المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

زخرف القول

فهد بن صالح العجلان

صفحة ١٠ من ٢٢

148 بالمساواة يتحقق العدل يؤكد هذا أن من طبيعة الشريعة التسوية بين المتماثلات، والمغايرة بين المختلفات، فـ .(1(والحكم الحسن الذي يوصف به الرب سبحانه وتعالى فالشريعة تبني أصول العدل وفق ثنائية التسوية والمغايرة، فالتسوية فيما كان متماثلاً هو العدل، أما ما كان فيه تغاير يقتضي تغايراً في الحكم فمقتضى العدل عدم التسوية بينهما، بل إحكام المغايرة، وعليه؛ فليس من الصحيح إطلاق القول بأن كل مساواة ليست عدلاً أو العكس، بل منه ما يكون كذلك، ومنه ما ليس كذلك. ومن أكثر مظاهر التغبيش والتشويه هو الاتكاء على فكرة المساواة للطعن في كثير من تشريعات الإسلام، والحقيقة أن مثل هذا التشويه صادر من عقلية سطحية متعجلة، إذ العقل الإنساني يميل بطبعه إلى جعل المساواة قيمة معيارية مطلقة لسهولة ذلك بخلاف إعمال الذهن وكدّه في دراسة التعقيدات التي توجب التفاوت في فرض الواجبات ومنح الحقوق. وبناءً على ما سبق، فحين لا يكون ثمّ موجب معتبر للتفريق، فالأصل هو المساواة؛ لأن التفاضل بلا سبب، أو بسبب غير معتبر، ظلم، ومجانف لقاعدة العدل، فتأكيدنا على أن المساواة ليست بالضرورة موافقة للعدل، لا يعني التزهيد فيها، إذ إلغاء وصف المساواة بين شيئين يجب أن يكون مبنياً على سبب معتبر مؤثر. وهذا يعني أن قاعدة المساواة تكون واسعة جداً، إذ هو الأصل، فلا يجوز التمييز بلا سبب معتبر، وحين نقول بلا سبب معتبر، فنحن نربط هذا بالأسباب الشرعية المعتبرة، وهذا يضيّق مجال التفكير في الأسباب الممكنة للتفاضل، فالأسباب .٧٠/٥ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (1(

عدد الصفحات ١٤٩

149 بالمساواة يتحقق العدل الشرعية المؤثرة معروفة ومحددة، وهو ما يؤكد الأصل السابق ويكشف عن تمدد مساحة المساواة. فالاختلاف الذي يحصل بين أحكام الرجل والمرأة إنما يكون في الأحوال التي يتحقق فيها وجود اختلاف مؤثر بين الجنسين يفرض هذا التفاوت، وأما في حال غياب هذه الأوصاف فالأصل هو المساواة بينهما، ولهذا نجد أنهما سيان في {تكاليف الشريعة، وفي الجزاءات المتعلقة بها [مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلََجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَنُوا يَعْمَلُونَ . ويأتي التفاوت بينهما في حال وجود سبب معتبر يجب (1(النساء شقائق الرجال [{مراعاته ليتحقق العدل بينهما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وصححه ابن القطان، والألباني.(1(

