المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٢ من ٢٢

180 الإسلام يدعو إلى الحرية في قائمة تطول من قبائح المنافقين، والتي تجد شواهدها حاضرة وموثقةً في القرآن الكريم، تكشف عن لؤم المنافقين وخسّتهم، وشدة خطرهم على المؤمنين. فهل يتصور عاقلٌ حقّاً أن الشريعة الإسلامية جاءت بالمحافظة على مثل هذه الانتهاكات الصارخة بصيانة حق أصحابها في فعلها؟! وهل يظن أن المجتمع الإسلامي يمكن أن يتحمل مثل هذه الممارسات فعلاً، ويحمي أصحابها؟! بل هل يتصور أن يتمكن مجتمع ما، مهما كانت مرجعيته أن يتحمل بعض هذه الممارسات ويصون حق أصحابها في الإقدام عليها؟! وهل التحريض والتأليب يمكن أن يكون متقبلاً، بل محميّاً في أي تجمع بشري؟! مثل هذا اللازم كافٍ في الكشف عن عمق الغلط في هذا الاستدلال، ثم نزيد البيان توضيحاً فنقول: أصل المشكلة التي وقع فيها صاحب الشبهة هنا عدم تفريقه بين حالين من أحوال المنافقين: (حالهم في مجتمعهم الخاص المغلق، وحالهم في المجتمع العام المفتوح)؛ فللمنافقين حالٌ في السر تخالف حالهم في العلن، وإنما نشأت المشكلة حين خلط صاحبنا بين الحالين وصيرهم حالةً واحدة. فالمنافقون أقدموا على عامة هذه الاعتداءات في السر دون العلن، وهذا هو الظن بهم، إذ كانوا منافقين، إذ النفاق إظهار الإسلام مع استبطان الكفر، وإنما علمنا باعتداءاتهم المخفية هذه بإخبار الله تعالى الذي يعلم الغيب وما تحفي الصدور، ولو كان في مقدور المنافقين أن يعلنوا موقفهم صراحةً لما كان لهم مبرر في أن يكونوا منافقين، وإنما اضطروا إلى ممارسة هذا الدور السيئ في الخفاء، لأنه يُعَدُّ من الممنوعات المحظورة في العلن، وهي محل محاسبة.

عدد الصفحات ١٨١

181 الإسلام يدعو إلى الحرية وحتى تدرك مساحة الحريّة المتاحة للمنافقين حقّاً في زمن النبوة، استحضر هذه اللقطة من لقطات النفاق في زمن النبوة: عن زيد بن أرقم، قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز ، فدعاني فحدثته، فأرسل منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما  { ومقتك؟ فأنزل الله تعالىأردت إلى أن كذبك رسول الله .(1( فقرأ فقال فبعث إلي النبي.[ مختلف الأطراف المتعلقة بالواقعة، وحقق معها، فتأمل كيف جمع النبي فاضطر هذا المنافق لأن يحلف بأغلظ الأيمان أنّه لم يسبق له أن قال هذه الكلمة، وهي كلمة قالها في مجلس مختصر يضمّ أقاربه وأصفياءه ولم يشهد عليه بها إلا صحابي واحد لم يتجاوز سنّ البلوغ بعد! عالماً بها بإخبار الله  بهذه الجرائم ما دامفإن قيل: فلماذا لم يؤاخذهم النبي تعالى له؟ يؤاخذ الناس إلا بمقتضى ظواهرهم، أما البواطن وما فيقال: لم يكن النبي يدور في الخفاء فأمره إلى الله تعالى، وهذه الصنائع الواقعة في السر، وإن كانت مُجرَّمَةً، لكنها لا تكون بمجرد ذلك مستوجبةً للعقوبة بحسب ما تقتضيه الشريعة ما لم تقم البينة الشرعية الموجبة للمعاقبة. متفق عليه.(1(

