المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٨ من ٢٢

276 ) الدين ليس هشاً حتى يُخاف عليه33( تمثّل هذه المقولة وصفاً صحيحاً لا يُختلف عليه، فدين الإسلام قوي ببراهينه وأحكامه، ولا يُخشى عليه من الشبهات والأفكار المخالفة، لأنه دين رب العالمين، وهو يكتسب قوته من ذاته، والله من قبل ومن بعد حافظ دينه. لكن من قال إن الخوف هنا هو على الإسلام ذاته الذي سيحفظه الله؟ حقيقة الأمر: أن الخوف على دين المسلم أن يضل عن الإسلام، وليس خوفاً على الإسلام نفسه. فالمسلم يخشى على نفسه أن يضل عن الحق، ويترك الهداية، ويتنكب عن الصراط المستقيم، وليس الخوف على الحق والهداية والصراط المستقيم. فلا معنى إذاً لذكر هذه المقولة عند الحديث عن أهمية الثبات على دين الإسلام، وتذكير المسلم بواجبه في المحافظة على دينه، وضرورة صيانته مما قد يضره ويضعفه، {وهو ما أمر الله تعالى به في إشارة قرآنية لطيفة، قال تعالى [حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ على الإيمان لا يمكن تحقيقه إلا بالثبات على الإسلام طيلة مشوار الحياة، ليضمن المرء إسلامه لحظة وداعه الدنيا. ومن تدبر هذا انفتح له باب فهمِ سبب دعاء المسلم ربَّه في يومه وليلته مرات [ {كثيرة تحقق منها، وتطلب المزيد من هدايات الرب سبحانه وتعالى.

عدد الصفحات ٢٧٧

277 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه فالخشية إذاً ليست على الدين، وإنما هي على أنفسنا الضعيفة أن تُخذل فتترك سيد البشر وإمام المتقين: الدين، ويكفي أن تستحضر قول الله تعالى في حق نبيه وَلَوْلا ^#{ فالتثبيت هو من الله.[أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً سبحانه وتعالى، وليس مجرد قرارٍ يتخذه الفرد استقلالاً، وإنما هو هداية وتوفيق، والتوفيق مفتاحه صدق اللجأ والاستعانة بالله، وعدم الاتكال على هذه النفس أنه لولا تثبيت الله له الضعيفة، والاطمئنان إليها، وإذا قال ربنا تعالى عن خليله لكاد أن يركن للكفار شيئاً قليلاً، فكيف لا يخشى أحد بعد هذا على إيمانه؟! مع هذه الحقيقة، وعميق إدراكه لها، ويكفيك في هذا أن تتأمل في تفاعل النبي ، (1(وما رتبه عليها من نتائج، حيث كان يستعيذ بالله العظيم من وهو . وكان يحدث صحابته بقوله(2(من شيء إلى شيء من الشر « :بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء . فمقتضى العلم بجملة الحديث (3(مُصَرِّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك في الجملة الثانية.الأولى هو الفعل الواقع منه وعجيب حقاً ذلك الأثر العميق الذي خلفته هذه الحقيقة في شخص النبي ، حتى صارت هذه الدعوات من أكثر دعائه، حتى قيدت أم سلمة هذه الملاحظة عنه فعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه أخرجه مسلم(1( وهو من كلام الترمذي معلقاً على الحديث(2( أخرجه مسلم(3(

