المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم دراسة مقارنة بين الزمخشري وعبد الله فودي

آدم بللو

صفحة ٧ من ١٣

97 3-مؤلفات ما بعد وفاة الشيخ عثمانبن فودي. و كل فترة من هذه الفترات لها خصائص مؤلفاتها عند بن فودي كما سنرى. أوّلا:مؤلفات ما قبل الجهاد (1804م-1786ه في هذه الفترة ألّف ابن فودي لأغراض مخصوصة، فلقد حاول أن يألّف كتبا في مختلف المواد، كتب "منن المنّان" في التصوف، نظم فيه كتاب السنوسي في التو حيد، و كتب أيضا "مفتاح التفسير" في علوم القرآن، ثمّ اختصره في "سلالة المفتاح"، و الكتب الأخرى التي كتبها في هذه الفترة هي: "الفرائد الجليلة وسائط الفوائد الجميلة " و"سرّاج جامع البخاري" و"مصباح الراوي" و"ألّفية الأصول" و" الحصن الرّصين" و"ضوء المصلي" و هذه المؤلفات كلها في النظم، و كتب أيضا في هذه الفترة مؤلفات أخرى في النثر لكنّها قليلة مثل:"ضياء الخلفاء" و"فتح البصائر" و "كتاب النيّات" و"تاريخ الصالحين" و"لباب المدخل" و هذه المؤلفات المكتوبة في النثر هي في علم التصوف و الأخلاق، ما عدا الأ خير، و لم تكن ذلك مؤ لفة لغرض تدريس الطلاب في المجالس العلمية، لذا كتبها في النثر. أمّا الكتب السابقة المكتوبة بالنظم فهي لتدريس الطلاب و الحفظ و المدارسة، لذا كتبها فضّل أن تكون منظومة، ما عدا التف سير، فأنّه لا يكتبه في النظم، و إن كان بغرض تدريس الطلاب، فنجد المؤلفات المنظومة للطلبة مثلا:"خلاصة الأصول" "البحر المحيط" "كفاية العوام" في البيوع، و"كفاية الطلاب" في النكاح. هذا.. و تميّزت هذه الفترة بتأثر عبد الله بن فودي بالإمام السيوطي و مؤلفاته.1 ثانيا:مؤلفات فترة الجهاد1817م-1804ه في هذه الفترة أصدر ابن فودي مؤلفات تتعلق بمشا كل الأمة الإسلامية في أمورها، و رأى أنهّا قد ابتعدت عن النور والضياء الذي أنزله الله إلى الأرض ؛ و هو القرآن، فكتب سلسة مؤلفات 1(Abdullahi bin 1980Abdul Hamid,Ali (P.H.D thesis, Ahmadu Bello university, Zaria, fodio as a muslim exegiest)p:106-115.بتصرف .

عدد الصفحات ٩٧

98 موسومة باسم: "الضياء" والتي جمُِعَ بعضها من بعده في كتاب واحد سمُّي:"مجموعة الضياءات" تحدث فيها عن الأمور الواجبة للحكام و الدولة: إدارة شؤون الدولة، والحرب بين المسلمين و الكفار، والجزية، وتنفيذ الأحكام والأوامر، و الأمور الأخرى التي تتعلق بالدولة، و أبدى عبد الله اهتمامه بولي الأمر، لأنّه هو القائد الذي يصلح على يديه أمور المسلمين، وحثّه على الاقتداء بالمثل العليا من تاريخ الرسول صلى الله عليه و سلم، وخل فاءه الراشدين في أموره العامة و الخاصة. ثمّ كتب بعد ذلك: "إيداع النسوخ" و"تزيين الورقات" و"ضياء السند" التي احتوت معلومات حول إنتاجاته وشيوخه، ومساهمته في الجهاد و تكوين الدولة الإسلامية في صكتو تحت زعامة الشيخ عثمان بن فودي أخوه الكبير. ثالثا: مؤلفات ما بعد وفاة الشيخ عثمان (1829م-1817ه إنّ ما حدث بعد وفاة الشيخ عثمان أخو عبد الله بن فودي وشيخه و إمامه في الدين، جعلت عبد الله يفقد الثقة في المجتمع و أمورهم، ولاحظ أنّه بدل الاستمرار في الجدال معهم و إضاعة الوقت في ذلك، مع عدم استجابة الناس له، سيكون من الأفضل له أن يحثّ هم ع لى الإقبال إلى الله وعبادته، و متابعة سنّة ر سول الله صلى الله عليه وسلم، و ضرب لهم المثل ا لعليا في حياة السلف الصالحين، و بدأت مؤلفات علماء التصوف تظهر في كتاباته، مثل كلام الإمام الغزالي، وأحمد زروق، و إن كنّا نجد كتابين من كتبه التي ألّفها في هذه الفترة تحدّثت عن أمور السياسة في الوقت، إحداهما:" سبيل السلامة في الإمامة" كتبه بعد المحاولة اليائسة في السفر إلى صكتو للمشاركة في تّهيز دفن الشيخ عثمان بن فودي، حيث أغلقت الأبواب دونه، حيث تحدث في الكتاب عن نظام الحكم و الدولة في الإسلام، لما رأى أنّ الحكم و الدولة بعد وفاة أخيه الشيخ عثمان ليست على نظام الحكم الإسلامي، و تكاد تميل إلى نظام الجاهلية الأولى، وتتر ك تعاليم الشريعة في حساباتها وحكمها وقراراتها، و أبدى معارضته في نظام اختيار الخليفة أو السلطان محمد بلّو بن الشيخ عثمان الخليفة، و أثار الشّك في استحقاقه ذلك، لأنّ لم يكن عن