عدد الصفحات ١٥٠

150 ) لا كهنوت في الإسلام16( تقوم هذه المقولة على تقرير أن فهم الدين ومعرفة أحكامه والحديث عنه ليس خاصاً بفئة معينة من الناس، فالدين ليس علماً تخصصياً، ومن يتكلم في الدين لهم عقول ولنا عقول، وهم رجال ونحن رجال. وقد يزيد الأمر تأكيداً فيقول: ولأن الإسلام دينٌ للناس جميعاً، وكل مسلم مكلف بالالتزام بأحكامه، والتكليف يستلزم العلم؛ فلا وجود فيه لطبقة تحتكر حق الكلام فيه كما هو موجود في الكنيسة، (فلا كهنوت في الإسلام)، يعني أن لكل مسلم الحق أن يتكلم في دينه، وأن يبدي رأيه في ذلك، بلا اشتراطات مسبقة، فالدين للكل، وللكل حق الكلام فيه. ولو أن قائل هذه المقولة اقتصر على ادعاء أنه لا وجود لشريحة معينة من الناس تحتكر وحدها حق تعلم الشريعة ودراسة أحكامها أو الاطلاع على نصوصه المقدسة، لكان مصيباً في ذلك، إذ لا اختصاص لأحدٍ من الناس بهذا، ولا اعتبار لنسبٍ أو لونٍ أو منصبٍ للحديث عن الإسلام، بل المجال مفتوح للجميع للكلام في الشريعة شريطة أن يبذل من يريد الكلام الجهد والوقت في التعلم والبحث والنظر حتى يصل إلى درجة الاجتهاد التي تخوله للحديث في الموضوع الذي يرغب في الحديث عنه، وهذه مسألة ينبغي أن تكون بدهية من جهة العقل، كما هي بدهية من جهة الشرع. أما أن نوظف هذه المقولة لإلغاء أهمية العلم نفسه، لنجعل الإسلام كله كلأ مباحاً لكل متحدث بلا علم ولا امتلاك لأدوات الاجتهاد، فهذا عبث ينزه الشرع عنه، ويتنزه عنه ذوو العقول السليمة، وليس في هذا حرمان للمسلم من حق الكلام في أي مسألة من مسائل الشريعة، إذ مسائلها على نوعين:

عدد الصفحات ١٥١

151 لا كهنوت في الإسلام أحكام ضرورية قطعية يعرفها عموم الناس كوجوب المباني النوع الأول: الخمسة، ومعرفة المحرمات القطعية، ونحو ذلك، فهذه يعرفها كل مسلم، فيحق لكل مسلم أن يتكلم بما يعرفه فيها، فلو سأل كافرٌ مسلماً عن دينه فكل مسلم عنده من المعرفة ما يؤهله للكلام في هذه الدائرة. ما دون ذلك من الأحكام مما يتعلق بتفصيلات العبادات أو النوع الثاني: المعاملات أو غيرها، فهذه لا يصح أن يتكلم فيها إلا من امتلك المعرفة الشرعية التي تؤهله للكلام، ولا يجب على كل مسلم أن يعرف مثل هذه المسائل تفصيلاً ويدرس ما يتصل بها من خلافٍ ونحوه، وهذا من رحمة الشريعة وتوسعتها على الخلق. ومتى احتاج المسلم إلى معرفة شيء منها، فعنده طريقة أبانها الله في كتابه لتحصيل العلم بها من غير حرج أو تثريب، وهي طريقةٌ نافعة لجمهور المسلمين {لمعرفة ما يتعلق بتفاصيل دينهم، قال تعالى [ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ والتفتيش في أحكام الشريعة، وتملك أدوات الاجتهاد والنظر، وإنما يسعه سؤال أهل العلم فيما أشكل عليه، وتبرأ ذمته بذلك. ولو أن الله كلَّف المسلمين جميعاً بواجب الاجتهاد الشرعي لتحقيق العلم في مسألة شرعية يحتاجون إليها لشق ذلك عليهم، ولعجز عنه أكثر الخلق، ولتعطلت معايشهم ومصالحهم. والمقصود أن تلك الآية القرآنية تكشف لنا عن دائرتين من البشر، دائرة من يسأل وهم أكثر الناس، ودائرة المسؤول من أهل الذكر، وامتياز أهل الدائرة الثانية على الأولى هو فيما حققوه من العلم مما جعل لهم اختصاصاً أن يكونوا موضعاً للسؤال.

