زخرف القول
عدد الصفحات ٢زخرف القول معالجةٌ لأبرز المقولات المؤسِّسَة للانحراف الفكري المعاصر عبد الله بن صالح العجيري د. فهد بن صالح العجلان
عدد الصفحات ٤/71/112/82/110/88/52/110/90/71/57/64/118/77/114/79/112/38/71/57/77/78/83/119 /67/46/124/74/125/79/83/57/121/126/60/74/43/81/106 /79/46/112/124/71/79/60/35/42/74/43/41 /67/46/124/71/125/40/100/71/121/71/79/102/57/33/44 /79/46/67/42/125/35/89/57/121/75 /79/46/102/57/124/81/60/37/71/66 /5/73/117/226/199/19/68/25/108/232/199/19/77/65/100/20/29/72/117/12/87 /199/19/68/25/70/87/199/95/232/19/118 /177/180/180/176/22/224/224/175/178/176/177/185/229 /152/199/159/209/199/193/199/19/26/119/23/26/67/76/77/78/85/22/99/199/199/19/74/26/85/200 /153/2/70/25/100/1/85/19/67/100/232/209/201/14/115/21/69/100/199/42/100/18/101/140 /66/117/115/105/110/101/115/115 /99/101/110/116/101/114 /50 /81/117/101/101/110 /67/97/114/111/108/105/110/101 /83/116/114/101/101/116/44 /72/97/109/109/101/114/115/109/105/116/104/44 /76/111/110/100/111/110 /87/54 /57/68/88/44 /85/75 /119/119/119/46 /84/97/107/119/101/101/110/45/99/101/110/116/101/114/46/99/111/109 /105/110/102/111/64/84/97/107/119/101/101/110/45/99/101/110/116/101/114/46/99/111/109 /2/66/76/79/114/199/19/71/154/225/186 /43/57/54/54 /53 /48/51 /56/48/50 /55/57/57 /199/42/76/75/74/87/199/19/70/100/1/79/87/199/19/31/70/117/207/23/87/173/199/41/25/100 /101/121/97/100/109/111/117/115/97/64/103/109/97/105/108/46/99/111/109 زخرف القول عبد الله بن صالح العجيري د. فهد بن صالح العجلان الطبعة الرابعة
عدد الصفحات ٥5 الموضــوعالصفحة المقدمة11 ) في القرآن كفاية1(21 ) تقديم القرآن على السنة2(32 ) ليست السنة كلها تشريع3(41 ) كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟4(50 ) ليس هناك دليل قطعي5(69 ) المسألة فيها خلاف6(75 ) لا يقبله العقل7(85 ) هذا مخالف للعلم8(92 ) تقديم المصلحة على النص9(103 ) التمسك بروح الشريعة10(113 ) التعلق بالقشور11(121 ) الانشغال عما هو أهم12(126
عدد الصفحات ٦6 ) الدنيا تغيَّرت13(132 ) أكثر الناس يفعلونه14(143 ) بالمساواة يتحقق العدل15(147 ) لا كهنوت في الإسلام16(150 ) يحفظون ولا يفهمون17(161 ) الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة18(167 ) الإسلام يدعو إلى الحرية19(174 ) الإلزام بأحكام الإسلام يُورِث النفاق 20(186 ) لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة21(191 ) حيثما كان العدل فثمَّ شرع الله 22(195 ) الدين طاهر والسياسة قذرة23(199 ) النص مقدس والفهم غير مقدس24(203 ) الشريعة على فهم مَنْ؟ 25(208 ) الشريعة لم تأتِ بنظام سياسي محدد 26(214 ) العَلْمانية هي الحل27(221 ) الفكر لا يواجَه إلا بالفكر 28(229
عدد الصفحات ٧7 ) هم يسمحون لنا فلنسمح لهم29(238 ) التديُّن الطبيعي30(245 ) الدين متعايش31(251 ) الإسلام الوسطي المعتدل32(270 ) الدين ليس هشاً حتى يُخاف عليه33(276 ) بلا وصاية34(288 ) لستَ مسؤولاً عن الخلق 35(291 ) لا تكن إقصائي36(303 ) التوجس من كل جديد37(307 ) رحمة الله ليست في يد أحد من خلقه38(314 ) ما البديل؟39(322 ) الإيمان في القلب40(332 ) الغلو نبتة سلفية41(337
عدد الصفحات ٨زخرف القول { زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ قال ابن عباس رضي الله عنهما: حسَّن بعضهم لبعضٍ القول ليتّبعوهم في فتنتهم. وقال تلميذه عكرمة: تزيين الباطل بالألسنة.
