المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٣ من ٢٢

196 حيثما كان العدل فثمَّ شرع ا [ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَُّ {الله. وقال تعالى {[تَْكُمُوا بِالْعَدْلِ .(1([الَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَُّ والقول: (بأنه حيثما كان العدل فثم شرع الله) بتوهم الانفكاك بين الشرع والعدل، يعبر عن إشكالية عميقة في تصور طبيعة الالتزام المطلوب بقيمة العدل، إذ الالتزام بهذه القيمة له مستويان: يتمثل في إعلاء شأن القيمة نفسها دون تناول لتفاصيل العدل مستوى إجمالي: الداخلية، وهو مقام يتفق فيه الكل، المنتسب للإسلام والمعظم له، والمخالف للإسلام أيضاً، فليست إشكالية من يرفض مرجعية الشريعة مع تعظيم قيمة العدل من حيث هي، وإنما مشكلتهم في بعض ما تقرره الشريعة من تفاصيل العدل. يتمثل في تحققات العدل التفصيلية، وهو الذي يبرز الفرق مستوى تفصيلي: بين المسلم الملتزم بالأحكام التشريعية، المعتقد بأن الالتزام بها هو ما يفضي به إلى تحقيق العدل، والمخالف الذي يعتقد أن العدل أمر منفك عن التفصيلات التشريعية، بل قد يعتقد أن في بعض تلك التفصيلات ما هو ظلم. فالمسلم مأمور شرعاً أن يضع الشريعة نصب عينيه، ويستفرغ جهده وطاقته في التوصل إلى معرفة حكم الله تعالى في المسألة التي بين يديه، مع اعتقاده بأن الحكم متى ثبت فإن العدل والمصلحة هو في الالتزام به، فالشريعة أمارة على العدل وعلامة عليه، والعدل المُحَقَّق أمارة على الشريعة دالة عليها، إذ هما لا يتناقضان، ومتى وقع (.٦٦/٥ مجموع الفتاوى لابن تيمية ((1(

عدد الصفحات ١٩٧

197 حيثما كان العدل فثمَّ شرع ا توهم المناقضة، فإما أن يكون الأمر عائداً إلى كون العدل متوهماً وأن العدل فيما حققت الشريعة حكمه، أو أن الناظر غلط في تصوره للشريعة فوقع منه الغلط في موقفه من العدل. وليس للمسلم أن يطرح حكم الشريعة طلباً للعدل استقلالاً عنها، فإن هذا فاسد من جهة الدين الذي يُلزم المسلم بالاحتكام للشرع، وليكن على ثقة بأنه متى التزم حكم الشريعة فسيؤول به الأمر إلى تحقيق العدل، وأنه متى خالفها فسيقع في مناقضة العدل، إذ اطراح الحكم والحالة هذه اطراح للعدل أيضاً. وبناءً عليه؛ (فحيثما كان العدل فثم شرع الله) هي مقولة صحيحة إذا كانت الصورة التي يتحدث عنها هي من العدل الحق الظاهر، فما دام ثمّ عدل ظاهر قطعي بيّن فلا شك في أن الشريعة قد جاءت به ولا تخالف مثله، وأما إذا جيء بهذه العبارة لنقض بعض أحكام الشريعة بدعوى أنها مخالفة للعدل، فهذه مقولة فاسدة لم تتفطن لإشكالية أن ما يسميه عدلاً هو توهم ظنه عدلاً بسبب تأثره بعوامل أخرى. فمن يتأثر مثلاً بضغط الثقافة الليبرالية المعاصرة في المساواة سيرى أن العدل في المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، والمساواة بين المسلم والكافر، في كل شيء، ويرى أن العدل في السماح لكل أحد في أن يفعل ما يشاء مهما كان مخالفاً للشرع ما دام أنه لم يضر به أحداً، وبه ينكشف أن مفهوم العدل قد تأثر بمرجعيات ثقافية مختلفة، فكيف يمكن أن يقول عاقل إن هذا من شرع الله وهو يناقض شرع الله يقيناً؟! فالعدل إذاً قيمة عليا يتفق الجميع عليها، غير أن محل الخلاف يكمن في التفاصيل، وهو ما يؤدي إلى تفاوت أحكام الناس على وقائع كثيرة بإعطائها وصف العدل أو سلبها إياه بناءً على تصوراتهم ومرجعياتهم، فمن تبنّى الحرية الاقتصادية

