المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٥ من ٢٢

228 العَلْمانية هي الحل يمكن أن توظف، فالحرية والديمقراطية والإنسانية والحقوق والأمن والعدل والوطنية والقومية وغيرها، كلُّها وظِّفت سياسياً، وارتكب باسمها جرائم وفظاعات كثيرة، وجرى انتهاك عظيم لحقوق الإنسان ممن كان يتمسح بها، فلماذا لا يطالب بإلغائها جميعاً حتى لا توظف؟! لا أحد يقول هذا، الدين فقط هو الذي يمارس معه هذه الطريقة الهزيلة في التفكير، بأن وجود من يستغل الدين يعني أن نلغي الدين، وكأن الواجب أن يكون حكم الدين حكماً من عند رب العالمين لا سهو فيه ولا خطأ ولا ظلم مثقال ذرة، أو نلغي حكم الدين من الوجود بالكلية، ولا شك في أن هذا تفكير موغل في التطرف. من يريد تصحيح هذا الشأن فالحل هو في وضع الضمانات التي تحول دون توظيف الدين خطأ، أو استغلاله في ارتكاب ما يخالفه. هذه الضمانات من مؤسسات وأدوات وثقافة عميقة هي التي يجب أن تستحدث في الواقع وأن تعمق في وعي الناس وحسهم لتمنع أي شخص أو جماعة أو نظام من استغلال الدين لتوظيف انحرافاته، وأما إلغاء الدين بالكلية لمنع الاستغلال فهو غلط في التفكير، وهو في الوقت نفسه خيار غير عملي؛ لأن الناس لن يتركوا الدين لمجرد أنك قد تركته، بل سيبقى من يطالب بتطبيق الدين بصدق، ومن يريد توظيفه بالباطل كذلك، ولن يكون لمثل هذه الطريقة أي ثمرة عملية سوى العبث بدين صاحبها ورميه في أتون الشبهات. إذاً، فالعلمانية ليست حلاً لشيء، بل هي استنساخ بليد لمشكلة ثقافية في التاريخ الغربي، ولطبيعة علاقاتهم مع دينهم المحرّف، جرى نقلها بكسل فكري إلى عالمنا الإسلامي، لتفسد تصورات الناس بلا ثمرة حقيقية في حفظ حقوق الناس، ولا تطبيق العدل بينهم، بل هي في الحقيقة أكبر عائق أمام أي دعوة حقيقية للعدل والحقوق.

عدد الصفحات ٢٢٩

229 ) الفكر لا يواجَه إلا بالفكر 28( يطلق كثير من الناس هذه المقولة وهم يقصدون بها معنى صحيحاً، هو ضرورة مناقشة الأفكار ونقدها، وبيان ما فيها من ضعفٍ وقوة، والرد عليها بفكرة أقوى منها، فهو يقول: لا بد من أن تُقدَّم الرؤية الصحيحة، وتُعرض الحجج والبراهين المؤيدة لها، حتى تُنقض الأفكار المنحرفة، وبهذه الطريقة يقع التأثير الإيجابي على تصورات الناس، وتصحح كثير من المفاهيم المغلوطة. فهذا المعنى صحيح، وهو يكشف عن أهمية مواجهة الأفكار الباطلة بالأفكار الصحيحة، وضرورة تقديم خطاب مقنع ومؤثر، يقوم على الحجج والبراهين، لأن كثيراً من المفاهيم الباطلة قد تستهوي بعض الشباب والفتيات بسبب القوالب التي تقدم من خلالها، فكم من فكرة باطلة راجت بين الناس لحلاوة عبارتها، وحسن رصفها، وجمال بيانها، دون أن تكون معضدة بما يكفي من الحجج والأدلة لتصويبها وتصحيحها، فتأتي الفكرة النقدية لتكشف زيف هذه الفكرة، وتزيل عنها المساحيق لتنكشف حقيقتها. لكن الذي يجب أن يُتَفطن إليه هنا: أن هذه العبارة تتداول أحياناً لتمرير معنى آخر، يكون الحصر المضمن في العبارة مقصوداً، فقائلها يدعو إلى مجرد المعالجة المعرفية للفكر مع رفض أي إلزام أو منع يمارس حياله، فهو حين يقول: إن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، يبعث برسالة مضمونها: لا فائدة في عالم الأفكار من أي إلزام أو منع لأنها غير مؤثرة، فالطريق الوحيد هو النقاش والحوار، وليس المنع والإلزام.