عدد الصفحات ٩٨

99 طريق "الشورى"، و اعتبر أنّ غصب السلطة التي لم تّر على استشارة الناس "خيانة" و ذكر سيرة عثمان بن عفّان استشهادًا على ما يحدث في ذلك الوقت. و الكتاب السياسي الثاني الذي كتبه في تلك الفترة هو:"ضياء السياسة" كتبه في سنة:(1235ه) التي وقعت فيها حرب كلمبينا kalambaina)، و الكتاب احتوى على مقدمة وفصلين، و خاتمة، تحدث في المقدمة عن شكواه في اختفاء طلبة العلم، و عدم ظهور العلم، ونقله من القلب إلى الورقة، و غلبة الجهل و الرغبات الشخصية على الناس، ثمّ القسم الأول من الكتاب، تحدث فيه عن السياسة الشرعية، و القسم الثاني منه جمع فيه فتاوى العلماء وآرائهم في مختلف أمور الدين، و في الخاتمة تحدث فيها عن أركان التصوف، و الدافع الحقيقي من وراء كتابة هذا الكتاب غير واضح، لأنّه ذكر لنا أنّه كتبه بعد طلب أحد إخوانه له أن يكتبه، لكن من الملاحظ أنّ ه ألّف الكتاب بعد رجوع الأمور كما كانت بين إمارة غندو التي يرأسها عبد الله، و صكتو التي هي العاصمة التي يرأسها ابن أخيه محمد بلّو بن الشيخ عثمان. ثانيا: التعريف بتفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل ومنهجه يعتبر تفسير عبد الله بن فودي المسّمى ضياء التّأويل في معاني التّنزيل، من التّفاسير الّتي جمعت المنقول و المعقول،وانتهج فيه مؤلّفه منهج التّلخيص والاختصار دون إخلال بالمقصود،كما هو عادته في التّأليف، و هذا المنهج-أعني منهج التّلخيص والاختصار- هو اّلذي كان سائدا في ذلك الوقت، في أكثر أنَاء العالم الإسلامي، وكان تأثر عبد الله بهذا المنهج طبيعيّا، لأن الكتب التي وصلت إليه والتي استفاد منها كانت ألّفت على هذا المنهج، 1فمثلا تفس الجواهر الحسان في تفسير القرآن لعبد الرّحمن الثّعالبي الذي اعتمد عليه ابن فودي كثيرا كان عبارة عن مختصر لتفسير ابن عطيّة مع زيادة نقول نقلها عمّن سبقه من المفسّرين، وكذالك تفسير البيضاوي أنوار التّنزيل هو أيضا مختصر من تفسير الكشّاف للزّمخشري مع تركه للاعتزالات الموجودة فيه. 1 مقدمة الفرائد الجليلة/ ص 38.

عدد الصفحات ٩٩

100 هذا، وقد افتتح ابن فودي تفسيره بمقدمة مختصرة - كما هو عادة أكثر المفسرين - بينّ فيها سبب تأليفه لهذا التفسير وما يعتمد عليه في الأقوال، والأمور التي سيهتمّ بها، و تكلّم كذلك عن علم التفسير ببيان حدّه و ما يستمدّ منه وأهميته وصفات المفسر و الفرق بين مصطلحي التفسير والتّأويل و وجوه النّظر في القرآن الكريم. ونرى لزاما علينا بصدد حديثنا عن منهج عبد الله في هذا التفسير، أن نذكر هذه المقدمة لكي ننطلق بعد ذلك إلى مدرسة هذا ا لعالم في تفسيره، بذكر النماذج و الأمثلة؛ لتقرير ما جاء في المقدمة و التي نستنبطها من غير ما عبرّه عن منهجه، يقول ابن فودي في مقدمة ضياء التّأويل: "...و بعد: فهذا لمّا اشتدّت حاجة الرّاغبين، و إلحاح الملحِّين، أن أكتب لهم تفسيراً يفهمون به كتاب الله، مع الاعتماد على أرجح الأقوال، بِع راب ما يحتاج إلى الإعراب منه، و التنبيه على القراءات المشهورة بتبدعة قراءة نافع رواية ورش عنه، إذ هي قراءتنا في هذه البلاد، و بيان الأحكام الشرعيّة مع رعي مذهب مالك فيها، إذ هو مذهبنا في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة و التنبيه على ما يتعلق بالبلاغة، فأجبته إلى ذلك ر اجياً من الله تيسيره وثوابه، و سمّيته: ضياء التّأويل في معاني التّنزيل. واعلم أنّ علم التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزّل، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمِه، و استمداد ذلك من ع لم النحو، واللغة، والتصريف، وعلم المعاني و البيان و البديع، وأصول الدين، و الفقه، وأصول الفقه، والقراءات، و علم أسباب النزول والناسخ و المنسوخ. 1 قال البيضاوي: علم التفسير هو رأس العلوم الدّينيّة، و مبنى قواعد الشرع لا ي ليق لتعاطيه و التّصدي للتّكلم فيه إلاّ من برع في العلوم الدّينية كلها، أصولها وفروعها، وفاق في الصّناعات العربية والفنون الأدبيّة بأنواعها. و قال أبو عبيد: التفسير والتّأويل بمعنىً واحد. و قال أبو العبّاس الأزدي: النّظر في القرآن من وجهين: الأوّل من حيث هو منقول وهي جملة التّفسير و طريقه الرّواية 1 هذا التّعريف هو للزركشي في البرهان ج1 ص14 ط\ دار الجيل بيروت-لبنان -1408ه- 1988 .