عدد الصفحات ١٩٨

198 حيثما كان العدل فثمَّ شرع ا مرجعية حاكمة فالعدل عنده إنما يتمثل في كفالة حرية الأسواق والأفراد، بينما هي في الاشتراكية في تحقيق المساواة بين الناس حتى لا يقع بينهم تفاضل بسبب أحوالهم المالية، وهذا الاختلاف مبني على اختلاف المرجعية الحاكمة لكل منهما والتي تؤثر بطبيعة الحال في الحكم على الوقائع. إذا عرف المسلم هذا أدرك محل الإشكال المستتر في مثل هذه المقولات، حيث يتأثر بعض المسلمين بمفاهيم العدل التفصيلية لبعض الاتجاهات الفكرية المخالفة ليحكم بها على الإسلام نفسه، فينفي أحكاماً شرعية محكمة بدعوى مخالفتها العدل، فهو في الحقيقة لم يرجع للإسلام نفسه في فهم العدل وتفصيلاته، بل أخضع الإسلام لفهم غيره، فأثبت ونفى بحسب ما يقتضيه هذا الفهم المغاير.

عدد الصفحات ١٩٩

199 ) الدين طاهر والسياسة قذرة23( تمثِّل هذه المقولة إحدى (الكليشات) المبتذلة في الوسط الثقافي العربي، والتي تردد كثيراً وعلى نحو مستهلك لتبرير إقصاء الدين عن السياسة، بذريعة المحافظة على الدين من أن يتلوث بالسياسة، فيكافأ الدين على طهارته وشرفه وفضله بأنه يُبعد ويُقصى ويغيَّب! وهذه طريقة عجيبة في التفكير، فما دمتَ مقتنعاً بأن الدين طاهر ونقي وعظيم فلماذا لا تستفيد من طهارته ونقائه وعظمته، ولماذا لا تجعله مقوماً للسياسة ومصححاً لها؟ إن الأمر شبيهٌ بمن يقول: إن مهنة الطب مهنة شريفة والأمراض قذرة فلا ينبغي أن نلوث هذه المهنة الشريفة بهذه القاذورات! إن الخلل في هذا التفكير كالخلل في هذه المقولة، فالله تعالى ما أنزل الكتب وأرسل الرسل إلا لتحقيق العدل بين الناس، {وإصلاح أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية [وَأَنزَلَْا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لَِقُومَ الَّاسُ بِالْقِسْطِ المعنى المحكم بذرائع هزلية كهذه، وهل من مارس السياسة من أكابر أهل الإسلام وخلفائه الراشدين وقعوا في تلويث الدين بالسياسة أم ماذا؟!بدءاً من النبي ولهذا، فالحقيقة أن هذه المقولة هي من قبيل الاستغفال والاستخفاف بعقول الناس، فلو كان الشخص صادقاً في يقينه بطهارة الدين لأوجب اتباعه في كل الشؤون، لا أن يجعل من طهارة الدين سبباً لإبعاده وإقصائه. وهو ما يوجب التفتيش عن المحركات الحقيقية الفاعلة هنا، فهنا ولا بد سبب مخفي يشكل الباعث الحقيقي للمطالبة بإقصاء الدين عن المجال السياسي.