عدد الصفحات ١٠11 المقدمة الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، أما بعد: لم يعد المجال الفكري شأناً خاصاً بنخبةٍ هامشيةٍ تجتمعُ في مراكز بحثية أو صوالين أدبيةٍ أو مؤتمراتٍ سنويةٍ أو جلسات مغمورةٍ هنا أو هناك، ولم تعد المفاهيم الفكرية تصبّ في قوالب فنية اصطلاحية غير مفهومة لعموم الناس؛ بل أصبحت اللغة الفكرية اليوم تجسّد لغة التواصل الاجتماعي التي تتصارع مختلف القوى لضخّ تصوّراتها ومفاهيمها من خلالها، لتقدم تلك التصورات والمفاهيم للمستهلك النهائي. ولا يرتاب المتابع في أن ثورة المفاهيم الفكرية المعاصرة ارتبطت مركزياً بثورة نُظم الاتصال المعاصرة، فأصبحت رموز التأثير الاجتماعي في الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي والصحافة؛ تتنافس في صياغة التصورات العقدية والفقهية والمنهجية من خلال أدوات وأساليب المعالجة الفكرية، وهو ما أثمر حالةً من الانهماك في السجالات الفكرية حتى باتت تلتهم جزءاً كبيراً من أوقات الشباب ومجالسهم، وأخذت الأفكار الفلسفيّة والحداثيّة بتفاصيلها ومذاهبها كافة، والمشاريع النقديّة بروّادها ومؤلفيها، والمباحث الحقوقية والسياسية، وغيرها؛ تتسرّب لدائرة اهتمام الشباب، وتحتل مركزاً متقدماً في سُلّم الأولويات لجيل اليوم. ومع توسع دائرة الجدل الفكري وتمدّد مساحاته، فلن تخطئ عينك عدداً كبيراً من المقولات التي باتت تتكرر مع تكرر هذه السجالات، وصارت بذاتها - بوعي أو بغير وعي - أداةً للبرهنة والاحتجاج في سياقات الجدل والنقاش، وقد تتنوّع
عدد الصفحات ١٢12 المقدمة صورها وصياغاتها لكنها عند التأمل ترجع إلى حُزمٍ معينة تسعى إلى التعبير عن أفكار مركزية مؤثرة، يتم صكها في جملة مركزة مختصرة، تُسهِّل عملية تناقلها على الألسن وتسللها إلى الأذهان، نظراً لوضوح صياغتها، ومباشرة فكرتها، وتضمنها حجةً ميسرة تخلق نوعاً من الاطمئنان حيالها، وتتشربها النفوس بسهولة ويسر، وتظهر المشكلة حين تتضمن مثل هذه المقولات معانيَ باطلة أو ملبسة تسهم في تمرير عدد من الانحرافات الفكرية المنوعة بتنوع هذه المقولات. وهذه المقولات هي ما اقترحنا تسميته هنا: بالمقولات المؤسسة للانحراف :وهي مقولات تتميز بعددٍ من الخصائص، من أهمهاالفكري المعاصر. فهي مقولات تحظى بمستويات عالية جداً من الانتشار، - الشيوع والانتشار: 1 فلا يقتصر تداولها أو تأثيرها على نخبٍ معينةٍ من الناس، وإنما تتردد أصداؤها بين طبقات مختلفة من الناس على تفاوت ما بينهم في العلم والفكر والنظر والاطلاع. : فهي عبارات مختصرة مركزة، تضُخُّ عدداً من المفاهيم على نحو - الوجازة2 مكثف، في كلماتٍ معدودة، وهو ما يسهل حفظها، وتداولها، ويسهم في ذيوعها وانتشارها. فهذه المقولات تأتي غالباً في مقام الاستدلال للأفكار، - التأثير القوي: 3 والبرهنة على الأقوال، والاستمساك بالمواقف، فهي تخلق وهماً عند أصحابها بأنها تمثل حجةً حاسمةً في النقاش، فلا يُدقق كثيراً في مضمونها أو يفتش عن براهينها، بل يظن أنها تكتسب طاقتها التأثيرية من ذاتها. فهي تعبّر عن معانٍ واضحة مباشرة، لا تعقيد فيها، وهو ما يفسر - الوضوح: 4 شدة تأثيرها وسعة انتشارها، وهو ما يسهل توظيفها في مختلف السجالات الفكرية، واستدعاءها عند الحاجة للمحاجة والجدل.
