المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٦ من ٢٢

244 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم الخاصة، ولو وجد شيئاً من ذلك يضر بمصلحته فإنه سيعيد تشكيل ذلك بناءً عليه، ولن يفكر بتاتاً بطريقة أننا سنعطيهم في مقابل ما يعطوننا، إنما هذا التفكير الهزيل ينشأ من ضعف بعض المسلمين حين يريد أن يصوغ نظامه السياسي والاجتماعي وفقاً لمرآة الثقافة الغربية، فما دام أنهم يفعلون شيئاً فيجب أن نفعل مثله، بدون أي اعتبار لأي أصول أخرى!

عدد الصفحات ٢٤٥

245 ) التديُّن الطبيعي 30( من المقولات المتداولة على الألسنة وصف التدين بالطبيعي أو الفطري أو العادي، فكثيراً ما يأتي في بيان تصحيح فعلٍ ما، أو التأكيد على صوابه، أو ذم سلوك معين وبيان فساده، قول: هذا تدين طبيعي، وذاك منافٍ للتدين الفطري، وهذا مقتضى التدين العادي، ونريد أن نصبح متدينين طبيعيين. دعونا نفحص هذه المقولة، وندير النظر في مفهوم هذا التدين الطبيعي والفطري. ما المقصود بهذه الأنماط من التدين؟ مع كثرة تردد هذه الكلمة على الألسن فإنك لا تكاد تجد أحداً يشرح لك المقصود منها، فبناءً على أي شيء يُوصف أمرٌ ما بأنه تدين فطري؟ أو أنه يخالف التدين الطبيعي؟ خصوصاً أنها أصبحت قاعدة يحكم من خلالها على القضايا، فهي ليست مجرد تعبير أو اصطلاح، بل هي معيار حاكم عند كثير من الناس، فيرد ويقبل ويفضل ويسوغ بناءً على وصف الطبيعية والفطرية والعادية، فالواجب قبل أن يجعلها دليلاً يستند إليه أن يفكر فيها قليلاً: على ماذا يُعتمد في الحكم على الشيء بأنه فطري أو طبيعي أو عادي؟ الحق أن هذا السؤال غائب عند من يكرر هذه الكلمة، فهو يأتي بها ليسوغ موقفاً أو سلوكاً أو يرد أمراً معيناً، وهذا خلل كبير في تلقي المقولات المعاصرة، فبدل أن يفحص الشخص مثل هذه المقولات ويحللها ويحاكمها إلى الأصول والقواعد الشرعية، تتحول إلى قاعدة وأصل تتحاكم الأصول والقواعد إليها!

عدد الصفحات ٢٤٦

246 التدين الطبيعي دعونا نتعمق أكثر في المفهوم ونُظهر ما فيه من صواب وخطأ عندما يقال عن تدينٍ ما بأنه فطري أو عادي فقد يقصد به: التدين المعتدل الذي لا يتضمن غلواً ولا زيادة عن حكم الشرع، فهو طبيعي وعادي وفطري، بمعنى أنه على وفق الأصل الذي جاء في الشرع، لم يتأثر بعوامل جديدة تنحرف به عن مساره، فيكون مقصود القائل هو التمييز بين التدين الذي تأثر بعوامل معينة، والتدين الشرعي الحقيقي المبرّأ من هذا التأثر، وحينئذٍ فهو يطالب بالعودة إلى التدين الشرعي. ووفق هذا المعنى فالتدين الطبيعي أو العادي هو في الحقيقة التدين الشرعي الذي لا يتضمن مخالفة شرعية. فإن كان هذا المقصود فهو معنى جميل جداً، وتأكيد على أصل شرعي مهم، وهو .الرجوع إلى الأصل في كتاب الله وسنة النبي يبقى الإشكال هنا في تسمية مثل هذا التدين بالطبيعي أو العادي أو الفطري، ففي هذا المصطلح من الغموض والضبابية والإيهام ما يحملنا على التحفظ عليه واستشكاله، لكنه يبقى إشكالاً أهون مقارنة بالإشكالات المتعلقة بالمضامين. والذي يهمنا هنا التأكيد على واجب من يتبنى مثل هذا المصطلح أن يكون نقده للسلوكيات والأفكار والمواقف مبنياً على كونها مخالفة للشرع، وعلى رغبة صادقة في إرجاع تدين الناس إلى الشرع. وحتى يضمن المسلم أنه على الجادة المستقيمة في فهم التدين الطبيعي، يجب أن يكون واعياً بأمرين: : أن يضمن أن ما يدعو إليه هو مما قد جاءت به الشريعة حقّاً، لا أن الأمر الأول يكون واقعاً تحت وهم أن ما يدعو إليه هو من الشريعة وليس منها، فيُدخل بعض

