292 لستَ مسؤولا عن الخلق .[ ْسَ مَا كَنُوا يَفْعَلُونَ ئمُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَِ فمن مسؤوليتك الشرعية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو حكم شرعي محكم لا يصح أن تكون حوله منازعة أو جدل. والأمر بالمعروف يشمل نصح الناس ودلالتهم على ما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم، والنهي عن المنكر يشمل تحذيرهم عن أي شيء يمكن أن يضرهم في دينهم ودنياهم، فما يحدث من حولك مما تراه أو تسمعه فإن من مسؤوليتك أن تبادر لإصلاحه قدر طاقتك، فتقوّم الخطأ وتصحح الانحراف بالحكمة والموعظة الحسنة. إن من يستشعر هذه المسؤولية الشخصية عليه فيما يحدث من حوله هو شخص إيجابي نافع، فهو لا يتعامل مع الأحداث بسلبية ولا مبالاة، وإنما يحرص على أن ينفع الناس ويبذل الخير لهم، ومن يكتفي بمقولة (لستَ مسؤولاً) هو شخص أناني يكتفي بدائرته الخاصة ولا يبالي بمن حوله، والفرق كبير بين شخصين: يسعى أحدهم في الإصلاح قدر طاقته، ويؤثر نفعاً فيمن حوله، ويكون له أثر نافع حال وجوده؛ وشخصٌ سلبي لا أثر لوجوده، فصلاحه وخيره قاصر على نفسه.. فهل يستويان؟ ولذا كانت هذه الكلمة (عليك بنفسك) في مثل هذا السياق من أقبح الكلمات أنه قالعند الله، صح عن النبي .(1(الرجل للرجل: اتق الله. فيقول: عليك بنفسك ومما يكشف لك عن احتفاء الشريعة بالمصلحين ما جاء فيها من أصول محكمة تكشف عن تفضيل الإصلاح على مجرد الصلاح، وأن اقترانهما هو مطلوب الشرع لا إلغاء جانب الإصلاح لمصلحة الصلاح فقط، ومن تلك الأصول المحكمة دلائل أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. قال الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات.(1(
عدد الصفحات ٢٩٣293 لستَ مسؤولا عن الخلق شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الشارع مصير الأمة إن تركت هذا الواجب، إضافة إلى ثناء الله تعالى على أهل التواصي بالحق والتواصي بالصبر: إلاَّ الَِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ #!٢!#) إنَّ الإنسَانَ لَفِ خُسٍْ #!١!#){ [ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبِْ الاقتصار على الصلاح الذاتي بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، بل النجاة التامة لا تكون إلا لمن حقق ذلك ثم تواصى مع غيره على الحق تذكيراً به وأمراً، وزجراً عن الباطل، وتواصى على الصبر عليه، وعلى ما يمكن أن يلاقيه بسببه. وأنت إذا تدبرت في الدافع الحقيقي لمقولة: (لست مسؤولاً عما يحدث)، ستجد أن الأمر ليس على ظاهره، فلا تجد الناس في الجانب العملي يحمدون فعل شخصٍ لا يبالي بمن حوله، بل يعدونه نموذجاً للأنانية والعجز والكسل. وإنما هذه المقولات تستعمل للتثبيط عن الإنكار في جانب معين من الأخطاء، وهي المتعلقة بالمحرمات والواجبات الشرعية، فهي التي يُزَهَّدُ فيها بأنك لست مسؤولاً عنها. ولهذا لو أن أحداً رأى شخصاً قد تعرض لاعتداء، أو أصيب بمرض، أو حلت به كارثة، فلا أحد سيقول حينها: لست مسؤولاً عما يحدث، بل الجميع يُبَجِّلُ أي مواقف خير ونصرة لهذا المحتاج. فحقيقة الأمر هي تزهيد في الواجب الشرعي المتعلق بالحث على الواجبات والنهي عن المحرمات الشرعية، وكلها مما يحمد للإنسان القيام والأمر به، فكل ما أمر الله به من واجبات شرعية متعلقة بالعبادات أو المعاملات أو الحقوق الخاصة أو نصرة المظلوم أو إغاثة الملهوف، وحفظ الحقوق؛ كلها أحكام شرعية يحمد لمن يأمر بمعروف فيها، أو ينهى عن منكر فيها. والتعامل مع بعض المنكرات بأنك لستَ مسؤولاً عنها، هو في الحقيقة تزهيد بها وانتقاص من مكانتها، وهو الباعث على الحث على عدم مبالاة الشخص بها وترك الأمر والنهي فيها.