عدد الصفحات ٢٣٠

230 الفكر لا يواجه إلا بالفكر تأتي هذه المقولة عند المطالبة مثلاً بمنع المجاهرة بما فيه طعن في الشريعة الإسلامية، أو في منع الردة عن الإسلام، أو منع التحريض على الفواحش والمنكرات، أو نشر المذاهب الباطلة المصادمة لأصول الإسلام، أو ترويج الكتب المنحرفة، فتأتيك هذه العبارة لتقول لك: الفكر يواجه بالفكر فقط، والعملة الجيدة هي وحدها القادرة على طرد العملة الرديئة، فدع الأفكار تتلاقح، والفكرة الأجود هي من ستنتصر، دون أن نقحم فكرة قيود الفرض والإلزام أو المنع والمصادرة، إذ لا فائدة بتاتاً منها، بل قد يترتب عليها نقيض المقصود. وقد جرّت هذه القناعة بعض من تبناها لتبني قناعة أخرى هي منع فرض أي قوانين ملزمة على الناس استناداً إلى مسوغ ديني. هذه المقولة انطلقت من جانب صحيح لكنها وقعت في حالة تطرف مذموم، فأصل القول بأن الأفكار تواجه بالأفكار هو معنى صحيح كما سبق، لكن إلغاء أي تأثير للمنع والإلزام، وجعل الطريقة الوحيدة لعلاج الأفكار الباطلة هو الحوار والجدال فقط، هو تطرف في التفكير؛ فالحوار والنقاش مع بعض الأفكار مهم وضروري، ومنعها وتحجيم حضورها حتى لا تؤثر في بعض الناس هو أيضاً علاج مهم ومفيد، ولا تضاد بينهما، فهذا ينفع وله أثر في بعض الناس، وهذا نافع وله أثر في آخرين. وهذه القضية في الحقيقة من البدهيات في الوعي الإنساني، فالناس يدركون أن تحجيم بعض الأفكار الضارة مفيد جداً، فحين تنظر مثلاً إلى الفكر الذي يدعو إلى الاعتداء على الناس، أو تعطيل مصالحهم أو إفساد أمنهم، تجد أن الناس جميعاً يدركون أهمية مناقشة مثل هذه الأفكار الفاسدة وتصحيح تصورات أصحابها، لكنهم في الوقت نفسه يرون أيضاً ضرورة التضييق عليها ومنع تمددها وانتشارها لئلا تتوسع دائرة المتأثرين بها فيزيد الضرر والفساد، ولن تجد أحداً في مثالنا هذا يقول: إن الفكر

عدد الصفحات ٢٣١

231 الفكر لا يواجه إلا بالفكر لا يعالج إلا بالفكر، لأن الجميع يدرك أن مثل هذه الطريقة هي جزء أساسي من الحل، يتكامل مع الحوار والنقاش وبيان الأدلة والبراهين، ولا يجدون أي تعارض بينهما. المشكلة أن هذا الاعتراض لا يتم استعماله وطرحه على طاولة النقاش إلا مع لونٍ معينٍ من التصورات والأفكار، وهي التصورات والأفكار المتماسة مع التصورات الشرعية، فهنا يكثر دوران هذه المقولة، وتأخذ نصيبها من ألسنة الناس، والسبب المضمر والفاعل المؤثر هو التأثر بقيم الحرية الليبرالية التي لا تجعل للدين أي حضور في الجانب القانوني والسياسي، وبناءً عليه فلا معنى للتضييق على أي رأي مهما كان بسبب معتقد ديني. فالسبب الحقيقي الذي يقف خلف الستار هنا: هل يستحق الدين أن يكون سبباً وليس السبب الحقيقي هو في القناعة الذاتية بأن الفكر لا يواجه إلا لمنعٍ أو إلزام؟ بالفكر، ولو كان الأمر كذلك لاطرد في تفعيلها مع عالم الأفكار جميعاً، لكن حصرها في مجال معين من الأفكار يكشف أن هناك اعتباراً آخر يشكل ضغطاً حقيقياً على صاحبها يحمله على تبني مثل هذا التصور، ثم قد يتوهم أن بواعثه في تبنّيها أمر معين كهذه المقولة، لكن حقيقة الأمر أن المحرك الفاعل في تبني هذا التصور أمر أجنبي لا صلة له بهذه المقولة أصلاً.. وعليه؛ ينبغي على من يتبنى مثل هذا التصور أن يأتي البحث من بابه الحقيقي ويناقش أصل الإشكال، والمحرك الحقيقي، ولا يستند إلى مقولات غير موضوعية. يقولون: كل ممنوع مرغوب، فإذا منعتَ من أي شيء فقد قويت الرغبة فيه. وهذه في الحقيقة عبارة قد تكون صحيحة في كثير من الأحوال كحال المنع الخاطئ، أو لاعتبارات سياقية معينة، لكنها لا يمكن أن تكون صحيحة في كل منع وفي كل حال، فمع الإقرار بأن من المنع ما يفضي إلى هذه النتيجة، وهو أمر يحتاج

