المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٧ من ٢٢

260 الدين متعايش والذي يرفع مثل هذا الوهم الفاسد، استحضار ما أمرت به الشريعة في هذا الباب، حيث إنها: ، فقال تعالى: - منعت البغي والظلم والاعتداء على المخالفين وأوجبت العدل [{ [ { سبحانه « : وقال .(1(طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة - وفتحت المجال واسعاً للتعاون مع كل الناس في الخير والمعروف وما فيه { ، فقال تعالى مصلحة عامة « :[ .(2(به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ، فقال تعالى: - وشرعت بذل البر والإحسان لمن لم يكن معتدياً من الكفار { [إلَْهِمْ إنَّ اللََّ يُِبُّ الْـمُقْسِطِ { ، فقال تعالى- وأوجبت رعاية من كان له حقٌ من الكفار [تُشِْكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الُّنْيَا مَعْرُوفًا فالشريعة مبناها على العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، فالمسلم يجمع بين المعاني الشرعية كلها، ولا يضرب بعضها ببعض. أخرجه أبو داود. حسنه ابن حجر. وقال السخاوي: إسناده لا بأس به. وصححه الألباني.(1( أخرجه البيهقي في السنن الكبرى. وصححه ابن الملقن(2(

عدد الصفحات ٢٦١

261 الدين متعايش والحقيقة أن كثيراً ممن لا يستسيغ عقيدة الولاء والبراء لوقوعه أسير أوهام خطاب التعايش، لم يتخلَ عن ممارسةٍ تندرج في مفهوم الولاء والبراء، وإنما تغيرت عنده الأرضية التي يجب إقامتها عليه، فهو في الحقيقة لا يمانع من ممارسة سلوكيات معينة تندرج في مفهوم الولاء والبراء، لكن وفق مبررات ومسوغات غير دينية، كالقومية والوطنية والقبلية وغيرها. فالأمر ليس تخلياً كلياً عن مفهوم الولاء والبراء، وإنما إعادة ترتيب لمن يستحقه، فيتحول حبه وبغضه من مركز الحب في الله والبغض فيه، إلى مركز جديد يبتعث ذات المشاعر والسلوكيات لكن وفق معطيات هذا المركز الجديد. وهذا مشهد يتكرر في عدد من الملفات الفكرية الساخنة، تظل المفاهيم المنتقدة للتصور الشرعي قائمة في نفس الناقد، لكنها تتمظهر بمظاهر جديدة، وتتحول في وعيه وتفكيره وسلوكه إلى خانةٍ أخرى. فالقتال الذي ينتقده حين يعالج التصور الشرعي للجهاد، ليس هو محل الانتقاد من حيث هو، وإنما الإشكال في محركاته وبواعثه، والتي حوّلها لتعمل في منطقة جديدة. وحد الردة الذي ينتقده بشدة، ليس مشكلاً إن عبئ بمعطى جديد. وقل الأمر نفسه في قضية الإلزام وما يجب وما يحرم، فتثور مشكلاته في هذه الملفات إن كان موجب الإلزام الشريعة، أما إن كان الأمر عائداً لأجندة يؤمن بها لم تثر في نفسه أي مشكلة، وهكذا في سلسلة طويلةٍ من الملفات والقضايا. وهو ما يستدعي إعادة النظر في كثير من المخاصمات التي يقيمها بعضهم لبعض مفاهيم الشريعة، إذ الأمر لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لها لكن وفق مرجعية جديدة يراجع من خلالها ما يجب أن يدخل ويخرج عن تلك المفاهيم، مع استمرار صاحب هذه المخاصمة في إظهار النقد المطلق لتلك المفاهيم.