عدد الصفحات ٢٩٤294 لستَ مسؤولا عن الخلق الغريب أن هذا التصور الفاسد في قصر المسؤولية الدينية على الشخص دون { من حوله يشكل وهماً قديماً نشأ من سوء فهم لمثل قوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ إلَ اللَِّ مَرْجِعُكُمْ جَِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كَنتُمْ [ تَعْمَلُونَ فحمد الله رضي الله عنه، فقد صح من حديث قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر {وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية [ أَنفُسَكُمْ لا يَضُُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ .(1(»إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه«يقول أن الآية لا تدل على الانطواء على النفس وترك النصح الواجب للخلق، فبيَّن بل أكد أهمية أداء واجب الاحتساب، وأن الأمة متى تخلت عنه فهي المهددة بعقاب الله تعالى. وأن مقصود الآية بيان أن فعل الآخرين لا يضرك إذا قمتَ بالواجب الشرعي عليك بالأمر والنهي، فهنا لا يكلفك الله أن ينتهي البشر عن أفعالهم، فهذا مما لا قدرة لك عليه، وليس تحت التكليف، فإذا اهتديت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلن يضرك فعل أحد. {ولهذا ذكر الله في القرآن أن النجاة متعلقة بالإصلاح [ٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ مبِظُلْ مجرد الصلاح الذي لا يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما نبه .(2( حين سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قالإليه أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (1( وصححه ابن العربي، والنووي، وابن تيمية، والألباني متفق عليه.(2(
عدد الصفحات ٢٩٥295 لستَ مسؤولا عن الخلق بل صرح عليه الصلاة والسلام بما هو أوضح في تحقيق هذا المعنى وما يمكن أن يلحق المجتمع من المصائب إن هم تركوا واجب الاحتساب، فقال بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه .(1(ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ولهذا حين ذكر الله قصة أصحاب السبت ختمها بذكر الفئة التي استحقت {النجاة، وهي التي كانت تأمر وتنهى، فقال [ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَِّينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَنُوا يَفْسُقُونَ إذاً، عند الحديث عن فعلٍ محرم لا معنى أن يقول أحد: لستَ مكرهاً على الحضور، فمن شاء حضر، ومن شاء لم يحضر، فهذا الاعتراض لا يمكن أن يرد على ذهن مسلمٍ فَقِه معنى الأصل الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تأتي هنا مقولة مثبطة أخرى، تقول: لو أراد الله أن يمنعها لمنعها. وهذا صحيح، فلو أراد الله أن يمنع هذه المحرمات لمنعها، لكن ما الذي تريده من هذا؟ لم يمنعها ربنا تبارك وتعالى لحكمة بقاء الخير والشر جميعاً، وأن يبتلينا جميعاً في أن نقوم بالخير ونأمر به، ونترك الشر وننهى عنه. فتوظيف مثل هذه المقولة في سياق التثبيط من هذه الشعيرة هو في الحقيقة احتجاج بالقدر على ترك الواجب الشرعي، ومثل هذا الاحتجاج باطل، وهو من {جنس احتجاج المشركين لشركهم بما ذكره الله عنهم اللَُّ مَا أَشَْكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَِّينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّ ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ .[ٍ فَتُخْرِجُوهُ لََا إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ أَنتُمْ إلاَّ تَْرُصُونَ معِندَكُم مِّنْ عِلْ أخرجه الترمذي، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه أحمد شاكر. وحسنه الألباني.(1(