عدد الصفحات ٢٤٧

247 التدين الطبيعي الأعراف والعادات الاجتماعية مثلاً في الدين متوهماً أنها منه وليست كذلك، وليس القصد أن تكون مثل هذه الأعراف مطروحة بالضرورة، لكن لا يصح أن يرفعها الشخص لمستوى الأحكام الشرعية، ويدعو إليها باعتبارها كذلك. : أن لا يدعو إلى ما يخالف الشريعة بدعوى التدين الطبيعي، فإذا كان الأمر الثاني ما يدعو إليه مخالفاً للشرع، أو ما ينكره موافقاً للشرع؛ فلا يصح أن يقال بعده إنه يقصد التدين الشرعي، لأنه هنا يدعو إلى ما يخالف الشريعة، فلا يصح أن يزهد في الحجاب الشرعي أو المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد أو المحافظة على السنن بذريعة مخالفة هذه الأمور للتدين الطبيعي، فهو هنا قد جعل التدين الطبيعي مخالفاً للشرع. فالوعي بهذين الأمرين يكشف لك عن الخلل المضمر في مثل هذه المقولة، والتي قد يتأثر بها كثير من الناس من حيث لا يشعرون، وهو أن التدين الطبيعي هذا أصبح مؤسساً على غير التدين الشرعي الذي يقوم على دلائل الكتاب والسنة، ومعرفة الحكم الشرعي بدليله، فهو قد يحكم على التمسك بالواجبات أو ترك المحرمات بأنه مخالف للتدين الطبيعي، بل قد يعتقد أن الالتزام بكثير من الواجبات أو الانتهاء عن كثير من المحظورات يعد لوناً من ألوان التشدد والغلو، وقد ينكر على من يحذره من منكر وقع فيه: لا تكن حساساً، وتعامل مع الموضوع بشكل طبيعي! وهذا الخلل في التصور إنما نشأ بسبب أن التدين الطبيعي أو الفطري أصبح عنده متعلقاً بما اعتاد هو عليه، وما شاع في مجتمعه الخاص أو العام، فإذا تعود مثلاً على التعامل بالربا، أو التهاون في ستر العورة، أو التسامح في غض البصر، أو التساهل في علاقته مع الجنس الآخر، أو سماع المعازف، أو غير ذلك؛ أصبح التدين الطبيعي هو الذي لا يرى غضاضة في هذه الأمور.