عدد الصفحات ٢٠٠

200 الدين طاهر والسياسة قذرة إن الفاعل الحقيقي في المشهد يتمثل في الدوافع التي أفقدت العلمانية المعاصرة ثقتها بالدين، وهي دوافع تشكلت في ضوء تجربة الغرب التاريخية مع الدين، والتي عانوا فيها من الصراعات الدينية، وعاينوا ما جرَّته هذه الصراعات من ويلات ومشكلات، الأمر الذي حملهم على استبدال دينهم بمرجعية جديدة تزيح هذا الدين عن كبينة القيادة. فهذا السياق التاريخي هو المطبخ الذي أُنضِجت فيه الدوافع الحقيقية لإقصاء الدين من فضاء السياسة، ولم يكن الأمر عائداً قط إلى مثل هذه الذريعة الساذجة: الدين نظيف ونقي، ويجب المحافظة على نقائه من التلوث بقذارة السياسة.. بل الأمر يعود لاعتقاد العلمانية بأن الدين ليس فيه ما يوجب أن يحكم النظام العام، ولو مُكِّنَ منه وحكم فلن يتحقق من خلاله العدل والمصلحة. فهذا هو السبب الحقيقي لإبعاد الدين عن الحكم، فعلى من يرى ذلك أن يبدي الأسباب الحقيقية ويجادل عنها، لا أن يحتمي بمثل هذه المقولات الاستغفالية الساذجة. وليس بخافٍ أن التجربة التاريخية للعلمانية بحمولتها وأثقالها لا يصح أن تسقط على واقع التاريخ الإسلامي بدينه الحق المباين؛ لما لحق النصرانية من تحريف، ولتجربته في السياسة والحكم المباين لتلك التجربة. فلئن تفهمنا شيئاً من بواعث التفكير الأوروبي لإقصاء ذلك الدين المحرف، فمن الصعب تفهم بواعث العلمانيين العرب في المطالبة بإقصاء الدين الحق، مع التباين الجذري الواقع بين التجربتين التاريخيتين، فمشكلات العالم الإسلامي لم تكن من جنس مشكلات المجتمع الغربي، ومن ثمَّ فمن الطبيعي أن لا تكون المعالجة مطابقة للمعالجة. بل إن دين الإسلام بطبيعته الشمولية المستغرقة لتفاصيل الحياة يتأبى على هذا النمط من أنماط الإقصاء، والممارس له سيقع ولا بد في مخالفة محكمات الوحي،

عدد الصفحات ٢٠١

201 الدين طاهر والسياسة قذرة {خصوصاً مع الأمر الرباني بالأخذ بهذا الدين تاماً كاملاً {[السِّلْمِ { وذمه أولئك الواقعين في تبعيض الدين .[رَبِّنَا [ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ المقصود بصيانة الدين عن التلوث بالسياسة صيانتُه عن ربما يقول شخص: ففتح المجال للدين في شأن السياسة التوظيف والاستغلال بما يؤثر في مكانته، يفتح الباب للفاسدين لاستغلال الدين في تمرير ظلمهم أو تجاوزهم ثم يسوغون ممارساتهم هذه باسم الدين، وهذا يلوث سمعة الدين وينقص من مكانته. ومع الإقرار بفساد مثل هذه الممارسات وحرمتها فإنها في الحقيقة لا تضر الدين، وإنما تضر هذا الشخص وتذم هذا الاستغلال، وإلى مثل هذا يجب أن يتوجه الذم والمحاصرة، لا أن يكون ذلك ذريعة لذم الدين أو التضييق عليه، وإلا فكل الأفكار والمرجعيات يمكن أن تستغل، فالسياسة تقوم على مرجعيات حاكمة، فهي إن أبعدت الدين لا بد من أن تأتي بمرجعية أخرى، وهي أيضاً تستند إلى مفاهيم وأصول كالحريات والحقوق والمساواة والنهضة والتنمية وغيرها، وهذه المفاهيم يمكن أن تستغل أيضاً فيأتي من يقع في انتهاكات ويعتدي على حقوق فيسوغ ذلك باسم الحرية أو الديمقراطية أو المساواة أو غيرها، فلماذا لا يقال هنا: إن الحرية مفهوم مقدس جميل فلا يصح تلويثه في السياسة؟! لا يبدو هذا الأمر مقبولاً، لأنه تفسير غير عقلاني بتاتاً، فوجود استغلال لأي معنى جميل لا يفضي إلى تعطيل هذا المعنى بالكلية، وإنما الواجب السعي إلى المحافظة على هذا المعنى من سوء الاستغلال، وقطع الطريق على الفاسدين من أن يستغلوه، لا السعي إلى إلغاء هذا المعنى من الوجود، فهذه حالة متطرفة جداً وغير متزنة.