عدد الصفحات ٢٣٢

232 الفكر لا يواجه إلا بالفكر إلى معالجة، من الخطأ تصور أن الأمر مطرد ضرورة في كل منع، وأن الأصل في المنع أنه يزيد من رغبة الناس في الشيء، وهذه قضية بدهية يدركها الناس، فكل نظام في عصرنا عنده قائمة طويلة من الممنوعات في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، وفي كل مجتمع جملة من العادات والتقاليد التي يمتنع كل فردٍ عن تجاوزها، وكل هذا له أثر في تضييق هذه الممنوعات، وتحجيم حضورها، والتنفير منها، ولم يفكر أحد بتاتاً في أن المنع سيزيد الرغبة، أو أن يجعل ذلك ذريعةً إلى منع هذا المنع. فلا يوجد عاقل يقول: إن وضع إشارة المرور يقوي الرغبة في قطعها، أو أن وضع العقوبات على الجرائم يقوي الرغبة في ارتكابها، أو أن منع المسكرات والسموم والمطعومات الفاسدة يقوي إقبال الناس عليها، فهذه من البدهيات التي ليست خافية على أحد. فهذه العبارة شعبية دارجة تتلقفها الألسن بلا تمييز، وهي وإن صحت في بعض الجوانب، كتعلقها ببعض الممنوعات التي يكون المنع فيها بلا سبب حقيقي أو بطريقة غير صحيحة، مع وجود الرغبة فيها؛ فهذا المنع قد يؤثر فعلاً في زيادة الرغبة عند الكثيرين، وأما تعميمها على كل ممنوع، أو الحكم على أن الأصل في المنع هو هذا، فهو مكابرة في المحسوسات لا ينبغي أن تصدر من عاقل. وبناءً عليه؛ فحين نقوم بحفظ أصول ديننا الإسلامي فنمنع من حرية المجاهرة بالطعن فيه، أو الردة عنه، أو نمنع من شيوع الفواحش في المجتمع المسلم؛ فإن هذا مما يضيق من حضور هذه الموبقات، ويحد من مجالها، ويبشع أمرها عند جمهور المسلمين، ولا يمكن أن يكون هذا سبباً لزيادة الرغبة فيها، بل لا يدور مثل هذا في خلد عاقل، فمن يأتي بمثل هذه العبارة للتهوين من منع ما يوجب المنع شرعاً فقد أساء من جهتين:

عدد الصفحات ٢٣٣

233 الفكر لا يواجه إلا بالفكر : أنه استعمل قاعدة خاطئة ظاهرة البطلان عقلاً وواقعاً من دون الجهة الأولى وعي. : أنه تسبب في التزهيد ببعض الأحكام الشرعية.الجهة الثانية ولهذا، فلا يمكن أن يؤتى بمثل هذه القاعدة مع بقية الممنوعات التي تستند إلى حفظ الأمن، أو حفظ الأموال، أو حفظ الاقتصاد، أو حفظ الدراسة، أو حفظ أي شيء أن يكون مقام حفظ الدين مما يمس حياة الناس، ولا يليق بمن يؤمن بالله ورسوله في نفسه بهذا المقام الضعيف، فيتفهم المنع لأي سبب دنيوي مهما كان حقيراً، لكنه لا يجد في المنع الذي يستند إلى أصول الشريعة إلا مرغباً في الفساد! يقولون: الفكرة الصحيحة تطرد الفكرة السقيمة. وهذا صحيح إلى حدٍّ ما، فالفكرة ذات البراهين الصحيحة، والتي تُقدَّم بطريقة موضوعية سليمة، سيكون أثرها أقوى من الفكرة الباطلة التي لا تحمل براهين، وهذا يؤكد ما تقدم من ضرورة العناية بالحجة والبرهان لنشر الحق ونقض الباطل. لكن نقول مرة أخرى: هي مقولة صحيحة يريد بها بعض الناس معنى باطلاً، وهو: رفض أي إلزام مستند إلى قاعدة دينية، فهو يستدل بكلام صحيح لغرض باطل، فكون الفكرة الصحيحة تطرد الفكرة الباطلة لا يعني إلغاء أي عوامل أخرى مهمة في حفظ دين الناس ومنع ما يضرهم. ومن المهم التأكيد هنا على أن التفكير بطريقة (الفكرة الصحيحة تطرد الفكرة السقيمة) مقارنة لا تخلو من سذاجة ظاهرة وسطحية كبيرة في الوعي بظاهرة تأثير الأفكار في المجتمعات، فحضور الأفكار في أي مجتمع لا يقوم على كون الفكرة صحيحة فقط، بمعنى أن الفكرة كلما كانت أصح وأجمل وأوضح لزم أن تكون أكثر انتشاراً، فهذه صورة تجريدية حالمة بعيدة عن إدراك طبيعة الواقع وأسباب التأثر

