المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١١ من ٢٢

164 يحفظون ولا يفهمون ومما يكشف لك هذا ما وضعه الأئمة من قواعد تكشف عن الحديث الموضوع بأمارات تستبان من متنه، كما صنع الإمام ابن القيم في كتابه المنار المنيف، حيث جمع عدداً من القواعد التي تمكن الناظر فيها من معرفة الكذب في الرواية من خلال ملاحظة المتون الحديثية فقط، كـ: (اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها )، أو: (تكذيب الحس له)، أو: (ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها، رسول الله بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن)... إلى غيرها من المعالم التي أوردها في كتابه. وهذه الأصول إنما يحسن تفعيلها وتطبيقها أهل العلم، لا أولئك الذين لا يحسنون الفرق بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي، وليس عندهم ذوق شرعي أو لغوي يدركون من خلاله ركة اللفظ أو سماجته، أو تقع لهم أوهام المعارضة بين نص وآخر، فيتعجلون رده دون أن يُنعموا النظر في الحديث، ويعطوا البحث العلمي حقه. ومما ينبغي التأكيد عليه أن نقد الإسناد يمثل عند التحقيق الخطوة الأصعب في معرفة صحيح الرواية من ضعيفها؛ لأن الكشف عن وجود الغلط في المتن أمر ميسور مقارنة بكيفية إدراك الأغلاط الواقعة في الإسناد، فهو يمثل عملية شاقة، حيث يلزم الناظر أن ينظر في حال كل راوٍ على حدة، ودرجته من التوثيق، ثم ينظر في اتصال السند، وهل فيه انقطاع ظاهر أو خفي، ويتأمل ما وقع بين الرواة من صيغ التحمل والأداء، ثم يقارن نتائجه بأسانيد الحديث الأخرى، ليتأكد من سلامة الإسناد من الشذوذ والعلة، إلى غير ذلك من واجبات علمية مضنية. وفهم هذا يساعدك على معرفة سبب انحياز كثير من المعترضين على جهود المحدثين لمنطقة نقد الحديث من خلال متنه، دون أن يكون لهم أدنى نظرٍ في شأن الإسناد، وهو يعود في الغالب إلى عجز مطبق عن التخوض في هذا الباب، فيرقعون

عدد الصفحات ١٦٥

165 يحفظون ولا يفهمون عجزهم وجهلهم بتعظيم الكلام في شأن نقد المتون، والتهوين من شأن الحفظ ستراً على جهلهم. فإذا نظرنا بعد ذلك إلى جهودهم النقدية للمتون انكشف لنا نوع جديد من الجهل، فأقوالهم في هذا كثيراً ما تكشف عن هزال معرفي بإدراك سعة العربية، وطبيعة أحكام الشريعة، وما يصح أن يكون مكذبّاً بالعقل وما لا يصح. ولذا؛ فإنهم إن أصابوا في نقد متن الحديث وجدتهم مسبوقين من أئمة الحديث بتقديم ذلك النقد، وإن أخطؤوا أدركت بتأملٍ يسير حجم الجهل الذي أوقعهم في هذا الخطأ، وأنه يمكن دفع اعتراضاتهم بأجوبة كثيرة يمكن حمل الحديث عليها دون حاجة إلى الطعن فيه. وحتى تدرك أهمية دور الإسناد، فعلى وفق طريقة العناية بنقد المتون فقط يمكن ، وتجعل متنه الصحيح دليلاً على كونه حديثاً أن تنسب أي معنى صحيح للنبي صحيحاً، وأما مع العناية بالسند فأنت تتوثق من أن هذا المعنى الصحيح قد قاله النبي فعلاً. والمقصود هنا: التأكيد على أهمية العناية بشأن الإسناد وما يعترض الباحث فيه من مشاق إذا ما قورن بما يُحتاج إليه لمعرفة صدق الخبر من حيث هو، وهل يمكن أن يكون صدقاً أم لا. واعتبر هذا في شأن الأخبار عموماً، فالشق الأهم للتوثق من صحتها يكون بالنظر في طبيعة المخبر وصدقه وضبطه، فإذا اتسم صاحبه بالصدق والضبط فالغالب سلامة خبره، ويسهل على العقل بعد ذلك إدراك هل الخبر من حيث هو ممكن الوقوع أم لا، فمساحة وقوع ما يجزم العقل بكذبه هنا ضيقة بالمقارنة بالمساحة المتعلقة بإمكان وقوعه، وهو ما يؤكد فرق ما بين المساحتين في إدراك صحة المنقولات والروايات الشفهية.