عدد الصفحات ٢٠٢

202 الدين طاهر والسياسة قذرة إذاً، نستطيع القول أنه إذا كان دافع المقولة هو الحفاظ على الدين من الاستغلال فالحل هو في وضع ضماناتٍ تحول دون هذا الاستغلال، وليس بتعطيل الدين بالكلية. ثم إن تصور السياسة بمثل هذه الطريقة، وأنها بكل تجلياتها جسد واحد من القذارة، هو تبشيع غير موضوعي للسياسة، فالنظام السياسي يختزن في طياته ما يحفظ الحقوق، ويمنع المظالم، ويحمي الأمن، ووجود انحرافات في السياسة، ووقوع ألاعيب، وتحقق تجاوزات؛ كل هذا لا يعني أن السياسة نفسها بكل أحوالها أصبحت ملوثة، فهذا متحقق في كل جوانب الحياة، فهل نقول إن العلاقة بين الأقارب، والعلاقة الزوجية، والصداقة بين الناس، والتبادل التجاري؛ كلها ملوثة بسبب وجود مثل هذه الأخطاء والتجاوزات التي لا يمكن أن يخلو منها أي مجال حياتي؟ فالحقيقة أن هذه المقولة مثقوبة من كل جوانبها، وهي إنما وضعت لتحقيق هدف معين هو إقصاء الدين بطريقة مهذبة لا تستفز مشاعر المسلمين، فهي تعطي الدين احتراماً لفظياً، وتظهر شتيمة للسياسة، ثم تدعي أن مِن حفظ الدين إبعاده عن هذه السياسة الذميمة، لنصل من خلال هذه المقدمات إلى إقصاء الدين وتهميشه وتعطيله من الحياة؛ فهذه الطريقة في التفكير أو المجادلة أشبه بتلاعب شخص بصبي صغير لا يفقه شيئاً، ولا تليق أن تكون مؤثرة في عقل إنسان واعٍ.

عدد الصفحات ٢٠٣

203 ) النص مقدس والفهم غير مقدس24( هذه المقولة تتخذ في الواقع أشكالاً متعددة من التعبير لكنها تتحد في المضمون، كقولهم مثلاً: (النص مقدس ولكن فهمه غير مقدس)، أو (يجب المحافظة على مسافةٍ بين النص وبين قارئ النص)، (أو فهمك للنص ليس هو النص).. أو غير ذلك من التعبيرات. وهي إطلاقات تسعى للمحافظة على نوع قدسية للنص، يمكن من خلال إطلاقها المجمل تسريب بعض المضامين، ولذا فإن هذه المقولة تمثل واحدة من أشهر الشبهات حضوراً في الخطاب العلماني العربي، بل يمكن عدّها الشبهة المركزية التي يدور عليها هذا الخطاب. ومحصلة الشبهة النهائية أن الشريعة تكتسب قدسيةً زائفةً نتيجة عدم الإقرار بطبيعتها الحقيقية، إذ هي لا تعدو في نظرهم أن تكون قراءة بشرية للوحي، وفعلاً إنسانياً ينتابها ما ينتاب الفعل البشري من الخطأ والصواب، فالشريعة لا تفسر نفسها بنفسها، وإنما يفسرها الإنسان، وبمجرد نزول الوحي إلى الناس ومع لحظة قراءتهم له يتأنسن، ويتحول من كونه منطوقاً إلهياً إلى أن يكون مجرد مفهوم بشري. وبعيداً عن تفاصيل المشهد المرسوم هنا، والذي يتغافل عن حال النبي المعصوم الذي كان يأتيه الوحي في صورتيه (قرآناً وسنةً) بما يشكل ضمانةً في مسألة مكمن الإشكال الرئيس هنا هو في تصوير تلقي الوحي وفهمه وتبليغه وإفهامه؛ فإن من جهة نصوص الشريعة وكأنها مزيج هلامي متشابه لا يتمايز منه شيء عن شيء البيان والوضوح والقطعية، بل كل ما فيه قابلٌ لقراءات متعددة متكاثرة. ومع انفتاح