عدد الصفحات ١٣13 المقدمة فهذه المقولات لا تقدم باطلاً محضاً يتفق الجميع على- الإجمال والالتباس: 5 رفضه، وإنما يُمرّر الباطل من خلالها بطريقة هادئة غير مصادمة، تحت قشرة من الحق المقبول، وهو ما يفسر عدم تفطّن كثير من الناس لأوجه الإشكال فيها. والخلاصة أن الخيط الناظم الذي ينتظم هذه المقولات جميعاً مع تفاوت ما عموم تأثيرها، مع سهولة عبارتها، وامتلاكها حجةً واضحة، بينها قرباً وبُعداً من الحق: في قالبٍ ملبس مختصر، وهو ما ينتج في كثير من الأحيان آثاراً فكرية تصادم بعض .قطعيات الشريعة والملاحظ في هذه المقولات أنها تتمدد في مجالات مختلفة، ويتنوّع تأثيرها السلبي ليشمل: - العبث بمصادر التلقي ومناهج الاستدلال.1 - رفض أو إنكار بعض الأصول والأحكام الشرعية المحكمة2 - قبول مفاهيم معاصرة مصادمة لقطعيات الشريعة، وقد تبحث لها عن 3 مستندات شرعية مناسبة - التهوين من الالتزام بأحكام الشريعة، وهزّ الثقة بكمالها، أو إضعاف اليقين بها.4 والمشكلة الكبرى التي يخلفها التأثير في هذه المجالات، إضافة إلى ما تحدثه من انحراف مفاهيمي؛ أنها توقع المسلم في حبائل التفريط في جنب الله، وتنزع عنه الشعور بخطأ ما وقع فيه، بل تعطيه شعوراً زائفاً بأنه على الحق، وهو شعور قد يكون أشد خطراً على النفس من المعصية نفسها؛ فوقوع المسلم في الذنب أمر طبيعي، فـ الخطائين التوابون
عدد الصفحات ١٤14 المقدمة فالمصيبة حين تتعطل بوصلة المسلم الإيمانية ويفتقد الشعور بأنه واقع في دوائر الهوى، وتعظم المصيبة حين تراه يسعى إلى ترتيب إحداثيات المشهد ليوهم نفسه بأنه لا يزال في دائرة الحق، وهو ما يعرقل مسيرته في التصحيح والمعالجة والتوبة، وهذا ما يكشف عن وجه من أوجه خطورة هذه المقولات، وأن جنس الشبهة أضرّ على النفس من الشهوة؛ فالشهوة يُتاب منها، أما صاحب الشبهة فتوبته أصعب. ويزيد الأمر صعوبة حين تتمازج الشبهة والشهوة، فتُغلَّف بعض شهوات النفوس وأهوائها بشبهات، وهو ما يستدعي لوناً من الصدمة الإيمانية لتعيد للنفس توازنها، ويدرك المرء الفرقَ بين ميوله الشخصية وإملاءات الوحي، وحتى يثمر النقاش العلمي في إزالة داء الشبهة، وبغير هذه المكاشفة الإيمانية يكون النقاش العلمي ضرباً من العبث وامتهاناً للعلم، ولن يفضي غالباً إلى إحداث الأثر المرجو. فالحجاج العلمي ليس نافعاً في كل حال، وهو ما رصده القرآن في مواقف {الناظرين فيه، فقال تعالى [وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَنٍ بَعِيدٍ {من الانحدار، فلا تزيده حجج الحق وبراهينه إلا ضلالاً، كما قال تعالى [ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحَۡةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلاَّ خَسَارٗا { وَهُمۡ يَسۡتَبۡشُِونَ ١٢٤ وَأَمَّا ٱلَِّينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ [ بالحق، بل قد تتحول علوم القرآن وهداياته عندهم إلى سلم دنيء لحظوظ النفس الصغيرة بدل أن تكون سلاحاً لإظهار الحق والدعوة إليه. وإدراك هذا يفسر سبباً من أسباب انحصار خلاف أئمة السلف في فروع الشريعة التفصيلية دون أن تمتد إلى أصول الإسلام، فصفاء النفوس ويقظة الإيمان وحسن