عدد الصفحات ٢٩٦296 لستَ مسؤولا عن الخلق والقول بأن الله لو أراد أن يمنعه لمنعه، هو من قبيل الاستدلال بالقدر على الشرع، وهي مقولة متكررة، تأتي هنا، وتأتي أيضاً في سياق الدعوة إلى تقبل الاختلافات الفكرية مهما كانت مصادمة. والحق أنه لا يصح أن يُستدل بالحكم القدري على الحكم الشرعي، فالسنة الكونية يراد بها ما خلقه الله وأراده قدراً، ومثل هذا الاختلاف بين الناس هو سنة قدرية، ولا رادّ لما قضى الله، والله إنما قدرها لحكم عظيمة، لكن هذا لا يعني أنه مشروع ومحبوب لله، فليس ثم تلازم بين الإرادة القدرية المتعلقة بالخلق، والإرادة الشرعية، فهناك أمور يشاؤها الله قدراً لكنه لا يرضاها شرعاً، وذلك مثل المحرمات الشرعية كالقتل والزنا والسرقة وغيرها، فلا يجوز أن يستدل أحد على مشروعيتها بوجودها وأن الله خلقها، فمن يستدل بالاختلاف الموجود بين الناس على أنه مشروع مطلقاً هو مثل من يستدل بوجود الخمر والزنا والقتل على أنه مشروع، وهو أمر باطل ظاهر البطلان. ومن المقولات الرائجة حديثاً، والتي تتضمن تثبيطاً عن أداء واجب الاحتساب، فيسمي بعض الناس من يأمر وينهى وعنده أي تقصير بأنه التحذير من (الاستشراف): مستشرف! وهي لفظة غريبة يبدو أنها مشتقة من الشرف، حيث يدّعي مطلقها أن الناصح يزكي نفسه حين ينصح غيره ويدعي لنفسه شرفاً غير مستحق، ويشيع رمي هذا الاتهام في وجوه الناصحين ممن هو واقع في التقصير في بعض الواجبات أو المحرمات الظاهرة، فيعيّره بهذه الكلمة تثبيطاً له عن ممارسة الاحتساب، وربما سخروا منه بأنهم من جماعة (أحب الصالحين ولست منهم)!
عدد الصفحات ٢٩٧297 لستَ مسؤولا عن الخلق والحقيقة أن مثل هذه التهمة للناصحين لا وجه لها ولا معنى لها إطلاقاً في الشريعة، وهو ما يتجلى من خلال ملاحظة المعاني التالية: أنه يتعارض مع جملة من المفاهيم المركزية في التصور الإسلامي، المعنى الأول: كمفهوم الاحتساب، والتواصي، وما يمكن أن يترتب من العقوبات الإلهية على ترك هذه الواجبات. أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متحتم على كل المعنى الثاني: « : مسلم، سواءً كان واقعاً في الذنب والمعصية، أو بريئاً منه، قال منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف . فهو أمر نبوي لكل مسلم رأى منكراً، ولا يصح من المسلم ترك واجب (1(الإيمان الإنكار ظاهراً إلا بالعجز عنه، فيتعين عليه مع ذلك الإنكار بقلبه. أنه لا يخلو مسلم من الوقوع في الذنوب والمعاصيالمعنى الثالث: . فملاحقة المقصرين بتهمة الاستشراف يلزم (2(آدم خطاء وخير الخطائين التوابون منها ترك واجب الاحتساب مطلقاً، فالمحتسب إن لم يكن واقعاً في عين الذنب الذي يحتسب على غيره فيه، فهو واقع في ذنب آخر، ولمطلق هذه التهمة أن يذكره بهذا فتتعطل هذه الشريعة، وقد أحسن الشاعر جداً إذ قال: إذا لم يَــعِــظْ في الــنَّــاس مــن هــو مُذنبٌ فــمــن يــعــظ الــعــاصــن بــعــد محمد قال الحسن البصري لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك. فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر أخرجه مسلم.(1( أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد. وقواه ابن حجر. وحسنه الألباني(2(