عدد الصفحات ٢٦٢

262 الدين متعايش ) الدعوة للأخوة الإنسانية2 من المفاهيم التي تمرر كثيراً تحت بنود التعايش مفهوم الأخوة الإنسانية، فما هي مرامي هذا المفهوم الذي يسعى الكثيرون اليوم لإشاعته وترسيخه في العقول والأذهان؟ وما الموقف الشرعي منه؟ يمكن استكشاف ما يتعلق بهذا المفهوم عبر ملاحظة المعاني التالية: أن استعمال الوحي لمفهوم الأخوة لم يرد إلا في صنفين فقط، المعنى الأول: هما: (أخوة النسب)، و(أخوة الدين). { :أخوة النسب والدمفمن استعمالات {[{[الأُنثَيَينِْ [ { [صَالِـحًا النسبية قد تضيق وتتسع، وهي ما علق عليه الشارع أحكاماً متعددة، كصلة الرحم، والنفقة، والميراث، والعاقلة، وغيرها مما هو مبسوط في المدونة الفقهية. فهي أخوةٌ تشمل أهل الإيمان جميعاً، وتربط لاحقهم الأخوة الدينية: أما بسابقهم، سواءً كان من هذه الأمة أو من غيرها. وبواعثها انتساب الكل إلى دين واحد {(وهو الإسلام، فكل مسلم هو أخٌ للمسلم في الدين، قال تعالى جَِيعٗا وَلاَ تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَِّ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَينَۡ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ « :[إِخۡوَٰنٗا كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة .(1(من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة متفق عليه.(1(

عدد الصفحات ٢٦٣

263 الدين متعايش أن مفهوم الأخوة الإنسانية مفهوم حادث لم يرد في نصوص المعنى الثاني: الشرع، ولم يستعمله علماء الإسلام، وإنما تم صكه في السياق الحضاري المعاصر. والمنهج الشرعي في دراسة هذه المصطلحات هو في تحليل مضامينها الداخلية، ثم فرزها لإدراك هل هي من الحق فيقبل، أم من الباطل فيرفض، أم مزيج منهما فيميز بين هذا وهذا. قد يقول قائل: ما المانع من استعمال هذا المصطلح، خصوصاً أن البشرية كلها ترجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام، فكلنا لآدم وآدم من تراب. فيقال: ليس الاعتراض هنا متوجهاً إلى مجرد تركيب الكلمات ورصفها، ولا إلى توليد مصطلحي يمكن تسويغه في ضوء سعة العربية، وتعدد استعمالات كلمة الأخ في معاجم اللغة، وإنما المقصود التنبيه إلى مشكلات مَنْشَأ المصطلح، وما يراد أن يُمرّر من خلاله. باستعراض واقع التداول المعاصر لهذا المفهوم سيتجلى حجم المعنى الثالث: التباين بين المعاني المندرجة فيه، والسؤال الذي يهمنا هنا: ما المعنى الذي يراد تمريره تحت لافتة الأخوة الإنسانية؟ خصوصاً أن هذا النمط من الأخوة يشتمل على الناس جميعاً، الظالم والمظلوم، والمجرم والبريء، والمسلم والكافر، فما هو المعنى الزائد الذي نستفيده من إدراك اشتمال وصف الإنسانية هنا، وما الأحكام التي يراد ترتيبها عليه؟ إن قُصد بذلك تجسير الفرق بين المسلم والكافر بذريعة أنهم أخوة في الإنسانية فلم لا يقال ذلك في حق المجرم والبريء، أو الظالم والمظلوم، فهم جميعاً شركاءٌ في الإنسانية أيضاً، وهم ممن يدخلون في مفهوم الأخوة الإنسانية؟