عدد الصفحات ٢٤٨

248 التدين الطبيعي وحينئذٍ، يكون لكل شخص وطائفة مفهومها الخاص للتدين الطبيعي، فكل من نشأ على خلاف حكمٍ شرعي فالتدين الطبيعي عنده في مخالفة هذا الحكم، فلا يكون التدين في الحقيقة تابعاً لمراد الشريعة، بل للأعراف الفاسدة. كما أن التدين الطبيعي قد يكون عند آخرين متأثراً في الحقيقة بسطوة الثقافة الغربية وغلبة مزاجها في عصرنا، فقد فرضت قيمها وعاداتها على كثير من المجتمعات، فتأثر بها كثير من المسلمين، وصاروا يعيدون ترتيب المنظومات الشرعية للتوافق مع معطيات تلك الثقافة الغالبة، لينتجوا تديناً على وفق المعيار الغربي، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعبر عن التدين الطبيعي لأنه مخالف لنمط الحياة الغربية، وصارت كثير من المقررات الشرعية المتعلقة بالمرأة، أو العلاقة مع الكافر، أو الولاء والبراء، أو موقف الإسلام من بعض الفنون؛ تمثل صوراً من التدين البالي المتخلف، المخالف لما ينبغي أن يكون عليه التدين الحق. فالحكم على الشيء بأنه طبيعي أو عادي هو في الحقيقة تعبير عن حجم انسجامه مع هذه الثقافة المهيمنة، وليس بحسب الميزان الشرعي، فكثير من السلوكيات الشائعة في عصرنا أصبحت معتادة ومألوفة للناس نظراً لأنهم نشؤوا عليها، فإذا جاء ما يخالفها جعلوه مخالفاً للتدين الطبيعي، فهم يعبرون بالتدين الطبيعي عندهم عما اعتادوه، وكثير مما اعتادوه متأثر بضغط الثقافة الغربية. فالتدين الطبيعي في الاستعمال الشائع لا يخضع في الحقيقة لمفهوم التدين الشرعي المعتبر، وإنما يتأثر بالعادات والمألوفات والثقافات الوافدة، ومثل هذا لا يجوز أن يكون أصلاً نرد له الاختلاف، فالاختلاف إنما يرد إلى الشرع، وليس إلى ما تعود الناس عليه.

عدد الصفحات ٢٤٩

249 التدين الطبيعي مشكلة هذه الطريقة في نسبة ما يخالف الشريعة إلى التدين الطبيعي أنه لا يكتفي بمجرد ترك الأمر أو فعل المحرم، كما يفعل العصاة، إذ وقوع الذنب والمعصية أمر طبيعي، وهو جزء من طبيعة تكوين الإنسان بما فيه من ضعف وتقصير، لكن شعور الإنسان بأن ما يمارسه ذنب ومعصية يفتح له باب التوبة منها واستشعار الخوف من الله لأنه مدرك لخطئه، ويأمل أن يهديه الله ويقلع مما ابتلي به.. المشكلة حين تتحول هذه المظاهر المنحرفة من مجرد خطأ في السلوك إلى انحرافٍ في التصور، ويتوهم الإنسان أن ما يمارسه أمر طبيعي، وهو ما يحول المعصية مع الزمن إلى سلوك مشروع له أصوله الفكرية، فتكون من جنس البدع التي جاءت الشريعة بالتحذير منها، وأمرت المسلمين بالرد إلى الأمر الأول، وذلك أن البدع تبقى وتتعمق ويصعب اقتلاعها. نريد التدين الذي لا غلو فيه ولا جفاء، التدين المستقيم، الذي وقد يقول بعضهم: لا يجنح بأهله منحرفين ذات اليمين أو ذات الشمال، بل يسير على الصراط المستقيم. والجواب: أن سبيل التعرف إلى هذا التدين إنما يكون بالرد إلى الكتاب والسنة، فليس كل قولٍ يتضمن تحريماً، أو منعاً من أمر شائع، أو أمراً بأمرٍ مهجور، يكون مرفوضاً لأنه مخالف للتدين الطبيعي، ولا أن تعد مثل هذه الأمور غلواً وزيادة على الشرع لمجرد أن النفوس لم تألفها أو تتعود عليها، وإنما تكون كذلك حين تكون مخالفةً لميزان الشريعة وقواعدها. إن الوعي بهذا السياق في التعامل مع هذا المفهوم يكشف للمسلم خطورة التهاون مع مثل هذه المقولات، وأنها قد تتضمن تمريراً لمحرمات أو تهويناً لواجبات بدعوى مخالفتها للتدين الطبيعي، وأصبحت مثل هذه المقولة ذريعة لمن يريد أن يهون من أي أمر شرعي أو يرخص في أي محرم فيكتفي بجعل ذلك معارضاً للتدين الطبيعي، فيكون الإشكال في نظره ليس ضد الشريعة بل ضد تدينٍ معين منه.