عدد الصفحات ١٥٢

152 لا كهنوت في الإسلام عبارة نفيسة تكشف عن طبيعة الوحي، وعن طبيعة الأقسام ولابن عباس « : الممكنة فيمن يقوم بتفسيره، حيث يقول العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير .(1(لا يعلمه إلا اللَّهُ من أن هناك تفسيراً يعلمه العلماء، وعليه فثمَّ مجال والذي يهمنا هنا ما نبَّه إليه تفسيري يجب أن لا يتحدث فيه إلا ذوو الاختصاص من أهل العلم، وأن منازعتهم فيه ممن ليس مؤهلاً خطأ بيّن؛ لأنه يتحدث بلا علم منازعاً من امتلك جملة من المعارف والعلوم المؤهلة للنظر الشرعي في القرآن الكريم، وهذه بدهية عقلية وشرعية، بأن للمختص امتيازاً في مجاله العلمي عن غيره. والحقيقة أن من يدعي في نفسه مسامتة العلماء دون تأدية فروض البحث والنظر الواجب، فإنه جاهل بقدره وبقدر من يريد مسامتتهم، فعبارة (هم رجال ونحن رجال) موغلة في الغرور والجهل متى ما صدرت ممن لم يحقق الشروط العلمية الموضوعية لتناول أحد الموضوعات الشرعية التي يريد أن يتكلم فيها، وهي لا تعدو أن تكون شبهة ومقولة يريد صاحبها فتح الباب لكل من هبَّ ودبَّ أن يتناول أحكام الشريعة كيفما يحلو له، وبما تسمح له أدواته العلمية الضعيفة. وحتى تدرك حجم ما تتضمنه هذه المقولة من إشكالية حقيقية جرب تطبيقها في مجال الطب أو الهندسة أو الفلك، فهل يقبل أحد أن يعترض على كلام مختص في أي مجال معرفي بمثل هذه العبارة؟! (.٠٧/1 أخرجه الطبري في تفسيره(1(

عدد الصفحات ١٥٣

153 لا كهنوت في الإسلام فإن قيل: إن الإسلام ليس تخصصاً فلا يصح أن يقاس على المعارف البشرية فيقال: هذا الجواب يكشف في الحقيقة عن قصور شديد في تصور طبيعة الشريعة وما فيها من تفاصيل كثيرة، وما يجب بذله من جهود علمية مضنية لتتبّع تلك التفاصيل وإدراكها، بل تحصيل ما يحتاج إليه من أدوات علمية تؤهله للنظر فيها أصلاً، كمعرفة علوم العربية وأصول الفقه وعلوم الاصطلاح وغيرها، ثم إذا حصلها احتاج إلى إحصاء الدلائل الشرعية في المسألة التي يبحثها، ومعرفة ما يثبت منها وما لا يثبت، وإدراك مراتب المقبول، ثم الإحاطة بمعانيها، ومحال الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، ومواضع الإجماع والخلاف، وغير ذلك. فهل يليق بمن لا يحسن تلاوة القرآن على وجهه، أو يجهل غريب قصار المفصل، أو لا يميز بين العام والمطلق؛ أن يتبجح بأنه وأهل العلم على درجة واحدة، وأن للكل حقاً في الكلام في العلم! وحتى تدرك خطورة مثل هذا وما يحدثه من انحرافات في الواقع: لاحظ أن الخوارج إنما ضلّوا حين تسلطوا على القرآن زاعمين قدرتهم على فهمه دون رجوع لعلماء الصحابة، ثم جرهم هذا الغرور إلى تكفير خيار الأمة، مع أن عندهم من المعرفة بلسان العرب ما ليس عند كثيرٍ من أصحاب هذه المقولة، فإذا كانت القراءة منقوصة الأدوات يمكن أن تُحدث مثل هذا الضلال، فكيف بمن لم يملك منها شيئاً يذكر. { أن الواجب على من كان جاهلاً سؤال أهل العلموالخلاصة: [ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ {البحث حتى يكون عالماً، بدلاً من الوقوع في الجرأة على الله [ لا تَعْلَمُونَ