عدد الصفحات ١٨٢

182 الإسلام يدعو إلى الحرية لبعض المال وقال له: يا رسولولذا، حين اعترض رجلٌ على قسمة النبي الله اتق الله! وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال « :في قلبه. قال رسول الله .(1(بطونهم تحسس بواطن النفوس، أو التجسس على بواطن فلم يكن من شأن النبي البيوت، وهو معنى ظاهر عند أهل العلم، قال الإمام الشافعي في كتابه الأم .(2( أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهررسول الله فالمنافقون وإن علمت خفاياهم بالوحي، وظهرت أمارات نفاقهم، لكنهم لمّا كانوا مظهرين للإسلام، ولم تثبت صنائعهم السيئة بالبينات الشرعية، لم يحاسبهم عليها، بل عاملهم بحسب الظاهر، وأوكل سرائرهم إلى الله تعالى.النبي وقد يقول قائل: ولكن يعكر صفو هذا ما رُصد للمنافقين من مواقف علنية تتضمن بمقتضى ما أظهروه؟بعض المطاعن والقبائح، فلماذا لم يؤاخذهم النبي فيقال: صدور ما يوجب المؤاخذة الدينية من المنافقين كان على صور عدة، هي: - مخالفات وقعت في السر، وهذا هو الغالب. ، وهذه المخالفات إما:- مخالفات وصل خبرها إلى النبي بالظاهر وتركهم. أنهم أنكروها فعاملهم النبي• منهم. وإما أنهم أقروا بها وأعلنوا توبتهم منها فقبل رسول الله• متفق عليه.(1( .(11/٥ الأم للشافعي ((2(

عدد الصفحات ١٨٣

183 الإسلام يدعو إلى الحرية أو ثبتت عنده بوسائل الإثبات الشرعية التي لا ينفع معها الإنكار، أو التوبة، بل• الحدّ كما أمر الله. تستوجب العقاب، فأقام عليهم أو ترك الأمر لمعارضٍ راجحٍ. • فموضع الشبهة هنا هو في هذا القسم الأخير فقط، وهي الجناية الواقعة من أهل معاقبة أهلها، والذي يرفع الإشكال كلمة النفاق والتي ثبتت بالبينات فترك النبي (لمعارض راجح). إذ حقيقة الشبهة تعلق بمجرد الترك النبوي لجعل المخالفة محلَّ إقرار، وشتان بين أن يكون الترك خروجاً عن الأصل الشرعي لمعارض راجح، وأن يكون الترك بقاءً على أصل المشروعية والإباحة. معاقبة المنافقين في هذه الصورة لوجود مصلحة راجحة، أو فترك النبي دفعاً لمفسدة غالبة، لا يحيل الأمر ليكون أمراً طبيعياً ومقبولاً، بل محمياً بقوة الشرع، بل هي عند التأمل تدل على العكس، إذ تركه للمعاقبة لمثل هذه الاعتبارات يكشف أنها محلٌّ للمؤاخذة من جهة الأصل، وإنما انتقل عن الأصل استثناءً لعلة، فمن الخطأ البيّن جعل الاستثناء أصلاً، والأصل استثناءً، فغاية ما في الأمر إسقاط العقوبة عنهم، وإسقاط العقوبة عن واقعة معينة لا يعني أن الفعل قد أصبح مباحاً، ولا تجريم فيه. في قال ابن تيمية موضحاً هذا المعنى ومنبهاً إلى الاعتبارات التي راعاها النبي هذا فقال التي يعلمه بها الخاص والعام، أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام وارتداد آخرين عنه، وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على