عدد الصفحات ١٦٦

166 يحفظون ولا يفهمون والقصد أن اتهام علماء الإسلام بالعناية بمجرد الحفظ دون الفهم، هو من جنس الشائعات الفكرية التي يشيع تناقلها دون اشتغال حقيقي بعلوم الشريعة أو نظر في مصنفات أهل العلم، ولو حصل هذا لكان كافياً بذاته في بيان وهاء هذه الشبهة، وما تتضمنه من أغاليط.

عدد الصفحات ١٦٧

167 ) الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة18( تمثِّل الحرية حاجةً إنسانيةً ضرورية، وهي تستتبع ترك الناس وخياراتهم، وعدم فرض أمر عليهم، أو إلزامهم بما لا يريدون، فإذا كانوا مؤمنين بوجوب تطبيق الشريعة فسيكون ذلك خيارهم، وسيطبقونه فعلياً، وإن لم يؤمنوا به فلا سبيل لتطبيق الشريعة إلا عبر إرادتهم، ولذا فالواجب تحقيق الحرية أولاً، ثم يأتي تطبيق الشريعة لاحقاً. هذه المقولة لا يظهر منها للوهلة الأولى استهانة بمبدأ تطبيق الشريعة، ولا دعوة إلى إلغائه، بل ظاهرها أنها تطلب ذلك وتدعو إليه، لكنها تجعل الأمر متراخياً زمانياً بعد أن تتحقق حريات الناس، بذريعة عدم إمكانية تطبيق الشريعة كما أمر الله إلا بتحقيق هذه الحرية، إذ التكليف الشرعي تابع للإرادة، وهي مما لا يمكن أن يكون إلا بالحرية. هل الحرية التي تقدم هنا على تحكيم الشريعة هي حرية شرعية جاء وهنا نسأل: بها الإسلام وأقرها الوحي، أم هي حرية خارجة عن قيم الشريعة ومخالفة للإسلام؟ فإذا كان الجواب: بل هي جزء من الإسلام، والشريعة قد جاءت بها، فلا معنى إذاً لأن يقال: هي قبل تحكيم الشريعة، لأنها حينئذٍ من الشريعة نفسها، فكيف يقال هي قبل تحكيم الشريعة وهي جزء من تحكيم الشريعة؟! إن الأمر شبيه بقول أحدهم: جباية الزكاة وتوزيعها على الفقراء قبل تحكيم الشريعة، أو منع السرقة والاعتداء على الأعراض قبل تحكيم الشريعة، أو إقامة العدل بين الناس ومنع التظالم بينهم قبل تحكيم الشريعة؛ فهذه عبارات خاطئة تحتوي على تناقض داخلي، لأن هذه الأمور هي من الشريعة نفسها، فكيف يمكن أن تطبق قبلها؟!