عدد الصفحات ١٥٤

154 لا كهنوت في الإسلام مكانة فهم الصحابة وهنا سياقٌ آخر تأتي فيه هذه المقولة، وهو في معرض نزع الامتياز عن فهم للدين على فهم من بعدهم، فلا يرى أن ثمَّ ما يوجب التزام فهم الطبقة صحابة النبي الأولى من هذه الأمة، فهم في النهاية رجال ونحن رجال، ولا كهنوت في الإسلام. والحق أن هذه المقولة تتضمن مغالطةً حقيقية، وغفلةً عن إدراك طبيعة تلك الطبقة، وما تحقق لها من الامتيازات العلمية والإيمانية على سائر طبقات الأمة، بما جعل لها موقعاً من خريطة فهم الدين ليس لمن بعدهم، وهو أمر أقرته الشريعة نفسها. ومن تدبر في أحوالهم علم أن هذا هو مقتضى العقل السليم، فلو قُدِّرَ أن الشريعة ، لكان مقتضى العقل خلت من ذكر ما يدل على فضلهم ووجوب الالتزام بفهمهم الإذعان لهم ومعرفة قدرهم، وذلك لعدد من الأسباب الموضوعية، منها: ، فلهم مقام من - ما حباهم الله تعالى به من ملكات عقلية ونفسية وروحية من البشر، فقد اصطفى الاصطفاء ليس لمن بعدهم، فكما أن الله اصطفى نبيه .صحابة نبيه . ومن تدبر - ما كان لديهم من الديانة الباعثة على تطلب الحق والتوفيق لإصابته أحوالهم في التعبد والتزهد وتعظيم الشريعة أدرك أنهم أولى بتمام الهداية للحق ممن بعدهم. ، فلغة العرب - ما كان عندهم من الإحاطة بعلوم العربية، بل هم معدنها وأصلها هي أُمُّ الأدوات الشرعية في فهم الشريعة، فكلما كان المرء ريانَ من أصولها وفروعها كان أقدر على فهم الوحي وإدراك مراميه، وما من شك في أن للصحابة في هذا امتيازاً لا يشركهم فيه أحد.

عدد الصفحات ١٥٥

155 لا كهنوت في الإسلام - أنهم الجيل الذي شاهد التنزيل وعرف مناسبات القرآن وأسباب نزوله وتلقى ، وهو ما يجعلهم أقدر على فهم سياقات النصوص وقرائن مباشرة عن النبي مباشرةً ما صان الأحوال وإدراك المناطات ممن بعدهم. ثم في تلقيهم عن النبي والنظر في الأسانيد وتتبعها، وهو ما يجعل وقتهم من تتبع صحة المروي عن النبي مباشرةً.همتهم مصروفة إلى فقه ما تلقوه عن النبي ، فقد صُنعوا على - أنهم اختصوا دون طبقات الأمة بالتربية النبوية المباشرة  واجب التعليم والتزكية، وما من شك في أنه قد نجح ، وأدى فيهم عينه في ذلك، وخرّج أفذاذاً، فما عندهم من العلم والفضل إنما هو راجع لعلم معلمهم وفضله، وإذا أدركت رضى المعلم عنهم، وثناءه عليهم، أدركت وجهاً آخر من أوجه التمييز لهم عن غيرهم. أن يرسل نصيحته للأمة قائلاً: فهذه الأوجه وغيرها هو ما ابتعث ابن مسعود ، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوباً، « وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى ... وصدق(1(المستقيم دلائل الوحي في الثناء عليهم، وحكاية فضلهم، والأمر فإذا انضاف إلى ما سبق: انحسم الأمر، وصار الاستنان بسنتهم، والاهتداء بهديهم، مجالاً للتعبد باتباعهم، والديانة، ولسنا هنا بصدد تفصيل دلائل الشريعة قرآناً وسنة على فضل الصحابة وهو كثير، وإنما نشير إلى بعض الأدلة في ضوء بعض المسارات التي تؤكد أهمية الالتزام بفهم الصحابة، وتبين أن الملتزم بفهمهم موفق للصواب، فمن تلك المسارات: (.٨٩/2 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(1(

عدد الصفحات ١٥٦

156 لا كهنوت في الإسلام المسار الأول: بيان فضلهم، وكمال هدايتهم، ورضى الله تعالى عنهم {قال تعالى اللَُّ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَْرِي تَْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ { وقال سبحانه.[ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَِّ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِ الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عََ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لَِغِيظَ [بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَُّ الَِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .(1(»« :وقال النبي ومن المتقرر عقلاً وديناً أن كمال الاهتداء ناشئٌ عن كمال المعرفة والعلم، ولا يتصور إطلاقاً أن يكون المرء على طريق سويةٍ وهدايةٍ تامةٍ ثم هو جاهل بمنبع هذه الهداية ومصدرها وهو الوحي، وإذا تقرر وثبت بالدلائل الشرعية المتكاثرة والسيرة التاريخية المتواترة أن الصحابة هم أكمل هذه الأمة اهتداءً، فما من شك في أنهم أكمل هذه الأمة علماً ودراية بالوحي، بل حقيقة الاهتداء هو في إصابة مراد الله ومراد من الوحي، وهو فرع العلم.نبيه :المسار الثاني: بيان صواب فهمهم، وأنهم هم الآخذون بحق بسنته {قال تعالى [ اللَُّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « : وقال النبي حتى إن كان منهم من أتى أمه علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل متفق عليه.(1(