عدد الصفحات ٢٣٤

234 الفكر لا يواجه إلا بالفكر بالأفكار، فتمدد الأفكار يتأثر بعوامل كثيرة، وكثير منها لا ينتمي أصلاً إلى الفضاء الفكري والمعرفي، فالأفكار التي تحملها أدوات إعلامية كبيرة هي أقدر على الانتشار من تلك الأفكار التي لا تملك شيئاً من ذلك مهما كانت أصح وأقوى وأكثر برهنة وعقلاً. وكذلك الأفكار التي تجد دعماً مالياً أو سياسياً، فإنها تملك من حضور التأثير أضعاف ما تجده كثير من الأفكار الخالية من هذا الامتياز. واستحضار طبيعة النفس البشرية وما يشكل وعيها وتصوراتها وهويتها الفكرية والثقافية يزيد من تعقيد المشهد، ويكشف عن سذاجة الطرح، فإن للعصبية والكبر والحسد وحب المال والجاه وغيرها من الاعتبارات، تأثيراً كبيراً في قبول الفكرة وردها بعيداً عن اعتبار ميزان الحق والباطل. وبناءً على ما سبق، فتوهم أن انتشار الأفكار مبني على مزاحمة عقلانية بين الفكرة الصحيحة والخاطئة، وأن الفكرة الصحيحة قادرة بذاتها وعلى نحو مطلق على تنحية الفكرة الخاطئة وإزالتها من المشهد؛ هو تجريد ساذج في فهم الأفكار وكيفية انتشارها، ترتب عليه التزهيد في أدوات مؤثرة في نشر الحق أو منع الباطل. ومن المقولات التابعة التي تأتي للتزهيد في فرض أي نظام مستند إلى الدين: فمن تديّن في وسط حريةٍ يتيح له كل أن التربية في بيئة الحريات المفتوحة أقوى، الخيارات وبقي مع ذلك محافظاً على دينه، متمسكاً به، فتدينه سيكون أقوى وتمسكه أعمق ممن تدين مع عدم وجود الخيارات الأخرى، فتدين هذا أشبه بالتدين الاضطراري، بخلاف الأول. هذه الفكرة يُراد منها إسقاط أي منع أو إلزام ديني، حتى يكون تدين الشخص في جو حرية كاملة، وحتى لا يلتبس الأمر، فلا ريب أن الحرية هنا هي الحرية الليبرالية التي لا تلتزم بالشريعة، لأنها هي التي تتوافر فيها خيارات ارتكاب المنكرات كافة فيتركها الشخص ديانة لله.