عدد الصفحات ١٦٨

168 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة أما إن كان الجواب أن هذه الحرية حرية مخالفة للإسلام ومنافية للشرع، فهنا أن يجعل شيئاً مناقضاً للشرع نتعجب: كيف يقوى قلب المؤمن المسلِّم لله ورسوله مقدماً على تحكيمها، وهو يعلم أنه مخالف للشرع؟! ومن الذي أعطى الشرعية لهذا الأصل المناقض للإسلام ليكون مقدماً على تحكيم شريعة الله؟! وكيف يمكن أن يكون مدخل الطاعة الدعوة إلى ممارسة المعصية؟! هذه مقدمة مهمة جداً لفهم حقيقة الخلل الساري في مثل هذه المقولة، فهي مقولة مضللة تتلقفها الألسن، ولا تتفطن لما فيها من إشكال، وما تؤول إليه من لوازم فاسدة. فإذا دخلنا بعد هذه المقدمة لنحلل هذه المقولة، ونتعمق في مقاصد أصحابها، سنجد أنهم يقررون أن الحرية مقصد شرعي من أهم مقاصد الإسلام، ويسوقون في إثبات ذلك آيات وأحاديث كثيرة، وهذا يُظهر أن الحرية هنا هي جزء من الشريعة، وبناءً عليه فهذه المقولة خاطئة من الأساس ولا ينبغي أن تتردد على ألسنتهم؛ لأن الحرية عندهم جزء من الشريعة فلا معنى لأن تقدم عليها كما تقدم. لكن يبقى البحث في مسألة مهمة هنا، وهي فحص طبيعة هذه الحرية التي ينادون بها، وهل تمثل حقاً جزءاً من الشريعة؟ الحرية قيمة تتعلق بقدرة الإنسان على الاختيار بمحض مشيئته دون أن يمنعه من اختياره هذا مانع إلا ما كان واقعاً بسلطة القانون، والقانون الحاكم قد يكون قانوناً طبيعياً مادياً أو قوانين الحكم والسياسة، فأما القانون الطبيعي فهو سنن الله تعالى في هذا الكون، فالإنسان ليس حرّاً في اختراق عامة تلك السنن أو تجاوزها، بل هو محكوم بإطارها، وليس حرّاً في ممارسة ما يناقضها.

عدد الصفحات ١٦٩

169 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة وأما قوانين النظام السياسي الحاكم، فهو المجال الذي يتعلق به مثل هذا البحث أصالةً، وهو ما نسعى إلى فك الاشتباه بينه وبين فضاءات الحرية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأحكام الدين وتشريعاته، والتي تمثل النظام العام الذي يحكم الناس. فالإنسان - في الجملة - حرٌّ في ممارسة ما شاء من أفعال وتصرفات في ضوء هذه الحدود، وهو ما يكشف عن خرافة الحرية المطلقة، وأنه لا وجود لها، بل لا وجود لحرية إلا وهي مستندة إلى حدود وضوابط، وهنا يقع التباين الكبير بين الناس في تحديد هذه الحدود والضوابط، وذلك بحسب المرجعيات الحاكمة، فالمرجعية الليبرالية تضع حدوداً معينة للحرية تمنع من وقوع الضرر أو المساس بالأصول الليبرالية المركزية، وكذا المرجعية الاشتراكية تضع حدودها، والإسلام كذلك. وبناءً عليه؛ فالحرية التي هي جزء من الشريعة هي في الحقيقة حرية مقيدة بالشرع، فهي تمنح الإنسان ما أباحه الله له، وتمنع وقوع الظلم عليه، وتلزم بحفظ حقه، كما تمنعه من الوقوع فيما حرمه الله عليه، سواءً كان في هذا اعتداءً على الآخرين أم لم يكن فيه اعتداء. فإن كان الشخص سيُقدم الحرية وفق ميزان الشرع فقد أحسن وأجاد وحفظ دين الناس ودنياهم، لكن باستحضار أن هذه الحرية هي جزء من تحكيم الشريعة، وليست شيئاً مبايناً له، فهي غير قابلة بطبيعتها لأن تكون متقدمةً زمنياً على تطبيق الشريعة، بل الدعوة إليها في حقيقتها دعوة إلى تطبيق بعض الشريعة. أما إن لم تكن الحرية المنادى بها مضبوطةً بهذا الضابط فهو ما يكشف عن إشكال هذه الحرية التي يزعم أصحابها أنها من الإسلام، لكنها في الحقيقة ليست منه، إذ لم تلتزم بقيود الإسلام، وإنما جاءت مثقلةً بقيود الليبرالية، فهي حرية ليبرالية تتدثر بدعاوى الشريعة، ويزعم أصحابها أنها تمثل الحرية الشرعية، والتي تعد من مقاصد الشريعة.