عدد الصفحات ١٨٤

184 الإسلام يدعو إلى الحرية فساد ترك قتل منافق، وهذان المعنيان حكمهما باقٍ إلى يومنا هذا إلا في شيء واحد، ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك وهو أنه .(1(فهذا منتف اليوم والحقيقة أن هذا الاستدلال الفاسد إنما وقع بسبب القراءة التبعيضية للوحي، حيث قام المستدل باستعمال بعض النصوص لغرضه، معرضاً عن دلالتها الحقة، ومعرضاً عن دلالة غيرها من النصوص. ولذا؛ فمن استوعب النظر في نصوص الوحي في هذه المسألة الخطيرة وجدها على طرف الضد من هذا التصوير لحال المنافقين في مجتمع المدينة، فلو كان بقتل كعب بن المنافقون يعيشون هذا الفضاء الواسع من الحريات، لما أمر النبي ، ثم أريق دم ابن أبي الحقيق، الأشرف بسبب ما كان يظهره من تغزّل بنساء النبيّ أفيراق دم الكافر البعيد لأجل شتمه الرسول عليه الصلاة والسلام ويترك المنافق لا يمس بشيء؟! أوَتحسِب أن الصحابة الذي يتقلّب بين ظهراني أصحاب محمد ويتركون يتخطّفون قادة الكفر المتحصّنين خارج أسوار المدينة لشتمهم الرسول المنافقين في المدينة يسخرون ويمرحون!! ولهذا، فعامة من يستدل بحرية المنافقين لا يتنبه إلى ما يترتب عليه من اللوازم جهاراً نهاراً الشنيعة، التي يقف على رأسها كفالة النظام حق من يطعن في النبي بين المسلمين، ووجوب أن يحفظ المسلمون هذا الحق في الطعن في نبيهم، فإذا تجاوزت السلطة وأرادت معاقبته وجبت نصرته ورفع الظلم عنه، فهذا قول لا نعرف أحداً ذا عقل يصرح بمثله، مع أن هذا هو معنى استدلال المقام هنا. (.3/3 الصارم المسلول لابن تيمية(1(

عدد الصفحات ١٨٥

185 الإسلام يدعو إلى الحرية وإدراك هذا في الحقيقة كافٍ لاكتشاف خطأ هذه العملية الاستدلالية لتقرير مبدأ الحرية، وحجم الورطة بتبنيها، إذ هي تؤول إلى لوازم قبيحة، وإلى إلغاء عشرات النصوص المحكمة. أنه لا إشكال في الدعوة إلى الحرية، ولا في نسبة هذه الدعوة خلاصة الأمر للإسلام، متى استبان المقصود بالحرية، وأنها لا تمثل خروجاً عن أحكامه وحدوده، بل هي في هذه الحال دعوةٌ مشروعةٌ مطلوبة. وإنما المشكلة هي في توظيف مرجعية أجنبية لرسم حدوده وإدراك مضامينه ثم الاحتكام إلى مرجعية الإسلام لاستخراج حججه ودلائله. والخلط بين مرجعيتين متباينتين وتحميل إحداهما مسؤولية بناء التصور والأخرى بناء الدليل، هو تخبط منهجي ظاهر، حيث تبنّى المنحرفون تصور الحرية الليبرالية تحت ضغط هيمنة نموذجها الثقافي، ثم سعوا لقسر الأدلة الشرعية لإنتاجه، فوقعوا في ألوان من التحريف المعاصر للوحي، والواجب السعي لفهم الشريعة بأدلتها كما هي بعيداً عن ضغط أي ثقافة أجنبية عنها.