عدد الصفحات ٢٧٨

278 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال .(1([{ومن شاء أزاغ المستمرة حتى خارج بيته، فعن أنس بل إن هذه الحال كانت هي حال النبي يكثر أن يقولبن مالكٍ قال: كان رسول الله رجلٌ: يا رسول الله، تخاف علينا وقد آمنا بك، وصدقناك بما جئت به. فقال .(2(القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها ولله ما أجمل تلك الملاحظة الذكية التي أبداها ذاك الصحابي حين فهم من كثرة لذلك الدعاء أنها دعوة لهم للاقتداء به، وأنهم مقصودون بالتذكير بهذا ذكر النبي المعنى الإيماني العميق. فالمؤمن يخشى على دينه أن يضعف أو يسلب، إذ هو أنفس ما يملك، وخشيته هذه هي ما يبعث في نفسه الصيانة والعناية والاهتمام بشأن دينه. وهذه الخشية متى ما تحققت على النحو المطلوب كانت ذريعة للمؤمن لتحصيل حلاوة الإيمان، والتي لا تكون إلا بمحبة الدين حبّاً يكره معه أن يعود إلى الكفر بعد إذ استنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وما من شك في أن من أكبر المهددات للدين الاستغراق في .(3(النظر في الشبهات وملاحقتها، إذ فكثرة الواردات الفاسدة على النفس لها دور هائل في إفساد القلب، فإن القلب المنهمك في مطالعة الكتب أو تصفح المواقع المتضمنة التصورات الفاسدة، أخرجه الترمذي، وأحمد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني.(1( أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح . وصححه الألباني (2( .(1/٧ سير أعلام النبلاء للذهبي ((3(

عدد الصفحات ٢٧٩

279 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه والتشكيكات، والشبهات، عرضةٌ لتشرب تلكم المفاهيم المنحرفة، بما ينعكس سلباً على برد اليقين، وصلابة الإيمان. وقد أحسن ابن تيمية النصح لتلميذه ابن القيم حين قال له بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً .(1(للشبهات، أو كما قال بل إن الانهماك في هذا ما يحمل بعض الناس على الانصراف عن الحق وطلبه كليّاً، فتراه يستكثر من الشبهات حتى تقوى في نفسه وتستقر، فيعمى قلبه، ويكون قلباً أغلف ينزع من صاحبه الرغبة في الحق، ويصده عنه. وإذا تدبرت في الكتب المعنية بتتبع آثار السلف، خصوصاً في الأبحاث العقدية، سينكشف لك مدى التحوط الذي كان يبديه أئمة السلف في تعاطيهم مع الشبهات والإشكالات مع عظيم تدينهم وصدق إيمانهم، وهي آثار كثيرة جداً، فمن صور ذلك التحوط العقدي: أن رجلاً جاء إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في .(2(الدين. فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ .(3(قال: فولى أيوب، وجعل يشير بإصبعه: ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة (.443/1 مفتاح دار السعادة لابن القيم(1( .(٨/1 الشريعة للآجري(2( .(٩/1 الشريعة للآجري(3(

عدد الصفحات ٢٨٠

280 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه ودخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله. قال: لا. قال: تقومان عني وإلا قمت. فقام الرجلان فخرجا. فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرآ آية؟ قال: إني .(1(كرهت أن يقرآ آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي وكان ابن طاووس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة، فجعل يتكلم قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك، واشدد، ولا .(2(تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف وليس هذا التحوط في حقيقته ناتج عن ضعف معرفي، بل صحة التصور عندهم مبنيةٌ على حجج وبراهين ومعرفة للحق في مثل هذه الثوابت الشرعية، فلا مصلحة من إصغاء الأذن بعدها إلى شيء من الباطل الذي قد يجتذب القلب صوبه. خصوصاً أن الأمر جد، إذ هو متعلق بأعظم المهمات في حياة الإنسان المسلم، ورحم الله مالك بن أنس إذ قال: الداء العضال التنقُّل في الدين. وقال: قال رجل: ما .(3(كنتَ لاعباً به فلا تلعبَنَّ بدينك وإذا تدبرت في أحوال كثير ممن يتقصدون موارد الشبه والإشكالات، وجدت قدراً من هذا التقصد عائداً إلى شيء من الغرور المعرفي الذي يظن صاحبه بنفسه علماً عظيماً وفهماً كبيراً، فينكشف جهله مع بواكير ما اطلع عليه من الشبهات، فالسلامة لدين المرء متى ما قدر - ولم تكن ثم مصلحة شرعية معتبرة - هي في الابتعاد عن مثل هذه الموارد، والتعرف إلى الحق بدلائله الصحيحة، أما البروز لكل شبهة وإشكال فطريق طويل، وصاحبه عرضة لكثير من الزلل والخطأ. (.133/1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي(1( .(٦/2 الإبانة لابن بطة(2( .(٦٠٥/2 الإبانة لابن بطة(3(