عدد الصفحات ٢٥٠

250 التدين الطبيعي فليس عندنا إذاً تدين طبيعي ولا فطري ولا عادي، بل هو التدين الشرعي الذي يحاكم فيه كل سلوك أو موقف إلى أحكام الشريعة وقواعدها وأصولها، ويعرف من خلالها حكم كل واقعة، وما يسمى بالتدين الطبيعي ما هو في الحقيقة عند غالب الناس إلا ما اعتادوه وألفوه، وقد يكون تديناً حقيقياً، وقد يكون من الأعراف الفاسدة التي ألفوها.

عدد الصفحات ٢٥١

251 ) الدين متعايش31( الدين متعايش، ومتصالح، ومتقبل للآخر، ومنفتح عليه.. وأوصاف كثيرة على غرارها تُساق في مقام الثناء على الدين، وهي تعبّر عن مزيج من المشاعر الإيجابية تجاه الدين، فهو محل للطمأنينة والثقة، ولا يحمل أي موقف سلبي تجاه الواقع أو الآخرين، بل هو متسامح معه ومع أهله، لا يصادر رأياً، بل يدعو للسلم والتعايش. وهذه الأوصاف ترد غالباً في سياق الرد على بعض المواقف والاجتهادات التي تصدر عن بعض المسلمين، سعياً من قائلها لإثبات أن هذه الاجتهادات تعبر عن تشددٍ وتضييق ينافي دعوة الدين إلى التعايش، وتقبل الآخر، والانفتاح على الجميع. حسناً، أن يدافع الشخص عن دينه، ويظهر انتماءه إليه واعتزازه به وعدم مخالفته له، مع انتقاد كل انحرافٍ عن الدين وتبرئة الدين الحق منه؛ كل هذه دوافع إيجابية، وأعمال حسنة، يرجى المسلم ثوابها عند الله. إنما الذي نريد فحصه هنا، ونرجو أن لا تؤثر هذه المقاصد في الفهم الصحيح لهذه المقولات، هو في النظر في طبيعتها وفحص مضامينها بعيداً عن حسن النوايا، فما معنى كون الدين متعايشاً، منفتحاً، متقبلاً، متصالحاً، إلى غير ذلك من الأوصاف؟ في الحقيقة أن هذه أوصافٌ مجملة، وغير واضحة بشكل دقيق، ولو سألت من يطلقها عن مقصوده منها لاختلفوا في ذلك اختلافاً عريضاً، ولظهر التباين الكبير بينهم في مفهوم هذه الأوصاف، وفي حدودها.

عدد الصفحات ٢٥٢

252 الدين متعايش وهذه أهم جزئية يجب أن يعيها المسلم المعاصر في فحص كثير من المقولات المؤثرة في الانحراف الفكري المعاصر، وهي مشكلة الإجمال في المصطلحات، فحين يعتمد شخصٌ مقولة مجملة، تحتمل معانيَ عدة، وتختلف الأفهام في تفسيرها، ثم هو يتمسك بها، وينافح عنها، بناءً على فهمٍ معين لها؛ يترتب على هذا أن تمرر من خلال هذه المقولة بعض المفاهيم الباطلة التي ربما يكون هذا الشخص منكراً لها، لكن إجمال المقولة جعله ينافح عما لا يعتقده بدون شعور. ولهذا، فأول ما ينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه عليه: ترك الاعتماد على المقولات المجملة، فلا يأخذه بريق المصطلح وكثافة استخدامه ليردده بلا وعي، بل الأولى به أن يترك التعبير بمثل هذه المجملات ويتقصد المعاني الواضحة البينة. فالإجمال في هذه المصطلحات يجعلها عائمة تحتمل حقاً وباطلاً، ويجعلها عرضة لتفسيرات قد تكون صحيحةً، وقد تكون باطلةً، فهي مرتهنة لإرادة من يفسرها، فإن فسرها تفسيراً صحيحاً أصبح المعنى مقبولاً، وإن فسرها بما يتضمن انحرافاته الفكرية فالمعنى باطل، وقد لا يحسن بعض الناس التعبير عن فكرته بشكل تام، فيقع في اللبس الذي يحتمل الحق والباطل. فقد يقصد به ما يقع من التعايش مع غير المسلمين لكن في حدود الشريعة وبما لا يخالف أصولها وفروعها مما هو معروف في كلام العلماء المستند إلى نصوص الشريعة، سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي، وسواءً كان بين الأفراد أو الجماعات، فيقصد بذلك أن المسلمين عاشوا جنباً إلى جنب مع غير المسلمين، وكان المسلمون يعاملونهم بالحسنى في حياتهم الطبيعية من بيع وشراء وحسن وجوار، وأن الإسلام كفل لهم حقوقهم، وحكمهم بالعدل، خلال قرون طويلة من حكم الإسلام.