عدد الصفحات ١٠٠

101 والنقل. والثّاني: من حيث هو معقول وهي جملة التّأويل وطريقه الدِّراية والعقل، قال الله تعالى: إِناَّ جَعَلْنَاهُ ق ُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ ت َعْقِلُونَ3) (الزخرف فلا بدّ من معرفة اللّسان العربي في فهم القرآن العربي، فيعرف الطّالب الكلمة و شرحها و إعرابها، ثمّ ينتقل إلى معرفة المعاني ظّاهراً و باطناً، فيوفي لكلّ منها حقّه.اه قلت- عبد الله بن فودي- : فالتفسير هو القطع على الله بأنّه عنى بهذا اللّفظ هذا المعنى فلم يجز إلاّ بالنّقل عن النبي  والتّأويل هو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع فيه، والله أعلم".1 -أولاُ:موقف عبد الله بن فودي في تفسيره من المذاهب العقدية إنّ الشيخ عبد الله بن فودي سلفي المذهب، أشعريّ العقيدة، و لهذا السبب نراه كثيراً ما يفنّد آراء المعتزلة، والخوارج، و القدريّة، والمرجئة، والشيعة، ويصحّ ح أغاليطهم، ويدحض حججهم، و يذكر مذهب أ هل السنّة والجماعة ويؤيّده، و ي َرُدّ ما يَرِدُ عليه من جانب المخالفين لهم. فمثلاً نجده عند ما جاء يفسر قوله تعالى:و سارعوا إلى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها السّموات و الأرض أعدّت للمتقين(133)(آل عمران ) يذكر لن ا مذهب أهل السنّة فيقول:".... و مذهب أهل السنة أنهّا- الجنّة- فوق السموات تحت العرش..... فيه دليل على أنهّا مخلوقة الآن".2 ومن أمثلة ردّه لأهل البدعة و الأهواء قوله في تفسير قوله تعالى:وَمَا كَانَ لِن َفْسٍ أَنْ تمَُوتَ إِلاَّ بِِِذْنِ اللََِّّ كِتَاباً مُؤَجَّلاً (145)(آل عمران ):"....فيه ردٌّ على المعتزلة في قولهم بالأجلين".3 وقال عند تفسير قوله تعالى: وَلاَ يحَْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فيِ الْكُفْرِ إِن َّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَََّّ شَي ْئًا يُرِيدُ اللََُّّ أَلاَّ يجَْعَلَ لهَُمْ حَظًّا فيِ الآَْخِرَةِ وَلهَُ مْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) (آل عمران ):"....و في ذكر الإرادة إشعار بأنّ كفرهم بلغ الغاية حتىّ أراد أرحم الرّاحمين ألاّ يكون لهم حظٌّ من رحمته ا لتي 1 ضياء التّأويل ج1/ ص : 7 و انظر لخدمة هذه التّعريفات : الإتقان للسيوطي ج4 ص152. 2 ضياء التّأويل ج4 ص141 . 3 ضياء التّأويل ج1 ص 144.