عدد الصفحات ١٧٠

170 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة وتصور هذا الأمر هو ما يكشف عن أساس النزاع مع كثير من دعاة الحرية، فالنزاع ليس في الحرية من حيث هي، وإنما النزاع في المرجعية التي تحكمها، وفي الحدود المقيدة لها. فالحرية عند كثير من الناس بحكم غلبة المزاج الليبرالي المعاصر أضحت خاضعة لقيم هذا المزاج، وقد يمارس بعض الناس - بحسن نية أو سوئها - برهنة وتدليلاً على هذا النمط من الحرية بأدوات شرعية إسلامية، توهم الناظر والمتلقي أن الحرية المحتفى بها قيمة إسلامية، لكنك إذا دققت النظر فيها، وحاكمتها إلى مجموع الأدلة الشرعية، وقواعد الدين؛ وجدتها أجنبية في كثير من تفاصيلها عنها. فالحرية الليبرالية تقوم على ركيزتين أساسيتين: الحرية والفردانية، أو إن شئت اختصرتها في: الحرية الفردية، فالإنسان كفرد حرٌ في ممارسة كل ما يريد ما لم يضر، فما دام سالماً من الإضرار بغيره فلا ضير عليه أن يمارس ما شاء، فالحرية في هذا التصور هي التحرك في جميع المسارات التي يطمع فيها الإنسان، بشرط ألا يقع منه اعتداء على غيره بقتل، أو سرقة مال، أو غش في بيع، أو نحو ذلك، وما عدا ذلك فهي حرية شخصية لا يحق للنظام المنع منها، ولو كان في ذلك مخالفة لقطعيات الشريعة، ومحكمات الدين. فالحرية الجنسية مثلاً هي خيار شخصي ما دام قائماً على التراضي بين الطرفين، ولا يشتمل على أي اعتداء على أحد، وبناءً عليه فلا يحق منع أحدٍ منه. وفي الحقيقة، فالليبرالية حين تركز على الفردانية وتعلي من شأنها فإنها تفضي إلى التهوين من شأن القيم العامة، لتجعلها متروكةً إلى رغبات الناس وأهوائهم، فمن شاء أن يتحرك في نصرتها فله ذلك، ومن شاء أن يترك الأمر وينصرف إلى همومه الفردية الخاصة فله ذلك أيضاً، فليس في أجندتها السعي إلى إشاعة الفضيلة والخير بين الناس، بل لا ترى مشروعية الإلزام بشيء من هذا أصلاً.

عدد الصفحات ١٧١

171 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة وهذه الحرية مخالفة لمنهج الإسلام قطعاً، فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنافي هذا الأمر منافاة تامة، فهي تقوم على إشاعة الخير والفضيلة والإلزام بجملة من الأحكام العامة. كما أن دائرة المنع في الإسلام لا تقتصر على ما فيه اعتداء على الآخر، بل تتسع لمنهيات الشريعة كلها، فدائرة المنع في نظر الشريعة غير محصورٍ في الضرر الواقع على الغير، بل يشمل كل ما يمكن أن يلحق ضرراً بالآخر أو بالذات. كما أن الإضرار الممنوع ليس مقصوراً على الضرر الدنيوي فقط، بل يشمل ما يضر بدين الناس ونجاتهم في الآخرة. فشرب الخمر محرّم وممنوع، ولو ادعى أحد عدم الضرر فيها، فدعواه منتقضة بتحريم الشريعة لها، فهي مضرة بلا شك، لكن الإشكال هو في هذا التقصير الفاحش في قياس معامل الضرر وحصره في صورة وحيدة وهي الاعتداء على الآخر، ونظرة الشارع أوسع كما مر. فمفهوم الاعتداء والضرر في النظر الليبرالي يقتصر على ما فيه تعدٍّ مادي على جسد أو مال، بينما تسمي الشريعة مخالفة أوامر الله ونواهيه تعدياً واعتداء، كما قال [{ تعالى بسبب مخالفتهم نهي الله عن الصيد يوم السبت. وقال سبحانه في قتل المحرم للصيد: [{ {الأوامر والنواهي بأنه تعدٍّ على حدود الله، فيقول سبحانه [ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَِّ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ فالتعدي في الشريعة يشمل تجاوز أوامر الله ونواهيه، وليس خاصاً بما فيه تعدٍّ جسدي أو مالي مباشر على الشخص، ولذا عُدَّ من الظلم المحرم ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من المخلوقين، وظلمه لربه تعالى.

