212 الشريعة على فهم مَنْ؟ القاعدة الثالثة: أن الخطأ في الاجتهاد يُحتمل مع التسليم بالأصل الشرعي إذا تبيّن وجود مراتب في أحكام الشريعة، ووجود منهج شرعي في النظر للأحكام، فإن هذا يقتضي وقوع أخطاء في الخلاف، وهذا الخطأ قد يكون سائغاً في مرتبة الأحكام الاجتهادية التي ليس فيها نص ظاهر لا معارض له، وقد يكون غير سائغ في الأحكام القطعية والمتفق عليها، والحكم على الخلاف بأنه غير سائغ لا يعني تفسيق المخالف ولا تأثيمه، وإنما هو حكمٌ على المسألة بحسب دلائلها، وأما من اجتهد وبذل غاية وسعه فأخطأ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. بل حتى لو تجاوز الخطأ هذا الحد، فوقع الشخص في مخالفةٍ لقطعي، أو لم يكن معذوراً؛ فإن هذا تقصير منه، ويحاسب عليه بقدر ما فرط، لكنه على كل حال أحسن حالاً بكثير ممن نقض الأصل الشرعي بالكلية، وهذا يؤكد خطورة التفريط في الأصل بسبب وجود خلاف، وأن يتفطن المسلم من خطورة التهوين في أصل التحاكم إلى الشريعة، والرجوع إليها بسبب وجود اختلافٍ في بعض أحكامها. القاعدة الرابعة: أن تحكيم الشريعة على الواقع يحتمل مساحة أكبر من الاجتهاد: فتطبيق الشريعة في واقع معين يفرض مراعاة مؤثرات جديدة تتعلق بالقدرة والإمكان، والمصالح والمفاسد المترتبة، وتغير الأعراف وغيرها.. وهذه عوامل مؤثرة في تحكيم الشريعة، وهي توسع من مساحة الاجتهاد المتعلق بهذا الواقع، إذ عمل الفقيه هنا مركب من مسألتين: نظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الحكم الشرعي، وهي مساحة قد يقع فيها بعض الخلاف؛ وتنزيل للحكم الشرعي المستنبط على الواقع، وهي مساحة أخرى قد يقع فيها الخلاف أيضاً، وهو ما يفسر توسع دائرة
عدد الصفحات ٢١٣213 الشريعة على فهم مَنْ؟ الخلاف عند تنزيل الأحكام على الواقع، إذ نحن أمام مساحتين يمكن أن يقع فيهما الخلاف. والمهم هو إدراك أن اتساع الخلاف هنا يجب أن لا يمس أصل الرجوع إلى الشريعة أو يطعن فيه، فإذا وجد الشخص خلافاً متبايناً في هذه المنطقة فلا يجوز أن يهون بسببه من أصل الرجوع إلى الشريعة؛ لأن الخلاف في تحكيم الشريعة في واقعٍ معين هو درجة أخرى من الرجوع إلى الشريعة، فخلافهم في تطبيق الشريعة في واقع معين لا يعني اختلافهم في أصل تحكيم الشريعة، وبناءً عليه فكون الشريعة حاكمة على الواقع ليس محل خلاف، وإنما الخلاف في شروط الواقع وطبيعته، وتنزيل ما يناسبه من أحكام شرعية، وهو يحتمل مساحة كبيرة للاجتهاد السائغ. أن مقولة (على شريعة من؟) ذات أثر سلبي في التهوين من مرجعية والخلاصة الشريعة في نفوس بعض الناس، فهو مسلم ويرى أن الشريعة حاكمة ولا يحمل في قلبه رفضاً لها، لكنه يجد الاختلاف مشكلاً عليه، فقد يكون هذا سبباً لعدم الاعتداد بمرجعية الشريعة عملياً ولو كان يؤمن بها نظرياً، وهذا مدخل خطر يؤثر في فكر المسلم وقلبه، والواجب أن يكون واعياً بهذا، فوجود اختلاف في شيء لا يلغي حجيته، فالشريعة حجة ولو وقع خلاف فيها، إذ الخلاف ليس واقعاً في كل الشريعة وإنما في بعض أحكامها، وهذا الخلاف محكوم بمنهج علمي في النظر في كيفية التعامل معه. ولو جهل المسلم كل هذا واكتفى بالتسليم بأصل حاكمية الشرع ولو خفيت عليه التفصيلات، فهو متمسك بأصل لا يجوز أن يُنقض بسبب تشكيك في جزئيات لا يحسن المسلم الجواب عنها.