عدد الصفحات ١٠١

102 وسعت كلّ شيء، وأنّ الخير والشرّ بِرادة الله، وفيه ردٌّ على القدرية و المعتزلة". 1 وقال في تفسير قوله تعالى: إِنمََّا الت َّوْبَةُ عَلَى اللََِّّ لِلَّذِينَ ي َعْمَلُونَ السُّوءَ بجَِهَالَةٍ ثمَُّ ي َتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ (17) (النّساء):".... و إنمّا حاصرة أي ليست التّوبة إلاّ لهذا الصنف وتصحّ و إن نقضها في ثاني حال و لو مع الإقامة على ذنب آخر غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب".2 وأمّا مثال ردّه على الخوارج فقوله في تفسير قوله تعاوَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بمَِا أَن ْزَلَ اللََُّّ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)(المائدة):"حقيقةً لاستحلالهم الحرام المجمع عليه ، أو المراد بالكفر، كفر دون كفر ، إن كان بغير استحلال، فلا دليل للخوارج بالآية في التّكفير بالمعاصي...".3 ونختم هذا الباب بمثال رائعٍ في ردّ ابن فودي على مذاهب أهل البدعة والأهواء، و تقريره لمذهب أهل السنّة، قال عند تفسير قوله تعالى:إِنَّ اللَََّّ لاَ ي َغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَي َغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ باِللََِّّ ف َقَدِ اف ْت َرَى إِثمًْا عَظِيمًا (48)(النساء):"قال في الجواهر الحسان: هذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد، و تلخيص الكلام فيها أن يقال: النّاس أربعة أصناف؛ كافر مات على كفره؛ فهذا مخلّد في النّار بِجماع، و مؤمن محسن لم يذنب قطٌّ و مات عل ى ذلك؛ فهذا في الجنّة بِجماع، و تائب مات على توبته فهو عند جمهور أهل السنّة في الجنّة، و من المتكلمين من قال:في المشيئة. و مذنب مات قبل التّ وبة؛ موضع خلاف الطّوائف، قال أهل السنّة:في المشيئة، و المعتزلة قالوا: في النّار إن كان صاحب كبيرة، و قال الخوارج:مخلّد في النّار مطلقاً، إذ كل ذنب عندهم كبيرة، و قالت المرجئة: هو في الجنّة بِيمانه لا يضرّه الذنب، فالآية نصٌّ في موضع النِّزاع؛ إذ قوله: لا يغفر أن يشرك به مجمع عليه، و قوله: و 1 ضياء التّأويل ج1/ ص 154. 2 ضياء التّأويل ج1 / ص 170. 3 ضياء التّأويل ج1 /ص 240

عدد الصفحات ١٠٢

103 يغفر ما دون ذلك ردٌّ على المعتزلة والخوارج، و قوله: لمن يشاء ردٌّ على المرجعة لبيانه أنّ غفران ما دون الشرك إنمّا هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموه من أنّه مغفور لكلّ مؤمن اه ملخّصاً 1 . هذا هو المنهج الذي سار عليه ابن فودي في تفسيره لآيات العقيدة ، فهو يطوّل عندما تكون المسألة موضع خصومة بين أهل الطوائف كلهم، ويختصر عندما يكون المخالفون قليلين بالنسبة لغيرهم . -ثانيا:طريقته في تفسير آيات الأحكام: كان ابن فودي يجمع أقوال الفقهاء الأربعة والظاهرية، وأقوال بعض الأئمة كالحس ن البصري وغيره، عندما يقف في تفسير آية تشتمل على مسائل فرعية ، وكان اعتماده في تفسير آيات الأحكام على كتب المالكية التي صنّفت في الفقه والتفسير، كأحكام القرآن لابن العربي ، وتفسر ابن عطية المحرر الوجيز، وشرح مختصر الخليل لعبد الباقي الزرقاني ، والقوانين الف قهية لابن جزي الغرناطي ، وغيرها من الكتب المالكية. وكان يصحح بعض أقوال ابن العربي في المذهب وينقل اختلاف المجتهدين في المذهب المالكي كابن القاسم و أشهب وغيرهما. ويجدر بنا أن نعطي بعض الأمثلة من تفسيره لبعض آيات الأحكام حتى نقف على ملامح منهجه في هذا الباب، فمثلا عندما جاء يفسر قوله تعالى: ياَ أَي ُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فيِ الْقَت ْلَى الحُْرُّ باِلحُْرِّ وَالْعَبْدُ باِلْعَبْدِ وَالأُْن ْ ثَى باِلأُْن ْثَى(178)(البقرة ) قال ابن فودي :"... ولا يقتل الحر بالعبد عند مالك وال شافعي سواء كان عبده أو عبد غيره، وقال الحنفي:يقتل بعبد غيره، وقال داود: يقتل بعبده وعبد غير ه ... – ثم قال في تفسير الآية والأنثى بالأنثى: "وبيّنت السنة أن الذكر يقتل بها عند الأئمة الأربعة 1 انظر: الجواهر الحسان، عبد الرحمن الثعالبي/ ط:الأولى، 1997م/المكتبة العصرية ،صيداء، بيروت ، لبنان، تحقيق: محمد الفاضلي/ ج 1/ ص352، و الكلام أكثر مما عند ابن فودي