عدد الصفحات ١٧٢

172 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة سيقال أخيراً: لكن تطبيق الشريعة يعسر في هذا الزمان، ويعجز كثير من المسلمين عن تطبيق بعض أحكامها لأسباب كثيرة، وليست المجتمعات سواءً في ذلك، فنريد أولاً حرية تضمن حرية الدعوة ثم بعد ذلك يتحقق تحكيم الشريعة. وهنا تحركت المقولة من جانب إلى جانب آخر، وهو جانب مراعاة واقع معين، فهو لا يقصد أن الحرية بذاتها تقدم على الشريعة، ولا يقدم مفهوماً ليبرالياً للحريات يسقطه على الشريعة، إنما يقول: أنا أقر بأن الحرية الليبرالية تخالف الشريعة، وأن حرية الردة لا تقرها الشريعة في الأصل، وأن الأدلة التي تذكر هنا من التحريف والعبث، وإنما أتحدث عن واقعٍ معينٍ لا يمكن تطبيق الشريعة فيه لأسباب عدة. فالجواب أن البحث هنا يختلف جذرياً عما سبق، فإذا كان الأمر متعلقاً بالقدرة على تطبيق الشريعة، فالقدرة والاستطاعة شرط تكليف بكل الواجبات، قال تعالى: { وقال سبحانه .[ { فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بالاستطاعة،. [اسْتَطَعْتُمْ وأن لا يترتب عليه منكر أعظم، فمثل هذا التنظير مقبول في الجملة، ويبقى النظر بعد ذلك في تفصيلات الموضوع، وطبيعة الواقع، وما يتصل به من أحكام، وهو بحث خارج عن المقولات المؤسسة. أن مقولة الحرية قبل تطبيق الشريعة، مبنية على عبارة مغلوطة، فهي فالخلاصة تجعل الحرية قبل الشريعة مع كونها تقرر أن الحرية من الشريعة، فكيف تكون خارجة عن الشريعة! ثم إذا دققنا النظر في طبيعة هذه الحرية، وهل هي جزء من الشريعة فعلاً، وجدناها حرية لا تلتزم بضوابط الشريعة، بل تتفق كثيراً مع الحرية الليبرالية، فهي حرية مخالفة للشريعة في حقيقة الأمر، فكيف يستبيح مسلم أن يدعو إلى معارضة الشريعة، بل يجعل هذه المعارضة شرطاً لتطبيق الشريعة؟!

عدد الصفحات ١٧٣

173 الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة اللهم إلا أن يكون المقصود متعلقاً بواقع معين يعجز فيه المسلمون عن تطبيق بعض الشريعة، فيكون تقديمها من باب فقدان شروط القدرة على تطبيقها، وهو بحث أجنبي عما نحن فيه.