عدد الصفحات ٢١٤214 ) الشريعة لم تأتِ بنظام سياسي محدد 26( تُمثّل هذه المقولة مقدِّمة يتوهم أصحابها أنها مسلَّمة ولا تستدعي كبير نظرٍ أو تأمل، وينطلق بعدها في ترتيب عدد من النتائج، وقبل الخوض في مناقشة أي نتيجة من نتائج هذه المقولة، من المهم أن نحرر المقصود من هذه الكلمة (نظام سياسي محدد)، إذ هي تتسم بقدر من الإجمال يستدعي أن تعالج بقدر من التفصيل. فالنظام السياسي المحدد يحتمل أحد معنيَين: الجوانب التفصيلية في كيفية إدارة شؤون الدولة، وتوزيع المهام المعنى الأول: والصلاحيات، وما يحقق المصالح المعيشية للناس في أي نظام سياسي معاصر، وما تقتضيه طبيعة العصر من التعامل مع مستجدات كثيرة وأدوات حديثة لم تكن موجودة من قبل، فيقصد القائل بهذا أن الشريعة لم توجب علينا أموراً تفصيلية في هذه القضايا الإجرائية يلزمنا التقيد بها، كما أنها قد تركت هذا كله لأصل الإباحة والعفو، ويمكن أن نسمي هذا المعنى بالدائرة المفوضة من السياسة الشرعية، بمعنى المجال السياسي الذي فوضت الشريعةُ الناسَ لوضع ما يحقق المصلحة من أنظمة وتشريعات. وهذا المعنى صحيح، فالسياسة الموافقة للشريعة ليست هي السياسة التي جاءت الشريعة بالنص عليها، بل كلُّ سياسة تحقق مصالح الناس وتدفع عنهم المفاسد هي سياسة شرعية وإن لم يُنص عليها في الشرع ما دام أنها لم تخالف الشريعة. : أن الشريعة لم تأت بشيء على مستوى القوانين والأحكام المعنى الثاني التشريعية في الجانب السياسي، فلا تتعلق أحكام الشريعة وحدودها ومقاصدها
عدد الصفحات ٢١٥215 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد بالنظام السياسي، ولا يلزمنا السعي إلى التفتيش في نصوص الشريعة عن شيء يتعلق بهذا الفضاء. وهذا غلط ظاهر، فأحكام الشريعة شاملة لكل شؤون الحياة، وليست قاصرة على تنظيم شأن المسلم في علاقته بربه فقط، حتى يقال إنها لم تأت بشيء يتعلق بالنظام السياسي، بل الشريعة نظامٌ يصوغ علاقة المسلم بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بكل شيء حوله، كما يصوغ المجتمع المسلم، ويحدد واجباته، ومحرماته. فالشريعة راعت في كل مجال طبيعته وما يحقق مصلحته، فالجانب السياسي لكونه يتضمن مجالاً واسعاً للمتغيرات ويتأثر بالظروف الطارئة ويتغير بتغيرات الزمان والمكان وتزاحم المصالح والمفاسد، وسَّعت له الشريعة في جانب الإباحة فأصبحت هي المساحة الأعظم في هذا الباب، فكل تصرف سياسي لا يخالف الشريعة هو تصرف شرعي ما دام محققاً للمصلحة، غير أن هذا لا يعني أن الشريعة لا تفرض في الجانب السياسي أي أحكام أو حدود، بل في الشريعة جملة من الأحكام والتشريعات المتعلقة بالنظام السياسي يجب الالتزام بها كما يجب على المسلم أن يلتزم بأحكام الإسلام في عباداته ومعاملاته وأنكحته وغيرها، ولا فرق بين باب وباب في وجوب الالتزام بالشرع وضرورته. فهذا اللون من السياسة الشرعية هو من قبيل السياسة المنصوصة، وهي ما جاء في الإسلام نفسه من أحكام وتشريعات تنظم الحياة السياسية، ودائرة السياسة المنصوصة هي التي تتكامل مع دائرة السياسة المفوضة لتشكل لنا ما يعرف بالسياسة الشرعية. وبهذا يتضح أن القول بأنه لا وجود في الإسلام لأي تشريعات تتصل بالنظام السياسي هو تعبير عن العلمانية لكن بلفظ جديد، ودخول لها من مسلك آخر،