عدد الصفحات ١٨٦

186 ) الإلزام بأحكام الإسلام يُورِث النفاق 20( من المقولات التي يتبناها كثير من المتأثرين بمفهوم الحرية الليبرالية، ويستخدمونها أداة إلزامية لمن يرى مصادمة هذا المفهوم للإسلام؛ استدعاء فكرة أن الإلزام يولد النفاق. وقد يستعملون في التعبير عن هذه الفكرة تعبيرات متنوعة كقولهم: الإكراه على أحكام الشريعة سيورث النفاق، أو لا فائدة من تدين واقع تحت سلطة الإلزام والفرض، أو لا بد من تخلية الساحة من الإلزام الديني ليظهر الصادق من المنافق، وغيرها من التعبيرات التي تستبطن أن كل إلزام مستندٍ إلى مسوغ ديني سيفرز تمدداً واسعاً للنفاق المجتمعي، إذ الالتزام بما فُرض من أحكام الشريعة لا يكون عن قناعة ذاتية، بل لمجرد حماية النفس من النظام، وهو أمر لا فائدة من مثله، ولا يمثل حكمة الشرع في التكليف؛ فالالتزام الديني مبني على إيمان القلب وقناعة النفس، وهو أمر غير قابل للإكراه. ومن ثم فالمطلوب هو الاقتصار على غرس القيم الإيمانية وتعزيز انتماء الناس لدينهم وهويتهم، والاجتهاد في نصحهم ووعظهم حتى يقوموا بالدين من ذات أنفسهم دون فرض أو إلزام. هذه المقولة الشائعة مبنية على ثلاثة أركان أساسية: أن الدين في لبه وحقيقته مجرد إيمان القلب، وهو أمر لا يتعلق الركن الأول: به إكراه كما هو واضح، فالإكراه إنما يتعلق بظاهر الإنسان، أما باطنه فليس هناك من سبيل إلى الإكراه فيه، ولذا اتفق العلماء على أن الإكراه على الكفر عذر مانع من إيقاع حكم التكفير على صاحبه، لكنهم مع ذلك مجمعون على أنه إن أظهر الكفر تحت

عدد الصفحات ١٨٧

187 الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق وطأة الإكراه، فلا يسوغ له بحال أن يكفر في باطنه وهذا التصور لحقيقة التدين والإيمان يمكن تصوره وفق المفهوم العلماني الذي يختزل الدين في العلاقة الروحية بين العبد وربه، لكن هل يمكن أن يقال الأمر نفسه في طبيعة الدين في التصور الإسلامي؟ فالإيمان المعتبر في الشريعة أولاً ليس أمراً محصوراً في الإيمان القلبي، بل الإيمان على الصحيح قول وعمل، فالإلزام الخارجي وإن لم يكن متعلقاً بالضرورة بالإيمان القلبي، لكن يمكن تصور وقوعه على ظاهر الإنسان وهو ما يصدر منه من أقوال وأفعال. ولا يعكر صفو هذا التصور حقيقة أن التدين القلبي لا إكراه فيه، وأنه ليس مطلوب منَّا شرعاً أن نشق عن قلوب الناس لاستكشاف ما فيها، فضلاً عن كونه غير مقدور، فإن الإكراه في المنع من حرية الردة هو ليس إكراهاً لإحداث الإيمان في قلب المرتد، وإن كنا نسعى في ذلك لاستتابته ثلاثاً ومحاورته لإقناعه، لكن هذا الإكراه والمنع من الردة هو إلزام بأحكام الإسلام الظاهرة أن لا يتجاوزها، ومنها أن لا يجهر برفض الإسلام علناً. أنه لا أثر للإلزام في إحداث القناعات، فهو يقول إذا فرضتَ الشيء الركن الثاني: وألزمتَ به سيلتزم به الناس نفاقاً ولن يصل لعمق قلوبهم، ولن تتشكل في نفوسهم قناعة بما فرض عليهم، فهو يتصور أن القناعات لا تتأثر بالإلزام أو المنع. وهذا الكلام ينم عن سذاجة كبيرة في فهم الواقع وفقه طبائع الناس، فالإلزام والمنع له أثر كبير في التأثير على قناعات الناس وسلوكهم، فإذا سمح أي نظام ببيع الخمور في البلد فإن هذا مؤثر في انتشار شرب الخمور بين الناس، ومحبة الكثير لها، وقناعتهم بها، وحين تمنع الخمور فإن أثر المنع سيكون قوياً أيضاً في الحد من هذه الظاهرة، ومحاصرة القناعات السلبية بها، وهذا شيء بدهي.