عدد الصفحات ١٥٧

157 لا كهنوت في الإسلام تفرقت على ثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملةً كلهم في النار إ .(1(ملةً واحدةً « :وقال يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو .(2(مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ فهذه النصوص تدل على أن موافقة الحق إنما تكون في تحقيق إيمانٍ كإيمان الصحابة، وأنه لا نجاة من الوقوع في شَرَك الفرق الهالكة إلا بمتابعتهم؛ إذ كانوا ، والملتزم بهديه على سبيل نجاة، ولولا أن في الأخذ الموفقين للالتزام بهدي النبي ، ولاكتفى بقوله هم  لما ذكرهبهدي الصحابة قدراً زائداً في استبانة هدي النبي من كان على مثل ما أنا عليه. المسار الثالث: الأمر بمتابعتهم، وإيجاب الأخذ بسنتهم: { قال الله تعالى [نُوَلِِّ مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيًا « :وقال يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالةٌ، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم .(3(ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة أخرجه الترمذي. قال البغوي: ثابت، وكذا قال ابن العربي. وقال العراقي: أسانيدها جياد. وحسنه الألباني.(1( أخرجه مسلم(2( أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال( 3( العراقي: صحيح مشهور. وصححه الألباني

عدد الصفحات ١٥٨

158 لا كهنوت في الإسلام فهذه نصوص صريحة توجب الأخذ بسنتهم، وتحذر من الخروج عنها، وأن الخارج عن أقوالهم بالكلية واقع في الضلال، ومتوعَّد بالنار. المسار الرابع: بيان بركة حياتهم، وأن وجودهم يمثل ضمانة دينية تحفظ للأمة دينها وعقيدتها: ثم قلنا: لو جلسنا فعن أبي موسى الأشعري قال: صلينا المغرب مع رسول الله حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: ما زلتم ها هنا. قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: أحسنتم أو أصبتم. قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: « ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي .(1(ما يوعدون وأقوالهم في العلم وجدها تكشف عن ومن نظر في تفصيلات فقه صحابة النبي الحقائق الماضية، وتفسر ذلك النهم الشديد الذي أبداه التابعون حيال فقه الصحابة، فأقبلوا عليهم، يستعرضون كتاب الله مراراً، يستوقفونهم عند كل آية ويطلبون ما فيها من الفقه والتفسير، إضافة إلى إقبالهم عليهم في شأن الرواية والحديث، يستكشفون وما فيها من الفقه.من خلالهم سنة النبي وحتى تطمئن إلى عبقرية الصحابة على مستوى التفصيلات، ولئلا يُظن أن ما من ذكرناه كلام إنشائي تعوزه الأمثلة، نسوق مثالاً واحداً فقط يدل على ما كان لهم دقيق النظر، وحسن التأمل، ما جعلهم يفوزون بمقامات علمية رفيعة يصعب نيلها، تدل على تميزهم العلمي:ويحظون لأجل ذلك بشهادات غالية من النبي (.31 أخرجه مسلم(1(