عدد الصفحات ٢٦٤

264 الدين متعايش وهذا ما يكشف تعثرات هذا المصطلح في الواقع، وأن جزءاً من البواعث المحركة لاستعماله هو توظيفه في مجالاتٍ تتناقض مع محكمات الوحي، دون أن يُسعى إلى تمديد سلطانه ليشمل بقية الدوائر الإنسانية. وقد سبق بيان أن من محكمات الشريعة قطع معاني الولاء الديني بين المسلم { والكافر، ولو كان هذا الكافر أباً أو أخاً أو قريباً، قال تعالى [ آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلَِاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عََ الإيمَانِ فالأخوة الدينية معنى يبذله المسلم لأخيه المسلم، كما أن الكافر يبذل أخوته لأخيه الكافر، فأخوة الدين لا تقتصر على الأخوة بين المؤمنين فقط، والتي قال الله [{فيها [ {بينهم، قال تعالى ٦٥ قد يقول قائل: إن المقصود هو التنبيه في ذكر الأخوة الإنسانية إلى إعطاء وصف فهذا من مقتضيات وصف الإنسانية، وهو من مقتضيات التكريم للناس جميعاً، الأخوة. وهذا وإن كان صحيحاً في أصل الخلقة، فالإنسان في الأصل مخلوق مكرم، قال {تعالى [ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {أشارت إليه الآيات التالية مباشرة، فقال تعالى وَمَن كَنَ فِ هَذِهِ أَعْمَ فَهُوَ فِ الآخِرَةِ أَعْمَ ^#بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً [ وَأَضَلُّ سَبِيلاً

عدد الصفحات ٢٦٥

265 الدين متعايش فالتكريم في الآية ليس تكريماً مطلقاً كما يظهر من سياقها، بل هو تكريم لخلق الإنسان مقارناً بخلق ما دونه من الحيوانات، ثم هو قد جاء في سياق الامتنان حثاً على تحقيق العبودية، ثم قد جاء بعده ما يكشف عن قدر الإنسان عند الله تعالى متى { ما كفر به [ الفاسدة من الأخوة الإنسانية والمقصود: أن جوهر المشكلة هنا ليس في أصل إطلاق الأخوة الإنسانية، وإنما فيما تتضمنه من دعوة إلى إسقاط أحكام الأخوة الإيمانية على الأخوة الإنسانية، أو هدر أحكام الأخوة الإيمانية، وهو ما يتناقض مع أصول الإسلام الذي اختص أهل {الإسلام بمعانٍ من الأخوة لا يشركهم فيها أحد [ الْكُفَّارِ رُحََاءُ بَيْنَهُمْ ) التكفير:3 من الأصول الشرعية المقررة في مباحث الأسماء والأحكام في كتب العقائد أن { الناس يتمايزون فيما بينهم إلى مؤمن وكافر وأن هذه الأوصاف تستتبع أحكاماً عقدية .[مُّؤْمِنٌ وَاللَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌ أو عملية، وهي ما تجد تفاصيله في مدونات العقيدة والفقه، وليس القصد هنا تحرير ما يتعلق بحقيقة الكفر أو أحكامه، وإنما الإشارة إلى ما تضمنته بعض دعوات التعايش من تخفف لما تراه مستشكلاً في هذا الاصطلاح (الكفر)، وهو ما يحملها على السعي لاستبداله بمصطلحات مخففة، كالآخر مثلاً، ظنّاً أن هذا أدعى لتحقيق السلم والتعايش المنشود. ولست أدري ما يصنع هؤلاء بهذه التوصيفات المتواترة في القرآن بتسمية من وقع في الكفر كافراً؟! وكيف سيحلون مشكلتهم مع سورة يحفظها كل

