتى المسلمين. وآخرين على الضد يرفضون ذلك، معتقدين أن مثل هذا التصور وهذه الممارسات مخالفة للأصول الشرعية. أخرجه مسلم.(1(
عدد الصفحات ٣١٥315 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه ومن تدبّر نصوص الشريعة في هذا جزم برجحان كفة الفريق الثاني المتحفظ عن إعطاء الكفار مثل هذا الفضل، ومن تلك النصوص: { - .[ { - .[أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْـجَحِيمِ { - .[كَفَرُوا بِاللَِّ وَرَسُولِِ ومما يؤكد دلائل هذه الآيات حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: زار النبي قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال .(1(واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت فهذه النصوص كما ترى صريحة في المنع من الترحم والاستغفار للكفار بسبب موتهم على الكفر، وهو ما يُشكِّل أحد المعاني الضرورية المدركة من دين الإسلام، فمن قطعيات الدين التي يؤمن بها المسلمون أن النجاة في الآخرة مرتبطة بالإيمان بالله ورسوله، وأن من لم يؤمن به فلا نجاة له، وهذا أصل قطعي ظاهر لا يختلف فيه. العجيب أن هذا الأصل القطعي يكثر انتهاكه مع وفاة كثير من مشاهير الكفار، ولعل المحرك الفاعل هنا هو في تأثير الحالة العاطفية الآنية التي تراعي الموت وتشفق على الميت، فترى أن من التعاطف معه والشفقة عليه الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وفي هذا السياق تأتي هذه المقولة: الحمد لله أنه لم يجعل رحمته بيد أحد أخرجه مسلم.(1(
عدد الصفحات ٣١٦316 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه من خلقه، كمقولة توظف للرد على الرافضين المتحفظين عن الدعاء لذلك الميت {بالرحمة، وقد يؤكد هذا المعنى فيستدل بمثل قوله تعالى [ ويظن بعض أولئك أننا حين نقول بحرمة الترحم عليهم، فنحن ننطلق من اختياراتنا الخاصة، وكأننا ادعينا أن أمر الرحمة هو بأيدينا، فيريدون تذكيرنا بأنها ليست إلينا، وإنما هي بيد الله وحده.. وهذه طريقة تائهة في النقاش، فمن يمنع من الترحم على الكفار فإنما يمنعه بسبب أن الله منعنا من ذلك، وأخبر أنه لا يرحمهم، فسؤال الله تعالى ذلك بعد منعه له اعتداءٌ محرمٌ في الدعاء لا يجوز، يقول ابن تيمية: « .(1(الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين، ونحو ذلك فإذا كنت صادقاً بأن رحمة الله ليست بيد أحد من خلقه وإنما بيده سبحانه، فيجب أن تؤمن بأن الله قد أخبرك بأن رحمته لن تنال الكفار، وإنما هي لأهل الإيمان {به الَِّينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الَّبَِّ الأُمَِّّ الَِّي يَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ #٦٥١#) { .[ [لَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ {فالله قد جعل طاعته وطاعة ورسوله سبب الرحمة {[تُرْحَُونَ [{[ .(٠/1 مجموع الفتاوى لابن تيمية(1(
عدد الصفحات ٣١٧317 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه فالإيمان بأن الرحمة بيد الله معنى متفق عليه، ولا حاجة إلى ذكره هنا، إنما حقيقة هذه المقولة: أن أولئك الذين حكم الله تعالى بأن رحمته لا تنالهم هم محل لرحمته لأن الرحمة بيده، وهذا تكذيب لرب العالمين، فمن ملك الرحمة أخبرك بمن يستحقها ومن لا يستحقها، وكون الرحمة بيد الله لا يعني أن تضعها أنت حيث تشاء! يقال هنا: لكن هذا الكافر فعل أموراً حسنة رائعة؛ فتح المستشفيات، وخدم الإنسانية، وساعد المحتاجين، وبنى المساكن، ويعدد لك الإنجازات العظيمة التي فعلها هذا الإنسان. وليس محل المنازعة بيننا هل قام بمثل هذه الأعمال أم لا؟ وإنما محل البحث والمنازعة في سبب نيل رحمة الله الأخروية وشرط دخول الجنة، فصاحب هذه المقولة حين يورد هذه المنجزات الدنيوية يكشف عن جهله بقاعدة شرعية ضرورية، {وهي أن دخول الجنة له شرط لا بد منه، وهو الإيمان [فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا في الآخرة إذا لم يحقق شرط الإيمان، ولهذا بعث الله الأنبياء والرسل وأنزل الكتب ليؤمن الناس به، ويطيعوه، وجعل ذلك هو ميزان النجاة في الآخرة وليس إنجازاتهم الدنيوية المحضة، وهذا أصل قطعي ظاهر في القرآن، وفيه من الدلالات ما يصعب {حصره، فالله سبحانه قد جعل الجنة لمن أطاع الرسول والنار لمن عصاه وَمَن ^#اللََّ وَرَسُولَُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَْرِي مِن تَْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ يَعْصِ اللََّ وَرَسُولَُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالًِا فِيهَا {الأعمال الصالحة كما قال تعالى {[وَبِرَسُولِِ [يَُادِدِ اللََّ وَرَسُولَُ فَأَنَّ لَُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالًِا فِيهَا