عدد الصفحات ٢٣٥

235 الفكر لا يواجه إلا بالفكر حسناً، دعونا نختبر هذه الفكرة بطريقة صحيحة قبل أن نتلقى آثارها بلا وعي هل التدين في المجتمعات ذات الحرية الكاملة أقوى؟ الواقع يكذّب هذه الدعوى بشكل قاطع، فالعاقل يعرف بداهة أن تيسّر أسباب الفساد، وانتشار الخمور، وإثارة الغرائز، وتوفر المنكرات في كل مكان، يضعف التدين في أي مجتمع، وينشر الفساد والفجور، ويقلل من المحافظة على الطاعات، وهذه نتيجة بدهية لا تحتاج لملاحقة دراسات وإحصائيات، فهل واقع التدين في مجتمعات المسلمين قبل قرون أضعف من تدين المسلمين اليوم في كثير من المجتمعات التي لا يحكم بينهم بشرع الله؟ الواقع يشهد بالضرورة أن فتح أشرعة الحرية السلوكية والأخلاقية مضعفٌ للتدين، ومدمرٌ لأخلاق الشعوب، ومفسدٌ لدينها، بينما الذي يحفظ دينهم ويقوي تدينهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذاً، من أين جاء الوهم بأن التربية في وسط الحرية أقوى؟ قد يكون سبب هذا الوهم ملاحظةَ وجودِ فئة قليلة متمسكة بالدين، محافظة على أحكامه، لا تزيدها كثرة الدواعي على ترك التدين والتفريط في أحكام الشرع إلا إيماناً وتسليماً، فمثل هؤلاء لا شك بأن تمسكهم في مثل هذه البيئة هو دلالة على عظم تدينهم وأنه أقوى ممن يساويهم في التدين وهو يعيش في بيئة تساعده على الطاعة، أو لا يجد فيها من دواعي الفساد ما يجده، لكن هذه الفئة تبقى قليلة جداً مقارنة بالأكثرية التي تأثرت بوسط الحرية غير المنضبط، فلا يصح أن يكونوا هم معيار المقارنة، بل في الحقيقة هم دليل على العكس، فقلتهم وصعوبة التدين عليهم، وما يتحملونه ويبذلونه في سبيل المحافظة عليه، كل ذلك يكشف أن التدين لا يقوى في مثل هذا الجو من الحريات المطلقة.

عدد الصفحات ٢٣٦

236 الفكر لا يواجه إلا بالفكر التدين لا يمكن أن يقوى في جوٍّ معادٍ له، أو منفرٍ عنه، أو مشككٍّ فيه، فكلما وجدت البيئة التي تشجع عليه، وتحض على اتباعه، وتنهى عما يخالفه، سهُل التدين على الناس وقوي وانتشر، وإذا وجد ما يشكك فيه أو يخوف منه أو يحرض على تركه، أو وجدت الدوافع التي تحض على مخالفته، فإن التدين سيكون أصعب وأثقل، وسيتسبب هذا في إضعافه. وهل من العقل والتربية المقبولة أن يعرض أبٌ على ابنه مختلف الشهوات المحرمة، ويفتح له باب الشرور على مصراعيه، ويخيره في كل أمرٍ، ويتوقع بعد ذلك أن يسهم إيجاباً في تدين الابن وجعل إيمانه أوثق وأعمق! ولهذا جاءت الشريعة بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تحض على نشر الخير وإشاعته والحث عليه حتى يكون ميسوراً وتقوى النفوس عليه، وتحث على ترك المنكر ونصح فاعله والمنع منه حتى يضيق مجاله ويسهل تركه وتخف الدواعي المحرضة عليه. فهل يتوهم عاقل أن الشريعة تأتي بما يضعف التدين، وأن التدين بالإسلام سيكون أقوى وأسهل في حال عدم تطبيق الإسلام، وأما في حال تطبيقه فسيكون أضعف! هذه نتيجة لا يمكن أن يقولها مسلم، لكنها هي حقيقة هذه المقولة، فهي تقرر أن التدين في جو الحرية المخالف للشريعة أقوى. وربما لا يتفطن قائلها لهذه الحقيقة، لكن هذا لا يعفيه من تبعة ذلك بأن يدقق النظر في المقولات التي يرددها على لسانه، فلا ينطق بشيء إلا بعد الإدراك الحقيقي لمعناها. وجدنا هنا حزمة من المقولات: (الفكر لا يواجه إلا بالفكر)، و(الممنوع إذاً، مرغوب)، و(الفكرة الصحيحة تطرد الخاطئة)، و(التدين في وسط الحرية أقوى): يُستند إليها جميعاً لتمرير رفض أصحابها مبدأ المنع أو الإلزام فيما يتعلق بأي حكم

عدد الصفحات ٢٣٧

237 الفكر لا يواجه إلا بالفكر ديني، فمع إمكان أن تُفهم بعض هذه المقولات على نحو مقبول، لكن قد تمرر من خلالها معانٍ خاطئة، ومفاهيم باطلة، والسبب الحقيقي المضمر الذي يحتاج إلى الكشف هنا هو رفض بعض الناس لزوم أحكام الشريعة. جاء هذا الفرض بطبيعة الحال لأن الثقافة العلمانية المعاصرة لا تقبلها، ولهذا فعلى من يردد مثل هذه المقولات أن يأتي المسألة من بابها فيعرض الموضوع من جهة عدم لزوم أحكام الشريعة، لا أن يتخفى عبر مقولات مجملة توهم أن مناط البحث في النقطة (أ)، لكن الإشكال الحقيقي في (ج).