عدد الصفحات ١٨٨

188 الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق ولهذا، لا تجد من يورد مثل هذا الاعتراض إذا كان الأمر متعلقاً بمظاهر الإلزام في القوانين المعاصرة المنظمة لجميع مناحي الحياة، لن تجد عاقلاً يقول: إن الإلزام بأنظمة المرور لا ثمرة له لأنه يحول الناس إلى مجموعة منافقين، يلتزمون بالنظام دون قناعة به! بل الجميع يدرك أهمية الإلزام بمثل هذه التشريعات وما تحققه من مصالح ومكتسبات، وأنها في الواقع توسع دائرة القناعة بها. وقل الأمر نفسه فيما يعود بالضرر على أبدان الناس وأرواحهم، هل يصح أن يعترض شخص على منع بيع المخدرات والسموم الضارة بذريعة أنها ستحول المجتمع إلى منافقين يمتنعون منها خوفاً من النظام، أم أن الواقع يشهد بأهمية الالتزام والإلزام بمثل هذه التشريعات، وأن في المنع منها تضييقاً كبيراً جداً لهذه الممنوعات، ودفعاً لمفاسد عظيمة عن المجتمع؟ وقل مثل ذلك في بقية الأحكام، فمنع الفواحش والخمور يضيقها، ويحمي المجتمع من ضررها، فلا فرق بين هذه الأحكام وبين بقية الأمور التي يتقبلها الناس. فالإشكال في حقيقة الأمر ليس عائداً إلى مبدأ الإلزام، وإنما في المرجعية التي يتكئ عليها الإلزام، فإذا كانت المرجعية دينية وقعت الشبهة عند بعضهم بأن هذا سيورث نفاقاً، فإذا ما تجرد الإلزام عن مرجعية الدين، وكان الإلزام واقعاً بالنظام والقانون، لم يخطر هذا الإشكال على البال. أن فرض الأحكام يورث النفاق بأن يفعلها الناس سراً، وهذا تقرير الركن الثالث: من لم يفهم حقيقة النفاق، أو قل انحصر تصوره لمفهوم النفاق في إطار مصطلح شعبي أجنبي عن النفاق في لسان الشريعة، فالنفاق في التصور الشرعي هو إظهار للإيمان وإخفاء للكفر، ولا علاقة لهذا بالإلزام بأحكام الإسلام، لأن من يلتزم بحكم الإسلام ظاهراً لا يقال عنه إنه منافق، ومن يترك الجرائم خوفاً من العقاب لا يقال عنه

عدد الصفحات ١٨٩

189 الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق منافق، ومن يفعل المعاصي سراً لا يقال عنه منافق، فالاعتراض مبني على فهم خاطئ لحقيقة النفاق شرعاً. بل يمكننا القول: إن منع حرية الردة هو الذي يمنع تمدد النفاق في المجتمع وانتشاره، وأن السماح للحرية هنا هو الذي يغذي نزعة النفاق؛ لأن نشر الشبهات الكفرية، وتحريض الناس على مخالفة الأصول والقطعيات، وإشاعة ما يشكك في ثوابت الدين، هو الذي يغذي نزعات النفاق، فمن يريد محاربة النفاق حقاً فليحارب أهم أسبابه وهو نشر ما يشكك في الدين ويطعن في أصوله، فهذه هي التي تتسبب في إنبات النفاق في قلوب المسلمين الذين كانوا في عافية منه، وأما منع هذه الحرية فهو يحفظ الإيمان في الناس. ولذا؛ فإن مشهد إقامة الشعائر، والواجبات، ومنع المحرمات، هو مشهد يغذي ، ويزيدهم إيماناً، ويقوي قلوبهم على في قلوب المسلمين حب الله وحب رسوله الطاعة، ويساعدهم على الخير؛ وهذا كله يحاصر النفاق في المجتمع، بينما يقوى النفاق في النفوس حين تضعف مثل هذه الشعائر وتنتشر الطعون والتشكيك ويضعف دين الناس، فيسهل حينها غرس منابت النفاق. ومن الطبيعي أن تظل للنفاق جيوبه في المجتمع مع إظهار الشرائع وإقامة الحدود ومنع الردة، وهو لا يضر، إذ جيوب النفاق لا تظهر أساساً إلا في حال قوة الإسلام، فالنفاق لم يكن موجوداً في مكة لما كان المسلمون مستضعفين، وإنما وجد في المدينة بعد غزوة بدر، فظهر النفاق لحاجتهم إلى مداهنة المسلمين الأقوياء، فالذي لم يتفطن له صاحب هذه المقولة أن النفاق يظهر في حال قوة المسلمين، بمعنى أن وجود النفاق سيأتي في حال القوة والعزة والتمكين، فلن ينقطع النفاق ما دام في المسلمين قوة وعزة وتمكين، وإنما ينقطع في حال ذهاب روحهم وولايتهم،