عدد الصفحات ١٠٣

104 خلافا للحسن البصري 1 ثمّ تحدّث ابن فودي عن هذه الآية وذكر اختلاف الأئمة وأقوالهم فيها والمسائل التي أجمعوا عليها أو اختلفوا فيها. وقال في قوله تعالى:إِنمََّا جَزَاءُ الَّذِينَ يحَُارِبُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فيِ الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ ي ُقَت َّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ ت ُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْ جُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ ي ُن ْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (33)(المائدة) "قال أبو حنيفة:معني النفي الحبس، فيسجن في بلده حتى تظهر توبته، والنفي خاص بالحرّ، و(أو) للتخيير؛ فالإمام مخير في قطّاع الطريق بين هذه العقوبات بالنظر لا بالهوى، على مذهب مالك وهو ظاهر الآية. وقال باقي الأئمة:(أو) للتفصيل والتنويع على تر تيب الأحوال، فالقتل لمن قتل فقط، والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، وهذا منهم تحكّم، ويجمع بين القتل والصلب فيقدم الصلب عند ابن القاسم ويؤخر عند أشهب .2 وكذلك نجد ابن فودي يعتمد على الإجماع ، ويرد على من خال فه، كما قال في تفسير آية الوضوء:ياَ أَي ُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلىَ الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلىَ الْمَرَافِقِ وَا مْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلىَ الْكَعْ ب َينِْ (6)(المائدة)"...والخطاب للمحدثين بقرينة الحال،وبتصريحه في البدل للإجماع على عدم وجوب الوضوء على من لم يحدث ، والوضوء لكل صلاة مستحب عند الجمهور، خلافا لمن أوجب ، لظاهر الآية؛ لأنه خلاف الإجماع ، ولأنّ ه عليه السلام صلّى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح، فقال عمر:"صنعت شيئا لم تكن تصنعه".3ومن قال:الأمر في هذه الآية 1 ضياء التأويل / ج1 /ص66. 2 المرجع السابق / ج 1/ ص236. 3 الحديث أخرجه مسلم ك الطهارة باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد / ج 1 /ص232 وأبو داود ك' طهارة باب الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد /ج 1 / ص93 ، والترمذي ك / طهارة باب أنه يصلى الصلوات بوضوء واحد ج 1 /ص89 ، و ابن ماجه ك / طهارة باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد ج 1 ص170 . وصححه الألبا

عدد الصفحات ١٠٤

105 للنّدب، تخصيص لا دليل عليه، وكذا من ادّعى النّسخ، لأنّ المائدة نزلت بعد الفتح في آخر ما نزل فأحلوا حلالها و حرّموا حرامها1. وهكذا انتهج ابن فودي في تفسير آيات الأحكام فجعل تفسيره دائرة بين آراء الفقها ء و المفسرين ، بصرف النظر عن اختلاف مذاهبهم، لذا نراه يستشهد في الأ حكام بالكتب المالكية في الفقه و التفسير، كما سبق أن ذكرنا ذلك في أوّل هذا الباب، و تفاسير الحنفيّة كتفسير غاية الأماني لإسمائيل الكور اني، ومدارك التنزيل للنسفي وغيرهم، و تفاسير الش افعيّة كلباب التّأويل للخازن، و أنوار التنزيل للبغوي، و تكملة تفسير الجلال المحلى للسيوطي وغيرهم. رابعا :عناية ابن فودي ببيان المسائل الأصولية: كان ابن فودي يهتم بذكر المسائل الأصولية عند تف سيره للآيات القرآنية التي يعتمد عليها الأصوليون، في تقعيد القواعد، و تأصيل الأدلة الشرعية التشريعية الثابتة بنصوص الكتاب و السنة، و اهتم ابن فودي بصفة خاصة ببيان أصول المذهب المالكي و يستشهد لها بالآية التي هو بصدد تفسيرها، و لتقرير ما قلنا نسوق بعض الأمثل ة : 1- قال الله تعا هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فيِ الأَْرْضِ جمَِيعًا (29)(البقرة ) قال ابن فودي:"...و استدلّ به على أنّ أصل الأشياء بعد البعثة الإباحة إلاّ لدليل الحظر." 2 2- قال الله تعاوَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (143)(البقرة ) قال ابن فودي:"...و استدل به على أنّ الإجماع حجّة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لبطلت به عدالتهم."3 1 ضياء التأويل/ ج1 /ص 228. 2 المرجع السابق/ ج 1 ص 23. 3 المرجع السابق/ ج 1/ص55.

عدد الصفحات ١٠٥

106 3- قال الله تعالِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممَِّا ت َرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْق ْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممَِّا ت َرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْق ْرَبُونَ ممَِّا قَ لَّ مِنْهُ أَوْ كَث ُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ( 7)(النساء) قال ابن فودي:"...روي أنّ أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كحة و ثلاث بنات، فحاز ابنا عمّه سويد و عرفجة ميراثه على سنّ ة الجاهلية، فشكت ذلك إلى رسول الله فنزلت، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً، فإنّ الله قد جعل للنساء نصيباً حتى يبين فنزلت (يوصيكم الله)، فأعطاها الثمن و البنات الثلثين، و الباقي لهما، و هو دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب".1 4- قال الله تعا فَإِنْ ت َنَازَعْتُمْ فيِ شَيْءٍ ف َرُدُّوهُ إِلىَ اللََِّّ وَالرَّسُولِ (59)(النساء) قال ابن فودي:"..ولا دليل في هذا لمنكري القياس، إذ الردّ إليهما قد يكون بالجامع و هو القياس."2 وأما أمثلة اهتمام ابن فودي ببيان أصول المذهب المالكي فكقوله تعالى في قصة قتيل ب إسرائيل : وَإِذْ ق َت َلْتُمْ ن َفْسًا فَادَّارَأْتُُْ فِيهَا وَاللََُّّ مخُْرِجٌ مَا كُ ن ْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) ف َقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِب َعْضِهَا كَذَلِكَ يحُْيِي اللََُّّ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَياَتِهِ لَعَلَّكُمْ ت َعْقِلُونَ (73)(البقرة ) قال ابن فودي:"...و قد استدل مالك رحمه الله بما تقدّ م من قول القتيل و قتل قاتله، على صحة القول في القسامة بقول المقتول:دمي عند فلان؛ لأنّ شرع من مضى من الأنبياء- بما أخبرنا عليه السلام عنهم- شرعٌ لنا إلاّ ما بينّ نسخه و هذا صريح مذهب مالك في مسائله كلها." 3 ومن هذه الأمثلة أيضاً قوله تعالى:وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللََِّّ ف َيَسُبُّوا اللَََّّ عَدْوًا بِغَيرِْ عِلْمٍ (108)(الأنعام) قال ابن فودي:"...و فيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإنّ ما يؤدي إلى 1 المرجع السابق/ ج 1/ص164. 2 ضياء التأويل/ ج1/ص189. 3 المرجع السابق/ ج 1/ص37-36.