عدد الصفحات ٢٩٨298 لستَ مسؤولا عن الخلق . وقال مالك: عن ربيعة بن أبي عبد( 1(بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر الرحمن: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: !(2(وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء {ولقائل أن يقول: وما نفعل بمثل قول الله تعالى [ كَبَُ مَقْتًا عِندَ اللَِّ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ #!٢!#)مَا لا تَفْعَلُونَ {تعالى ذماً لليهود « :[ في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف « :. وقول النبي(3(ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، .. (4(كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ألا تدل هذه النصوص على ذم العاصين من المحتسبين؟ فيقال: لا شك في أن الواجب على المحتسب الالتزام بما يأمر الناس به من الواجبات الشرعية، وأن يتجنب ما ينكره على غيره، والناس بطبيعتها تنفر من التناقض الذي يقع بين التصور والسلوك، والقول والعمل، وهو معنى حاضر في القرآن الكريم {في قصة شعيب عليه الصلاة والسلام [ َ مَا اسْتَطَعْتُ حإلاَّ الإصْلا (.٧٦/1 تفسير القرطبي(1( المرجع السابق(2( أخرجه البخاري(3( أخرجه أحمد. وحسنه البغوي. وصححه شعيب الأرناؤوط(4(
عدد الصفحات ٢٩٩299 لستَ مسؤولا عن الخلق {ولذا كان من حكمة الشريعة ذم من يخالف قولُه فعلَه [ مَا لا تَفْعَلُونَ صنيعه هذا فتنة لغيره، فيقول المنصوح: لو كان صادقاً لأتى ما ينصح به ولما تركه. وتتأكد هذه المشكلة من العلماء، وفي علماء السوء يقول ابن القيم عليه رحمة الله: « بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة .(1(قطاع الطرق فما سبق حقٌ لا شك فيه، وليس موضعاً للنقد، وأن الواجب على المحتسب أن لكن السؤال هنا: هل يشكل هذا مسوغاً يلتزم بنصائحه لا أن يخالف بأفعاله أقواله، لترك الاحتساب من العصاة، وأن المذنب لا يجوز له أن ينكر على غيره؟ إذا دققتَ النظر في تلك السياقات القرآنية وغيرها، وجدت الذم متعلقاً بمخالفة القول للعمل، لا أنه واقع على الاحتساب نفسه، فلدينا هنا أمران ينبغي ملاحظتهما: وجوب موافقة القول للعمل.الأمر الأول: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.الأمر الثاني: فهل الذم واقع على ترك الأمر الأول أم هو واقع على فعل الأمر الثاني، أم هو واقع على الجمع بينهما بترك الأول وفعل الثاني؟ والحق أنه واقع على ترك الواجبات وفعل المحرمات، وأنه يقبح من الناصح أن يصر على ترك الواجب وفعل المحرم، فهذه النصوص الشرعية إنما تسعى لإحداث (.1 الفوائد لابن القيم(1(
عدد الصفحات ٣٠٠300 لستَ مسؤولا عن الخلق التغيير في سلوك المقارف للذنب والمعصية، لا دعوته إلى ترك الاحتساب الواجب فالعاصي يتعلق به واجبان: واجب ترك المعصية، وواجب الاحتساب على من رآه واقعاً فيه. فقبيح منه أن يجمع إلى معصيته الذاتية معصية ترك الاحتساب الواجب، بل المطلوب منه إصلاح حاله وترك المعصية، ليكون قوله موفقاً لعمله، وهذا نقيض ما يطمع إليه من يتهم كثيراً من المحتسبين بالاستشراف، إذ مقصودهم الدعوة إلى ترك الاحتساب الواجب، لا ترك الذنوب والمعاصي. والحقيقة أن هؤلاء المعترضين لنقد بعض المحتسبين وإسكاتهم لا يستحضر هذا الإشكال في سياقات أخرى، مع أنها في الحقيقة مطابقة لموضع نقده، كمنع الأب مثلاً أبناءه من التدخين مع كونه مبتلى به، فعامة الناس يتفهم هذا المنع ولا يقول للأب ما دمت مدخناً فاترك أبناءك يدخنون، بل يتوجهون للأب بالنصيحة ويدعونه إلى ترك التدخين ليكون قوله متوافقاً مع عمله، وليكون للمنع تأثير أبلغ، فإن الأبناء قد يتأثرون بالسلوك العملي للأب. قد يقول بعضهم: المشكلة في الاقتصار على النهي عن المنكر دون تحقيق الأمر بالمعروف. والحقيقة أن هذه العبارة لا معنى لها، وهي تنم عن سوء تصور لطبيعة علاقة المعروف بالمنكر، إذ هما من الأضداد التي يعبر بها عن موضوع واحد، فكل أمرٍ بالمعروف هو نهي عما يضاده من المنكر، وكل نهيٍ عن المنكر هو أمر بما يضاده من المعروف. فالنهي عن منكر الكذب هو أمر بمعروف الصدق، والنهي عن العقوق هو أمر بمعروف البر، والنهي عن منكر التبرج هو أمر بمعروف الحجاب، والنهي عن منكر الزنا هو أمر بمعروف العفة، وهكذا.