عدد الصفحات ١٩٠

190 الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق فالتفكير الصحيح أن تعزز قوة المسلمين وتقوي تطبيق أحكام دينهم ولو ترتب على ذلك وجود منافقين، لأن هذه نتيجة لقوة الإسلام، لا أن تضعف من أحكام المسلمين وتوهن من اعتزازهم بدينهم حتى يزول النفاق لزوال سببه وهو قوة المسلمين! أن مقولة الإلزام يولد النفاق مقولةٌ غير واقعية ولا سديدة، فإن مبدأ والمقصود الإلزام مبدأ معمول به في كل المجتمعات، ولا يخطر على البال لحظة إعماله مثل هذه الإشكالية، إنما تطرأ الإشكالية فقط متى كان الإلزام لاعتبار ديني، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في قضية الإلزام من حيث هو، وإنما في السبب الموجب له، فإن كان السبب شأناً دينياً كان مذموماً ومولداً للنفاق، أما إن كان لاعتبارات أخرى فهو مشروع مطلوب، وتترتب عليه مصالح لا يمكن التنازل عنها.

عدد الصفحات ١٩١

191 ) لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة21( من المقولات الفكرية الرائجة على كثير من الألسنة قولهم: الحقيقة نسبية، أو لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، أو أن الحق ليس حكراً على أحد، ونحو ذلك من عبارات تكشف عن رؤية سيّالة تلغي وجود معيار ثابت يتميز من خلاله الحق عن الباطل أو الصواب من الخطأ، فما هو حق عندك لا يلزم أن يكون حقاً عند غيرك، ولا أن يكون حقاً في الأمر نفسه، والعكس بالعكس، وعليه؛ فلا يصح مصادرة آراء الآخرين أو الجزم بخطئهم، فالحق في النهاية نسبي، وهي وجهات نظر ليس إلا. وليس الإشكال هنا في مسائل محدودة أو قضايا معينة تدخل في إطار الاجتهاد، أو الظن، فالقول بنسبية الحقيقة في مثل هذه الأمور الظنية الاجتهادية، والتي يصح في مثلها قول الإمام الشافعي الصواب الناس له. إنما الإشكال في الإطلاق الذي تدعيه هذه الكلمة، والتي يلزم من طردها سلب المحكمات والقطعيات الدينية وصفها، وهو معنى مقصود عند بعض من يطلق هذه المقولة، وربما سلب سائر المحكمات الداخلة في نطاق المعرفة البشرية وصف الإحكام. وما من شك في أن هذه الرؤية السيّالة للحقيقة مخالفة لمحكمات الوحي وقطعيات الشريعة، فالشريعة تقرر بوضوح وجود حزمة من المحكمات التي لا تقبل المنازعة، وترى فيها حقاً مطلقاً يجب اعتقاده، في مقابل بطلان ما يضادها من مبادئ ومعتقدات.