عدد الصفحات ٢٦٦

266 الدين متعايش مسلم جعل اسمهما (الكافرون)؟! وهو أمر يكشف عن خطورة ابتلاع المصطلحات المضللة والانطلاق منها لمعالجة الواقع. إن تعليق وصف الكفر على عددٍ من المعتقدات أو الأقوال أو الأفعال يعد أمراً ظاهراً في نصوص الوحي، لا يستدعي الاسترسال في التأكيد على دلائله، فالتكفير وصف شرعي مرده إلى الشريعة، فهي التي تحدد ما يكون كفراً، ثم تنزل تلك الأوصاف على الأشخاص بحسب الميزان الشرعي المبني على ضرورة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وليس في هذا أي ظلمٍ لشخص أو طائفة، لأن هذا من تسمية الأمور بأسمائها. والحق أن التمييز بين الإيمان والكفر شأن بدهي، وإلغاء هذا الفرق يحيل الإيمان إلى مادة هلامية تقبل الشيء ونقيضه، فبمجرد أن تسعى إلى ضبط مدلول الإيمان وتحديد ما يدخل في إطاره، فأنت ترسم تلقائياً حدود الكفر وتقرّ بوجوده، ولذا فما من نحلة أو دين إلا وهي تعتقد أن من لم يلتزم بعقائدها وتصوراتها كافر، وفي ضوء هذا التصور قال بعضهم وقد أحسن: دين لا تكفير فيه ليس بدين. وليس في الاعتراف بهذا القدر مضرةٌ، وإنما تحصل المضرة متى ترتب على هذه ولذا فالشريعة راعت في موضوع التكفير أمرين مهمين:الأوصاف ظلم حقيقي.. عدم التعجل بإسباغ هذا الوصف لغير المستحق، وذلك لخطورة ما الأمر الأول: يترتب عليه من أحكام. ترتيب ما يناسب هذا الوصف من أحكام شرعية تميزه في الواقع الأمر الثاني: عن الإيمان، وفي ترتيب تلك الأحكام تمام العدل، إذ مبنى الشريعة على التفريق بين المختلفات، ولا فرق أظهر وأجلى من الفرق بين الكفر والإيمان، فمن العدل أن يعطى الإيمان حقه، وأن يعطى الكفر حقه، وليس في هذا غضاضة أو إشكال.

عدد الصفحات ٢٦٧

267 الدين متعايش بقي التنبيه إلى أنه ليس المقصود مما سبق منع استخدام لفظة الآخر مطلقاً في توصيف الكافر، أو التحفظ من ذكر وصف الكفر لأي مصلحة شرعية، وإنما ملاحظة تجاوز المصطلح الشرعي واستبداله قصداً بغيره. ) الجهاد:4 يتمدد أثر المفهوم السلبي للتعايش في عصرنا ليصل إلى تحريف مفهوم الجهاد في الإسلام أيضًا، حيث إن التعايش يقتضي وجود سلامٍ بين الشعوب قائم على معاهدات مشتركة تمنع قيام الحروب، وتفتح المجال لكافة العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين الدول، وأما القول بوجود جهادٍ في الإسلام فهو يعني تقويض هذا السلام، وإعلان الحرب على الجميع. وقد أوقع هذا الإشكال كثيراً من المعاصرين في مأزق، اضطروا بسببه إلى نفي وجود مفهومٍ للجهاد في الإسلام يتجاوز الدفاع عن النفس ضد العدوان، فلا وجود في نظرهم لأي جهاد يقصد إلى إعلاء كلمة الله وإقامة نظامٍ يحكم بالشريعة، وبناءً وخلفائه عليه رجعوا إلى نصوص الشريعة، ووقائع التاريخ الإسلامي في عهد النبي الراشدين بالتأويل بحمل ذلك على كونه دفاعاً محضاً ضد عدوان الآخرين. والحق أن القول بالتعايش السلمي المعاصر لا يقتضي مثل هذا التحريف، فلا أحد من علماء المسلمين في عصرنا يقول بجهاد الطلب في هذا العصر، بل ولا يقول مثل هذا عاقل، لما فيه من ضرر بيّن، وفساد ظاهر، وهو من الاعتبار القطعي الذي لا يخفى على عموم المسلمين، فما بالك بعلمائهم. إذا أدركتَ هذا علمتَ أنه لا أثر لمفهوم جهاد الطلب في التأثير على التعايش السلمي المعاصر، فتحريفه ونفي وجوده هو محض بحث جديد لا علاقة له بوجود