عدد الصفحات ١٥15 المقدمة الإقبال على الوحي حققت ضمانات دينية من الانزلاق لوهدة الانحراف في الأصول، ولذا ترى أن الاختلاف في الفروع التفصيلية منشأه غالباً اجتهاد مأجور، أما حين ترى دوائره تحوم على أصول الإسلام وقطعياته فاعلم أن أهواء النفوس تتدسس من تحت { أوهام الفكر، وهو ما أعلنه الوحي على نحو حاسم [يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ولأن هذه المقولات تعتمد بدرجة كبيرة على نمطٍ من الحجة الميسرة المباشرة، فإن لها تأثيراً كبيراً جداً في شرائح مجتمعية متنوعة؛ إذ الجميع بمقدوره إدراك أصل الحجة ولو تفاوتوا في إدراك تفصيلاتها، وهذا النوع من الحجج عميق الأثر، غير أن اعتماده على السهولة والمباشرة ومباعدته عن التفصيل والتركيب والتعقيد قد يوقع في أغلاط كثيرة، فيؤثر في المتلقي لسهولته ولا يتفطن لمثل هذه الأغلاط، وهذا ما اتسمت به عامة هذه المقولات التي نبحثها؛ فهي تستند إلى حجج ميسرة وواضحة ومباشرة، فتنجح في التأثير على قطاعات واسعة من الناس، لكنها تتهاون في ضبط الحجة والتأكد من سلامتها، ويغري تأثيرها الملموس في إذاعاتها وعدم مراعاة الانضباط الاستدلالي المطلوب. وعملية الكشف عن أوجه المغالطة الموجودة ضمن عدد من المقولات الفاسدة، ليس بالأمر الصعب، لكنه يستدعي قدراً من دقة النظر، وترك العجلة، وتملك بعض الأدوات النقدية التي تمكّن صاحبها من وضع اليد على مواضع الخلل منها، فمن تلك الأدوات مثلاً: فقد تتسم بقدر من الإجمال، فتدخل في طياتها قدراً - فك إجمال المقولة: 1 من الحق وقدراً من الباطل، فإطلاق القول بقبولها خطأ، كما أن ردها خطأ أيضاً، بل الموقف السليم هنا في الاستفصال الذي يؤدي بصاحبه إلى إدراك مواضع الحق
عدد الصفحات ١٦16 المقدمة والباطل من المقولة، ويحسن فرزها، ويتخذ موقفاً أكثر رشداً منها، وهو موقف أحظى أن يكون فيه الصواب. : فبعض المقولات تكتسب قوة زائفة بسبب - كسر سطوة الشهرة والانتشار 2 شهرتها وسعة انتشارها، وقبول كثير من الناس لها، وهو ما يضعف الملكة النقدية عند بعض الناس فيرضخ لضغط هذه المقولات، ويتوهم أن في تمدّدها مكاناً وزماناً ما يستدعي أن تكون حقاً، والعاقل يدرك أن مجرد الانتشار والشهرة ليست معايير للحق والباطل، بل معيار الحق والباطل في الأقوال والمعتقدات ما تقوم عليه من الأدلة والحجج. : فبعض المقولات تتسم بقدر من الحلاوة اللفظية، - إزالة البهرجة اللفظية 3 سجعة لطيفة، أو صياغة طريفة، تحمل بعض النفوس على أن يهوى صحتها، وإن من البيان لسحراً، فإذا أزيل مكياج البهرجة اللفظية عن المقولة، وعوملت بصرامة كأفكار مجردة؛ انكشف في كثير من الأحيان وجه الخلل فيها بمجرد ذلك. : فقد تتكئ العبارات على مقدمات غير صحيحة، - الوعي بالمقدمات الفاسدة4 وفي زحمة