عدد الصفحات ٢٨١

281 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه فإن اقتضت المصلحة الشرعية الاطلاع على الباطل، والنظر في الشبهات، للرد عليها مثلاً، فالأمر ليس متروكاً لكل أحد، بل له ضوابطه وشروطه. كما أن هذا الأمر يتفاوت باعتبارات متعددة، باعتبار حال الشخص ومدى علمه بالشرع. كما يختلف الأمر أيضاً بحسب عقل الشخص وطبيعته النفسية. ويختلف الأمر أيضاً باعتبار مستوى الشبهة، فأصول الشبهات غير تفاصيلها. كما يختلف الأمر باعتبار عموم البلوى بمصدر الشبهة، فالقراءة في المواقع العامة التي تعم البلوى بها تختلف عن الكتب الممنوعة التي يتكلف صاحبها جلبها وقراءتهـا. ويختلف الأمر أيضاً باعتبار حال السائل وقربه من عالم أو طالب علم متمكن يزيح عنه الشبهات ويراجعه في الأمر.. إلى غير ذلك من اعتبارات. ومهما قدر المسلم على تجنب الخوض في الشبهات، والنظر فيها، فإنه أصون لدينه وأبرأ، وبه يحقق حفظ الدين، إذ لا نزاع بين العلماء أن حفظ الدين رأس الضروريات التي جاء الإسلام بصيانتها ورعايتها، فشرع ما يزيده ويثمره في الواقع، ومنع من كل ما يلحق الضرر به، ولا شك في أن إطلاق النفس للنظر في الشبهات دون حاجةٍ معتبرةٍ مما قد يلحق الضرر بهذا الأصل. قد يقال هنا: لكن الذي يخشى من هذه الشبهات هو المؤمن الضعيف، الذي لم يتسلح بالحجة والبرهان، ولم يستعمل عقله ويعتمد على استقلاله، بخلاف القوي المطلع المنفتح فإنه لا يخشى على دينه. وهذه في الحقيقة عبارات شعاراتية فارغة، تستغل بعض المعاني الحسنة، كالقوة والعقل، لتضليل الناس، وتمرير أفكار ضعيفة هشة، نظراً لأنها صيغت بشكل مقبول. إن من يفقه حقيقة الإيمان يعرف أن كل إنسان ضعيف أمام المؤثرات التي تضر بالدين، وأنه معرض لترك دينه ما لم يتداركه الله برحمته. وكيف يظن مسلم أنه قوي

عدد الصفحات ٢٨٢

282 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه ، وهي حال مطردة عندلا خوف على إيمانه بعد إدراكه ما سبق من حال نبي الله الأنبياء، فقد كانوا صلوات الله وسلامه عليهم يدعون الله بالثبات على الدين؛ فهذا [{ إبراهيم الخليل يدعو ربه [{الصديق يقول { ويعقوب ذريتهما بهذه الوصية الجامعة [اصْطَفَ لَكُمُ الِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وهذا في الحقيقة ليس من الضعف، بل هو من الوعي الواجب المبني على فهم عميق لحقيقة الإيمان، وطبيعة النفوس، ومشكلة القضايا الفكرية المثارة، وهو ما يفرض منهجية واعية صلبة في التعاطي معها تتجاوز مجرد الشعور بالضعف والقوة إلى البحث عن كيفية الاستفادة الإيجابية وتجنب الآثار السيئة. فالحق أن من يكرر: لا تخف على إيمانك، والمؤمن القوي لا يخاف على إيمانه، وعندك من العقل والبرهان ما لا تخشى على الإيمان؛ هو في الحقيقة لم يفقه حقيقة الإيمان، ولا حجم الضرر الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه العبارات. فعندنا هنا خمس حقائق يغفل عنها كثير من الناس، هي: { الحقيقة الأولى: أن الدخول في الإسلام من أجلِّ نعم الله على عبده { يختار الله لها و [ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَُّ عَلَيْكُمْ {[ [ الحقيقة الثانية: أن الله يحول بين بعض الناس والهداية، فلا يتمكن من فهم الحقّ { [{ ولا ينشرح صدره له فلا ينتفعوا بما يسمعون من حجج وبراهين:. [أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَُّ

عدد الصفحات ٢٨٣

283 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه { [{ [أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِ آذَانِهِمْ وَقْرًا الحقيقة الثالثة: أن الله قد حكى في القرآن أن سبب ضلال كثيرٍ من الناس ليس عدم فهمهم للأدلة، وإنما لأمراض سكنت نفوسهم، من حب المال والدنيا، { والتعصب للآباء، والحسد والإعراض، وغيرها { [{ [فَاتَّقُونِ [كَثِيٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم { [{ ٩٠ وآيات كثيرة تؤكد هذا المعنى.. [الْـحَيَاةُ الُّنْيَا : أن الإيمان ليس مجرد المعرفة والإقرار، بل هو التزام وانقياد الحقيقة الرابعة ، وهذا الامتثال يتطلب تزكيةً للنفس وتطهيراً للقلب.وامتثال لأمر الله وأمر رسوله : قيام الدنيا على الابتلاء والتمحيص، فمن سنّة الله أن يجري الحقيقة الخامسة {على أهل الإيمان الابتلاء والاختبار [الَِّينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الَْأْسَاءُ وَالضََّّاءُ {السنّة الربّانية [ تحتاج النفوس مع ذلك إلى اختبار وامتحان ليظهر الثبات والصبر وتقديم مراد الله يأتي في هذا السياق تسويغٌ للانفتاح على الأفكار والشبهات من دون أي تحفظ، وأن مثل هذا الانفتاح هو الذي يجعلنا نكتسب الشك هو طريق اليقين،بدعوى أن الإيمان المبني على الحجة والقناعة، وهو إيمان قوي راسخ، بخلاف إيمان الذي يخشى على الشبهات، فهو إيمانٌ ضعيف لأنه مبني على تقليد.

عدد الصفحات ٢٨٤

284 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه وهذه في الحقيقة عبارة تسويقية مبنية على ركامٍ حِجاجي هش، يتبين هذا من خلال فحصها في الأوجه التالية: أن من وصل إلى اليقين لا حاجة له أن يعود شاكاً في يقينه مرة الوجه الأول: أخرى، فما دمتَ موقناً حقاً بأن الإسلام هو دين الله الحق، فما معنى أن تدعو الناس إلى التشكيك في الإسلام الذي تراه هو الحق يقيناً بحثاً عن هذا اليقين؟! هذا في الحقيقة لا يستقيم إلا في حالة وجود شك في الإسلام، فهنا يقال لمن وجد هذا الشك: يجب عليك أن تبحث عن الحق وتزيل ما علق بك من شكٍ حتى تصل إلى اليقين. أما أن نوقن بأن الإسلام هو الحق قطعاً، وفي نفس الوقت نحرض الناس على الشك في الحق لأجل العودة إليه مرة أخرى؛ فهذا ضربٌ من العبث. أن الشك ليس طريقاً إلى اليقين دائماً، فهذه عبارة غير موضوعية الوجه الثاني: ولا واقعية، فالشاك قد لا يصل إلى اليقين، ومن لم يشك قد يكون موقناً، بل إن من عوَّد نفسه على الشك في اليقينيات وجعل هذا منهجاً له في كل أحواله، لن يستقيم له إيمان بتاتاً؛ لأنه حتى لو تحصّل له اليقين سيتحرك عنده الشك مرة أخرى، بسبب خلل منهجه وفساد طريقته. أن الإيمان الذي لم يتعود على الشكوك ليس إيماناً ضعيفاً هشاً الوجه الثالث: كما يتوهم، فليس قوة الإيمان وضعفه مبنية على القدرة على معرفة الحجاج الأدلة في القضايا الدينية الجدلية، ولهذا تجد عند كثير من عوام المسلمين من قوة الإيمان بالدين، والثقة بالله، والتوكل عليه، واليقين بأحكامه، ما لا تجده عند كثيرٍ ممن هو أحسن منهم معرفة بطرائق النظر والتفكير والاستدلال؛ لأن قوة الإيمان ليست مرتبطة لزومياً بمعرفة الأدلة والحجاج، فهي سبب نافعٌ لزيادة الإيمان، لكن قد لا ينتفع به بعض الناس. كما أن الإيمان يتأثر بعوامل غيرها كالعبادات والذكر والتربية وغيرها.