عدد الصفحات ٢٣٨

238 ) هم يسمحون لنا فلنسمح لهم29( هم يسمحون لنا ببناء المساجد فلماذا لا نسمح لهم ببناء الكنائس؟ وهم يسمحون للمسلمين بالدعوة إلى الإسلام فلماذا لا يُسمح لهم بمثل ذلك؟ وهم يهنئوننا بأعيادنا الدينية فلماذا لا نقابلهم بالمثل؟ ومقولات أخرى تُكرر المعنى ذاته: كما أن غير المسلمين يفعلون معنا شيئاً معيناً، فلماذا لا نقابلهم بالمثل فنفعل لهم الشيء نفسه؟! صاحب هذه المقولة يستند إلى ما يتوهمه مندرجاً تحت قاعدة العدل المعروفة، فإذا أحسن إليك شخصٌ ما عليك أن تقابل إحسانه بإحسان، بل قد يظن بعض الناس أن مقتضى الفضل الأخلاقي هنا أن تتجاوز هذا فتعامل الناس كما تحب أن تُعامَل. وبعيداً عن مناقشة بعض القراءات الرومانسية الحالمة للواقع، والتي تصبغ المجتمعات الغربية بألوان من التسامح تتجاوز حقائق الواقع، وتتغافل عن كثير من التعقيدات النظامية الإجرائية الموجودة عندهم، وأنهم كثيراً ما يفرقون في تعاملهم بين ما كان من أعرافهم وتقاليدهم وأديانهم وما كان وافداً عليهم منها، وقد يتجاوزون ذلك إلى مصادرة عدد من الحقوق، كأن يفرضوا على المسلمين ما يخالف دينهم، أو يمنعوهم مما يجب عليهم كمنع النقاب، أو بناء المساجد، أو إعلاء المآذن، أو غير ذلك. فالإشكال مع هذه المقولة أنها تنسى في غمرة الخضوع لأوهام المساواة والعدل مسلَّمة بدهية، وهي أن كل شخص له مرجعية عُليا يحتكم إليها في معرفة الصواب والخطأ، وتحديد الحق والباطل، فلا يصح أن يخضع لضغط الحالة النفسية والهوى الخاص في مقابلة الشيء بمثله فيقع في مخالفة هذه المرجعية وتعطيلها.

عدد الصفحات ٢٣٩

239 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم فمع الإقرار بحسن مقابلة إحسان الآخرين بمثله، بل أن يتجاوز المرء ذلك إلى الفضل والإحسان، لكن حين تكون هذه المقابلة ناقضة لأصل قطعي، أو مخالفة لأمرٍ أو نهي شرعي، فإن الوضع يجب أن يختلف تماماً، فلا يصح شرعاً ولا عقلاً أن نفكر بخيار المقابلة بغض النظر عن طبيعة هذه المقابلة، بل يجب أن تكون المقابلة غير مخالفة للشريعة. وفي الأمثلة السابقة في أول الكلام نجد أنها تتضمن دعوة إلى مخالفة أحكامٍ وأصولٍ شرعية واضحة لمجرد تحقيق المقابلة، فبدلاً من أن نخضع مثال المقابلة إلى أصول شرعنا، أصبح شرعنا محكوماً بهذه المقابلة، فالحكم عندنا يكون حراماً ومنهياً عنه لما فيه من ضرر وفساد، لكن إذا فعلوا لنا شيئاً مثله فيجمل بنا أن نتخلى عن أحكامنا، ونجعله مباحاً من باب المقابلة! إن المسلم يتبع حُكم الشريعة في أوامرها ونواهيها، فإذا كانت المقابلة مما لا تمنع منه الشريعة فلا إشكال هنا في المقابلة بالمثل، وقد جاءت الشريعة بتقرير هذا الأصل، {وأمرت بمقابلة الإحسان بإحسان [ {قدر زائد على محض العدل [دِيَارِكُمْ أَن تَبَُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَْهِمْ إنَّ اللََّ يُِبُّ الْـمُقْسِطِينَ والأمر يقوم على بدهية شرعية تتصل بمنطق الحق والباطل في التصور الإسلامي وما يترتب على كل واحد منهما من أحكام وآثار، فالإسلام جاء بمنظومة من التشريعات العقدية والعملية انطلاقاً من حقيقة كونه حقاً وما سواه باطل، ولذا صح فيه أن يكون فرقاناً بين الحق والباطل، لا على مستوى التصور النظري أو الحكم الأخروي فحسب، بل على المستوى العملي، وفق منظومة تشريعية يميز من خلالها