عدد الصفحات ٢١٦216 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد فالعلمانية تعني عزل الدين عن التأثير في القوانين والنظم حتى يبقى علاقةً فرديةً شأن له بالنظام العام، وحين تحكم على النظام السياسي كله بأن الشريعة لم تأت فيه بشيء، وإنما الأمر كله راجع إلى اجتهاد البشر؛ فهذا مبني على فلسفة العلمانية في إقصاء الدين عن المرجعية والتأثير في النظم، فبدلاً من التعبير عن رفض الشريعة بشكل مباشر وصريح كما هو الواقع في الخطابات العلمانية المباشرة، يتم الالتفاف عليها بمثل هذه الطريقة. ومثل هذا الخطاب ينم عن مكابرة لجملة من الحقائق المتعلقة بواقع دين الإسلام، فالأحكام الشرعية المتعلقة بأنظمة الدولة كثيرة جداً، وهي تتضمن واجباتٍ وحدوداً ومحرماتٍ يلزم التقيد بها، ويمنع من تجاوزها، ويلزم أي نظام سياسي يتخذ الإسلام مرجعية أن يحافظ عليها، فمن أطلق القول بأن الإسلام لا يشتمل على نظام سياسي محدد وهو يقصد الجانب الإجرائي، فهو مصيب في المعنى وإن كان لفظه موهماً، وأما الاستمرار بنفي صلة الشريعة بالسياسة مع ظهور مثل هذه الأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بهذا الفضاء، فهو من العناد في إخفاء الحقائق، فالأحكام الشرعية فيها بيّنة، وليس أمام المسلم معها إلا أن يقول ما أمره الله به: { {[ [ أَمْرِهِمْ ويجب أن يكون المسلم المعاصر واعياً من تسلل المفاهيم العلمانية وتسربها عبر أوعية جديدة، فالعلمانية فكرة مركزية صلبة يمكن أن تتسلل عبر صيغ كثيرة، فوعي المسلم بجوهر الفكرة العلمانية يقوي في نفسه ضمانة الكشف عنها مهما تغير لبوسها.
عدد الصفحات ٢١٧217 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد تأتي هنا مقولة مساندة تقول: إن الشريعة لم تأت في النظام السياسي إلا بمبادئ وأما بقية الأحكام فهي ،وقواعد كلية عامة، كالعدل والشورى ونحو هذه القيم العليا مصلحية تراعي تغير الزمان والمكان، وطبيعة الاختلاف الكبير بين العصور الذي يفرض اجتهاداً مصلحياً كبيراً. ولا شك في ضرورة الاجتهاد المصلحي، ولا منازعة في حضوره البارز في الشريعة، لكن لا يصح أن يكون مثل هذا التقرير ذريعة لهدر الأحكام والتشريعات التفصيلية التي فرضتها الشريعة، فالعناية بأهمية المصلحة مقرر سلفاً في الشريعة، ومتفق عليه في النظر الفقهي، فليس ثم جديد في الإتيان بها في مثل هذا السياق إلا التزهيد في الأحكام التفصيلية. ومتى دققت النظر في الموقف من القيم العامة كالعدل والحرية والشورى ونحوها، وجدت موقفاً إيجابياً مشتركاً منها في مستواها الكلي، فليس موضع الخلاف بين الإسلام والعلمانية في الاعتراف الجملي بهذه القيم في مستواها الكلي، وإنما أزمة العلمانية مع الإسلام في التفاصيل الداخلية لتلك القيم الكلية، ومدى إلزامية الأحكام الجزئية على المستوى التشريعي والقانوني، وهل هذه التشريعات ملزمة للسياسي، أم هي أحكام تاريخية مربوطة بظروفها المكانية والزمانية، أو مرتهنة بالمصلحة تتحرك وفقها بحسب ما يراه السياسي؟ فالعلمانية تنازع في كثير من تفاصيل تلك القيم وتمثلاتها الواقعية، وهي تدعو أيضاً إلى ضرورة رفع الصفة الإلزامية التشريعية عن الأحكام القرآنية والنبوية، وهو ما يمثل التمظهر الفعلي لمفهوم فصل الدين عن الدولة، بخلاف الإسلام الذي يقدم جملةً من التفسيرات التفصيلية لتلك القيم، ويبيّن كثيراً من المضامين الداخلية لحقيقة العدل، وحدود الحرية، مع إيجاب هيمنة الأحكام الشرعية على النظام السياسي، وأن