عدد الصفحات ٢٠٤

204 النص مقدس والفهم غير مقدس مناهج القراءة الأجنبية وتعددها، والسعي إلى توظيفها في فهم الوحي، ازدادت هذه القراءات والتفسيرات كماً وتباعدت كيفاً. والحق الذي لا محيد عنه أن الوحي فيه المحكم الواضح البين بنفسه الذي هو في . وقد أوضح الوحي ذاته هذه غنى عن التأويل والاجتهاد البشري، وفيه ما هو دون ذلك {الطبيعة فيه فقال تعالى [ مُتَشَابِهَاتٌ « . وقد قال الطبري كاشفاً عن استغناء بعض المحكم عن جهد(1(احتمل من التأويل أوجها ثم بيَّن أن بعض المحكم تحصل على . (2(التبيين عن معناه، فقالوصف الإحكام لبيان الله تعالى أو رسوله ذا وُجُوهٍ وتأويلاتٍ وتَصَرُّفٍ في معانٍ كثيرةٍ، بالدَّلالة على المعنى المراد منه إما من بيان .(3( لأمته، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأُمَّة الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله والمقصود التأكيد على بطلان ذاك التصور الذي يحيل النص القرآني كله إلى طبيعة سيّالة لا يمكن استثبات معانيها أبداً. ولحبر هذه الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كلمةٌ مهمةٌ جداً في بيان ما يندرج تحت لفظ التفسير، فقال في الأثر المشهور تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير .(4(لا يعلمه إلا اللَّهُ (.٧٩/٥ تفسير الطبري ((1( .(1/٥ تفسير الطبري ((2( .(1/٥ تفسير الطبري ((3( .(٠٧/1 أخرجه الطبري في تفسيره(4(

عدد الصفحات ٢٠٥

205 النص مقدس والفهم غير مقدس فلا يصح أن يصور الوحي بأنه قطعة نصيةٌ من المتشابهات لا يقبل الانضباط التفسيري، بل لا بد من استحضار أن النص المقدس منه ما هو بيّن بذاته ومنه ما يحتاج إلى اجتهاد ويحتمل الخلاف، والغفلة عن هذه الحقيقة الشرعية والمعنى العقلي الظاهر يجعل من الوحي مجرد قالب لفظي لا قيمة له ولا يوصل إلى معنى محدد، بل يمكن أن يوصل للنتيجة وضدها ويفسر بالشيء ونقيضه. ويمكن مناقشة هذا الإشكال وبيان ما فيه من خلل في الأوجه التالية: أولاً: أنها تخالف المقطوع به من شأن هذا الوحي وبيانه ووضوحه، وتناقض ثناء الله على كتابه بأنه: مبين وبيان وتبيان ونور وهدى وفرقان وكتاب أحكمت آياته. ويلزم منه جعل الحديث القرآني المتكرر عن حاكمية الشريعة وهيمنتها، والرد إلى نصوصها في حال الاختلاف، وبيان الفرق بينها وبين حكم الجاهلية؛ عبثاً لا فائدة منه، وإحالةً على معدوم، وتكليفاً بما لا يطاق. ثانياً: أنها دعوى لا تُقبل في كلام البشر فكيف بالوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو تعاملنا مع كلام البشر بمثل هذا التعامل، فجعلنا التوقير لمجرد ألفاظهم، وأعطينا أنفسنا حرية النظر في تفسير كلامهم بحسب أمزجتنا وما يمكن أن نقدره من المعاني؛ لما استقامت حياة الناس. وكيف يزعم زاعم أن نصوص العلماء والفلاسفة والدساتير والأنظمة الأرضية، وكلام البشر عموماً، كلها بينة واضحة توصل إلى معانٍ، بينما كلام الله تعالى مقدس لفظاً لا يدرك معناه على القطع؟!