عدد الصفحات ٢٨٥

285 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه فهذه الطريقة إذاً لن تتسبب في الحقيقة إلا في زيادة الشكوك وتعميق الحيرة بين المسلمين؛ لأنها تحرّض على الشبهات بلا وعي بحالها ولا إدراك لحال الناس ولا فقه بحقيقة الإيمان. ولو كان مقصده التأكيد على ضرورة تقوية إيمان المسلمين بالحجج والبراهين التي تصونهم من تأثير الشبهات المعاصرة، فهذا حق لا إشكال فيه، لكن هذا يختلف عن مثل هذا التحريض الفوضوي على الشبهات. سيقال هنا: هذا يعني أن نعطل عقولنا فلا نعترض ولا نسأل ولا نناقش؟ والمشكلة الحقيقية ليست مع السؤال بأن يستفسر المسلم عما أشكل عليه من قضايا دينه، بل مع منهجية تعامل المسلم مع الأسئلة، فالخلل في طريقة التعامل هو الذي يسبب الاضطراب والانحراف. عما يشكل عليهم ويجيبهم عليه الصلاة وقد كان الصحابة يسألون النبي والسلام، وهذا يدل على أمرين: ضرورة اتساع صدر الآباء والأمهات والمربين للأسئلة التي تأتيهم، الأمر الأول: وأن يجيبوا عليها بما يزيل إشكالها ويقوي الإيمان في النفوس. أن السؤال عما يشكل من أمر الدين ليس محرماً ولا مذموماً بإطلاق.الأمر الثاني: إنما يأتي الخلل حين يتسبب السؤال في إضعاف يقين المسلم، ويشككه في أصول دينه، نظراً لأنه لم يحسن التعامل معه، فلم يبحث عن العلم الذي يدفع هذه الشبهة. بل حتى إن لم يجد المسلم جواباً مقنعاً عن استشكالٍ معين اعترضه، فوجود إشكالٍ في جزئية معينة لا يؤدي إلى الشك في الأصل كله والانحراف عن الإسلام، فالإشكال لا ينافي اليقين، فيمكن للمرء أن يظل موقناً بأصول الدين وقطعياته مع بقاء إشكالاتٍ محددة لم يدرك وجه الجواب عنها في بعض الجزئيات.

عدد الصفحات ٢٨٦

286 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه فالأمر هنا ليس تعطيلاً للعقل، ولا دعوةً لإيقاف التساؤل والبحث والنظر، إنما هو تأكيدٌ على ضرورة فقه حال الإيمان فلا يتسبب الشخص في الإضرار به من حيث أراد تقويته بسبب غفلةٍ وتوهماتٍ فاسدة، متأثراً بشعارات تتجمل بالعقل والانفتاح، بل يتعامل معها وفق منهج موضوعي يضمن له الانتفاع بها والسلامة من ضررها. يقال اعتراضاً على هذا التقرير: إن هذا التخوف يحرمنا من الاطلاع والانفتاح والاستفادة مما عند الآخرين من علوم وأفكار نافعة. التخوف من الشبهات لن يحول بين المسلم وأي علمٍ نافع، بل هو في الواقع منهج موضوعي يسهم في صرف المسلم عن إضاعة الوقت والجهد في جزئيات محددة ضارة أو قليلة الثمرة، ليبقى منشغلاً بالأمور النافعة والعلوم المفيدة في المجالات كافة، فتجنب الشبهات يعمق الوعي بضرورة التمييز بين العلوم النافعة والضارة في الانفتاح، وأن لا يَقبل المسلمُ الانفتاحَ على الضار بدعوى البحث عن النافع. فالشبهات متعلقة بجانب معين محدد مما يشكك في الدين وقطعياته، فليس في الانفتاح على هذا الجزء من نفع حقيقي للمسلم وقد مَنَّ الله عليه باتباع الوحي والاستنارة بهديه، خصوصاً حين يقبل عليها بلا علم ولا منهج، وأما بقية العلوم النافعة فهي مما يُحث على الاستفادة منها. كما أن الإشكال ليس في أصل الاطلاع، وإنما في الانشغال به مع جهل الإنسان وعدم معرفته المعرفة الكافية بما يقوي أثر الشبهة عليه، بسبب ضعفه لا بسبب قوتها، فالاطلاع على المواد التي تثير الشبهات والشكوك على أصول الدين يتطلب من المسلم أن يكون عالماً بدينه حتى يستطيع أن يناقشها ويرد باطلها، وهذا يتطلب وقتا ًوجهداً لا يبذله أكثر من يطالعون الشبهات، فقد يكون منشغلاً بدراسة علمية نافعة ثم في أوقات يسيرة من فراغه يطالع كتباً منحرفة، فهو لا يجد وقتاً ولا يملك جهداً موازياً