عدد الصفحات ٢١٨218 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد هذه الأحكام لها صفة الإلزامية التي يجب على الدولة رعايتها والإلزام بها في الواقع، فما ورد به النص من شأن السياسة هو في دائرة الملزم شرعاً، وما لم يرد به النص فهو مجال اجتهاد السياسي المرهون بالمصلحة المعتبرة، فالتصرف على الرعية منوط بالمصلحة. والحقيقة أن المبادئ القيمية الكلية ليست مجرد شعارات فارغة من المضامين الداخلية، فالمبادئ لا يمكن أن تنفك عن التشريعات التفصيلية المحددة لها، فالعدل مبدأ كلي يتفق الجميع عليه، لكن الشريعة جاءت بتفصيلات كثيرة تحدد ماهية العدل في الإسلام وتوضح تميز الإسلام فيه. وكل أمة وحضارة ودين لها تفصيلات تشرح هذه المبادئ الكلية، وهذه التفصيلات هي التي تميز فكرهم ودينهم وثقافتهم، فليس هناك أحد يقول: أنا متمسك بالأصول الكلية فقط من دون أي محددات جزئية لها. فالعدل في الإسلام يقتضي تفضيل الذكر على الأنثى في بعض الصور في الميراث، بينما يعد هذا التفضيل في الثقافة العلمانية المعاصرة ظلماً وجوراً على المرأة، وحفظ دين الناس بمنع التعدي على حرمات الله هو من العدل والرحمة في المفهوم الشرعي، لكنه ظلم وعدوان عند غيرهم. والمسلم في حكم الله لا خيار له أمام حكم الله القطعي، لكن هذا يمثل لوناً من الاستبداد والطغيان في ضوء الحرية الليبرالية. وهكذا ستجد أن كل ثقافة تصوغ هذه القيم الكلية وفق مرجعيتها. فحين يقول مسلم: أنا سألتزم بالعدل والشورى والحرية من دون أن يعتد بتفصيلات الأحكام الشرعية، فهو لم يلتزم في الحقيقة من الإسلام إلا ببعض الشعارات التي ليست محلاً للمنازعة أصلاً، ولا تمثل امتياز التصور الإسلامي. ولهذا، فحقيقة من يقول نحن متمسكون بالمبادئ إنما يتجلى في مدى الاستمساك بتفصيلات محددة وشارحة لهذه المبادئ، فلا وجود لشيء اسمه (الحرية) هكذا من
عدد الصفحات ٢١٩219 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد دون أي تحديد وفلسفة. إن حقيقة حال الكثير من هؤلاء أنه ملتزم بالحرية، لكن وفق مرجعيتها الليبرالية، ويظن أن الإسلام لم يأت إلا بالحرية كأصل كلي عام، ثم يصب في داخل الوعاء الإسلامي ما شاء من مفاهيم ليبرالية! أنه لا وجود لمبادئ كلية بلا تشريعات مفصلة، فإما أن يلتزم المسلم والخلاصة بما جاء في أحكام الشريعة، أو أنه سيضطر لأن يلفق بين تشريعات يتوهم أنها تحفظ له استمساكه بتلك الكليات لكن من مرجعيات مختلفة. سيقال: لكن ثم مساحة واسعة للاجتهاد والخلاف المعتبر في التفصيلات المتعلقة بهذه المبادئ، كما أن هناك مساحة متعلقة بالإباحة في أجزاء أخرى. وهنا نقول: لسنا ننكر هذا، لكن حديثنا كان متوجهاً لمن يكتفي بالدعوة إلى المبادئ الكلية ثم يزهِّد بعد ذلك في التشريعات والجزئيات، أما من يسلِّم بالكليات والجزئيات جميعاً فيلتزم بالقدر المحكم بها، ويعالج مساحة الظنيات بالأدوات الشرعية لترجيح ما يعتقد أنه التمثل الأقرب لتلك الكليات، فليس هذا الرد متعلقاً به. سيقال هنا: ألا يعدُّ مثل هذا تسييساً للدين؟ وهنا يجب أن نتذكر أن المصطلحات من حيث هي لا ينبغي أن تثير في نفس المسلم خوفاً أو فزعاً، فتسييس الدين إن كان يقصد به استغلال الدين أو بعض أحكامه لتحقيق مصالح ضيقة لشخصٍ أو جماعة، فهو أمر مذموم بداهةً، بل هو مناقض لأحكام الشريعة ومقاصدها، وينال صاحبه من العيب والنقص بقدر ما ارتكب، غير أن هذا الانحراف ليس خاصاً بالدين، فكل قيمة جميلة يمكن أن توظف بشكل سيئ، أو تسيس من الأطراف كافة. وأما إن كان المقصود بتسييس الدين لمز المطالب بتحكيم الشريعة، والالتزام بأحكامها في أي شأن عام، فهذا اللمز يتضمن غلطين:
عدد الصفحات ٢٢٠220 الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد : الظلم والبغي على المخالفين، بالطعن فيهم بغير موجب للطعن،الغلط الأول بل بأمر ينبغي أن يكون موضعاً للثناء والمدح. : تسمية تطبيق الإسلام بأنه تسييس له، وهذا يُظهر أن صاحب هذا الغلط الثاني الإطلاق يعتقد بأن الإسلام لا علاقة له في الأصل بالسياسة، فأي تطبيق له في الجانب السياسي هو استخدامٌ له في المكان الخطأ، وهذا كما ترى تأثرٌ واضح بالمرجعية العلمانية في تحييد الدين عن النظام السياسي وإقصائه عن الشأن العام. ويشبه هذا حديث بعضهم عن (الإسلام السياسي)، فهذا المصطلح إن كان المقصود به حديثاً عن أشخاص أو جماعات معينة، فيمكن أن يسميهم بأسمائهم وينتقدهم بالعدل والإنصاف، دون استعمال لأي لفظٍ يوهم وجود نسخٍ متعددةٍ من الإسلام، وأن إحداها يقحم الدين في الشأن السياسي، فهذه تسمية مضللة وفاسدة، وهي متسربة من اللسان العلماني، لأن الإسلام في نظره علاقة دينية بين العبد وربه لا شأن له، ولا يصح أن يكون له شأن في تنظيم حياة الناس ومعاشهم، فأي أحكام تخالف مزاجهم العلماني يسمونه (إسلاماً سياسياً)، بمعنى أنه ليس هو الإسلام الحقيقي الذي يقتصر على جوانب العبادات كما هو تصور العلمانية للدين.
عدد الصفحات ٢٢١221 ) العَلْمانية هي الحل27( تظهر هذه العبارة حيناً وتخفت في حينٍ آخر بحسب حالة النفور المجتمعية من العلمانية، فإذا ارتفعت حدة النفور في مجتمعٍ معين لانتشار الوعي بحقيقة الفكرة العلمانية وما فيها من رفض للدين وعداء له، انسحبت هذه العبارة من المشهد وضعف تداولها، فإذا خفّت حدة النفور المجتمعي طفت هذه المقولة إلى السطح. وانسحابها من فضاء التداول العام بسبب تديّن المجتمع ورفضه لها، لا يعني انعدام حضورها بالكلية في هذا الفضاء، لكن هذه المقولة تتفتت لتظهر في صورة مقولات أخرى تحمل ذات الدلالة، لكن بعبارات مواربة، وأقل مكاشفة، تسعى إلى تقديم مفاهيم العلمانية كطوق نجاة للمجتمعات المسلمة وإن لم تنص صراحة على لفظة العلمانية. فبالإمكان أن وإذا فحصنا بدقة هذه المقولة وتساءلنا: العلمانية حل لأي شيء؟ نستخرج إجابات عدة تشكل كل إجابة مقولة خاصة تحتاج إلى معالجة: المقولة الأولى: العلمانية حل للخلاص من الاستبداد والطغيان ما من شك في أن النفوس السوية تبغض الاستبداد والطغيان، فمن الذي يريد أن يعيش في ظل الاستبداد والطغيان والفساد؟ فهذا أمر فطري يتفق الجميع عليه، والكل ينشد مجتمعاً تسوده العدالة وحفظ الحقوق والحريات، ولا يقع فيه ظلم أو طغيان أو تعدٍّ. وهكذا تأتي هذه المقولة هنا لتلعب على وتر هذه العاطفة الجياشة في محبة الحقوق والعدالة والحرية، سعياً لتمرير فكرة العلمانية، فهي بحسب هذه الدعوى الحل والطريق الموصل إلى هذه الجنة المنشودة.