مناقشة المقولة نفسها يغفل بعض الناس عن تلك المقدمات الفاسدة، فيناقش المقولة مسلّماً بمقدماتها، وهو ما يُعقِّد التفطن لوجه الإشكال الحقيقي في المقولة، أو تحمله على ردها بباطل، أو الالتزام بشيء منه لتسليمه بصحة تلك المقدمات. وتمام الدقة في محاكمة المقولات يستدعي النظر في المقدمات التي انبنت عليها المقولة، وإلى ألفاظ المقولة ذاتها وما تحتويه من معانٍ، وما تفضي إليه من نتائج وآثار. : فصياغة المقولة قد تستدعي من صاحبها موقفاً - التحرر من سجن المقولة5 إما بالموافقة عليها أو رفضها، وهو موقف قد يكون صحيحاً مع جملة من المقولات،
عدد الصفحات ١٧17 المقدمة لكنه يشكّل فخّاً عند التعامل مع مقولات أخر، فليس بلازم أن ينحصر الموقف الصحيح في هذا الطرف أو ذاك، بل قد يكون الموقف الحق في موقف ثالث أوهمتك المقولة أنه غير موجود، وهذه مشكلة كبيرة لا يدركها الناس أمام كثير من الثنائيات أو الثلاثيات أو الرباعيات التي تفرضها بعض المقولات، فلا يلزم أن يكون الصواب موجوداً في قائمة المقترحات الموجودة، وهو ما يستدعي من الشخص تحرراً من أسر هذه المغالطة. : فكثير من العبارات والمقولات قد تكون - ملاحظة السياق الذي توضع فيه6 حقاً من حيث هي، لكن يرد الإشكال عليها في طبيعة السياق الذي توظف فيه، فإذا وضعت كلمة حق في سياق باطل، أوهمت معنى باطلاً، لا من جهة صياغتها ومعناها، إذ تفطن وإنما للهيئة المركبة التي حظيت عليها بحكم السياق، ورحم الله علياً لوجه الإشكال في قول الخوارج: لا حكم إلا لله. فقال كلمته التي سارت مسار المثل: كلمة حق أريد بها باطل. فكثير من المقولات لا تتضح مشكلاتها إلا - إدراك اللوازم والمآلات: 7 بملاحظة ما يترتب عليها من لوازم، وما يمكن أن تفضي إليه من مآلات، فبعض المقولات تُدخل صاحبها في لون من المتوالية الفكرية، فيرى أن مقتضى تسليمه بها أن يُسلِّم بلازمها، وهي تفضي به إلى لازم آخر، وهكذا، حتى يبتعد كثيراً عن الحق وقيمه، ويقع في انتهاك ثوابت الشريعة، الأمر الذي لم يكن مقصوداً له ابتداءً، فمن أدوات كشف هشاشة كثير من المقولات الفاسدة ملاحظة ما يمكن أن تجر إليه متى ما اطردت، وأُخذت إلى نهاياتها المنطقية. : فبعض المقولات هي عبارة عن قوالب - استحضار طبيعة المرجعية الحاكمة8 كلية قابلة للتعبئة بمضامين متباينة، والقالب قد لا يكون خاضعاً لنقد شرعي، وإنما
عدد الصفحات ١٨18 المقدمة يظهر وجه النقد بطبيعة المضامين التي يراد أن تصب فيه. إن الأمر شبيه بإناء قابل لأن يحوي لبناً أو خمراً، فالإشكال ليس مع الإناء، وإنما مع طبيعة ما يحويه. وتعبئة تلك المقولات بمضامين تفصيلية تكون محكومةً بمرجعية معينة تحدد ما يصح إدخاله أو إخراجه منها، فقد يأتي بعض الناس بعبارة صحيحة، لكنه يجرها لمنطقة الانحراف بسبب المرجعية التي يريد محاكمة العبارة إليها، فالتنبه لطبيعة المرجعية الحاكمة لكثير من المقولات يكشف عن وجه الفساد المتضمن فيها. : فالمقولات المنحرفة كثيراً ما