عدد الصفحات ٢٤٠

240 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم بين قيم الحق وقيم الباطل، وتنتفي فيه المساواة بينهما، فالحق متمايز عن الباطل [{والتسوية بينهما ظلم ^# { حَمَلَةِ الحق وحَمَلَةِ الباطل، فالطائفتان لا يستويان وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إنَّ ^# وَلا الظِّلُّ وَلا الْـحَرُورُ ^#وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا الُّورُ {[ اللََّ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ الْقُبُورِ { [ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ كَلْـمُفْسِدِينَ فِ الأَرْضِ أَمْ نجَْعَلُ الْـمُتَّقِينَ كَلْفُجَّارِ الَِّينَ اجْتََحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نجَّْعَلَهُمْ كَلَِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ سَوَاءً مَّْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا {[يَْكُمُونَ [ الْفَائِزُونَ والأمثلة والشواهد على الممايزة بين الحق والباطل وأصحابهما في تفاصيل التشريعات العملية أكثر من أن تُذكر في أبواب العبادات والجنايات والحدود والمواريث والأنكحة والأطعمة والشهادة والولاية والحضانة وحرية التعبد، وغيرها. وخذ هذه الشواهد مختصرة للتدليل على سعة الشبكة التشريعية التي تؤكد بدهية { نفي المساواة بين حق الحق وحق الباطل أَوْلَِاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلَِاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللََّ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ {[ {[ [الَِّينَ آمَنُوا إنَّمَا الْـمُشِْكُونَ نجََسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْـمَسْجِدَ الْـحَرَامَ بَعْدَ عَمِهِمْ هَذَا {[{ تَنكِحُوا الْـمُشِْكَتِ حَتَّ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيٌْ مِّن مُّشِْكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْـمُشِْكِينَ حَتَّ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيٌْ مِّن مُّشِْكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إلَ الَّارِ وَاللَُّ يَدْعُو إلَ الْـجَنَّةِ { [وَالْـمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ وَيُبَينُِّ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

عدد الصفحات ٢٤١

241 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم {[ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَ الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَِلُّونَ لَهُن . (1([مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَِّ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ . و (2(و .(5(. و(4(. و(3(العرب هذه بعض الشواهد المختصرة، وهي كافية في التأكيد على هذه الحقيقة الشرعية المحكمة، وهي تغني عن الاستطراد والاستغراق في ذكر الفروع الفقهية الناشئة عن هذه الشواهد في مختلف الأبواب الشرعية، وهي كلها تصب في التأكيد على قاعدة : من قواعد الشريعة تتابع العلماء على ذكرها، ولفظها مأخوذ من حديث النبي . وذلك أن الإسلام حق، وما سواه باطل، والباطل (6(« لا يعلو على الحق بحال وفي ضوء هذا فلا يصح أن تُضفى شرعية على الباطل بذريعة المقابلة بالمثل، فلا يلزم من إعطاء حقِّ الدعوة للشريعةِ الحقّ أن يُعطى الباطل المصادم للشريعة ذات الحق، فالمسلم ينطلق في تصوراته من كون الإسلام حقاً، ويتعامل مع الأفكار المخالفة له على أساس أنها باطل ليس لها ذات الشرعية، وبناء عليه؛ فلا ينبغي أن يجد في نفسه أي تناقض إطلاقاً حين يفسح المجال للحق ليعمل في الواقع ويجهد في منع جيوب الباطل أن تتمدد. أخرجه البخاري.(1( متفق عليه(2( متفق عليه(3( أخرجه مالك في الموطأ، وأحمد. وحسنه الألباني(4( أخرجه أبو داود. وصححه العراقي. وقال ابن حجر: ثابت وإسناده حسن(٥( (.٧٥/3 ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم. وأخرجه الطحاوي موصولاً في شرح معاني الآثار (٦(