عدد الصفحات ٢٨٧

287 الدين ليس هشا حتى يخاف عليه لاطلاعه، فيغرق في الشبهات بسبب تقصيره، فالخير له في تركها ما دام أنه لن يبذل ما تستدعيه من واجب شرعي في العلم والتعلم. أن مقولة (الدين ليس بهذه الهشاشة فيخاف عليه) تسعى إلى تهوين والخلاصة شأن الشبهات في نفس المسلم، وتعطيه شعوراً زائفاً بالعلو العلمي، الذي كثيراً ما يتبدد مع لحظة الارتطام بأول شبهةٍ، وإن كانت سهلةً تافهةً في كثير من الأحيان.

عدد الصفحات ٢٨٨

288 ) بلا وصاية34( كل حرٍّ عاقلٍ بالغٍ رشيدٍ فإنه ينكر أحقية أن يكون أحد وصيّاً عليه، فالوصاية سلطة قهرية تُفرض على الإنسان، تحول بينه وبين تصرفاته وحقوقه. وبطبيعة الحال فإن مثل هذا المعنى مرفوض عند الناس، ولا يقبل أحد أن يكون ثمَّ وصاية من أي شخص أو جهة عليه. حسناً، أين المقولة الفاسدة في الموضوع؟ الفساد يظهر في بعض استخدامات هذه المقولة وتوظيفاتها، فإشكالية بعض المقولات لا تقتصر على وجود معنى باطلٍ فيها، بل قد تكون في بعض التوظيفات الخاطئة لها. وهذه المقولة هي من جنس تلك المقولات التي جرى استخدامها وتوظيفها في عصرنا في سياقات كثيرة تعود إلى معنى واحد، وهو: رفض بعض الحق بدعوى أنه يشتمل على نوع وصاية. والمشكلة هنا في تعدية الوصاية إلى غير مجالها، واستغلال النفور النفسي من كلمة الوصاية للتنفير من بعض صور الحق، وهو ما ينكشف سريعاً عند رفض بعض الناس بعض صور التواصي بالحق، والنصح بالخير، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بذريعة ما تتضمنه مثل هذه الأفعال من وصاية. فالشريعة جاءت بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإقامة دين الله، ومنع التجاوز على حرماته، وحفظ حقوق الناس في دينهم ودنياهم، وكل مسلم عليه نصيب من هذا الواجب بحسب استطاعته وقدرته وعلمه. فمحرك القيام بهذه الشريعة شعور المسلم بواجبه الشرعي، وانتصابه للقيام بأمر الله تعالى، إضافة إلى دافع أخوي