عدد الصفحات ٣٠١301 لستَ مسؤولا عن الخلق والعكس كذلك، فالأمر بمعروف صلة الرحم هو نهي عن منكر القطيعة، والأمر بمعروف إطابة المطعم هو نهي عن منكر المطاعم المحرمة، والأمر بمعروف العدل هو نهي عن منكر الظلم والبغي والاعتداء. وحتى تتضح الصورة أكثر، فمن يقول: لماذا تنهون عن المنكر ولا تأمرون بالمعروف؟ هو تماماً كمن يقول لمحتسب في شأن الصلاة: لماذا تنهى منكر ترك الصلاة ولا تأمر بمعروف إقامتها! أو يقول لمحتسب على مفطر في نهار رمضان: لماذا تنهاه عن الفطر ولا تأمره بالصيام! فهل مثل هذا الكلام مقبول أم معقول؟! أم أنه يكشف عن أن القضية برمتها فارغة من أي مضمون؟ ومما يجب إدراكه أن تمدد واجب الإنكار في المجتمع سيتمدد بطبيعة الحال طردياً مع تمدد المنكرات فيه، فكلما زادت هذه في الواقع تبعها زيادة في جرعة الإنكار .(1(فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان وهو أمر صحي يدل على سلامة تدين الناس، وانتشار الخير بينهم، وهو ضمانة صيانة المجتمع وحفظه على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، . (2(فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً {والأمة التاركة له متوعدة بمقت الله وغضبه أخرجه مسلم.(1( أخرجه البخاري(2(
عدد الصفحات ٣٠٢302 لستَ مسؤولا عن الخلق كَنُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ^٨٧^#دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَنُوا يَعْتَدُونَ وهذا الإنكار كما سبق يصب في مصلحة .[ ْسَ مَا كَنُوا يَفْعَلُونَ ئلَِ الأمر بالمعروف وإشاعته بين الناس، للتلازم الواقع بينهما كما سبق بيانه. وهب أن الأمر منفصل بينهما كما يريد صاحبنا أن يصور، فإن الواجب حينئذٍ أن يُسد النقص الواجب، ويحرص على الأمر بالمعروف، لا أن يكون النقد متجهاً للتقليل ممن يقوم بواجب النهي عن المنكر. وهو ما يكشف لك في الحقيقة عن البواعث المؤثرة هنا، فإن هذه المقولة غالباً لا يؤتى بها إلا للتثبيط من الجهود المطلوبة شرعاً، لا أنها تسعى إلى إحداث موازنة متوهمة بين طرفين متلازمين في الحقيقة، يكون في إشباع أحدهما إشباعاً للآخر. ومن تأمل واقع الخطاب الدعوي المعاصر وجد فيه حزمة كبيرة جداً من مظاهر وطاعته، واحترام الأمر بالمعروف، كالأمر بتوحيد الله وعبادته، وتوقير النبي ، والأمر بالصلاة، والزكاة، والصدقة، والصيام، والحج، والعمرة، صحابته والعدل، والإحسان، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، وحسن الجوار، وإصلاح ذات البين، وإعانة المحتاجين، ورفع الظلم عن المظلومين، إلى غير ذلك. أن صاحب مقولة (لست مسؤولاً عما يحدث) لو أتبعها بقوله: بعد والخلاصة أن تقوم بالواجب الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكان مصيباً في صنيعه، ولكان منبهاً إلى أن هذه السيئة لن تضر إلا صاحبها، وأما مع التفريط في أداء واجب الاحتساب فالمضرة ستلحق الجميع، من عمل السيئة، ومن ترك الأمر والنهي، بل عموم المجتمع، وعلى كلٍّ من التبعة بقدر ما ارتكب.