عدد الصفحات ١٥٩

159 لا كهنوت في الإسلام « : قال: قال رسول اللهفعن أبي بن كعب الله معك أعظم؟ [{كتاب الله معك أعظم؟ .(1(قال: فضرب في صدري، وقال فتأمل هذا الفهم العظيم الذي مكّن أبي بن كعب لإدراك الجواب، وليضع يده على الآية المقصودة، فلو لم يَرِد مثل هذا الحديث هل كان سيسهل علينا إدراك الجواب، أدرك أن معيار المفاضلة سيكون لما اشتمل من عظيم المعاني أم أنه لتمام فقهه المتعلقة بالله، لا لاعتبارات بلاغية، أو كمالات تشريعية، أو غير ذلك، فضيق دائرة النصوص لما فيه ثناء معظم على الله، ثم نظر فيها فوصل لهذه النتيجة (آية الكرسي). على البديهة ووُفّق للصواب، وهو ما يضيف إلى وأنت ترى أنه أجاب النبي في صدره.. فرح الأستاذ العبقرية عبقرية، فاستحق تلك الضربة الغالية من النبي بالتلميذ وابتهاجه بنبوغه، وليزينه بتلك الشهادة العظيمة والمقصود أنه عليه أهلُ السنةِ والجماعةِ من جميعِ الطوائف أنّ خيرَ قرونِ هذه الأمة في الأعمالِ والأقوالِ والاعتقادِ وغيرها من كل فضيلةٍ، أنّ خيرها القرنُ الأولُ، ثم الذين يلونهم، من غيرِ وجهٍ، وأنهم أفضلُ من الخَلَفِ ثم الذين يلونهم، كما ثَبَتَ ذلكَ عن النبي في كل فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ، وأنهم أولى بالبيانِ لكل مُشْكلٍ، هذا لا يدفعُه إلا من كابرَ المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على علم... وما أحسن ما قال الشافعي في رسالته: هم فوقنا في كل علم وعقل ودين أخرجه مسلم.(1(

عدد الصفحات ١٦٠

160 لا كهنوت في الإسلام .(1(وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ويكفي في هذا استحضار اللوازم المترتبة على رد فقه الصحابة والدعوة إلى ، فإذا لم يوفق الصحابة لإدراك الدين كما منابذته، ومن أبشعها: الطعن في النبي في تعليمهم وتزكيتهم، وهو الدور الذي ابتعثه الله يجب، فمقتضاه فشل النبي من الفشل.لأجله، وحاشاه خصوصاً أن لازم هذا الفشل تسلسله لمن بعد الصحابة، إذ فقه التابعين فرعٌ عن فقه الصحابة، والطعن فيه طعن في فقهم، وهكذا فيمن بعده. وعجيب هذا الكبر الذي يحمل هذا المنابذ لفقه الصحابة ليدعي أنه وبعد مرور هذه القرون المتطاولة فاز بوجه حتى وقته.. إن في تصور هذا الصواب في فقه الدين دون بقية الأمة من زمن النبي ما يكفي في رد هذه الدعوى الباطلة. وحين نقرر لزوم الأخذ بهدي الصحابة فالمقصود هو: الالتزام بإجماعهم وعدم الخروج عنه، وعدم الخروج عن أقوالهم في حال خلافهم بإحداث قول لم يقولوه، والالتزام بمسالكهم في النظر والاستدلال، فكل مبدأ كلي في فهم الإسلام، أو فهم جزئي خاص لآحاد مسائله، يتناقض مع طريقة الصحابة وما تواطؤوا عليه؛ فهو يمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ قرآني عظيم ينظم أسلوب تعاملنا مع سؤال فهم الإسلام وتفسيره. (.٧٥/4 مجموع الفتاوى لابن تيمية(1(

عدد الصفحات ١٦١

161 ) يحفظون ولا يفهمون17( من الاتهامات التي يكثر تداولها انتقاصاً لعلماء الشريعة، خصوصاً من كان منهم مشتغلاً بعلوم الحديث والرواية، اتهامهم بأن جهدهم كان مصروفاً إلى الحفظ دون الفهم، وأن هذا أدى بهم إلى الاهتمام بجانب الإسناد ونقد الرواة دون إعمال النظر في الرواية نفسها، ونقد المتن، وهو ما تسبب في دخول كثير من الأحاديث المخالفة للعقل والمنطق السليم إلى الكتب الحديثية. والحق أن هذه الشبهة ناشئة من قصور في ثلاث جهات: : القصور في معرفة مكانة الحفظ.الأولى : القصور في فهم تفاوت رتب أهل العلم في حفظ الحديث وفقهه.الثانية : القصور في إدراك طبيعة علوم الحديث، وعلاقتها بالفهم.الثالثة الجانب الأول: فأما ما يتعلق بقضية الحفظ والاهتمام به، فهو جدير بذلك، وهو يمثل جزءاً أساسياً في منظومات التعلم الشرعي، ولذا فقد جاءت الشريعة بالثناء على الحفظ، وأنه محل { للإثابة والفضيلة، فمما جاء في فضل حفظ القرآن قول الله تعالى والأحاديث .[فِ صُدُورِ الَِّينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَْحَدُ بِآيَاتِنَا إلاَّ الظَّالِـمُونَ المروية في هذا الشأن كثيرة، أما حفظ السنة فقد وردت فيه أحاديث أيضاً تدل على قالفضله، كما في قول النبي