عدد الصفحات ٢٢٢222 العَلْمانية هي الحل ما علاقة العلمانية في التخلص منلكن السؤال الصعب والذي يستدعي جواباً: هذا النظام الاستبدادي الطغياني؟ وهنا ينكشف إشكال هذا الاختزال والتسطيح، وتأتي الإجابات المتعثرة التي لا تستند إلى جواب علمي موضوعي صحيح، لتضعف قيمة هذه المقولة بالكامل، فالعدالة والحرية والكرامة لا تتحقق بمجرد رفع شعاراتٍ وتنميق كلماتٍ، بل هي تتطلب نظاماً متكاملاً وثقافة عامة ومؤسسات قوية.. وهذا يتجاوز بسنوات ضوئية التفكير الساذج بأن العلمانية هي الحل أو ليست هي الحل، فالحقيقة أن هذا من قبيل الترف الفكري الذي يبتعد عن البحث في الأسباب الحقيقية لعلاج المشكلة إلى فتح مشكلة جديدة لا علاقة لها بأي علاج! سيقال هنا: وماذا عن النظام العلماني في العالم الغربي الذي قدم نموذجاً قوياً لحفظ الحقوق والحريات لأوطانهم؟ والجواب بعيداً عن مناقشة تفاصيل ما يندرج في مفهوم الحرية وحفظ الحقوق، وهل هي مقبولة في التصور الشرعي أم لا. نجاح تجربةٍ علمانيةٍ معينة في مكان أو زمان معين لا يعني أن العلمانية هي الحل السحري للنجاح في كل زمان ومكان؛ فالعلمانية في الثقافة الغربية مرتبطة بتجربة تاريخية طويلة مليئة بالعلاقات المتشابكة بين عقائدهم الدينية وحكوماتهم الدنيوية، وتمخض عن هذه التجربة المرهقة هذا الخيار، فأنشؤوا بناءً عليه مؤسساتهم، وشكلوا أنظمتهم، وعززوا ثقافتهم، فهو خيار له خصوصيته، ونجاح العلمانية في سياق معين في تحقيق بعض مظاهر العدل والحرية لا يعني أنها ستنجح في كل سياق، وكما وُجدت أنظمة علمانية لديها قدر عالٍ من المحافظة على الحقوق والحريات، فلقد وجد في المقابل من الأنظمة العلمانية من سحق الإنسان، ودمر المجتمعات، وأنهك الحقوق، فالتفكير في حفظ الحقوق من بوابة العلمانية سذاجة في الوعي الفكري والتاريخي.
عدد الصفحات ٢٢٣223 العَلْمانية هي الحل وبناءً على ذلك، فاستنساخ هذا الخيار وتعميمه على جميع الناس هو من قبيل الكسل الفكري الذي يتعطل فيه عقل الإنسان فلا يكاد يفكر بغير منظار الآخرين، بل هو يعبر عن انكسار نفسي تتهشم فيه المناعة الذاتية للشخص فلا يظن أن هناك طريقاً للنهوض إلا بتقليد خطى الآخرين. فإذا ما فككنا بُنى العلمانية ونظرنا فيها، وفيما ولّدته في الواقع من مظاهر أودت بنزع القداسة عن كل شيء، وأفضت إلى سلخ مختلف الجوانب الحياتية من القيم والأخلاق، وأدت إلى تسليع الإنسان وجعله مجرد أداة استهلاكية، وغير ذلك من مشكلات؛ علمنا مدى سذاجة التعلق بمثل هذه الشعارات لتقديم حلولٍ لتعقيدات الواقع. إذاً، الخلاص من الاستبداد والطغيان، والبحث عن الحقوق والحريات، دافع مهم ومحفز ضروري، لكن توهم أن العلمانية هي الحل وهم كبير، وهو مجرد حالة نفسية تسكن المتأثرين بالعلمانية لأنهم يرغبون في العلمانية! المقولة الثانية: العلمانية حل للخلافات العقدية والدينية وهنا يأتي الحديث عن الخلافات العقدية الكبرى بين الناس، فيسترسل صاحب هذه المقولة متحدثاً عن حجم الاختلافات بين الأديان، شارحاً طبيعة الاختلافات الواقعة داخل كل دين، وحاكياً ما في الواقع من مذاهب متناحرة، وما يقع بينها من تكفير وقتال واحتراب، وكله بسبب الاختلاف في الدين والمعتقد، وهو ما يمكن تلمّسه من خلال التاريخ وفي معطيات الواقع، فالحل هو في العلمانية التي تُحيّد هذه الأفكار جميعاً فلا يكون لها أي أثر سلبي في واقع الناس وتفاعلهم مع بعضهم.