عدد الصفحات ٢٤٢

242 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم إن هذه الرؤية الشرعية المحكمة تعارض من يريد تقرير لزوم المقابلة بالمثل، فهو لا يستحضر وجود رؤية فكرية حاسمة تجعل من نفسها منفردة بوصف الحق في مقابل الحكم ببطلان الرؤى المضادة لها، بل كثير من هؤلاء يتبنى القول بنسبية الحقيقة وعدم إمكان امتلاكها، وهو ما يمكن أن يفسر مشكلة تبني مثل هذه المقولة، إذ هو متأثر بتبني رؤية سائلة في محاكمة الحق والباطل، ليس لديها وضوح في الحدود الفاصلة بينهما، بما سيفرز المطالبة بمساواة الحق بالباطل. ربما يقول بعضهم معترضاً: لكننا لا نرى أن هذه الأمور محرمة شرعاً؟ وهذا تصحيح للمقولة وعودة بها إلى محل البحث الحقيقي: هل هذا الأمر المعين المخصوص مما تقبل الشريعة المقابلة بمثله أم لا؟ فهذا انتقال صحيح لمحل بحثٍ مشروع، وهو يوجب النظر في هذه القضايا والسعي لإدراك حكم الشريعة فيها، فإن كانت مقبولة شرعاً قُبلت وإلا ردت. ويجب أن يكون المسلم واعياً لئلا يخضع لمثل هذه المقولة التي تأتي حاكمة على الشريعة من حيث لا يشعر. الجواب عن أي سؤال يقول: هم يفعلون لنا فلماذا لا نفعل لهم كما يفعلون؟ إذاً، أن نقول: إن لنا مرجعية نحتكم إليها، وعنها نصدر فيما نأتي ونذر، ومن خلالها ننطلق في بناء تصوراتنا ومفاهيمنا، وأما الآخرون فلهم تصوراتهم ومفاهيمهم المنسجمة مع مرجعياتهم. ومن خطورة هذه المقولات أنها تتسبب أحياناً فيما يمكن أن نسميه (تبديل المرجعية)، فيتحول الشخص من مرجعية إلى مرجعية أخرى وهو لا يشعر. فحين نأتي إلى هذا السؤال المشهور: لماذا لا نعطي الكفار من الحرية في التدين، واللباس، وبناء المعابد، كما هو

عدد الصفحات ٢٤٣

243 هم يسمحون لنا فلنسمح لهم متاح من حريات في النظام العلماني الغربي، ولماذا تنكرون عليهم أي انتهاكٍ لحقوق المسلمين في مقابل أنكم لا تضمنون لهم مثل هذه الحقوق، ولا ترون أن في منعهم منها أي انتهاك، بل قد تباركونه؟ يتورط بعض الناس في الجواب عن هذا الإلزام فيضطر أن يَطَّرِدَ في الجواب فيقول: بل الحريات مكفولة لهم في نظامنا الإسلامي بذات الطريقة التي يحفظون بها حريات المسلمين، فلهم حرية اللباس والتعبد والدعوة كما لنا من حرية في بلادهم. الذي حصل هنا أن مقولة (نسمح كما يسمحون لنا) تسببت في (تبديل المرجعية)، فتحول مثل هذا المجيب من تبني (الشريعة الإسلامية) مرجعيةً حاكمة على الحريات يَخضعُ لها النظام السياسي، إلى تبني المرجعية الليبرالية لتكون هي الحاكمة، فحقيقة هذا الجواب مبنية على تبني الفكر الليبرالي القائم على الحرية التي لا تعتد بأي محظورات دينية، فهروباً من جواب مشكل تبنى المجيب تبديل المرجعية! وهذا يكشف لك عن خطورة الارتهان لمثل هذه المقولات من دون وعي بحقائقها، وما تضمره من لوازم. أضف إلى ذلك: أن منطق مقابلة الآخرين بمثله يصح أن يكون معتبراً في حدود معينة، كما اعتبرتها الشريعة، مقابلة في حدود ما لا يخالف الشرع، وأما جعل ذلك أصلاً كلياً بحد ذاته فهو تفكير موغل في السذاجة والسطحية، ولا تجد أي منظومة فكرية يمكن أن تطبقه، فكل مذهب أو دين أو تيار يمتلك أصولاً وأحكاماً يحافظ عليها، ومن اعتماده عليها يصوغ رؤيته للحياة، ولا يمكن أن ينقض ذلك لمجرد أنه وقع في مأزق المقابلة. ولهذا، فالنظام الغربي حين كفل الحريات لم يكفلها من باب المقابلة لأحد، ولم يصغ نظامه مراعياً فيها أحداً، إنما انطلق معتمداً على مرجعيته الفكرية ومصلحته

عدد الصفحات ٢٤٤