عدد الصفحات ١٠٦

107 الشرّ شرٌّ. قال ابن العربي في الأحكام: تعلّق علماؤ نا بهذه الآية في سدّ الذّرائع و هي كلّ جائز في الظاهر يمكن أن يوصل إلى المحظور اه ."1 -خامسا :منهج ابن فودي النحوي و اللغوي ركّز ابن فودي فيما يذكره من مسائل النحو و اللغة على الاختصار، و عدم التّوسع في ذكر الأقوال إلاّ في بعض الأماكن، وحرص كذلك عل ى ذكر الأقوال و نسبتها إلى أصحابها، ثمّ يبدأ بعدها بذكر ما ترجّح عنده منها، و يفضّل من الوجوه الإعرابية ما كان أقوى من النّاحية البلاغيّة، ويوجّه الإعراب لخدمة المعنى وترك الألفاظ جانباً، و كذلك يسير على منهج النّظر للقراءا ت و الترجيح بها عند الاختلاف، و لتوضيح هذه النّقاط أسوق لأغلبها بعض النماذج و الأمثلة و أبيّنها من خلال هذه الأمثلة: 1- قال ابن فودي في قوله تعا مَا جَعَلَ اللََُّّ مِنْ بحَِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ (103)(المائدة)" اسم فاعل حمى: حفظ. قال القسطلاني: يجوز كون (جعل) بم عنى سمّى فيتعدّى لاثنين، أحدهما محذوف، أي ما سمّى الله حيواناً بحيرة، وهو قول أبي البقاء، و منع أبو حيّان كون (جعل) هنا بمعنى (شرع) و (وضع) أو (أمر) قال: إذ لم يذكر النحويون لها هذا، و خرّج الآية على التصيير، و جعل المفعول الثّاني محذوفاً، أي ما صيرّ الله بح يرة مشروعة. قال الثعالبي: كلام أبي حيّان شهادة على نفيٍ، و على تقدير صحّته فيحمل كلام غيره على أنه تفسير معنىً لا تفسير إعراب.اه قلت: - ابن فودي- الأولى لا تفسير لغة والله أعلم.2 2- ومن النماذج على هذا المنهج الذي ذكرنا قوله في قوله تعالى :وَجَعَلُوا للََِِّّ شُرَكَاءَ الجِْنَّ وَخَلَقَهُمْ ...(100)(الأنعام) :"... قال ابن عطيّة و غيره: الجنّ هو المفعول الأوّل ل (جعل) و 1 المرجع السابق/ ج 1/ص291. وانظر:ابن العربي،محمد بن عبد الله،1424ه-2003م/ أحكام القرآن/ط 3،دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان/2/265. 2 المرجع السابق/ ج 1/ص 256.

عدد الصفحات ١٠٧

108 (شركاء) الثّاني، و لله متعلق بشركاء أو حال منه و جوّز بعضهم أن يكون الجنّ بدل من شركاء و الله في موضع المفعول الثاني، وشركاء الأول، و ردّه أبو حيّان بأنّ البدل حينئذٍ لا يصحّ أن يحلّ محلّ المبدل منه، إذ لو قلت: و جعلوا لله الجنّ، لم يصحّ، وشرط البدل أن يكون على نيّة تكرار العامل على الأشهر. قال الصفاقسي: و فيه نظر.اه قلت- ابن فودي- قد بينّ وجه النظر صاحب غاية الأماني بقوله: لا يشترط استقامة المعنى بذلك لأنّ المبدل منه ليس في حكم التنحية من كلّ وجه. 1 ومن أمثلة نظر ابن فودي للقراءات وتوجيهه الإعراب إليها، قوله تعا قَالَ اللََُّّ هَذَا ي َوْمُ ي َن ْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْق ُهُمْ (119)(المائدة) قال ابن فودي:" بنصب (يوم) على المفعول فيه لنافع ، والإشارة إلى قوله: (أأنت قلت للناس) أي هذا اليوم يوم ينفع الصادقين على أنه خبر، ويجوز ذلك على قراءة النصب بجعله مبنيا ، وإن أضيف إلى معرب، وإن منعه بعضهم . قال ابن مالك في الخلاصة : ومن بني فلن يفندا ** ... ".2 وأما منهجه اللغوي فهو الاستشهاد بالأبيات في تفسير بعض الكلمات والألفاظ الغريبة ، ويشرح أحيانا بعض كلمات البيت المستشهد به، وكذلك الأحاديث يستشهد بها ، ويفسر الكلمات الغريبة فيها وكان يرجع إلى الشعر القديم في استشهاده اللغوي، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :  أَوْ يأَْخُذَهُمْ عَلَى تخََوُّفٍ ...(47)(النحل) قال ابن فودي:" تنقّص شيئا فشيئا، حتى يهلك الجميع، روي أن ابن الخطاب قال على المنبر ما تقولون في قوله تعالى :(على تخوف )؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال هذه لغتنا؛ التخوف التنقص، فقال هل ت عرف العرب في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته : نخو ف الرحل منها تامكا قردا ** كما تخوف عود النبعة السفن 1 ضياء التأويل /ج1ص289. 2 المصدر السابق ج1/ص262.