عدد الصفحات ٢٦٨

268 الدين متعايش حاجة ماسة معاصرة إلى التعايش السلمي، فالمفهوم كما سبق لا يوجد من يدعو إليه في عصرنا، ولا من يقرره. الذي حصل إذن، أنهم عادوا إلى النصوص الشرعية فحرفوا مفاهيمها، وقدموا وقائع التاريخ الإسلامي في غير صورتها الحقيقية، فمفهوم التعايش كان أثره نفسياً في دفع بعض النفوس إلى تحريف المفاهيم من دون وجود أي حاجة حقيقية لهذا التحريف من الأساس. ونفي وجود هذا الجهاد في الإسلام أو تاريخ المسلمين هو محض مكابرة، فالأدلة فيه ظاهرة محكمة، ويكفي استحضار وقائع الجهاد في تاريخ الخلفاء الراشدين ليدرك المسلم قطعاً أن هذه الوقائع لم تكن كلها من قبيل جهاد الدفع المحض. ولا يعني القول بوجودها أننا نقرر هنا مشروعيته في هذا العصر، أو ندعو لرفض المعاهدات المعاصرة، فهذه كما سبق لا يقول بها عالم ولا عاقل. وإنما القصد التأكيد على أهمية المحافظة على محكمات الشريعة من التحريف، فالجهاد الشرعي محكمٌ ديني لا يمكن تجاوزه أو تحريفه لعظيم مكانته في الشرع، وكثرة ما ورد فيه من النصوص والدلائل، ، وهو أمر لا يبعث على التواري منه خجلاً بسبب طعن طاعن أو لمز لامز. فظاهرة التحريف لا تراعي هذا كله، ولا تتعامل مع الموضوع بما يتطلبه من موضوعية علمية، بل بسبب انصياعها لقيم الحضارة الغالبة تظن أنها تحسن صنعاً، إذ ترى مثل هذا من صيانة الإسلام بنفي ما تراه باطلاً، ولا تدري أنها حين تقر بأن هذا باطل وأنه ضرر وعدوان محرم، فهي تطلق العنان للخصم للاستطالة على الإسلام أكثر، لأن أدلة ثبوت هذه الأحكام أقوى، فما دمتَ مُسَلِّمَاً بكونها باطلة وتضر بسمعة

عدد الصفحات ٢٦٩

269 الدين متعايش الإسلام فقد أقررت بوجود طعن في الإسلام. بينما من نصر الحق كاملاً، فراعى الواقع وحاجاته، وحافظ على المفاهيم فلم يحرفها، لم يجد الطاعن عليه مدخلاً. أن التعايش في الاستعمال المعاصر مصطلح مجمل، تمرر من خلاصة الأمر خلالها مفاهيم عدة متأثرة بحمولة فكرية تتصادم مع بعض الأحكام الشرعية، وحين نطيل الحديث في فحص مضامينها فليس في ذلك دعوة إلى إهدار ما فيها من مضامين صحيحة ومعانٍ معتبرة، وإنما ضرورة التفطن إلى ما تتضمنه من إشكالات لئلا تتسرب من خلال هذه المعاني الصحيحة.