عدد الصفحات ٣١٨318 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه ^#خَالِِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَِدُونَ وَلًِّا وَلا نَصِيًا ^#{ .]٦٦[ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ الَّارِ يَقُولُونَ يَا لَْتَنَا أَطَعْنَا اللََّ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاْ {وحكم أنه لا يقبل غير دين الإسلام {{[مِنَ الْـخَاسِِينَ أُوْلَئِكَ #٤٠١#) الَِّينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْـحَيَاةِ الُّنْيَا وَهُمْ يَْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُْسِنُونَ صُنْعًا #٣٠١#)أَعْمَالاً [الَِّينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا { ولهذا يتحسر الظالم على عدم اتباعه الرسول.3 [ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَْتَنِ اتََّذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً السابقة بسبب تكذيبهم الأنبياء. قائلة: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية ولذا حين سألت عائشة النبي يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال .(1(اغفر لي خطيئتي يوم الدين : ومن تمام عدل الله تعالى أنه يجازي الكافر بحسن صنيعه في الدنيا، قال النبي « .(2(حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته أما النجاة الأخروية فلها مفتاح دلت عليه النصوص، ومتى خلا الإنسان منه فهو غير مستحق للنجاة وإن عمل ما عمل. وهذا أصل قطعي تدل عليه عشرات النصوص الشرعية، وهي تحمل المسلم على التصديق به واعتقاد أن رحمة الله في الآخرة والنجاة ليست بسبب الإنجاز الدنيوي، بل لا بد من الإيمان، ولذا حرم الترحم أخرجه مسلم.(1( أخرجه مسلم(2(
عدد الصفحات ٣١٩319 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه والاستغفار للكفار، وبات محلاً لإجماع أهل العلم، قال ابن تيمية .(1(للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذا يؤكد غلبة الحالة العاطفية التي طغت على بعض الناس فأصبح يجادل في بدهيات شرعية لا ينبغي أن تخفى على مسلم، فالحرص على تكرارها وتضخيم هذه الإنجازات هو من قبيل اللعب بوتر العاطفة حتى تعمي عقل الإنسان عن استحضار الحقيقة الشرعية القطعية في ربط النجاة بالإيمان. ومن الطريف هنا سعي بعضهم للتفريق بين حكم الاستغفار للكفار والترحم عليهم، فيمنع الأول ويجوِّز الثاني، وهو مسلك لا يخلو من حرفية شديدة تظهر صاحبها وكأنه ملتزم بدلالة النصوص المحرمة للاستغفار ليزعم أنها لم تحرِّم الترحم، وهذا مسلك باطل بداهة؛ إذ الترحم على الميت هو طلب عطاء للميت من جنس الاستغفار، فالمترحم يدعو الله أن يتجاوز برحمته عن خطايا الميت، ويدخله في جنته ورحمته، وهي معانٍ حرمها الله تعالى الكفار كما سبق تقريره، ولذا جاء تنصيص {الشريعة على إثابة الله تعالى للكفار باللعن بديلاً للرحمة واللعن كما هو معلوم الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولذا حكى الله .]٨٩[ {حال الكفار وإياسهم من رحمة الله فقال ]32[ مِن رَّحَْتِ يرجون أن يقول بالدعوة لهم بالرحمة، حيث كانوا يتعاطسون عند النبيالنبي .(2(لهم: يرحمكم الله، فيقول (.٩٨/12 مجموع الفتاوى لابن تيمية(1( أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن (2( العربي، والنووي، وابن القيم، والألباني