عدد الصفحات ٢٠٦

206 النص مقدس والفهم غير مقدس ثالثاً أن من يتعامل مع النص بهذه الطريقة لا يلتزم المنطق ذاته عند محاكمة الفكرة التي ينطلق منها، فالاختلاف الواقع في تفسير النص الديني وقع مثله في المذاهب الوضعية الحديثة، فالليبرالية مثلاً ليست شيئاً واحداً، بل ثمّ ليبراليات متعددة في الواقع، وكذا الماركسية والاشتراكية والرأسمالية والشيوعية والديمقراطية وغيرها؛ كلها ليست في الواقع شيئاً واحداً وإنما ثم تطبيقات وتنظيرات مختلفة، فهل يلتزمون مع هذا التباين والاختلاف أن تكون القداسة لألفاظ هذه المفاهيم وعباراتها، ويكون من حق كل أحد أن يفسر أي مصطلح بأي معنى يريد حتى لو اجتمعت فيه التناقضات؟ ليس القصد هنا أننا نقر بأن هذه الأفكار والتيارات هلامية لا تحمل تصورات وأصولاً كلية مشتركة، وإنما المقصد تجلية الخلل في سياسة الكيل بمكيالين عند محاكمة التشريع الإسلامي مقارنة بغيره، فيُركز على الاختلاف داخل النص الديني لإلغاء قدسية الفهم مطلقاً، وكأن بقية الأفكار تخلو من تعدد التطبيقات وتباين النظريات. رابعاً: أن حقيقة نفي المعنى من النص المقدس ستؤول إلى نتيجة لا يتفطن لها كثير ممن يطلق مثل هذه العبارة، وهي أنه لن يستطيع أن يرد أي قولٍ أو فعلٍ فيه غلو في الدين وهو مستند إلى النص، إذ الجواب عن سؤال الغلو يستدعي قراءة معيارية للوحي يصح من خلالها تصنيف الآخرين إلى أهل غلو وجفاء، فإذا أطلقت القول بنسبية الحق في الفهم، وزعمت انعدام مثل هذه القراءة المعيارية الثابتة، فليس لك سبيل إلى تخطئة مخالف لك في الفهم مهما كان المخالف غالياً أو جافياً، فالخوارج في القديم والحديث لهم قراءتهم للنص الديني، فهل يقول أولئك إن قراءتهم للوحي

عدد الصفحات ٢٠٧

207 النص مقدس والفهم غير مقدس قراءة اجتهادية مقبولة لا يصح لأحد أن يبادر إلى تخطئتهم بإطلاق أو أن ينكر عليهم؟! وهذه إشكالية معرفية تدل على قصر نظر كثير ممن يريد أن يبيح لنفسه حق تفسير القرآن بغير أدواته دون أن يتنبه أنه سيعطي هذا الحق أيضاً لمن يقف في الضفة المقابلة له تماماً. والمقصود أن هناك دائرة من النصوص مما يستطيع الناظر فيها الجزم بمراد قائلها، فهنا يتطابق النص وفهمه، إذ الفهم هو روح النص ومعناه، وما دمنا قد جزمنا بتحصيله والوقوف عليه، فلنا أن ندعي أن الفهم هنا مقدس، إذ هو لا يعدو أن يكون معنى النص المقدس الذي أُريد لنا تحصيله وفهمه. أما النصوص الظنية التي تحتمل أفهاماً متعددة، فهذه الأفهام تمثل فضاءً لمعنى النص، إذ الاختلاف لا يرفع حقيقة أن للنص معنى، وأن هذا المعنى مقدس، وأن أحد أطراف الخلاف في فهمه قد صادفه، شريطة أن يكون السعي في تحصيل هذا المعنى وفق منهج موضوعي ومقصد صحيح، فالشخص هنا وإن لم يقطع بصواب تفسيره للمعنى، لكنه يعتقد وجود هذا المعنى، وهو يسعى باجتهاده لإصابته، ويعتقد أنه أو غيره قد صادفه، وأن الأمة لا تخلو من مدرك له.