عدد الصفحات ٢٧٠

270 ) الإسلام الوسطي المعتدل32( يتردد على ألسنة كثير من الناس في عصرنا مصطلح الإسلام الوسطي، أو الإسلام المعتدل، ويقصدون به أننا نتمسك بالإسلام وفق رؤية معتدلة لا غلو فيها ولا تطرف. وهذا المعنى من حيث هو ليس محل إشكال، فالتمسك بالإسلام باعتدال، ونبذ الغلو والتطرف، أو التحلل والتفريط؛ مسلكٌ حسن، ولا يختلف عليه أحد. لكن التعامل مع هذه المقولة لا ينبغي أن يكون بهذه السهولة، وأنها مجرد تعبير عن ضرورة التمسك بالإسلام ونبذ الانحراف عنه بالغلو أو الجفاء، بل نحن أمام سياقات ومضمرات تتضمنها هذه المقولة لا بد من فحصها، وإظهار ما فيها من مشكلات، وسنذكر منها هنا سياقين مهمين: السياق الأول: ما سبب تخصيص الإسلام بهذا الوصف وصف الاعتدال؟ أو بمعنى آخر، لماذا لا يقال: نحن نتمسك بالإسلام، ونتمسك بالسنة، ونتمسك بالشريعة. وإن أحببتَ ، أو على منهج السلف الصالح، فأضف: وفق المنهج الصحيح، أو على هدي النبي ونحو ذلك. ما سر تخصيص (الاعتدال) ليكون ملازماً للإسلام، وكأن الإسلام بحد ذاته لا يكفي للإبانة عن هذا المعنى. الواقع أن كثرة تخصيص الإسلام بوصف الاعتدال، ونبذ التطرف، له إيحاءات سلبية، فاستحضار هذا الوصف دائماً عند أي حديثٍ عن الإسلام افتخاراً به، واعتزازاً

عدد الصفحات ٢٧١

271 الإسلام الوسطي المعتدل بقيمه، ودعوة لتحكيمه، والرجوع إليه؛ يحمل في طياته موقفاً سلبياً من الإسلام شعر به هذا الشخص أم لم يشعر، فكأن الإسلام أصبح في حالةٍ مشكوك فيها، وأن التطرف والغلو أصبح سمة من سمات الإسلام في عصرنا، فلا بد من التبرؤ منها حتى لا يُساء الظن بصاحبها، فيشترط على نفسه أن تكون دعوته مقصورة على ما يسميه الإسلام المعتدل. جزء من المشكلة هنا وقوع بعض الناس تحت سطوةِ ضغط الماكينة الإعلامية الرهيبة في عصرنا، التي تسعى لربط الإسلام بالغلو والتطرف، وأسهم في زيادة الإشكال أدوات وعقول من المسلمين رسخوا هذا الانطباع السلبي في نفوس الكثيرين بممارسات مغالية ينسبونها إلى الدين، فجنوا على دينهم وهويتهم، وجعلوها محل تهمة وعيب، ثم أسهم آخرون من المسلمين في تأكيد هذا الانطباع السلبي بالحرص على استحضار وصف الاعتدال عند ذكر الإسلام ليتأكد لكثير من المراقبين أن الإسلام من حيث هو لا يمثل قيم الاعتدال والوسطية. والحقيقة أن مثل هذه القيود تتضمن تبرئةً للشخص من وصمة الغلو والتطرف لا الدفاع عن الإسلام، فكأنه يقول: أنا بريءٌ من أي إسلام آخر، وإنما أسير في حياتي وفق إسلام معين هو الإسلام المعتدل الذي يختلف عن غيره. فهو في الحقيقة يزيد من تكريس هذه النمطية الجائرة الفاجرة في الاعتداء على الإسلام من حيث يتوهم أنه يريد الدفاع عنه. إذاً، ديننا الإسلامي هو دين الاعتدال، فليس ثم حاجة لأن نقيده بوصف الاعتدال. وحين نقول الإسلام فهو الإسلام بأحكامه وأصوله، هو دين العدل والاعتدال والرحمة والنجاة في الدنيا والآخرة، نفخر بذلك ونعلي الصوت به، ولا نخجل منه ونطأطئ الرأس بسبب ضغط إعلامي يجيء من هنا أو هناك. ووجود من