عدد الصفحات ١٧٤

174 ) الإسلام يدعو إلى الحرية19( الحرية قيمة نبيلة، ومقصد راقٍ، وعطية إلهية، تعطي للإنسان قيمةً واعتباراً، فإذا سُلخ الإنسان من حريته بالكلية فقد سُلخ من إنسانيته، وعاش حياة ذلةٍ وهوان، لكن هذه الحرية ليست أمراً متمدداً في الفضاء لا يحده حد أو يضبطه إطار، بل هي محاطةٌ بلون عبودية وخضوع، فإن كانت هذه العبودية مصروفة لله، تحرر بعبوديته هذه من عبودية كل ما دونه من قيم الأرض والتراب، وإلا صار أسير الذل وسجين العبودية .(1(لغير مستحق وحقيقة هذه الحرية أن تكون ملتزمة بأحكام الإسلام طاعةً لله تعالى، فإن كانت كذلك فقصدها وطلبها والدعوة إليها مشروع مطلوب، وادعاء أن الإسلام قد جاء بها ودعا إليها دعوى صادقة مقبولة. فأين الإشكال إذاً؟! الإشكال يأتي هنا حين تقدم هذه الحرية ما يخرجها عن حدود الشريعة، وهو للأسف ما وقع فيه بعض دعاة الحرية من المسلمين بغير وعي في الغالب، بسبب رضوخ كثيرٍ من أبناء المسلمين لضغط الثقافة الغربية، حتى صاروا لا يقرؤون الإسلام إلا من خلال عدستها، ولا ينظرون في أحكامه وتشريعاته إلا في ضوء منطقها، فباتوا وهم يُنَظِّرُون للحرية الليبرالية، متوهمين أنها لا تفارق صورة الحرية في الإسلام، وهو ما أفرز إشكالية عميقة في التعاطي مع ملف الحريات. (.٠٠/4 مدارج السالكين لابن القيم(1(

عدد الصفحات ١٧٥

175 الإسلام يدعو إلى الحرية فلم يقتصر الأمر على انحرافٍ في مفهوم الحرية بإسباغ ثوب الشرعية على حريةٍ تنزع أثر الدين من التأثير على خيارات الناس، فلا إلزام ولا تجريم بناءً على أحكام دينية، وإنما يختار الإنسان ما يراه لنفسه بملء إرادته دون أدنى إلزام خارجي، بل تطور الأمر إلى جعل نصوص الوحي جسراً لتمرير هذا المفهوم الأجنبي عنها، وهذا ما يضاعف خطورة الأمر، إذ تحول إلى انحرافٍ منهجي، تجاوز حالة التأثر العفوي بمفهوم وافد يسهل إزالته ببيان رؤية الشريعة فيه. وقد استند أولئك لتسويغ هذا النمط المنحرف من أنماط الحرية الليبرالية إلى أصول شرعية عدة، وسنعرض هنا أبرز ثلاثة أصول يتم الاستناد إليها في هذا الباب، وهي: ) الاستدلال بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)1( {قد يستدل بعضهم بتقرير مفهوم الحرية المنحرفة بمثل قوله تعالى ليقول: إن الشريعة تمنع من أي إكراه فيما يتعلق بالدين، فلا [الِّينِ يسوغ أن تمنع أحداً من التعبير عن رأيه مهما كان رأيه منحرفاً، أو تمنعه من فعل ٍمعين يختاره بذريعة دينية؛ لأن هذا كله من الإكراه في الدين. وهذا استدلال لا يخلو من إشكال وخلل، ووجه الخلل فيه ناشئ عن توهم عموم المنع من الإكراه هنا، بمعنى أنه لا وجود لأي إكراه بأي صورة من الصور في دين الإسلام، وهو معنى باطل بداهة، فالإسلام نظام شامل يحكم حياة الناس، ولذا فهو يشتمل ضرورةً على تشريعات ملزمة، ففي الشريعة واجبات ومحرمات، وفيها حدود وعقوبات، وفيها كفارات وديات، وفيها عقود والتزامات، وفي كل واحدة منها إلزام وفرض ومنع، فمن يتصور أنه لا وجود لأي إكراه فيلزمه أن ينفي هذا كله.