عدد الصفحات ١٠٨

109 قال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوه، قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم أه . قلت (ابن فودي): التامك هو ال سنام، والقرد هو الذي تمعّر شعره، والنبعة واحد النبع شجر السهام ، والقسي ينبت في قلّة الج بل والنابت منه في السفح الشريان ، وفي الحضيض الشوحط، والسفن محر كة حجر ينحت به ويلين به السهام، أو كل ما ينحت به، والله أعلم. وقد جاء إلى عمر أيضا رجل فقال :إن أبي يتخوّ فني مالي، فقال عمر: الله أكبر أو يأخذهم على تخوف منه. ومنه قول النابغة : تخوفهم حتى أذلّ سراتهم ** بطعن ضرار بعد نبح الصفائح 1 وقال ابن فودي: يستشهد بقول المسيّب عند تفس كلمة (ريع) التي في قوله تعالى:أَت َب ْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً ت َعْب َثُونَ (128)(الشعراء ) قال ابن فودي:" مكان مرتفع أو بكل طريق، ومنه قول الم سيّب يصفّ الظعن بالهوادج: في الآل يرفعه ويخفضها ** ويقصدها ريع يلوح كأنه سهل. 2 -سادسا :عناية ابن فودي بالكشف عن بلاغة القرآن وسرّ إعجازه إنّ عبد الله ابن فودي قد وفى بما ذكره في مقدّمته التي سبق ذكرها، من بيان و تنبيه ما يتعلق بالبلاغة في تفسيره، و من الجوانب التي يعالجها فيما يتعلق بالبلاغة، التشبيهات القرآنية و بيان رونقها وذوقها، و كذلك الاستعارات، و بيان دقّة القرآن الكريم في اختيار الألفاظ والمفردات المناسبة، فهو يختار من بين الألفاظ المترادفة ما يحسن موقعها في البيان، إلى جانب بيانه السرّ فيما يحذف من ألفاظ القرآن أو يوجز في الحديث عنه، و يتحدّث عن المناسبات التي بين ال سور القرآنية وآياتها أحياناً، وإليكم بعض النماذج و الأمثلة على ما ذكرنا: 1 ضياء التأويل /ج2 /ص227. 2 المرجع السابق /ج 3 /ص160.

عدد الصفحات ١٠٩

110 1-قال في قوله تعاوَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ ت َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللََِّّ أَكْب َرُ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ مَا تَصْن َعُونَ (45)(العنكبوت) قال ابن فودي:"(ولذكر الله أكبر) أي الصلاة أكبر من سائر الطاعات، عبرّ بالذكر للتعليل، فإن اشتمالها على ذكره هو عمدة في كونها مفضّ لة على الحسنات، ناهية عن السيئات. والذكر هو العمدة في سائر العبادات ...( والله يعلم ما تصنعون)... وفي إيثار الصنع على العمل، حثّ على الطاعة بالقلب والجوارح ؛ لإعلامه زيادة تعمل وكلف". 1 2-وقال في قوله تعامَنْ خَشِيَ الرَّحمَْنَ باِلْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)(ق)"...وفي إيثار الرحمن من بين أسماءه تعالى، وجعله مقرونا بالخشية بالثناء على الخاشي بأنه يخشاه مع علوّه بسعة رحمت ه ولم يغتر بذلك".2 3-وقال عند تفسير قوله تعامَث َلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْت َوْقَدَ ناَرًا ف َلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللََُّّ بِنُورِهِمْ وَت َرَكَهُمْ فيِ ظُلُمَاتٍ لاَ ي ُبْصِرُونَ (17)(البقرة ) قال ابن فودي:"(بنورهم ولم يقل بنارهم لأنه المراد من إيقادها ... ولذا عدل عن الضوء إلى النار، إذ لو قال ذهب الله بضوئهم، لاحتمل بقاء النور، والغرض إزالته بالكلية عنهم ، ولهذا أكدّه بقوله (وتركهم في ظلمات لا يبصرون)".3 -سابعا :ابن فودي وبيان الدقة في اختيار الصيغ للألفاظ القرآنية: حاول الشيخ عبد الله بن فودي في بيان أوجه الدقة في الألفاظ والصيغ التي يختارها القرآن الكريم في تعبيره البلاغي المعجز، واستعمل قريحته في استنباط سر تلك الألفاظ والصيغ، والآن نسوق بعض الأمثلة على ذلك: 1 المرجع السابق /ج 3 /ص205. 2 ضياء التأويل /ج4/ص138. 3 المرجع السابق / ج 1 /ص15 .