عدد الصفحات ١٦٢

162 يحفظون ولا يفهمون .(1(غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه قالوعن أبي موسى، عن النبي الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم .(2(يقبل هدى الله الذي أرسلت به وهذا الحديثان يفتحان الباب للحديث عن الجانب الثاني في الوعي بتفاوت رتب أهل العلم. الجانب الثاني: ليس كل من اشتغل بالسنة يعدُّ فقيهاً فيها، ولا يتضمن هذا الوصف بذاته ذماً، بل الواجبات المتعلقة بالسنة متعددة، فمنها: الحفظ، ومنها: الفهم، ومنها: التبليغ، وغير ذلك؛ وهذه جميعاً من فروض الكفايات إجمالاً، فإذا أدى بعض أهل العلم دوراً من لمن صنع هذه الأدوار الواجبة، وحفظ للأمة سنة نبيها، فقد أحسن، وقد دعا النبي « :ذلك بنضرة الوجه، وفيه قال النبي الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا المثوبة والأجر. أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه (1( الألباني متفق عليه.(2(

عدد الصفحات ١٦٣

163 يحفظون ولا يفهمون ثم إن من أهل العلم من كان عنده فضل وإحسان في قضية الفقه والفهم، ولذا قال منبهاً إلى الصلة التي تجمع بين الطائفتين النبي منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ومن جمع بين البابين فهو أكمل وأتم ممن اقتصر على أحدهما دون الآخر، وهو حال عدد من أئمة الحديث الأكابر، كالإمام مالك، وأحمد، والبخاري، وأبي داود، وابن خزيمة... إلخ. وبه يتضح الجانب الثالث. الجانب الثالث: أن من رواة الحديث ونقلته من هو مشتغل بالتفقه في متونه، والتأمل فيها، ودراستها، وبه تنحل إشكالية أن مسالك النظر في الحديث تصحيحاً وتضعيفاً منصرفة عند الأئمة إلى النظر في الإسناد دون المتن، فهذا غير صحيح مطلقاً، ونظرة عجلى في واقع علوم الحديث، ومبادئه الأولية، تكشف عن وهاء هذه الشبهة، فإن العلماء حين عرَّفوا الحديث الصحيح قالوا: هو ما نقله العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة. فالتحقق من عدم وجود شذوذ أو علة تقدح في الرواية هو في الحقيقة نظر علمي دقيق لا يقتصر على دراسة الإسناد وحده، فكما أن الشذوذ والعلة قد يكون متعلقاً بالإسناد، بأن يشذ راوٍ مثلاً في حكاية إسناد الحديث مخالفاً حكاية غيره، أو تقع فيه علة قادحة، فقد يقع الشذوذ والعلة في المتن أيضاً. فالعلماء كانوا يراعون طبيعة الرواية وناقلها، فيحكمون بشذوذ الحديث إن تفرد به من لا يحتمل تفرده به وإن كان ثقة، وقد يحكمون على لفظٍ بالنكارة، وهو ما يؤكد أن نظرهم ليس مقتصراً على مراعاة الإسناد وحده، بل ينظرون النظر في المتن ويدققون في معناه، ويزنون ألفاظه، ويقارنون بين الحديث وغيره، وبين رواية هذا الراوي وذاك، للخروج بأحكامهم فيها تصحيحاً وتضعيفاً.

عدد الصفحات ١٦٤