تُغيِّر - العناية بالأصول المركزية للأفكار 9 صياغتها وتُنوع عباراتها، لكنها منطلقة من فكرة مركزية معينة، فإدراك الأصل الفكري يُمكِّن من معرفتها وإدراكها، وإن بدلت جلدها، وتمظهرت في قوالب مختلفة. فبعض المقولات الفاسدة لا - تفكيك الفكرة وردها إلى أصولها الأولى: 10 يظهر وجه فسادها إلا بتفكيكها إلى وحدات، ورد تلك الوحدات إلى أصولها، فحينها يظهر وجه الفساد فيها بملاحظة فساد تلك الأصول. : ففي داخل هذه المقولات أمور مضمرة، قد لا - كشف المضمرات الفاسدة11 تكون واضحة في بادئ الرأي، إنما تستدعي مزيد نظر وتدقيق، فالكشف عنها يجلي أوجه الخلل والإشكال فيها. كما أن بعض المضمرات قد يكون خفياً في نفس قائلها، وهو ما يستدعي ضرورة التنبه إلى أن ما يحمل الناس على تبني المقولات وردها لا يلزم أن يكون عائداً إلى المعطى المعرفي المتعلق بها، بل قد تكون هناك مضمرات خارجة عنها تؤثر كثيراً في الإقبال أو الإحجام عن بعض المقولات، كالكبر والحسد والعصبية وحب المال أو الجاه أو غير ذلك، وهو كله داخل في جنس الهوى. وسيرد في ثنايا الكتاب تطبيقات عملية لأثر مثل هذه الأدوات في الكشف عن فساد كثير من تلك المقولات الفاسدة.
عدد الصفحات ١٩19 المقدمة وليس القصد مما سبق التهوين من أهمية الحجج الميسرة المباشرة، فقوة الحجة وسلامتها لا يستلزم أن تكون معقدة وصعبة يشق على كثير من الناس فهمها، بل عامة الحجاج القرآني هو من هذا النمط، فحججه قوية محكمة، وفي الوقت نفسه هي حجج ميسرة يفهمها عموم الخلق، وقد يتفاوت انتفاع الناس بهذه الحجج بتفاوت ما عندهم من العلم والإيمان، وإنما المقصود التنبيه إلى خطورة الحجج الباطلة، والتي يمكن أن يتسبّب يسرها وسهولة إدراكها في وضع غشاوة تمنع من رؤية ما تتضمنه من أخطاء وأغلاط، وما يمكن أن تجرّ إليه من انحرافات. من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب، والذي يسعى إلى جمع عددٍ من هذه المقولات المؤسسة للباطل، ومعالجتها بنفس منطقها الواضح المباشر الميسر، بهدف كشف ما فيها من مشكلات، وفحص كل مقولة على حدة، وتحليل مضامينها الداخلية، وفرز ما فيها من حق وباطل، لتقرّ المعاني الصحيحة المعتبرة، وينبه إلى مواطن الإشكال والالتباس والفساد. وسنقتصر في مناقشة هذه المقولات على تقديم إجابة منهجية تكشف عن حقيقة المقولة، ووجه فسادها، مع الاستدلال لذلك، وبيان اللوازم الفاسدة. وقد اجتهدنا في تتبّع هذه المقولات، وحصرها، ودمج بعضها في بعض، والاستغناء ببعضها عن بعض، والأمر قابل بطبيعة الحال لمزيد اجتهاد وتعديل، وهو ما ننتظره من قرائنا الأعزاء. وستلحظ أن هذه المقولات كلها تسير في اتجاه الانحراف الفكري المتهاون، المتساهل في أحكام الشريعة، ولم ندرج شيئاً من المقولات المتضمنة الانحرافَ الفكري المقابل الذي يدفع نحو الغلو في الدين؛ نظراً لاختلاف نوعية الشريحة المخاطبة، وما يتطلبه مثل هذا من اختلاف في طريقة المعالجة، فرأينا أنه لا يستقيم
عدد الصفحات ٢٠