عدد الصفحات ٢٥٣

253 الدين متعايش وقد يقصد به التعايش الليبرالي الذي يعتمد على مرجعية مخالفة للوحي، الذي يقوم فيه التعايش على الاحتكام إلى مرجعية مختلفة، ومثل هذا المعنى يقال في مفاهيم التصالح والانفتاح والتقبل، فهذه المعاني يمكن أن يقصد بها معنى شرعياً مقبولاً، وفي الوقت نفسه ممكن أن تقدَّم في وضع يخالف الشريعة قطعاً. مشكلة مثل هذه المجملات أنها أصبحت وسيلة بيد كل مصادم لأصول الشريعة وقطعياتها ليمرر انحرافاته من خلالها، فهو يمرر على الناس مفاهيم تنازع الشريعة بألفاظ مجملة، فيقبلها بعض الناس بناءً على وجود حق فيها، وهي تعمل عملها في ترسيخ بعض المعاني الباطلة دون شعور. فمن يدعو إلى إلغاء قاعدة الولاء والبراء في الشريعة الذي جاءت فيه دلائل شرعية كثيرة، لا يقوى على نفي هذا الحكم مباشرة وبشكل مكاشف، فيأتي بها تبعاً لمقولة: (الدين متعايش ومتقبل للآخر)، وهو في السياق ذاته قد يمرر نفي أحكام شرعية أخرى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقوبة الردة، كل ذلك تحت غطاء الدعوة إلى التعايش. ومن يدعو إلى التزهيد في القطعيات الشرعية، وفتح مجال الاجتهاد في الأصول والكليات، والبحث عن الحق في غير الشرع؛ يأتي بها ضمن مقولة (الدين منفتح). وهكذا يتم انتقاء بعض الكلمات المواربة للتعبير عن بعض مظاهر الانحراف حتى لا تصادم الجمهور، فيمر الانحراف بهدوء عبر التسليم بصحة تلك المقولات المجملة. ولهذا فالحل مع الإجمال الموجود في هذه المقولات بأمرين: تجنب استعمال هذه المصطلحات، وعدم اتخاذها أصلاً ينطلق منه، الأمر الأول: ولا قاعدة يرجع إليها. فإن احتيج إلى ذكره لاعتبار ما، فيكون ذلك مبيناً ومفصلاً بما يدفع أي وهمٍ فاسدٍ يمكن أن يحدثه.