عدد الصفحات ٣٠٣303 ) لا تكن إقصائياً36( تعدُّ لفظة الإقصاء من الألفاظ الذميمة في ثقافتنا المعاصرة، فتراها تتوارد على الألسنة في سياقات متعددة وصياغات كثيرة تكشف عن نفور الناس منها، وهي سياقات تشترك في التحذير من هذه الممارسة، وذم أصحابها، مع الدعوة إلى ما يقابلها من مفاهيم التسامح، والانفتاح، وسعة الصدر، وتقبل الآخر، وغيرها. الإشكالية في هذه المقولة أنها تتسم بقدر عالٍ من الإجمال يستدعي شيئاً من التفتيش في تفاصيلها الداخلية، فهي من جهة قد تعبر عن معنى مقبول صحيح، كالدعوة إلى اتساع الصدر للخلاف المعتبر، والاستماع لوجهات النظر المختلفة في القضايا ذات الخلاف المحتمل، أو الرفق وحسن التعامل مع المخالف، أو التعاطي الموضوعي معه، والذي يضمن السلامة من أي بغي أو ظلم أو فجور في الخصومة. لكن تبقى مساحة من هذا المفهوم لا تزال مشكلة، وهي مساحة تتخفى في عباءة مقولةٍ ذات إيحاءات سلبية، فتلقي بظلالها السلبية على معانٍ قد تكون حقّاً، وقد يكون في إقصائها أمارةً على انحراف فكري ما. فالإقصاء يعبر عن إبعادٍ وإزاحةٍ لفكرة أو شخص أو مذهب ما، فنفي الإقصاء مطلقاً يحتم في تصوره الكامل تبني الحياد مع الأفكار جميعاً، واحترامها وتقبلها والتسامح معها. وهذا مشكل جداً في التصور الإسلامي الذي يقوم على وجود أصول محكمةٍ وقطعياتٍ، فيحكم على ما يخالفها بأنه باطل وضلال، ويرتب على كلٍّ ما يناسبه من الأحكام في الدنيا والآخرة، فالإسلام هو الدين الحق، وما يخالفه من
عدد الصفحات ٣٠٤304 لا تكن إقصائيا {[ {الأديان أديانٌ باطلة [الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ كما أن بعض الأفكار المنتسبة إلى الإسلام مخالفة لأصول شرعية قطعية، ككثير من مقولات الفرق البدعية المصادمة لأصول الإسلام، أو بعض الآراء المصادمة لقطعيات الشريعة، فالفكرة لا تكون حقّاً أو تتحول لرأي مقبول لمجرد أن صاحبها مسلم أو ينتسب إلى الإسلام أو يزعم نسبة فكرته إليه، بل المحكم في هذا الدليل والبرهان. فلا بد من الوعي بخطورة تمدد النفور النفسي من الإقصاء في الثقافة العصرية لئلا يتحول إلى نفورٍ من بعض أحكام الشريعة نفسها، فيكون هذا النفور النفسي حاكماً على الشريعة من حيث لا يشعر. ومن تلك المقررات الشرعية التي قد تتأثر بهذه النفسية الواقعة تحت ضغط النفرة من الإقصاء: وهو حكم له حضوره - الحكم ببطلان ما يخالف الإسلام وينافي قطعياته، 1 في الدنيا بتسمية هذه الأفكار بأسمائها الحقيقية من كفر أو فسق أو ظلم أو فجور أو فاحشة وغير ذلك، وفي الآخرة باعتقاد ما يترتب عليها من جزاء مستحق شرعاً. فالشريعة قد فرضت عقوبات على - إقامة العقوبات المستحقة المقررة شرعاً، 2 ما يخالف أحكامها، كعقوبة الزنا، وشرب الخمر، والقذف، وحد الردة، ونحو ذلك، ولا يصح أن تسقط مثل هذه العقوبات أو ينفر منها بسبب حالة النفور من الإقصاء. فلا مساواة في - عدم مشروعية الدعوة إلى الأفكار المصادمة لأصول الإسلام، 3 النظر الشرعي بين الحق والباطل، وليس من الإقصاء في شيء أن نحفظ ديننا فنمنع من نشر ما يضاد أصوله لأنه من المنكر الذي يجب النهي عنه.