عدد الصفحات ٢٢٤224 العَلْمانية هي الحل ولا شك في أن الاختلاف في الدين والعقائد أحد مسببات وقوع الخصومات الشديدة بين الناس، وقد تقع بسببها مظالم وانتهاكات حقيقية، وقد ارتضت الثقافة الغربية أن تأخذ العلمانية مسلكاً لحل هذه الخلافات، نظراً لطبيعة التجربة التاريخية للدين عندهم، حيث ضعف مفهوم الدين، وكثرت الخصومات فيه، وجرى تحريفه، فكان لا بد من نظام آخر بديل. المشكلة هي في تعدية هذه التجربة إلى التاريخ الإسلامي، فهي تعدية تعبر عن غلط كبير، وقصور فاضح في إدراك حجم الفروقات بين سياق حضاري معين وسياق حضاري آخر مباين له؛ فالهيمنة في التاريخ الإسلامي كانت لحكم الشريعة طوال ثلاثة عشر قرناً، تعاقبت فيها دول في أمصار مختلفة وأزمنة متباينة، ولم يفكر أحد طوال هذه القرون بأن المشكلة في الدين نفسه، وإنما أرجعت أسباب الظلم والخصومات لأمور أخرى، أما الدين فكان محل اتفاق بين الجميع وإن اختلفوا في بعض تطبيقاته وأحكامه، فالحقيقة أن العودة إلى الدين هي الضمان للحقوق وللفصل بين الخصومات ولقطع النزاعات، وأما إلغاؤه فسيفتح المزيد من الخصومات. فالإسلام هو الدين الضامن لإقامة العدل بين الناس، فالمُطَالب بمحاصرته بالفكرة العلمانية، وإلغاء سلطانه في الفضاء العام، أو المجال السياسي، هو في الحقيقة قائلٌ بلسان الحال والمقال أن الإسلام ليس هو الدين الحق، وأن تحكيمه وتطبيقه لا يمثل الهداية المرجوة للبشر، وأنه لا يشتمل على ضمانات العدل المطلوبة. ولن نعجب من جريان مثل هذا الكلام على لسان كافر بهذا الدين، فهذا أمر متصور وهو يوجب مباحثة هذا الكافر في صحة دين الإسلام وبيان ما يشتمل عليه من محاسن وفضائل، إنما العجب من مُسْلمٍ يعتقد صحة هذا الدين ثم يستبطن مثل هذا التقرير، حيث إن الاعتراف بصحة الإسلام وأنه من عند الله يوجب على صاحبه أن يعتقد أن تمام الهداية والعدل لا يكون إلا في تحقيقه وتحكيمه.
عدد الصفحات ٢٢٥225 العَلْمانية هي الحل إن حقيقة هذه الدعوى تقوم على فكرة ساذجة، هي أنه وبسبب وجود خلافٍ بين المسلمين في بعض جزئيات الحكم الإسلامي، فالحل هو في إبعاد الإسلام عنكم بالكلية، وفرض نظام مخالف لدينكم، لا ترضون به، ولا تعتقدون صحته، فتكرهون عليه بالقوة، لأنه هو الحل. والحقيقة أن هذا لا يتضمن أي حل صحيح، ففرض قوانين العلمانية على الناس بالحديد والنار، وتحييد الشريعة بالقوة، لا يعني أنك قدمت حلاً، وإنما حكمت الناس بالقوة، والقوة يمكن أن تحكم بالعلمانية أو بأي نظام آخر، ولا يعني هذا أنها قدمت الحل، فحقيقة الحل العلماني هي دعم التغيير القسري والإبعاد الجبري لحكم الشريعة، ثم إقناع الناس بعد ذلك بأن هذا هو الحل، لأنكم - بسبب سلطة القوة - لا تملكون حلاً غيره، وأي حل آخر هو مرفوض بمنطق القوة لا بقوة المنطق! وثمّ معنى مركزي يجب أن يكون حاضراً في ذهن القارئ هنا، وهو أن النظم السياسية لا تنشأ في الواقع بناءً على اقتناع جميع الناس بها، فيتشكل النظام بطريقة تكون مقنعة للجميع، فهذا تصور مثالي لا وجود له في واقع البشر، فالنظم تفرض نفسها ثم تجتهد في إقناع الناس بعدالة قضيتها وحسن نظامها، وهي مدركة أنها مهما بلغت غاية الكمال في الإقناع وفي تحقيق العدل فإن ثم شريحة من الناس لن تكون راضية عن هذا النظام، لكن هذا لن يحول دون قيام النظام. نقول هذا لنقرر أننا حين نقرر مشروعية حاكمية الشريعة فإننا ندرك أنه لا يمكن إقناع جميع من سيُحكم بالإسلام بهذا النظام، خاصة حين يكون غير مؤمن به، فليس بخافٍ أن غير المسلم يفضل أن يُحكم بدينه، لكن هذا المعنى لا يصح أن يكون سبباً لأن نلغي حكم الإسلام الذي نؤمن به، ونحرم المسلمين من الخضوع لشريعة ربهم، ونعطل بلدانهم من النظام الذي كان يحكمهم طيلة قرون. لا يمكن أن نلغي هذا كله