عدد الصفحات ٢٥٤

254 الدين متعايش الاستفصال من أصحاب هذه المقولات في حال الشك في تمريرالأمر الثاني: بعض المفاهيم المنحرفة بحيث لا يكون الإجمال الموجود جسراً لقبول بعض الباطل، فالاستفصال هو ما يستخرج من هذه الألفاظ معاني الحق فيها، أو الباطل. وفي هذه المقولة مشكلة أخرى، وهي أن دين الإسلام في الحقيقة أعظم من أن يخنق بمثل هذه المصطلحات العصرية المتأثرة بالفضاء الحداثي الغربي، فهو دين رب العالمين، دين الرحمة والعدل والإحسان والهداية والنجاة في الدنيا والآخرة، فمن يظن أن التعبير عنه بالانفتاح والتعايش والتصالح مما يُجمَّل به الدين، فقد أساء جداً من حيث لم يشعر، فالإسلام أعظم من أن يُحسَّن في أعين أهله بمفاهيم ثقافية ملتبسة، وما في الشريعة من الأحكام والنظم المتعلقة بالموضوعات المتعلقة بما يسمونه انفتاحاً وتعايشاً وتصالحاً، هو أعظم بكثير من أن يختزل في أوصاف رخيصة ليقال عن ديننا بأنه منفتح ومتعايش، فمثل هذه المقولات بإجمالها وإطلاقها لا يفرح بها، بل الواجب تقييد الثناء بما كان خالصاً فيه، لا ما يمكن أن يعود بالذم على بعض أحكامه وقطعياته. وإذا تدبّرت أحوال كثير ممن يردد مصطلح التعايش وجدته في خضم حماسته للدعوة إليه يروج لقضايا ومفاهيم معينة (كالدعوة إلى الأخوة الإنسانية)، أو يطعن في بعض مفاهيم الشريعة وتصوراتها (كالولاء والبراء، والتكفير)، بذريعة أنها تتصادم في مخياله مع مسألة التعايش المنشود، وهذه هي المشكلة الكبرى مع كثير من دعوات التعايش الموجودة في الواقع كما سبق بيانه وتقريره. فلنستعرض هنا طرفاً من الموقف الشرعي من هذه المفاهيم، وكيف تشكّل دعوة البعض للتعايش انتهاكاً مكشوفاً لها، والتعرض لهذه المحكمات بطبيعة الحال سيكون بالقدر الذي يعالج إشكالية هذه المقولة، وإلا فتفصيل القول فيها واستعراض مختلف الجوانب المتعلقة بها سيطول جداً، وليس هو بمقصود هنا.

عدد الصفحات ٢٥٥

255 الدين متعايش الولاء والبراء1 فمن محكمات الشريعة دعوة أهل الإيمان إلى بناء ولائهم وبرائهم على أساس دينهم، فالولاية حباً ونصرة مبذولة لأهل الإيمان، والبراءة تكون من الكفار، وهذه معانٍ قطعية في الوحي جاء ذكرها وعرض أحكامها في كثيرٍ من النصوص القرآنية والنبوية، حتى صار أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض فيه. ومن محاسن هذا المعنى الشرعي العظيم أن فيه: - تحقيق التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، ولشريعته ودينه، فأصل محبة العبد منصرفة إلى الله تعالى، فهو المحبوب لذاته سبحانه، ثم تدور في فلك حبه هذا بقية ، ومحبة دينه، ومحبة المؤمنين، وعنه تنشأ أيضاً مشاعر بغضه، محابّه، كمحبة النبي فيبغض ما أبغضه الله من الأقوال والأعمال، كما يبغض من أبغضهم الله. - أنه يحمل المسلم على الاعتزاز بهويته الإيمانية، فتراه متميزاً في هديه، لا يقبل على نفسه أن يتشبه بغيره، أو يتنازل عن شيء من مكونات دينه أو هويته المميزة. - أنه يشكل حاجزاً نفسياً من التأثر بدين الكفار، فهو على الدوام يستشعر نعمة الله عليه بالإسلام، وينظر بازدراء إلى كفر هذا الكافر، ثم يرى لزوم أن يكون حبه مبذولاً لله تعالى، فمن أحبه الله فهو المحبوب، ومن أبغضه الله فهو المبغوض. - أنه يبعث في المسلم شعور الشفقة على الكفار، فيكون حريصاً على بذل الخير والنصح لهم، ودعوتهم إلى دين الله استنقاذاً لهم من النار. وقد يرى بعضهم أن هذا الأصل الشرعي ينافي التعايش المطلوب، فكيف يمكن أن نتعايش مع من نتبرأ منهم ولا نوادهم؟ وإنما مناط البراءة والبغض في الشريعة هو الكفر دون الكافر، أو أن الأمر يتعلق بالكافر المعادي فقط.