عدد الصفحات ١٧٦

176 الإسلام يدعو إلى الحرية ولهذا، لا يصح لأحد أن يفهم من الآية أنها تعم جميع صور الإكراه الممكنة إ إذا التزم بالمنهج العلماني كاملاً، فقال: إن الدين الإسلامي هو مجرد علاقة روحية بين العبد وربه، وليس له علاقة بالنظام ولا بالقوانين التي تحكم الناس، إنما الدين مختصٌ بجانب العبادات الشخصية، يصلي الشخص ويصوم ويتقرب إلى الله، ويمكن أن يمتنع عما لا يريده من شرب الخمر وفعل الفواحش ونحو ذلك، لكن من دون أن يفرض رأيه على الآخرين. هذا التصور العلماني للدين هو الذي يمكن أن يكون متوافقاً مع فهم التعميم في الآية، أما من يرفض العلمانية ويعاديها، فإن من التناقض الصارخ أن يستدل بدليل يؤيد الفكرة العلمانية التي يحاربها. إذاً ما معنى (لا إكراه في الدين)؟ للعلماء أقوال عدة في تفسير الآية، لكنها جميعاً ترجع إلى أن الكافر لا يُكره على الدخول في الإسلام، بل له حرية البقاء على دينه، ولم يقل أحد من العلماء إن معنى الآية يشمل معنى إقامة أحكام الإسلام والإلزام بحدوده على الناس بسبب أنه إكراه في الدين، فإقامة الحدود ومنع الحرام هو من إقامة الدين وتحكيم الشريعة وليس هذا من الإكراه المنهي عنه في شيء، بل هو من الواجبات الشرعية. وحتى يتضح وجه الإشكال في ذلك الفهم المنحرف لدلالة الآية، دعنا نلتزم بفهم الآية وفق ما توهمه بعض المعاصرين منها، فنقول: لا إكراه في الدين، فمن حق كل أحد أن يجاهر برفض دين الإسلام ويرتد عن الشعائر، ويمارس ما شاء من المحرمات علانية، ولا يحق لأحد أن يمنعه من ذلك، لأن هذا حق من حقوقه، وقد جاءت الشريعة بالنهي عن أي ممارسة تضيّق عليه حريته.

عدد الصفحات ١٧٧

177 الإسلام يدعو إلى الحرية إن هذا التصوير لمفهوم عدم الإكراه عند هؤلاء يكشف بداهة حجم مخالفته لمحكمات الشريعة التي ألزمت بواجبات ومنعت كثيراً من المحرمات، ورتبت عقوبات على الإخلال بالتزام الواجب، أو ترك المحرم. وكيف يمكن أن نفهم إيجاب إقامة الحدود مثلاً على من أتى بما يوجبها، كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها، مع هذا التصور لدلالة الآية.. وهل سعي الدولة لمنع الزنا ومعاقبة من يمارس هذه الكبيرة بالحد الشرعي مخالف للشريعة أم موافق لها؟! ) الاستدلال بالآيات المكية:2( وبعضهم يسترسل في هذا النفس الاستدلالي لمفهوم الحرية المنحرف: فيظن أن [{ رؤيته تتعضد بمثل قوله تعالى { أو قوله .[ {أو قوله [ الاستدلالية صحيحة؟ إن مثل هذا الفهم الذي يراد أن يرتب على تلك النصوص هو فهم لم يقل به أحد حتى عصرنا من فقهاء الإسلام بتاتاً، وليس منقولاً عن أحد من عصر الصحابة الحاضر، بل هم متفقون جميعاً اتفاقاً قطعياً على أنه لا وجود لهذه الحرية في الإسلام، وأنها مناقضة له مناقضةً قطعية. ويمكن لمن يشكك في هذا الكلام أن يذكر لنا مثالاً واحداً لعالمٍ في أي عصر أو مصر أو مذهب قرر مثل هذا قبل عصرنا الحاضر. وهذا يؤكد أن مثل هذا الفهم المزعوم لهذه الآيات فهم باطل، ليس له علاقة بالنظر في الآية، وإنما هو تفسير للآية بعد الرضوخ لسطوة القيم الليبرالية، التي تعطي الإنسان حرية التدين شريطة أن لا يتجاوز هذا التدين شخصه. وليس من قبيل الصدفة