عدد الصفحات ٢٧٢

272 الإسلام الوسطي المعتدل يغلو أو ينحرف لا يعني أن الإسلام أصبح مشبوهاً أو مخيفاً أو غير واضح، فلا بد من تخصيصه، فهذه انحرافات عنه يجب بيان حالها وتوضيح زيفها، دون الحاجة إلى جعلها مؤثرة في مفهوم الإسلام نفسه، بحيث يكون الإسلام في حد ذاته محلاً للتهمة، ويصبح الانتساب إليه دون ضوابط وقيود موضعاً للشبهة. السياق الثاني: وهو يتعلق بمفهوم الاعتدال المقرون بالإسلام، فما هذا الاعتدال؟ يمثّل الاعتدال إحدى السمات الحاضرة عند مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية المعاصرة، فالكل يدعو إلى الاعتدال ونبذ التطرف، وهذا ما يحتم ضرورة معرفة حدود الاعتدال والمرجعية المحددة له، إذ بدون هذا التحديد لن يكون للاعتدال أي معنى، وسيكون قالباً يمرَّر من خلاله مختلف الانحرافات في السلوك والتصور، ثم تنسب تلك الانحرافات للإسلام بذريعة أنها تمثل الإسلام الوسطي المعتدل. وضابط معرفة الاعتدال الممدوح هو الشريعة نفسها، فالإسلام يحمل في ذاته جواباً عن حدود الاعتدال، فمن تمسك بالإسلام حقاً بأحكامه وتشريعاته وحدوده فهو الواقع في مربع الاعتدال، المبرأ من مظاهر الغلو وصور الجفاء، وليس ضابط الاعتدال مستوحى من معايير خارجة عن الإسلام تحدد للإسلام مفهوم الاعتدال. فليس للمسلم أن يُحكِّم أعرافه وتقاليده، أو أهواءه الشخصية، أو رضوخه لهيمنة ثقافة وافدة على الإسلام، فيستخرج من ممارسته هذه مظاهر الاعتدال المنشود الذي يمتدح صاحبه، بل الواجب محاكمة هذه جميعاً إلى أصول الشريعة ومحكماتها، فما كان موافقاً لها فهو الاعتدال، وما كان مخالفاً فليس من الاعتدال ولو ملأ صاحبها فضاء الدنيا حديثاً عن الاعتدال.

عدد الصفحات ٢٧٣

273 الإسلام الوسطي المعتدل هذا هو المنهج الذي يجب أن يكون عميقاً في وعي كل مسلم، فلا يكتفي بمجرد رفع لافتة الاعتدال واتخاذه شعاراً، بل يجب فحص هذه الدعوى وفق منهج الشريعة لمعرفة الصحيح من المغشوش. وتلحظ هنا أن شيوع ظاهرة التساهل في اللمز والاتهام بالغلو والتطرف ما يضعف تأثير مثل هذه التهمة في الواقع، فلا يبقى لها ذاك الأثر في صرف الوجوه والقلوب عنه، لأن كل طرف يطلق على الآخر تهمة الغلو، ثم يتفاخر بالانتساب إلى الاعتدال، فالحل لمعالجة إشكالات التطرف والغلو هو في التحاكم إلى كتاب الله لمعرفة مواطن الغلو والتطرف، والجفاء والتساهل، ولندرك موضع وسنة رسوله الاعتدال حقاً، ونعي دائرته، وهو ما يُحَتِّمُ على كل طرفٍ أن يثبت اعتداله من خلال التزامه بدلائل الكتاب والسنة، لا من خلال الشعارات والدعاوى الفارغة. سيقال: لكن الاحتكام إلى الكتاب والسنة سيقع فيه من الاختلاف ذات ما يقع هنا. فالجواب يدرك من خلال الجمع بين أمرين: أن هذا الاختلاف ليس موجوداً في كل القضايا، بل ثم مواضع الأمر الأول: محكمة يمثل فيها الاعتدال دائرة من أصابها فهو المعتدل ومن انحرف عنها يميناً أو شمالاً خرج عن حد الاعتدال، وهم في ذلك على درجات بحسب قربهم وبعدهم من هذه الدائرة. وثم مواضع تحتمل الخلاف المعتبر، والنظر الاجتهادي، ولا يسلب المختلفون وصف الاعتدال ما دام اختلافهم سائغاً وما داموا يعملون في هذه الدائرة، وإن كان الاعتدال في نفس الأمر شيئاً واحداً، لكن القدرة على إدراكه هنا على سبيل القطع واليقين غير مستطاعة، وهو ما يجعل دائرة الخلاف السائغ فضاءً لهذا الاعتدال