عدد الصفحات ٢٢٦226 العَلْمانية هي الحل لمجرد البحث عن إقناع جميع الناس بهذا الخيار، فهذا لا يمكن أن يتحقق، فهو لم يتحقق لأي نظام ولن يتحقق، وإنما الواجب أن يكون البرهان جلياً على أن هذا النظام سيضمن العدل للجميع، لا أن يقتنع الجميع بأنه أحسن لهم من غيره. وهذه سمة كل نظام، فالنظام الليبرالي يعرف أن ثم شرائح متباينة ترفض هذا الخيار، لكنه لم يتوقف عن الاقتناع بأحقيته في الحكم، ولم يذهب للبحث عن خيارات جديدة بديلة عنه تكون أفضل لجميع الناس، وإنما يسعى من خلال التطبيق لأن يثبت أنه هو الخيار الأفضل. إذا استحضرت هذا أدركت سذاجة التفكير بجلب العلمانية لأجل وجود فئة معينة من الناس لن ترضى بحكم الشريعة، والظريف هنا أن إرضاء هذه الفئة القليلة يستلزم فرض نظام لا يقبل به الأكثر! المقولة الثالثة: العلمانية حل لفهمٍ أفضل للدين فالعلمانية في نظر صاحب هذه المقولة لا تحمل في طياتها عداءً للدين، ولا تحمل أي مخالفة له، بل هي تقدم العلمانية كسبيل أمثل لفهم صحيح وعقلاني للدين في مقابل الأفهام الضيقة والتفسيرات المتشددة له. فالعلمانية تعيد الدين إلى وضعه الطبيعي في كونه علاقة بين العبد وربه، علاقة روحانية صادقة لا يحكمها أي قيد خارجي أو إكراه، فهذا المفهوم العلماني للدين هو في نظرهم المفهوم الصحيح للدين. وهو في الحقيقة فهمٌ للدين في ضوء معيار أجنبي عنه، وليس فهماً للدين كما هو في نفسه، فالعلماني لا يفهم الدين وفق مبادئ الدين وأصوله وأحكامه، وإنما يفرض أصول العلمانية على الدين، فيكون الدين مقيداً بحسب المرجعية العلمانية وأدوات
عدد الصفحات ٢٢٧227 العَلْمانية هي الحل الفهم المتعلقة بها، وبطلان مثل هذا الكلام لا يتطلب الكثير من النقاش ممن عرف حقيقة الدين وطبيعته، إذ كل مسلم يعرف خطأ هذه الرؤية للدين بداهة، فالإسلام التي يعرفونها؛ الذي يدينون به، وكتاب ربهم الذي يقرؤونه كل يوم، وسنة نبيهم مخالفة تماماً لهذه الصورة، فلا يمكن لمسلمٍ صحيح الإيمان أن يقبل مثل هذا الكلام ولا أن يصدقه، فهو يدرك أن الإسلام ليس مجرد علاقة محدودة في دائرة ضيقة يتصل فيها العبد بربه، فهذه العلاقة جزء من الدين لكنها ليست الدين كله، كما أنه يدرك أيضاً أن الإسلام ليس مقيداً بحدود معينة لا تتجاوز الحرية الفردية للشخص في مقابل حريات مضادة لغيره، بل هو يتمدد في الواقع بما هو أوسع من هذا ليكون هو الحاكم المهيمن في حياة الناس في مختلف التفاصيل. إذاً، الفهم الصحيح للدين عند العلمانية هو أنهم يأخذون الدين ويفسرونه وفق الحدود العلمانية بلا نظرٍ في الدين ولا نصوصه ولا أصوله ولا تطبيقاته ولا أي شيء آخر، ثم علينا بعد ذلك أن نقبل منهم هذا التفسير ونشكرهم عليه ونقلدهم فيه، لأن هذا هو منطق العقل وحرية التفكير! المقولة الرابعة: العلمانية حل لعدم توظيف الدين في الخصومات السياسية وتحت هذه المقولة تحشد القصص والأخبار - الصحيحة والمكذوبة - لبيان صور توظيف الدين في السياسة، سواءً في هذا العصر أو في التاريخ الإسلامي المتقدم، أو في تواريخ الثقافات والشعوب الأخرى، لتلعب على وتر العاطفة النافرة من توظيف الدين لتقبل بالعلمانية. وحين يُحيّد العاقل عاطفته ويفكر في هذه المقولة بشكل موضوعي صحيح، فإن واقع التوظيفات السياسية للدين لا يفضي إلى مثل هذه النتيجة العلمانية الغريبة بوجوب تعطيل الدين من الفضاء السياسي، إذ كل المعاني الجميلة وغير الجميلة
عدد الصفحات ٢٢٨