عدد الصفحات ٢٨٩

289 بلا وصاية بالنصح للمسلمين وبذل الخير لهم، والتواصي معهم على الحق والإيمان، وهو معنى متفق عليه لا يختلف عليه المسلمون في الجملة. الذي حدث في عصرنا أن بعض تطبيقات هذه الشعيرة أصبحت توصف بأنها من قبيل الوصاية المنبوذة، وأن من يأمرك بمعروف أو ينهاك عن منكر فإنه يمارس وصايته عليك، وهذا فيه تضليل من جهتين: فالوصاية أن تمنع الإنسان من تصرفاته الأولى: التضليل من جهة مفهوم الوصاية: المالية والبدنية بلا حق، وليس منها أن تمنعه من الفعل الضار أو تأمره بالفعل الحسن، فالأنظمة المعاصرة تفرض قائمة طويلة من الممنوعات، وقائمة مثلها من الأوامر التي يلتزم الجميع بها، ويرون فيها تحقيقاً لمصلحتهم ودفعاً لما يضرهم، ولم يقل أحد إن هذا من قبيل الوصاية عليهم. : وهذا أسلوب تضليل من جهة تسمية الحكم الشرعي بالأسماء المنفرة الثانية: {قديم في رفض الحق بتوظيف التسميات المنفرة عنه، كما قال فرعون [ يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِ ٱلأَۡرۡضِ ٱلۡفَسَادَ سيقال هنا: لكن الخلاف في مفهوم المعروف والمنكر وليس في الأمر بجنس المعروف أو النهي عن جنس المنكر، فمحل النقد هو لمن يأمر بما ليس بمعروف، أو ينهى عما ليس بمنكر. وهنا ينتقل البحث في تحقيق ماهية المعروف والمنكر، وتحقيق مناطاتهما في الواقع، وحل ما قد يعرض في هذا الباب من أخطاء، وهذا كله جزء من التفكير الصحيح في المقولات المعاصرة وكيفية التفاعل الإيجابي معها، وذلك بالضغط عليها ومساءلتها وتفكيك بنيتها لتحييد المعنى الباطل منها، والكشف عما فيها من حقّ أو ما يحتمل أن يكون كذلك. وهنا يجب أن يكون النقاش في تحديد القضية

عدد الصفحات ٢٩٠

290 بلا وصاية المختلف فيها هل هي من الواجبات الشرعية التي يجب الالتزام بها، أم ليست كذلك؟ وهذا التمييز ضروري لوضع حدٍ فاصل يحول بين المفاهيم الباطلة أن لا تتمدد في المساحات المحتملة.

عدد الصفحات ٢٩١

291 ) لستَ مسؤولاً عن الخلق 35( حين يبادر المسلم لإنكار أي قول أو فعل مخالفٍ للشريعة، فإنه غالباً لن يسلم من سماع مثل هذه المقولة: (لستَ مسؤولاً عن الخلق)، أو: (لستَ مسؤولاً عما يحدث)، أو: (دع الخلق للخالق)، أو: (عليك بما يخصك)، أو غيرها من العبارات التي تفتُّ في عضد كل من يريد الخير للناس بنصحهم عن خطأ، أو دلالتهم على صواب، بأن هذا ليس من مسؤوليتك، أو أنه يمثل نوعاً من التطفل والتدخل في خصوصيات غيرك، فلا حاجة لأن تشغل نفسك بها، ولا أن تجر على نفسك الهم والقلق بسببه، فأنت مسؤول عن فعل نفسك فقط. والسؤال المهم هنا: هل نحن غير مسؤولين حقاً عما يحدث من حولنا؟ وهل تقتصر دائرة مسؤوليتنا على تصرفاتنا وأفعالنا وليس علينا مسؤولية تجاه غيرنا من الناس؟ لا شك في أن هذا الكلام باطل، فالمسلم مسؤول عما يحدث من حوله، وليس صحيحاً أن المسؤولية تقتصر على ما كان من فعله هو فقط، بل من فعله الواجب والذي يحاسبه الله عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا من الواجبات المحملة على عاتق كل مسلم ومسلمة، وبهذا استحقت هذه الأمة الثناء العظيم في القران: ]٠[{ َۡيِۡ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ ل{وقال سبحانه {]4[ كَنُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن ^٨٧^#إسَْائِيلَ عََ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَنُوا يَعْتَدُونَ

عدد الصفحات ٢٩٢