عدد الصفحات ٢٠٨

208 ) الشريعة على فهم مَنْ؟ 25( يحال في موضوعات التنازع في القضايا المعاصرة إلى الشريعة، فهي مرجعية حاكمة للمسلمين يسلمون بها وينقادون إليها، وفي هذا السياق يأتي اعتراض شهير على هذا الأصل يقول: الشريعة على فهم من؟ ويعني هذا الاعتراض أن هناك تفسيرات مختلفة واتجاهات متباينة في فهم الشريعة، فعلى أي فهم تريدنا أن نحتكم؟ وقد يعبر بعضهم عن هذه الإشكالية بقوله: نحن أمام إسلامات متعددة، فأي إسلام نطبق؟ وبطبيعة الحال فإن هذا السؤال لا يقصد في الحقيقة إلى شق طريق البحث للوصول إلى المرجعية الحقة حتى تكون هي الحكم، وإنما يقصد للتشكيك في أصل هذه الإحالة على الشريعة، بذريعة أنك تحيلنا إلى شيء غير معروف، ويتضمن تفسيرات متباينة، فلا يمكن أن يكون هو الحكم والفيصل. تعتمد هذه المقولة إذاً على إسقاط حجية الشيء بسبب وجود اختلافٍ فيه. وهذا معنى فاسد مدرك بالدليل العقلي القطعي: فإن وجود الاختلاف في أي ، وإنما يوجب البحث عن الطريق الصحيح شيء لا يلغي وجوده ولا حجيته ولا مكانته للتعامل مع هذا الاختلاف. فإذا تنازع الناس في الله سبحانه وتعالى وصفاته وتباينوا إلى مدارس واتجاهات شتى، فهذا لا يعني أن الذات الإلهية لم تعد موجودة، أو أن صفاته غير معلومة، بل

عدد الصفحات ٢٠٩

209 الشريعة على فهم مَنْ؟ يجب البحث في هذا الاختلاف عن القول الحق في ذات الله تعالى وصفاته، وهذا باتفاق المختلفين جميعاً. وإذا تنازع الناس في أي الأديان هو الدين الحق، فلا يعني أن الأديان كلها لم تعد طريقاً موصلاً إلى الله، بل الواجب أن يسعى الشخص للبحث عن الدين الحق، وكل أصحاب دينٍ يرى وجوب هذا، فالمتنازعون متفقون على وجوب اختيار الحق في ذلك؛ لأن تغييب الحق وإزالته بسبب وجود خلافٍ فيه معنى فاسد لا تقبله العقول الصحيحة والفطرة المستقيمة. فإن وهذا المعنى العقلي مدرك بداهة حتى فيما يتعلق بمعيشة الناس وحياتهم: الناس يختلفون في أمور كثيرة، ويتنازعون في قضايا مختلفة، والحكَم بينهم عند النزاع هو البحث عن الحجة والبرهان والدليل الموصل إلى الحق، لا تجد أحداً يستدل على وجود خلاف في أمرٍ على إلغاء اعتباره، فإذا اختلفوا في حقٍ مالي معين ذهبوا إلى القضاء ليفصل بينهم ويحدد المالك الحقيقي، ولن يفكر أحد أن اختلافهم في ملكيته دليلٌ على الشك في وجود مالكٍ حقيقي له! وقل الأمر نفسه في كل شأن حياتي يتعلق بالإنسان، كزواج أو شراء سيارة أو بناء مسكن أو اختيار جامعة أو تخصص أو غير ذلك، فإذا استشار الشخص الناس واختلفوا عليه في هذه الملفات سعى للتوصل إلى الخيار الذي يكون أقرب إلى الحق والصواب. وهذا المعنى العقلي، الذي يسهل إدراكه هنا، يدركه أيضاً أصحاب هذه المقولة أنفسهم، فهم لا يستعملون الخلاف لإسقاط حجية الأصل إلا مع الشريعة فقط، وإلا فهم مدركون أن الخلاف موجود في الاتجاهات والمذاهب الفكرية، فلو طبقوا قاعدتهم النظرية هذه لسقط الاعتبار لكل هذه المفاهيم، ولن يبقى في أيدينا حرية ولا عدالة ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسانٍ، ولا أي شيء آخر، لأن الخلاف واقع في هذه لكنهم يدركون أن وقوع الخلاف لا يزيل حقيقتين قطعيتين بدهيتين:المفاهيم جميعاً،