عدد الصفحات ١٧٨

178 الإسلام يدعو إلى الحرية أن يُستحدث هذا الفهم الغريب للحرية في الإسلام بالتزامن مع هيمنة النموذج الثقافي الغربي، المترع بقيم الحداثة واللبرلة. وحتى تدرك حجم الإشكال الواقع بالدعوة إلى هذا اللون من الحرية الدينية، فإننا حين نتحدث عن (حرية الردة) فنحن نتحدث عن حرية الإنسان في أن يمارس ردته، لا أننا نتحدث عن حكم (قتل المرتد) الذي لا يروق بطبيعة الحال لكثير من المتأثرين بالقيم الليبرالية، إذ حكم قتل المرتد يتعلق بعقوبة معينة للمرتد، وعدم إقامة هذه العقوبة لا يعني أن له حرية الردة، فالخلاف هنا يتجاوز حدود التشكيك في حد الردة المتعلق بالقتل إلى أمر أخطر بكثير وهو تقرير مشروعية الردة، وأن الشريعة جاءت بكفالتها، وحفظ حق صاحبها فيها، وهذا كذب صريح على الشرع، وخروج عن إجماع الأمة بيقين. إذاً ما المراد بمعنى هذه الآيات؟ هذه الآيات نزلت في مكة، ولم تكن أكثر شرائع الإسلام قد شُرّعت، ولم يكن للمسلمين وقتها نظام أو إلزام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إقامة الحدود، وكانت في سياقٍ لا علاقة بمنع وجود أي إلزام أو منع أو عقوبة شرعية: هو في [ {فقوله تعالى {سياق تهديد للكفار، ولذا جاء بعدها [ ولا منع من الشرع { وقوله [ {وقوله تعالى ليس عليه إلا الهداية والقيام [الَْلاغُ بما يجب عليه، وليس عليه هدايتهم، ولا دخولهم في الإسلام، وليس في هذا المعنى

عدد الصفحات ١٧٩

179 الإسلام يدعو إلى الحرية أي علاقة بتقرير الحريات بلا حد شرعي، أو نفي أي قيام بما يجب شرعاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولأنه لا وجود في هذه الآيات لأي احتمالٍ لتقرير الحرية الليبرالية التي فهمها بعض المعاصرين، لم تجد أحداً فهم منها ذلك، ولا استدل بها على ذلك خلال التاريخ الإسلامي كله. ) حرية المنافقين:3( من مقولاتمن الاستدلالات العصرية الشائعة: ذكر ما جرى في عصر النبي كان مقرّاً لها، سامحاً بها، بل حامياً حق للمنافقين، وتوظيف ذلك لإثبات أن النبي أصحابها في ممارستها. وبناءً عليه؛ فحدود الحرية في ظل النظام السياسي الإسلامي يجب أن يتسع باتساع تلك الحريات المُقّرَّة، ويستوعب تلك الممارسات. وهذا في الحقيقة من أقبح أنماط الاستدلال الممكنة في هذه المسألة، إذ مضمونها أن الشريعة يجب أن تحمي حرية الإنسان في أن: وينتقص من مقامه، ويطعن فيه.- يهزأ بالنبي - ويسخر من الصحابة، ويلمزهم، ويطعن فيهم. - ويظهر بغضه للمؤمنين، ويعلن الاستهزاء بهم. - ويصد عن الدين، ويثير الشبهات حوله. - ويخذل المجتمع عن فعل الخير، وعن الالتزام بالشريعة. - ويؤلب على المؤمنين، ويحرض ضدهم.

عدد الصفحات ١٨٠