عدد الصفحات ٣٢٠320 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه ونحن نجزم أن أكثر من يكرر هذه المقولة في سياق الترحم على الكفار لو نُبِّهَ إلى ما وقع فيه من غلط، وذُكِّر بمثل هذه النصوص الشرعية القطعية، لاستغفر ورجع، فهو يكرر مقولة متأثراً بجمال صياغتها في سياق تمكّن الأثر العاطفي عليه، ويغفل في غمرة هذا عن اللازم الكارثي المترتب على هذه المقولة، وكيف أنه سبب نقضاً لأصل شرعي قطعي لا ينازع هو فيه، فلا يمكن أن يعارضه ابتداءً، لكن المعارضة جاءت بسبب التساهل في تلقي مثل هذه المقولات. بقي التنبيه إلى أن المنع من الترحم على الكفار المعينين ليس ناشئاً عن اعتقاد هلاكهم يقيناً وأنهم من أهل النار، وإنما هذه أحكام متعلقة بنوع الكفار، فالكفر سبب موجب لدخول النار، والكفار هم أهلها، أما هذا الكافر المعين المخصوص فمصيره الأخروي إلى الله، فنحن ممنوعون من الترحم عليه لتخلف شرطه فيه وهو الإيمان، إذ الدعاء به مختص بأهل الإيمان، أما من كان ظاهر أمره في الدنيا الكفر فنحن ممنوعون من الترحم عليه لتحريم الشارع له، لكن أمره إلى الله تعالى، فهو الذي يحكم فيه سبحانه بكمال علمه وحكمته وعدله، واعتبر في هذا بأحكام الكفار الدنيوية، فمن مات من الكفار فإنه لا يعامل معاملة الميت من أهل الإسلام، فإن الكفار لا يغسلون ولا يكفنون ولا يدفنون في مقابر المسلمين، فكذلك لا يجوز الاستغفار لهم أو الترحم عليهم، أما أحكام الكفر الأخروية فمفوضة إلى الله تعالى. والحق أن مثل هذا الإشكال في الترحم على الكفار إنما وقع في بعض النفوس لضمور بشاعة الكفر في نفسه، وتبدد الشعور بدناءة الكفر وخسته، وكونه أكبر الكبائر وأعظم الموبقات وأظلم الظلم، والواجب على المسلم أن يشعر بفظاعة هذه الجريمة « :وشديد قبحها، وليستحضر في هذا قول النبي
عدد الصفحات ٣٢١321 رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إ .(1(لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار أخرجه البخاري، ومسلم.(1(
عدد الصفحات ٣٢٢322 ) ما البديل؟39( سؤال: (ما البديل؟) هو أحد أشهر الأسئلة التي ترد عند الاحتساب على منكرٍ معين، فتأتي حينها المطالبة بإيجاد بديلٍ مناسبٍ يحل محل المنكر الذي يُنهى عنه، وهو سؤال مشروع وإيجابي في الجملة، لأمور عدة: أن من الحكمة أن تفتح للناس طرائق الخير التي تغنيهم عن فعل الأمر الأول: الشر، فإذا أُغلق عليهم باب شرٍّ فافتح لهم من أبواب الخير ما يكون فيه غنية لهم عن البحث عن الشر. أن فيه مراعاة لطبائع بعض النفوس، وأنها إذا لم تجد بديلاً فإنها الأمر الثاني: ستبقى متمسكة بما هي عليه، ولن تنتفع بما تسمع من نصح ووعظ. أن في إيجاد البدائل للمنكر ما يخفف من حدّة الإقبال عليه، وذلك الأمر الثالث: أن للمنكر أسباباً ووسائل تحفز عليه، فوجود البديل الموازي الذي يفي بالغرض تخفيف من أثر تلك الوسائل وصد لأسباب الحرام. وأنت إذا تأملت طبيعة النفس البشرية وحال عامة الناس، أدركت ما للبدائل المباحة من أثر إيجابي في محاصرة الشر والمنكرات، وهو أمر لاحظه الإمام ابن القيم ونبه إليه فقال بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، .(1(فإذا سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية (.112/2 أعلام الموقعين لابن القيم(1(
عدد الصفحات ٣٢٣323 ما البديل؟ ، إذ يشكل تقديم البدائل المشروعة جزءاً من وهو معنى يؤكده هدي النبي الخطاب الدعوي النبوي، فإن من تدبر سيرته عليه الصلاة والسلام وجد ذلك واضحاً كان كثيراً ما يبين البديل المشروع عند ذكر في منهجيته في التربية والتعليم، فإنه المحرم، لعلمه بما جبلت عليه النفوس من الضعف ومحبة العوض والبديل، ومن الشواهد المؤكدة لهذا المعنى: بتمر برني، فقال له النبي قال: جاء بلال إلى النبي- عن أبي سعيد الخدري « : عند ذلك. فقال النبيالنبي .(1(أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره - وعن أنس بن مالك قال: كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، المدينة، قالفلما قدم النبي .(2(خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى في هذا الباب: التوجيه إلى القول أو الفعل المناسب بعد ومن مسالك النبي التحذير مما يضاده، ومن شواهده النبوية: « - .(3(شاء فعل .(4(« - متفق عليه(1( أخرجه النسائي، وأبو داود، وأحمد. وصححه البغوي، والألباني(2( أخرجه مسلم(3( أخرجه مسلم(4(
عدد الصفحات ٣٢٤