عدد الصفحات ١١٠

111 1-قال ابن فودي عند قوله تعافَأْتِيَا فِرْعَوْنَ ف َقُولاَ إِناَّ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 16)(الشعراء ) "وأفرد الرسول لاتحاد المرسل به فكأنهما واحد، أو لأنه مصدر وصف به ؛ لأنه مشترك بين المرسل والرسالة ، كقوله: ألا أبلغ أبا عمرو رسولا **. وقوله : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم **بسر ولا أرسلتهم برسول 2-وقال عند قوله تعالى:"فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ 100) وَلاَ صَدِيقٍ حمَِيمٍ (101) (الشعراء )وجمع الشفيع دون الصديق لكثرة الشفعاء ، وقلة الأصدقاء كما قيل: صاد الصديق وكاف الكيمياء معا** لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا. أو لأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالظهير."1 3-وقال عند قوله تعا:شَاكِرًا لأَِن ْعُمِهِ اجْت َبَاهُ وَهَدَاهُ إِلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 121)(النحل) " آثر جمع القلة إيماءاً إلى أنه لم يخل بالشكر لو قلّ ت، كيف وهي من الكثرة بحيث لا تحصى". 2 ومن أمثلة بيان ابن فودي للتشبيهات القرآنية، قوله تعا مَثَلُ الَّذِينَ اتخََّذُوا مِنْ دُونِ اللََِّّ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتخََّذَتْ ب َي ْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْب ُيُ وتِ لَب َيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا ي َعْلَمُونَ ( 41) (العنكبوت) قال ابن فودي في تفسير الآية:" لا يدفع عنها حرّا ولا بردا، كذلك الأصنام لا تنفع عابدها، شبّه ما اتخذوه متكلا في دينه بما هو مثل عند الناس في الوهن، والغرض من هذا التشبيه، 1 المرجع السابق /ج 3 /ص159. 2 ضياء التأويل/ ج2 /ص243 . وينظر أيضا البلاغية القرآنية لدى عبد الله بن فودي عبد الباقي شعيب أغاكا رسالة الدكتوراه /ص:380 – 385.

عدد الصفحات ١١١

112 تقرير وهن دينه م، وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها، وهذا كتشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل، بالراقم على الماء من تشبيه المركب بالمركب". 1 ومن أمثلة عناية ابن فودي ببيان أسرار ما يحذف من القرآن أ و يوجز في الحديث عنه قوله تعالى : كَذَّبَ أَصْحَابُ ا لأَْيْكَةِ الْمُرْسَلِ ينَ(176)إِذْ قَالَ لهَُ مْ شُعَيْبٌ أَلاَ ت َت َّقُونَ (177)(الشعراء ) قال ابن فودي:"لم يقل أخوهم، لكثرة ذكره في القصص، فحذف هنا إشارة إلى أن القصص قد تمّت، وقد رمز إلى ذلك بحذف التاء أيضا في كذّب وهو من غوامض أسرار القرآن واختصاراته. و من يقول لأنه ليس منه فذلك وهم،لحديث:(إنما يبعث كل نبي إلى قومه وبعثت إلى الأحمر والأسود) 2 نبّه على هذا حذاق أهل التفس3 وقال أيضا في قوله تعاكَذَّبُوا بآِياَتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْناَهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42)(القمر)"لا يعجزه شيء ، وترك ذكر التيسير و الادّكار هنا، لأنّ ه آخر القصص فاختصر ليدل الاختصار على الاقتصار وهذا من أسرار التنزيل كما قدّ مناه "4 ومن أمثلة هذا أيضا قوله تعاوَمَا ف َعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تأَْوِيلُ مَا لمَْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَب ْرًا 82) (الكهف) قال ابن فودي:"أصله تستطيع فحذف التاء تخفيفا ، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ، واختص هذا المحل به دون الأول لأنه آخر القصة فيدل الاختصار على الاقتصار ، وهذا من غامض كلامه". 5 هذه هي بعض الجوانب التي استطعنا دراسة منهج ابن فودي فيها ، و إن كا ن هناك جوانب أخرى ، و التي ستأتي بعضها في مبحث خاص، كمنهجه في التعام ل مع الإسرائيليات و 1 ضياء التأويل /ج3 /ص204. 2 لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ ،و ربما ذكره ابن فودي بالمعنى، و هو عند مسلم بلفظ:" كان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة و بعثت إ كلّ أحمر و أسود"صحيح مسلم:ك:المساجد و مواضع الصلاة/ج1/ص370/حديث521. وعند البيهقي في السنن الكبرى بهذا اللفظ أيضا:ك:الحيض/ باب الصلاة في الكعبة/ج2/ص329/ حديث3612. 3 المرجع السابق/ ج 3 /ص162. 4 المرجع السابق /ج 4 /ص159. 5 المرجع السابق /ج 3/ص21.

عدد الصفحات ١١٢