عدد الصفحات ٣٠٥305 لا تكن إقصائيا يقول بعضهم: لا إشكال في أن تحكم ببطلان ما تراه باطلاً، وأن تبدي مع ذلك تسامحاً مع الاعتقادات المخالفة لمعتقدك، فاعتقادك لبطلان رأيٍ يظل رأيك، وللآخرين حرية أن يعتقدوا ما شاؤوا. والجواب: أن محل التأكيد هنا ليس على أحقية المسلم بأن يقول: وجهة نظري أنني على حق. بل الواجب عليه في ظل مساحات الإسلام المحكمة أن يقطع ويجزم بأنه على الحق، وأن يكون مستيقناً من ذلك، وأن يجزم أيضاً ببطلان أقوال مخالفيه، وهذا القطع بالحق يتجاوز في الحقيقة مجرد الاعتقاد الذاتي، بل تترتب عليه آثار عملية كثيرة كما سبق. مع أن واقع الحال بأن من يتضخم عنده مفهوم الإقصاء، وتتشرب نفسه النفور الشديد منه، فإن الأمر سيؤول به إلى ضياع الجزم بالحق، وستجده وإن كان مسلماً مصلياً صائماً يخجل من الجزم بأن هذا هو الحق القطعي الذي لا ريب فيه، ويستحي من بيان كفر من لم يؤمن بالإسلام، وأن ما هم عليه باطل، مع أن هذا من حيث هو لا يعارض الأصل الليبرالي، لأنه من الحرية الفكرية المتاحة، لكن هذه المقولات الفاسدة فكرياً تنخر في روح الإنسان فتهشم من ثقته وتكسر من اعتزازه فيخجل مما ليس فيه خجل حتى وفق معيار المنظومة الفكرية الباطلة! والحق أن الأمر هنا يتجاوز مجرد الإشكال الشرعي ووجوب القطع فيما كان قطعياً من شأن الدين، فإن طرد هذه الفكرة وإبداء مثل هذه المرونة العالية مع جميع الأفكار سيجر صاحبها إلى لون من السفسطة الفكرية والأخلاقية، فثم ضروريات عقلية وأخلاقية لا تقبل التشكيك، فمطالبات نبذ الإقصاء في مثل هذه المساحات غير مقدور عليها فكرياً وخلقياً، وصاحبها إن كان واقعٌ في السفسطة والمغالطة.
عدد الصفحات ٣٠٦306 لا تكن إقصائيا وهذا يكشف عن إشكالية هذه المقولة، وأنها لا تقبل الاطراد، خلافاً لما يتوهمه أصحابها، حين يستعملونها وكأنها حجة ذاتية تمنع من رد الأفكار وصدها، فهناك حدود سيتبناها الشخص يقيناً، وسيضطر حينها لأن يكون إقصائياً في مجالات معينة، وبه ينكشف أن مشكلة أكثر من يطالب بعدم ممارسة الإقصاء لمن يعارض محكمات الشريعة، هي في ضمور هذه المحكمات في نفسه، ونزولها في الرتبة عما يجب لها، ولو استحضر أنها من قبيل الضروريات الدينية، لما تنازل عما يجب لها من الجزم بصوابها واعتقاد صحتها، والحكم ببطلان ما يخالفها.
عدد الصفحات ٣٠٧307 ) التوجس من كل جديد37( هذه إحدى المقولات الشائعة، أو بالأصح هي انطباعٌ شائعٌ عند كثير من الناس عن العلماء والمشايخ في عصرنا، وعن الخطاب الديني بشكل عام، وهو أنه يتوجس من كل جديد، فيبادرون إلى تحريمه ومنعه، ويبالغون في الحكم عليه خشية من الذرائع المترتبة عليه، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف خطأهم، وتبين عن قصور وعيهم وتشدد مواقفهم، فيعودون بعد ذلك ليجيزوا ما كانوا يحرمونه. وعادةً ما تسرد أمثلة وفتاوى ومواقف جرى فيها تغير الفتوى من التحريم إلى الإباحة، ومن الرفض الشديد إلى المشاركة، ليكمل بعضهم حديثه بتراجيديا حزينة بأن هذا الخطاب استنزف أعمارنا وحرمنا من المباحات ثم إذا به يتراجع بعد ذلك عن كثير من مقولاته بما يحتم عدم الارتهان كثيراً له، وأن نكون على حذر في تلقي مقولاته، فما الذي يضمن أن لا تتغير هذه الفتاوى مستقبلاً كما تغيرت اليوم. ونحن هنا يجب أن نميز بين أمرين: : التقييم الموضوعي لهذا الانطباع، ومعرفة أوجه الصواب والخطأ الأمر الأول فيه، وما كان فيه من حكم موافق للحق أو سائغ، وما تضمنه من بغي أو تجاوز، ودراسة أسباب هذا الانطباع والحكم عليها موضوعياً بلا تحيز، وهذا يتطلب بحثاً خاصاً ليس هنا مجال الخوض فيه، ولعلنا نعود إليه لاحقاً في كتابة موضوعية منصفة لا تبغي على صاحب حقٍ بسبب خطأ وقع فيه، ولا تسكت عن خطأ بسبب حق دعا إليه.
عدد الصفحات ٣٠٨