عدد الصفحات ٢٥٦

256 الدين متعايش والجواب أن يقال: لا يملك أحد حق تغيير مناطات الأحكام الشرعية، فالنصوص الشرعية الكثيرة تدل على أن الولاء والبراء معلق بالإيمان والكفر، كما أنه معلق بمن قامت بهم هذه الأوصاف، ومن أدلة هذا في القرآن الكريم: { - [ شَْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَُّ نَفْسَهُ وَإلَ اللَِّ الْـمَصِيُ { - [وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُون { - [ { - تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالَْغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّ تُؤْمِنُوا بِاللَِّ [وَحْدَهُ فتأمل كيف جعل الوحي مناط بغضهم ما تلبسوا به من الكفر، وأن هذا البغض سيرتفع في حال إيمانهم. والحق أن مثل هذا التصور في تخصيص الولاء والبراء بالفعل دون الفاعل، تصور بعيد عن فهم طبائع النفوس وما يعصف بها من مشاعر، فهو تصور غير واقعي، وهو يمثل نوعاً من القراءة الرومانسية للواقع باستسهال عزل الفعل عن الفاعل، وصرف طاقة الحب أو البغض لأحدهما دون الآخر. وبناء على هذا الفقه لمسائل الحب والبغض، فلا يصح بتاتاً بغض المعتدين والظالمين، وشحن النفوس ضدهم، وتلويث المشاعر ببغضهم، بل يجب أن يكون البغض للاعتداء فقط، أما فاعله فله كامل الحب والتقدير.

عدد الصفحات ٢٥٧

257 الدين متعايش إن هذا تصور ساذج وغير واقعي لهذا الباب، ومتى استحضر المسلم أن الله { تعالى يبغض الكفار ويمقتهم ويعاديهم كما قال تعالى {[{[ [الْكَفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتاً الإيماني العميق ليبغض من أبغضهم الله، فعداوة المؤمن في الحقيقة تبع لعداوة الله { تعالى، فمن كان عدواً لله فهو عدو لأهل الإيمان [ المؤسسة لمفهوم الولاء والبراء، فإن الأمر سيكون محسوماً بالنسبة للمؤمن أما تعليق البغض وجعله مصروفاً لمن اعتدى من الكفار دون من لم يقع في جريمة الاعتداء، فغير صحيح أيضاً، وتواتر الأوامر الشرعية في هذا الشأن وتكاثر أدلته تأباه، إذ بغض المعتدي هو معنى فطري، وقضية جبلية طبعية لا يستطيع المرء أن يدفعها عن نفسه أصلاً، فكيف يتوهم أن هذه الدلائل المتكاثرة من النصوص الشرعية جاءت لتقرير مثل هذه القضية البدهية، التي يمكن أن تلمس آثارها في عالم الحيوان فضلاً عن الإنسان. وأنت إذا تأملت فيما سبق من نصوص وغيرها مما حفل به القرآن والسنة، استبان لك أن مناط البغض للكفار إنما هو بسبب كفرهم بالله لا بسبب اعتدائهم، ولا ريب أن الاعتداء موجب زائد للبغض، لكنه ليس معنى يصح أن يحصر موجب البغض فيه دون الكفر، خصوصاً لمن يضيق مفهوم الاعتداء ويجعله مجرد اعتداء واقع على النفس.. فكيف يطيب لمسلم أن يعتقد أن الله تعالى عدو للكافرين، وأنه لا يحبهم ويمقتهم، ثم يعلن متحدياً: أما أنا فلن أبغض إلا من عاداني أو اعتدى عليّ! ويتغافل عن أن الكفر هو من أعظم الظلم والاعتداء، إذ هو ظلم واعتداء على الرب تعالى