عدد الصفحات ١٩٢

192 لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة وهو أمر يمكن تلمسه في عدد كبير من التقريرات القرآنية، كقول الله تعالى [{ {[ {وكقوله [ إلَْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْـحَقُّ مُصَدِّقًا لِّـمَا بَينَْ يَدَيْهِ {حق، والقرآن حق، والله هو الحق المبين [ والقول بالنسبية المطلقة يؤول في الحقيقة إلى المساواة بين مسائل الشريعة جميعاً وإلحاق قطعياتها برتبة الظنيات، وهو ما ينزع عن أركان الإيمان والإسلام وأصول الدين وصف القطعية الذي تتمتع به، وتجعل مسائل الشريعة جميعاً مسائل خلافية يسوغ فيها الخلاف، مهما كانت أدلة تلك المسائل قطعية، ومهما وقع لها من إجماع بيّن قطعي. وهو على خلاف ما تسعى الشريعة بداهةً لتقريره في محكماتها، فهي تتطلب أن {يكون المرء فيها مستيقناً غير مرتاب، قال الله تعالى فَاسْئَلِ الَِّينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْـحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْـمُمْتَِينَ [ ودعوى النسبية المطلقة في الحقيقة معارضة أيضاً للبداهة العقلية، إذ إن إنكار المطلق، والإيمان بالنسبي، سيؤدي حتماً إلى انتفاء الصواب والخطأ الموضوعي من الوجود، فإن ما كان صواباً عند شخص قد يكون خطأ عند آخر، وما كان حسناً جميلاً عند جماعة يمكن أن يكون سيئاً قبيحاً عند آخرين، فبناء على القول بالنسبية يمكن أن يكون الاعتداء على الضعفاء وظلمهم، وقتل الأطفال وجعل أجسادهم وقوداً للطبخ وكل ما تتصوره من القبائح، أموراً حسنة. وإن قال لك من يتبنى النسبية المطلقة: لكنها

عدد الصفحات ١٩٣

193 لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة قبيحة عندي.. فهذا لا يدفع الشناعة، إذ هو بقوله بالنسبية لا يستطيع الجزم بقبحها في الأمر نفسه، ولسان حاله هنا أن يقول: قولي بأنها قبيح يحتمل الخطأ، وقول غيري بحسنها يحتمل الصواب. وهو تقرير قبيح كما ترى. بل إن القول بنسبية الحقيقة مع مخالفته للعقل الصريح ومقتضى الفطرة، فإنه يفتح باب السفسطة على مصراعيه، فإن الضروريات العقلية لا يصح أن تكون موضعاً للنسبية؛ فمبدأ السببية العامة، والذي يقول بأن لكل أمر حادث سبب، قاعدة مطلقة لا تدخلها النسبية، ومدعي النسبية يلزمه ادعاء إمكان أن يحدث شيء من لا شيء، وهي سفسطة وتنكر للبداهة العقلية، وقل الأمر نفسه في مبدأ عدم التناقض، فمن الممتنع المستحيل عقلاً أن يوجد جسم متحرك وساكن في الوقت نفسه، فمن قال بنسبية هذه الحقيقة لزمه تجويز وقوع مثل هذا، وهي سفسطة ظاهرة. ويمكن إبطال قول القائل بنسبية الحقيقة بنفس قاعدة هذه النسبية بطريقة سهلة جداً، بأن يقال له: هذا القول نفسه هل هو حقيقة مطلقة أم هي قضية نسبية؟ فإن قال: هي حقيقة مطلقة نقض دعواه، فاعترف بأن الحقيقة ليست نسبية دائماً. وإن قال: هي نسبية نقض دعواه أيضاً، فما دامت نسبية فلا معنى أن يتعامل معها كحقيقة مطلقة. ولمزيد توضيح فإن القائل بالنسبية لا يخلو حاله من أحد خيارين: أن يجعل باب النسبية مفتوحاً دون ضبطه بأي ضوابط أو حدود، ويلزم الأول: عنه إمكان جعل الباطل حقاً، والرذيلة أمراً شريفاً. أن يجعل للنسبية ضوابط وحدوداً، فينقض بذلك دعواه بأن النسبية مطلقة، الثاني: وصار مصرحاً بأن هناك حدوداً ومجالات لا يصح دخول النسبية إليها. وإقرار الشخص بوجود ضوابط وحدود للنسبية هو براءة من التصور السيَّال للنسبية، وهو مهم جداً، فمع إدراكنا أن عامة من يطلق القول بنسبية الحقيقة لا يستحضر