عدد الصفحات ٢١٠

210 الشريعة على فهم مَنْ؟ أن ثم قدراً مشتركاً متفقاً عليه ليس محلَّ خلاف الحقيقة الأولى: أن الحكَم عند الخلاف إلى الحجة والدليل الموصل إلى الحق، الحقيقة الثانية: ولا يلغي الخلافُ وجودَ الحق نفسه. إذاً، قول القائل: (الشريعة على فهم من؟) اعتراض قائم على خاطر ضعيف لا يمكن أن يصمد أمام نظر عقلي صحيح. يبقى السؤال المشروع في: كيفية التعامل مع الاختلاف الموجود في مفهوم الشريعة؟ فسؤال (الشريعة على فهم من؟) لا يسيغ إسقاط مرجعية الشريعة، ولا يُجوّز ترك الدعوة إلى تحكيمها، أو إلزام الجميع بها، وخضوع الناس لها. إنما يقتضي الإجابة عن كيفية التعامل مع هذه الاختلافات للوصول إلى الحق. وهذا سؤال مشروع، والجواب عنه ببيان أربع قواعد: القاعدة الأولى: أن أحكام الشريعة على درجات في مرتبة الجزم بها: وهي التي دلت عليها دلائل ظاهرة بيّنة لا المرتبة الأولى: الأحكام القطعية: يشك فيها من عرفها، فإذا كان العلم بها شائعاً بين طبقات المسلمين جميعاً، فهي من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، كاعتقاد وجوب الصلاة، والزكاة، وتحريم الزنا، والخمر. أما إن كانت تخفى على كثير من المسلمين، ككثير من موارد الإجماع بين العلماء، فالجهل بها لا ينزع عنها وصف القطعية، لظهور أدلتها وإحكامها، ككثير من أحكام العبادات والبيوع والمواريث وغير ذلك. وهي التي دلت عليها دلائل لكنها لم تصل إلى حد المرتبة الثانية: الأحكام الظنية:

عدد الصفحات ٢١١

211 الشريعة على فهم مَنْ؟ القطع، وهذه الأحكام قد تكون محل إجماع بين العلماء، فإجماعهم يرفع مشروعية الخلاف فيها، وقد لا تكون كذلك بل مسائل خلافية، فإن كان الخلاف معتبراً فهو الداخل في الاجتهاد السائغ، وإلا كان خلافاً غير معتبر وغير سائغ. إذا تبيّن هذا، فالدعوة إلى الشريعة يجب أن تستحضر هذه المراتب، فالخلاف واقع في بعض الدرجة الثانية فقط، وهو ما لم تقم عليه أدلة قطعية ولم يكن موضع إجماع، ولهذا فمبدأ تحكيم الشريعة هو في الحقيقة من الدرجة القطعية التي ليس فيها أي خلاف، فسؤال (على فهم من؟) يجب أن يكون واعياً أن اختلاف الأفهام في الشريعة لا يؤثر على التسليم لهذا المبدأ المحكم، إذ هو محلٌّ متفقٌ عليه، فحتى لو خفي عليه بعض الأحكام التفصيلية، أو لم يعرف الجواب عن كيفية تطبيق الشريعة في بعض القضايا؛ فيجب أن يحافظ على مبدأ تحكيم الشريعة فلا ينقضه لاحتمال سؤال لم يحسن الجواب عنه، وهذه قضية منهجية ضرورية يجب العناية بها، فلا يكون التشكيك في جزئيات معينة سبباً لنقض أصول محكمة. القاعدة الثانية: وجود منهج موضوعي للتعامل مع الخلاف داخل الشريعة: فوجود خلافٍ في الأحكام الشرعية لا يعني أن كل خلاف مقبول، بل ثم منهجية علمية موضوعية منضبطة يجب الانطلاق منها في النظر في أحكام الشريعة، وهذه المنهجية متفقٌ عليها وليست محل خلاف، فوجود خلافٍ لا يعني أن كل نظر مخالف معتبر شرعاً، بل لا بد من سلوك المنهج المعتبر في النظر وتوليد الأقوال، وهو منهج الاجتهاد الشرعي القائم على العلم بالكتاب والسنة، ومعرفة الواقع، ومعرفة مقاصد الشريعة ومآلات تطبيق الأحكام. فأي فهم لا يسير على منهج موضوعي لا يعتد بخلافه لمجرد أنه قد خالف.

عدد الصفحات ٢١٢