عدد الصفحات ٢٥٨

258 الدين متعايش {وعلى رسوله ودينه، وهو من أعظم موجبات البراءة من الكفار، قال تعالى قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَِّ وَالَْوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللََّ وَرَسُولَُ وَلَوْ كَنُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ [ أَوْ عَشِيَتَهُمْ إلا بإعلان الحرب، فتقول بأن المحاد هو المحارب ليس إلا، بل المحاد في لسان {الشريعة أوسع دائرة من هذا، فإن الله تعالى يقول في صنف من المحادين أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يَُادِدِ ^#بِاللَِّ لَكُمْ لِيُْضُوكُمْ وَاللَُّ وَرَسُولُُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إن كَنُوا مُؤْمِنِينَ فهؤلاء قوم مختلطون بأهل الإيمان غير [اللََّ وَرَسُولَُ فَأَنَّ لَُ نَارَ جَهَنَّمَ محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين له، إذ كل كافر هو محاد لله تعالى. قد يقول قائل: كيف يستقيم تقرير مبدأ الكراهية للكفار مع ما أجازته الشريعة من نكاح الكتابيات، أليس الزواج والنكاح من أعظم مداخل الحبّ؟ والذي يرفع الإشكال هنا هو إدراك الفرق بين المحبة الطبعية الغريزية والمحبة الدينية الشرعية، فمناط التكليف الشرعي متعلق بالثاني لا بالأول، وبغض الكفار هو من هذا القبيل بغض في الدين، أما ما يمكن أن ينطوي عليه القلب من محبة طبعية لموجبٍ كالأبوة والبنوة أو القرابة أو الزوجية أو التهادي أو الإحسان أو تفريج الكربة أو غير ذلك، فليس ممنوعاً منه، ولا يعارض ما يجب تحقيقه من البغض، فإن الجهة منفكة، فالوجهُ الموجبُ للكراهية غير الوجه الموجب للمحبة، كمحبة المريض للدواء المر لما فيه من الشفاء مع بغضه لمرارته. وحتى تحسِن تصور هذه المسألة فالإنسان مجبول على حب المال، فإذا تصدق بأنفسه اجتمع في نفسه حب وبغض، حب للمال وكراهية لبذله، لكنه من وجه آخر { يحب ما يحبه الله تعالى، فيخرج ماله حبّاً لله [

عدد الصفحات ٢٥٩

259 الدين متعايش والمسلم أيضاً مأمور بمحبة أخيه المسلم، فإذا وقع عليه من أخيه ظلم واعتداء ستنقدح في قلبه كراهيته وبغضه، فالكراهية هنا كراهية طبعية لا تتعارض مع بذل الحب الديني الواجب. وبهذا يرتفع الإشكال، فنحن ندرك أن سيطرة المرء على عواطفه الجبلية قد على أن يقول في دعائهتكون صعبة وغير مستطاعة، وهو ما حمل النبي . قال أبو داود: يعني القلب.(1(هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك فالمشاعر الجبلية هي من قبيل العفو، ومحل البحث ليس فيها، وإنما في المحبة الدينية، وهي محبة طوعية اختيارية تلحظ آثارها عند تعارضها مع ما يضادها من معانٍ طبعية، فإذا أوجبت هذه المحبة الشرعية قولاً أو فعلاً فلها التقديم، وإن كان الأمر { مبغوضاً للنفس طبيعة وجبلة [وَهُوَ خَيٌْ لَّكُمْ وَعَسَ أَن تُِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شٌَّ لَّكُمْ وَاللَُّ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ آخذاً بيده، فقال له: يا رسول  حين كان النبيوبه تفهم ما جرى من عمرٍ « : الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك .(2(« :إلي من نفسي. فقال النبي وقد لا يرتاح بعض الناس لتقرير هذا الأصل بناءً على تصوره أن هذا قد يدفع نحو الاعتداء على الكفار، أو هضم حقوقهم، أو تعطيل الاستفادة والتبادل الإيجابي معهم، ونحو ذلك. أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وصححه ابن الملقن، وابن كثير، والشوكاني، (1( وشعيب الأرناؤوط. وأعله بعضهم بالإرسال كالترمذي، والدارقطني. وضعفه الألباني أخرجه البخاري.(2(

عدد الصفحات ٢٦٠