عدد الصفحات ١٩٤

194 لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة بالضرورة ما يترتب على إطلاق هذا القول من لوازم فاسدة، فضلاً عن أن يتبنى بجدية رؤية الاتجاه الشكي الذي يذكر عادة في أبحاث الإبستمولوجيا ونظرية المعرفة تحت سؤال يقينية المعرفة. فإن أكثر من يستعملون هذه العبارة يوظفونها في مساحات معينة، وهو ما يستوجب معالجة هذه العبارة وبيان وجه فسادها، وانتزاع اعتراف قائلها بأنه لا يتبنى حقيقتها الكاملة، ولا يعتقد اطرادها في كل مجال، وهي عودة منه إلى أرضية مشتركة تعترف بوجود قيم مطلقة، وهو ما يمكننا من المحاورة والبحث والنقاش في تلك المساحات المختلف فيها بعيداً عن هذا الوهم الفاسد الذي يمكن أن تخلفه هذه المقولة، بأنه لا داعي للدخول التفصيلي في مناقشة هذه المسائل إذ الحق نسبي فيها. فاستبانة فساد هذه المقولة يستلزم من صاحبها الانحياز إلى موقف عقلاني يقر بوجود قطعيات وضرورات تمثل حقائق مطلقة، فيقع البحث والمجادلة للتعرف إليها، وإلى ما يمكن أن يكون نسبياً من المعارف والعلوم وفقَ معيارٍ حاكمٍ يحدد في ضوئه ما هو حق وما هو باطل. وقد يقع الاختلاف في طبيعة هذا المعيار الحاكم، أو صواب الرجوع إليه في محاكمة التصورات والأفكار، وتحديد مساحات الإحكام والتشابه فيها، والأمر في تحديد الصواب والخطأ هنا يعود بطبيعة الحال إلى الأدلة في الموضوع، ومدى قوتها، وتضافرها، ووجود ما يعارضها، فمن مجموع ذلك تتضح القطعيات التي لا تحتمل النسبية، والمسائل التي تحتمل النسبية.

عدد الصفحات ١٩٥

195 ) حيثما كان العدل فثمَّ شرع ا 22( من القيم الخلقية المتفق على حسنها: قيمة العدل، فالعدل مما اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول، وما من أمة أو أهل ملة إلا وهم يرون للعدل مقامه، وإنما الاختلاف والارتباك في تحرير مضامين العدل الداخلية. فالعقل وإن أمكن أن يُدرك كثيراً من مقامات العدل والظلم ويحسن في التمييز بينها، فقد يقع له الاشتباه في كثير من المواطن أيضاً، ومن تمام رحمة الله تعالى بنا أن أنزل إلينا الوحي للكشف والتمييز في مقامات الاشتباه. ومكمن الفساد المتوهم من مقولة (حيثما كان العدل أو المصلحة فثم شرع الله) قائم على دعوى الانفكاك بين إدراك أحكام الشريعة التفصيلية وقيمة العدل أو المصلحة، بحيث يتوهم بعض الناس أن العدل قد يكون مخالفاً لحكم شرعي فيجب أن يؤخذ بالعدل وترد الشريعة، أو يتوهم أن العدل هو الذي يدلنا على حكم الشريعة في المسألة بعيداً عن النظر في حكم الشريعة في المسألة، أو لا يقبل الشخص من الشريعة إلا ما يراه عدلاً. والحق أن للشرع؛ فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع، ولكن كثيراً من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع؛ بل يقولون ذلك إما جهلاً وإما غلطاً وإما عمداً وافتراءً، وهذا هو الشرع المبدل الذي يستحق أصحابه العقوبة؛ ليس هو الشرع المنزل الذي جاء به جبريل من عند الله إلى خاتم المرسلين، {فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل، قال تعالى { وقال تعالى.[ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللََّ يُِبُّ الْـمُقْسِطِينَ

عدد الصفحات ١٩٦