عدد الصفحات ٢٧٤

274 الإسلام الوسطي المعتدل المنشود، فالاعتدال هنا وإن لم يستبن بشكل واضح عند الجميع، لكن يظل أمره محصوراً في دائرةٍ من الأقوال المعتبرة التي لا يسوغ الخروج عنها. أن ثم منهجية شرعية منضبطة يجب السير عليها طلباً للأرجح من الأمر الثاني: تلك الأقوال التي تمثل في عين هذا الطالب موطن الاعتدال. فالخلاف في دعوى التمسك بالكتاب والسنة يمكن حسمه من خلال هذين المعيارين: معيار المحكمات التي لا يختلف فيها، ومعيار المنهج الذي يسار إليه في النظر. فالوسطية والاعتدال في التصور الشرعي هو نتيجة للتمسك بالكتاب والسنة، فمن تمسك بالشرع فهو الوسطي المعتدل، ومن خالفه فليس كذلك. وهي ليست موقفاً يتخذه الإنسان بأن ينطلق إلى نقطة الوسط بين طرفين متخاصمين ويضع نفسه بينهما، وإنما هو أثر وتابع لاتباع الشرع. ومن هنا تدرك أن سبيل الوسطية ليس في اتخاذ موقف الوسط بين كل طرفين، بل هذه الوسطية قد تكون ممدوحةً، وقد لا تكون كذلك، وهو ما يمكن استكشافه وملاحظته من خلال الموقف القرآني من موضوع الوسطية، فالوسطية في ضوء الوحي ليست وسطية واحدة في الحقيقة، بل هي وسطيتان: وسطية مطلوبة مرغوبة، ووسطية مرفوضة مذمومة. فمن أمثلة الوسطية المطلوبة في القرآن: وسطية من أنعم الله عليهم من المؤمنين صَِاطَ الَِّينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيِْ #!٦!#){الداعين ربهم بقوله {[ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ { ومنها أيضاً.[ تَُافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَْ ذَلِكَ سَبِيلاً [ وَلَمْ يَقْتُُوا وَكَنَ بَينَْ ذَلِكَ قَوَامًا موضع الوسط قد يكون ممدوحاً مطلوباً.

عدد الصفحات ٢٧٥

275 الإسلام الوسطي المعتدل وأما الوسطية المرفوضة فمن شواهدها القرآنية ما حكاه الله من أحوال المنافقين [{ [ { ومن شواهده في السنة النبوية .(1(هذه مرة وإلى هذه مرة والفرق بين هاتين الوسطيتين في الحقيقة يعود إلى طبيعة الطرفين، فإن كانت وسطاً بين باطلين فهي ممدوحة، وإن كانت وسطاً بين حق وباطل فهي مذمومة. أنه مع زخم الدعاوى والخصومات، وكثرة الطرق على أهمية والخلاصة الاعتدال، قد لا يتفطن المسلم إلى أن بعض هذه الدعاوى تسعى لأن تقيد الإسلام بالاعتدال الذي تريده، فالاعتدال عندها وصف خارجي، وقناعات مسبقة متأثرة بمرجعيات مختلفة، تُسَلَّط على الإسلام ليصاغ منه ما يسمونه بعد ذلك إسلاماً وسطياً معتدلاً. فصاحب المرجعية الليبرالية مثلاً يضع تصوراته في الحرية التي لا تعتد بأي محظورات دينية، وتبيح العلاقات المحرمة، وينسب قناعته المتشكلة في ضوء هذه المرجعية إلى الإسلام، ويأخذ في الوعظ والتذكير بأهمية الإسلام الوسطي المعتدل، والإسلام براء من هذه الوسطية وذلك الاعتدال. أخرجه مسلم.(1(

عدد الصفحات ٢٧٦